Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
آل عمران
Ali 'Imran
Family of Imran · Medinan · 200 ayahs
3:1–2Page 50
الٓمٓ ١
Alif, Lām, Meem.1
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ ٢
Allāh - there is no deity except Him, the Ever-Living, the Self-Sustaining.1
صفحة ١٣٢
[ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ ]
مَدَنِيَّةٌ وآياتُها ٢٠٠ نَزَلَتْ بَعْدَ الأنْفالِ
﷽
﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ .
﷽
﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ .
أمّا تَفْسِيرُ ﴿الم﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (الم اللَّهُ) بِسُكُونِ المِيمِ، ونَصْبِ هَمْزَةِ: أللَّهُ، والباقُونَ مَوْصُولًا بِفَتْحِ المِيمِ، أمّا قِراءَةُ عاصِمٍ فَلَها وجْهانِ:
الأوَّلُ: نِيَّةُ الوَقْفِ ثُمَّ إظْهارُ الهَمْزَةِ لِأجْلِ الِابْتِداءِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن يَقْطَعُ ألِفَ الوَصْلِ، فَمَن فَصَلَ وأظْهَرَ الهَمْزَةَ فَلِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، وأمّا مَن نَصَبَ المِيمَ فَفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الفَرّاءِ واخْتِيارُ كَثِيرٍ مِنَ البَصْرِيِّينَ أنَّ أسْماءَ الحُرُوفِ مَوْقُوفَةُ الأواخِرِ، يَقُولُ: ألِفْ، لامْ، مِيمْ، كَما تَقُولُ: واحِدْ، اثْنانْ، ثَلاثَةْ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ وجَبَ الِابْتِداءُ بِقَوْلِهِ: أللَّهُ، فَإذا ابْتَدَأْنا بِهِ نُثْبِتُ الهَمْزَةَ مُتَحَرِّكَةً، إلّا أنَّهم أسْقَطُوا الهَمْزَةَ لِلتَّخْفِيفِ، ثُمَّ أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى المِيمِ لِتَدُلَّ حَرَكَتُها عَلى أنَّها في حُكْمِ المُبْقاةِ بِسَبَبِ كَوْنِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ مُبْتَدَأً بِها.
فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ التَّقْدِيرُ فَصْلَ إحْدى الكَلِمَتَيْنِ عَنِ الأُخْرى امْتَنَعَ إسْقاطُ الهَمْزَةِ، وإنْ كانَ التَّقْدِيرُ هو
صفحة ١٣٣
الوَصْلَ امْتَنَعَ بَقاءُ الهَمْزَةِ مَعَ حَرَكَتِها، وإذا امْتَنَعَ بَقاؤُها امْتَنَعَتْ حَرَكَتُها، وامْتَنَعَ إلْقاءُ حَرَكَتِها عَلى المِيمِ.
قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ساقِطًا بِصُورَتِهِ باقِيًا بِمَعْناهُ فَأُبْقِيَتْ حَرَكَتُها لِتَدُلَّ عَلى بَقائِها في المَعْنى. هَذا تَمامُ تَقْرِيرِ قَوْلِ الفَرّاءِ.
والقَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وهو أنَّ السَّبَبَ في حَرَكَةِ المِيمِ التِقاءُ السّاكِنَيْنِ، وهَذا القَوْلُ رَدَّهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، وفِيهِ دِقَّةٌ ولُطْفٌ، والكَلامُ في تَلْخِيصِهِ طَوِيلٌ.
وأقُولُ: فِيهِ بَحْثانِ أحَدُهُما: سَبَبُ أصْلِ الحَرَكَةِ. والثّانِي: كَوْنُ تِلْكَ الحَرَكَةِ فَتْحَةً.
أمّا البَحْثُ الأوَّلُ: فَهو بِناءٌ عَلى مُقَدِّماتٍ:
المُقَدِّمَةُ الأُولى: أنَّ السّاكِنَيْنِ إذا اجْتَمَعا فَإنْ كانَ السّابِقُ مِنهُما حَرْفًا مِن حُرُوفِ المَدِّ واللِّينِ لَمْ يَجِبِ التَّحْرِيكُ، لِأنَّهُ يَسْهُلُ النُّطْقُ بِمِثْلِ هَذَيْنِ السّاكِنَيْنِ، كَقَوْلِكَ: هَذا إبْراهِيمْ وإسْحاقْ ويَعْقُوبْ مَوْقُوفَةُ الأواخِرِ، أمّا إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وجَبَ التَّحْرِيكُ لِأنَّهُ لا يَسْهُلُ النُّطْقُ بِمِثْلِ هَذَيْنِ، لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ النُّطْقُ إلّا بِالحَرَكَةِ.
المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ حَرْفَ التَّعْرِيفِ هي اللّامُ، وهي ساكِنَةٌ، والسّاكِنُ لا يُمْكِنُ الِابْتِداءُ بِهِ فَقَدَّمُوا عَلَيْها هَمْزَةَ الوَصْلِ وحَرَّكُوها لِيَتَوَصَّلُوا بِها إلى النُّطْقِ بِاللّامِ، فَعَلى هَذا إنْ وجَدُوا قَبْلَ لامِ التَّعْرِيفَ حَرْفًا آخَرَ فَإنْ كانَ مُتَحَرِّكًا تَوَصَّلُوا بِهِ إلى النُّطْقِ بِهَذِهِ اللّامِ السّاكِنَةِ وإنْ كانَ ساكِنًا حَرَّكُوهُ وتَوَصَّلُوا بِهِ إلى النُّطْقِ بِهَذِهِ اللّامِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَحْصُلُ الِاسْتِغْناءُ عَنْ هَمْزَةِ الوَصْلِ؛ لِأنَّ الحاجَةَ إلَيْها أنْ يُتَوَصَّلَ بِحَرَكَتِها إلى النُّطْقِ بِاللّامِ، فَإذا حَصَلَ حَرْفٌ آخَرُ تَوَصَّلُوا بِحَرَكَتِهِ إلى النُّطْقِ بِهَذِهِ اللّامِ، فَتُحْذَفُ هَذِهِ الهَمْزَةُ صُورَةً ومَعْنًى، حَقِيقَةً وحُكْمًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يُقالَ: أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى المِيمِ لِتَدُلَّ تِلْكَ الحَرَكَةُ عَلى كَوْنِها باقِيَةً حُكْمًا، لِأنَّ هَذا إنَّما يُصارُ إلَيْهِ حَيْثُ يَتَعَلَّقُ بِوُجُودِهِ حُكْمٌ مِنَ الأحْكامِ، أوْ أثَرٌ مِنَ الآثارِ، لَكِنّا بَيَّنّا أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَعَلِمْنا أنَّ تِلْكَ الهَمْزَةَ سَقَطَتْ بِذاتِها وبِآثارِها سُقُوطًا كُلِّيًّا، وبِهَذا يَبْطُلُ قَوْلُ الفَرّاءِ.
المُقَدِّمَةُ الثّالِثَةُ: أسْماءُ هَذِهِ الحُرُوفِ مَوْقُوفَةُ الأواخِرِ، وذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ فَنَقُولُ: المِيمُ مِن قَوْلِنا (الم) ساكِنٌ ولامُ التَّعْرِيفِ مِن قَوْلِنا (اللَّهُ) ساكِنٌ، وقَدِ اجْتَمَعا فَوَجَبَ تَحْرِيكُ المِيمِ، ولَزِمَ سُقُوطُ الهَمْزَةِ بِالكُلِّيَّةِ صُورَةً ومَعْنًى، وصَحَّ بِهَذا البَيانِ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وبَطَلَ قَوْلُ الفَرّاءِ.
أمّا البَحْثُ الثّانِي: فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: السّاكِنُ إذا حُرِّكَ حُرِّكَ إلى الكَسْرِ، فَلِمَ اخْتِيرَ الفَتْحُ هاهُنا، قالَ الزَّجّاجُ في الجَوابِ عَنْهُ: الكَسْرُ هاهُنا لا يَلِيقُ، لِأنَّ المِيمَ مِن قَوْلِنا (الم) مَسْبُوقَةٌ بِالياءِ فَلَوْ جَعَلْتَ المِيمَ مَكْسُورَةً لاجْتَمَعَتِ الكَسْرَةُ مَعَ الياءِ وذَلِكَ ثَقِيلٌ، فَتُرِكَتِ الكَسْرَةُ واخْتِيرَتِ الفَتْحَةُ. وطَعَنَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في كَلامِ الزَّجّاجِ، وقالَ: يَنْتَقِضُ قَوْلُهُ بِقَوْلِنا: جَيْرِ، فَإنَّ الرّاءَ مَكْسُورَةٌ مَعَ أنَّها مَسْبُوقَةٌ بِالياءِ، وهَذا الطَّعْنُ عِنْدِي ضَعِيفٌ، لِأنَّ الكَسْرَةَ حَرَكَةٌ فِيها بَعْضُ الثِّقَلِ والياءُ أُخْتُها، فَإذا اجْتَمَعا عَظُمَ الثِّقِلُ، ثُمَّ يَحْصُلُ الِانْتِقالُ مِنهُ إلى النُّطْقِ بِالألِفِ في قَوْلِكَ (اللَّهُ) وهو في غايَةِ الخِفَّةِ، فَيَصِيرُ اللِّسانُ مُنْتَقِلًا مِن أثْقَلِ الحَرَكاتِ إلى أخَفِّ الحَرَكاتِ، والِانْتِقالُ مِنَ الضِّدِّ إلى الضِّدِّ دَفْعَةً واحِدَةً صَعْبٌ عَلى اللِّسانِ، أمّا إذا جَعَلْنا المِيمَ مَفْتُوحَةً، انْتَقَلَ
صفحة ١٣٤
اللِّسانُ مِن فَتْحَةِ المِيمِ إلى الألِفِ في قَوْلِنا (اللَّهُ) فَكانَ النُّطْقُ بِهِ سَهْلًا، فَهَذا وجْهُ تَقْرِيرِ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ: أنَّ بَعْضَ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ في اليَهُودِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ١] .
والقَوْلُ الثّانِي: مِنِ ابْتِداءِ السُّورَةِ إلى آيَةِ المُباهَلَةِ في النَّصارى، وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفْدُ نَجْرانَ سِتُّونَ راكِبًا فِيهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن أشْرافِهِمْ، وثَلاثَةٌ مِنهم كانُوا أكابِرَ القَوْمِ، أحَدُهم: أمِيرُهم، واسْمُهُ عَبْدُ المَسِيحِ، والثّانِي: مُشِيرُهم وذُو رَأْيِهِمْ، وكانُوا يَقُولُونَ لَهُ: السَّيِّدُ، واسْمُهُ الأيْهَمُ، والثّالِثُ: حَبْرُهم وأُسْقُفُّهم وصاحِبُ مِدْراسِهِمْ، يُقالُ لَهُ أبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وائِلٍ، ومُلُوكُ الرُّومِ كانُوا شَرَّفُوهُ ومَوَّلُوهُ وأكْرَمُوهُ لِما بَلَغَهم عَنْهُ مِن عِلْمِهِ واجْتِهادِهِ في دِينِهِمْ، فَلَمّا قَدِمُوا مِن نَجْرانَ رَكِبَ أبُو حارِثَةَ بَغْلَتَهُ، وكانَ إلى جَنْبِهِ أخُوهُ كُرْزُ بْنُ عَلْقَمَةَ، فَبَيْنا بَغْلَةُ أبِي حارِثَةَ تَسِيرُ إذْ عَثَرَتْ، فَقالَ كُرْزٌ أخُوهُ: تَعِسَ الأبْعَدُ يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ أبُو حارِثَةَ: بَلْ تَعِسَتْ أُمُّكَ، فَقالَ: ولِمَ يا أخِي ؟ فَقالَ: إنَّهُ واللَّهِ النَّبِيُّ الَّذِي كُنّا نَنْتَظِرُهُ، فَقالَ لَهُ أخُوهُ كُرْزٌ: فَما يَمْنَعُكَ مِنهُ وأنْتَ تَعْلَمُ هَذا، قالَ: لِأنَّ هَؤُلاءِ المُلُوكَ أعْطَوْنا أمْوالًا كَثِيرَةً وأكْرَمُونا، فَلَوْ آمَنّا بِمُحَمَّدٍ ﷺ لَأخَذُوا مِنّا كُلَّ هَذِهِ الأشْياءِ، فَوَقَعَ ذَلِكَ في قَلْبِ أخِيهِ كُرْزٍ، وكانَ يُضْمِرُهُ إلى أنْ أسْلَمَ فَكانَ يُحَدِّثُ بِذَلِكَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ أُولَئِكَ الثَّلاثَةُ: الأمِيرُ، والسَّيِّدُ والحَبْرُ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى اخْتِلافٍ مِن أدْيانِهِمْ، فَتارَةً يَقُولُونَ عِيسى هو اللَّهُ، وتارَةً يَقُولُونَ: هو ابْنُ اللَّهِ، وتارَةً يَقُولُونَ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ويَحْتَجُّونَ لِقَوْلِهِمْ: هو اللَّهُ، بِأنَّهُ كانَ يُحْيِي المَوْتى، ويُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، ويُبْرِئُ الأسْقامَ، ويُخْبِرُ بِالغُيُوبِ، ويَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَطِيرُ، ويَحْتَجُّونَ في قَوْلِهِمْ: إنَّهُ ولَدُ اللَّهِ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ يُعْلَمُ، ويَحْتَجُّونَ عَلى ثالِثِ ثَلاثَةٍ بُقُولِ اللَّهِ تَعالى: فَعَلْنا وجَعَلْنا، ولَوْ كانَ واحِدًا لَقالَ فَعَلْتُ فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أسْلِمُوا، فَقالُوا: قَدْ أسْلَمْنا، فَقالَ ﷺ: كَذَبْتُمْ كَيْفَ يَصِحُّ إسْلامُكم وأنْتُمْ تُثْبِتُونَ لِلَّهِ ولَدًا، وتَعْبُدُونَ الصَّلِيبَ، وتَأْكُلُونَ الخِنْزِيرَ ! قالُوا: فَمَن أبُوهُ ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ أوَّلَ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ إلى بِضْعٍ وثَمانِينَ آيَةً مِنها.
ثُمَّ أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُناظِرُ مَعَهم، فَقالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، وأنَّ عِيسى يَأْتِي عَلَيْهِ الفَناءُ ؟ قالُوا: بَلى، قالَ ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَكُونُ ولَدٌ إلّا ويُشْبِهُ أباهُ ؟ قالُوا بَلى، قالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا قَيِّمٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَكْلَؤُهُ ويَحْفَظُهُ ويَرْزُقُهُ، فَهَلْ يَمْلِكُ عِيسى شَيْئًا مِن ذَلِكَ ؟ قالُوا: لا، قالَ ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، فَهَلْ يَعْلَمُ عِيسى شَيْئًا مِن ذَلِكَ إلّا ما عَلِمَ ؟ قالُوا: لا، قالَ فَإنَّ رَبَّنا صَوَّرَ عِيسى في الرَّحِمِ كَيْفَ شاءَ، فَهَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا لا يَأْكُلُ الطَّعامَ ولا يَشْرَبُ الشَّرابَ ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ وتَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى حَمَلَتْهُ امْرَأةٌ كَحَمْلِ المَرْأةِ ووَضَعَتْهُ كَما تَضَعُ المَرْأةُ، ثُمَّ كانَ يَطْعَمُ الطَّعامَ ويَشْرَبُ الشَّرابَ، ويُحْدِثُ الحَدَثَ ؟ قالُوا: بَلى، فَقالَ ﷺ: فَكَيْفَ يَكُونُ كَما زَعَمْتُمْ ؟ فَعَرَفُوا ثُمَّ أبَوْا إلّا جُحُودًا، ثُمَّ قالُوا: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تَزَعُمُ أنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ ورُوحٌ مِنهُ ؟ قالَ: بَلى، قالُوا: فَحَسْبُنا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ﴾ الآيَةَ.
صفحة ١٣٥
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِمُلاعَنَتِهِمْ إذْ رَدُّوا عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَدَعاهم رَسُولُ اللَّهِ إلى المُلاعَنَةِ، فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ دَعْنا نَنْظُرْ في أمْرِنا، ثُمَّ نَأْتِيكَ بِما تُرِيدُ أنْ نَفْعَلَ، فانْصَرَفُوا ثُمَّ قالَ بَعْضُ أُولَئِكَ الثَّلاثَةِ لِبَعْضٍ: ما تَرى ؟ فَقالَ: واللَّهِ يا مَعْشَرَ النَّصارى لَقَدْ عَرَفْتُمْ أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ولَقَدْ جاءَكم بِالفَصْلِ مِن خَبَرِ صاحِبِكم، ولَقَدْ عَلِمْتُمْ ما لاعَنَ قَوْمٌ نَبِيًّا قَطُّ إلّا وفّى كَبِيرَهم وصَغِيرَهم، وإنَّهُ الِاسْتِئْصالُ مِنكم إنْ فَعَلْتُمْ، وأنْتُمْ قَدْ أبَيْتُمْ إلّا دِينَكم والإقامَةَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، فَوادِعُوا الرَّجُلَ وانْصَرِفُوا إلى بِلادِكم. فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ قَدْ رَأيْنا أنْ لا نُلاعِنَكَ وأنْ نَتْرُكَكَ عَلى دِينِكَ، ونَرْجِعَ نَحْنُ عَلى دِينِنا، فابْعَثْ رَجُلًا مِن أصْحابِكَ مَعَنا يَحْكُمُ بَيْنَنا في أشْياءَ قَدِ اخْتَلَفْنا فِيها مِن أمْوالِنا، فَإنَّكم عِنْدَنا رِضًا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ايتُونِي العَشِيَّةَ أبْعَثْ مَعَكُمُ الحَكَمَ القَوِيَّ الأمِينَ وكانَ عُمَرُ يَقُولُ: ما أحْبَبْتُ الإمارَةَ قَطُّ إلّا يَوْمَئِذٍ رَجاءَ أنْ أكُونَ صاحِبَها، فَلَمّا صَلَّيْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ سَلَّمَ ثُمَّ نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ يَسارِهِ، وجَعَلْتُ أتَطاوَلُ لَهُ لِيَرانِي، فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُ بَصَرَهُ حَتّى رَأى أبا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرّاحِ، فَدَعاهُ فَقالَ: اخْرُجْ مَعَهم واقْضِ بَيْنَهم بِالحَقِّ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ، قالَ عُمَرُ: فَذَهَبَ بِها أبُو عُبَيْدَةَ» .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُناظَرَةَ في تَقْرِيرِ الدِّينِ وإزالَةِ الشُّبَهاتِ حِرْفَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّ مَذْهَبَ الحَشْوِيَّةِ في إنْكارِ البَحْثِ والنَّظَرِ باطِلٌ قَطْعًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَطْلَعَ هَذِهِ السُّورَةِ لَهُ نَظْمٌ لَطِيفٌ عَجِيبٌ، وذَلِكَ لِأنَّ أُولَئِكَ النَّصارى الَّذِينَ نازَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَأنَّهُ قِيلَ لَهم: إمّا أنْ تُنازِعُوهُ في مَعْرِفَةِ الإلَهِ، أوْ في النُّبُوَّةِ، فَإنْ كانَ النِّزاعُ في مَعْرِفَةِ الإلَهِ وهو أنَّكم تُثْبِتُونَ لَهُ ولَدًا وأنَّ مُحَمَّدًا لا يُثْبِتُ لَهُ ولَدًا فالحَقُّ مَعَهُ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ القَطْعِيَّةِ، فَإنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالبُرْهانِ أنَّهُ حَيٌّ قَيُّومٌ، والحَيُّ القَيُّومُ يَسْتَحِيلُ عَقْلًا أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ وإنْ كانَ النِّزاعُ في النُّبُوَّةِ، فَهَذا أيْضًا باطِلٌ، لِأنَّ بِالطَّرِيقِ الَّذِي عَرَفْتُمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ عَلى مُوسى وعِيسى فَهو بِعَيْنِهِ قائِمٌ في مُحَمَّدٍ ﷺ، وما ذاكَ إلّا بِالمُعْجِزَةِ وهو حاصِلٌ هاهُنا، فَكَيْفَ يُمْكِنُ مُنازَعَتُهُ في صِحَّةِ النُّبُوَّةِ ؟ فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ وهو مَضْبُوطٌ حَسَنٌ جِدًّا فَلْنَنْظُرْ هاهُنا إلى بَحْثَيْنِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالإلَهِيّاتِ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى حَيٌّ قَيُّومٌ، وكُلُّ مَن كانَ حَيًّا قَيُّومًا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ حَيٌّ قَيُّومٌ، لِأنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما سِواهُ فَإنَّهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ مُحْدَثٌ حَصَلَ تَكْوِينُهُ وتَخْلِيقُهُ وإيجادُهُ عَلى ما بَيَّنّا كُلَّ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ وإذا كانَ الكُلُّ مُحْدَثًا مَخْلُوقًا امْتَنَعَ كَوْنُ شَيْءٍ مِنها ولَدًا لَهُ وإلَهًا، كَما قالَ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] وأيْضًا لَمّا ثَبَتَ أنَّ الإلَهَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَيًّا قَيُّومًا، وثَبَتَ أنَّ عِيسى ما كانَ حَيًّا قَيُّومًا لِأنَّهُ وُلِدَ، وكانَ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ ويُحْدِثُ، والنَّصارى زَعَمُوا أنَّهُ قُتِلَ وما قَدَرَ عَلى دَفْعِ القَتْلِ عَنْ نَفْسِهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ ما كانَ حَيًّا قَيُّومًا، وذَلِكَ يَقْتَضِي القَطْعَ والجَزْمَ بِأنَّهُ ما كانَ إلَهًا، فَهَذِهِ الكَلِمَةُ وهي قَوْلُهُ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ جامِعَةٌ لِجَمِيعِ وُجُوهِ الدَّلائِلِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ النَّصارى في التَّثْلِيثِ.
وأمّا البَحْثُ الثّانِي: وهو ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، فَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى هاهُنا في غايَةِ الحُسْنِ ونِهايَةِ الجَوْدَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] وهَذا يَجْرِي مَجْرى الدَّعْوى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أقامَ الدَّلالَةَ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ الدَّعْوى، فَقالَ: وافَقْتُمُونا أيُّها اليَهُودُ والنَّصارى عَلى أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ
صفحة ١٣٦
مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ، فَإنَّما عَرَفْتُمْ أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ كِتابانِ إلَهِيّانِ، لِأنَّهُ تَعالى قَرَنَ بِإنْزالِهِما المُعْجِزَةَ الدّالَّةَ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِ المُحِقِّ وقَوْلِ المُبْطِلِ؛ والمُعْجِزُ لَمّا حَصَلَ بِهِ الفَرْقُ بَيْنَ الدَّعْوى الصّادِقَةِ والدَّعْوى الكاذِبَةِ كانَ فَرْقًا لا مَحالَةَ، ثُمَّ إنَّ الفُرْقانَ الَّذِي هو المُعْجِزُ كَما حَصَلَ في كَوْنِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ نازِلَيْنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَكَذَلِكَ حَصَلَ في كَوْنِ القُرْآنِ نازِلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وإذا كانَ الطَّرِيقُ مُشْتَرَكًا، فَإمّا أنْ يَكُونَ الواجِبُ تَكْذِيبَ الكُلِّ عَلى ما هو قَوْلُ البَراهِمَةِ، أوْ تَصْدِيقَ الكُلِّ عَلى ما هو قَوْلُ المُسْلِمِينَ، وأمّا قَبُولُ البَعْضِ ورَدُّ البَعْضِ فَذَلِكَ جَهْلٌ وتَقْلِيدٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما هو العُمْدَةُ في مَعْرِفَةِ الإلَهِ عَلى ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما هو العُمْدَةُ في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ عُذْرٌ لِمَن يُنازِعُهُ في دِينِهِ فَلا جَرَمَ أرْدَفَهُ بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ فَقالَ: (﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [آل عمران: ٤] فَقَدْ ظَهَرَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كَلامٌ أقْرَبَ إلى الضَّبْطِ، وإلى حُسْنِ التَّرْتِيبِ وجَوْدَةِ التَّأْلِيفِ مِن هَذا الكَلامِ، والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ما هَدى هَذا المِسْكِينَ إلَيْهِ، ولَهُ الشُّكْرُ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ.
ولَمّا لَخَّصْنا ما هو المَقْصُودُ الكُلِّيُّ مِنَ الكَلامِ فَلْنَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الألْفاظِ.
أمّا قَوْلُهُ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ فَهو رَدٌّ عَلى النَّصارى لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ بِعِبادَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ أحَدًا لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ سِواهُ.
ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَجْرِي مَجْرى الدَّلالَةِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ فَأمّا الحَيُّ فَهو الفَعّالُ الدَّرّاكُ وأمّا القَيُّومُ فَهو القائِمُ بِذاتِهِ، والقائِمُ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ والمَصالِحِ لِما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في مَعاشِهِمْ، مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، والحَرِّ والبَرْدِ، والرِّياحِ والأمْطارِ، والنِّعَمِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها سِواهُ، ولا يُحْصِيها غَيْرُهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وقَرَأ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ قالَ قَتادَةُ، الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، والقَيُّومُ القائِمُ عَلى خَلْقِهِ بِأعْمالِهِمْ، وآجالِهِمْ، وأرْزاقِهِمْ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: الحَيُّ قَبْلَ كُلِّ حَيٍّ، والقَيُّومُ الَّذِي لا نِدَّ لَهُ، وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ قَوْلَنا: الحَيُّ القَيُّومُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الصِّفاتِ المُعْتَبَرَةِ في الإلَهِيَّةِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ المَعْبُودَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَيًّا قَيُّومًا ودَلَّتِ البَدِيهَةُ والحِسُّ عَلى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ حَيًّا قَيُّومًا، وكَيْفَ وهم يَقُولُونَ بِأنَّهُ قُتِلَ وأظْهَرَ الجَزَعَ مِنَ المَوْتِ. عَلِمْنا قَطْعًا أنَّ عِيسى ما كانَ إلَهًا ولا ولَدًا لِلْإلَهِ تَعالى وتَقَدَّسَ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
3:3Page 50
نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ ٣
He has sent down upon you, [O Muḥammad], the Book in truth, confirming what was before it. And He revealed the Torah and the Gospel
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ .
فاعْلَمْ أنَّ الكِتابَ هاهُنا هو القُرْآنُ، وقَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ اشْتِقاقَهُ، وإنَّما خُصَّ القُرْآنُ بِالتَّنْزِيلِ، والتَّوْراةُ والإنْجِيلُ بِالإنْزالِ، لِأنَّ التَّنْزِيلَ لِلتَّكْثِيرِ، واللَّهُ تَعالى نَزَّلَ القُرْآنَ نَجْمًا نَجْمًا، فَكانَ مَعْنى التَّكْثِيرِ حاصِلًا فِيهِ، وأمّا التَّوْراةُ والإنْجِيلُ فَإنَّهُ تَعالى أنْزَلَهُما دَفْعَةً واحِدَةً، فَلِهَذا خَصَّهُما بِالإنْزالِ، ولِقائِلٍ أنْ
صفحة ١٣٧
يَقُولَ: هَذا يُشْكِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ [الكهف: ١] وبِقَوْلِهِ ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ القُرْآنَ المُنَزَّلَ بِوَصْفَيْنِ:
الوَصْفُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ (بِالحَقِّ) قالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّهُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ صَدَقَ فِيما تَضَمَّنَهُ مِنَ الأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ.
وثانِيها: أنَّ ما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ يَحْمِلُ المُكَلَّفَ عَلى مُلازَمَةِ الطَّرِيقِ الحَقِّ في العَقائِدِ والأعْمالِ، ويَمْنَعُهُ عَنْ سُلُوكِ الطَّرِيقِ الباطِلِ.
وثالِثُها: أنَّهُ حَقٌّ بِمَعْنى أنَّهُ قَوْلٌ فَصْلٌ، ولَيْسَ بِالهَزْلِ.
ورابِعُها: قالَ الأصَمُّ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى أنْزَلَهُ بِالحَقِّ الَّذِي يَجِبُ لَهُ عَلى خَلْقِهِ مِنَ العُبُودِيَّةِ، وشُكْرِ النِّعْمَةِ، وإظْهارِ الخُضُوعِ، وما يَجِبُ لِبَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ مِنَ العَدْلِ والإنْصافِ في المُعامَلاتِ.
وخامِسُها: أنْزَلَهُ بِالحَقِّ لا بِالمَعانِي الفاسِدَةِ المُتَناقِضَةِ، كَما قالَ: ﴿أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ [الكهف: ١] وقالَ: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] .
والوَصْفُ الثّانِي لِهَذا الكِتابِ: قَوْلُهُ ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ مُصَدِّقٌ لِكُتُبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولِما أُخْبِرُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
ثُمَّ في الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى دَلَّ بِذَلِكَ عَلى صِحَّةِ القُرْآنِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ مُوافِقًا لِسائِرِ الكُتُبِ، لِأنَّهُ كانَ أُمِّيًّا لَمْ يَخْتَلِطْ بِأحَدٍ مِنَ العُلَماءِ، ولا تَتَلْمَذَ لِأحَدٍ، ولا قَرَأ عَلى أحَدٍ شَيْئًا، والمُفْتَرِي إذا كانَ هَكَذا امْتَنَعَ أنْ يَسْلَمَ عَنِ الكَذِبِ والتَّحْرِيفِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ إنَّما عَرَفَ هَذِهِ القَصَصَ بِوَحْيِ اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا قَطُّ إلّا بِالدُّعاءِ إلى تَوْحِيدِهِ، والإيمانِ بِهِ، وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، والأمْرِ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، وبِالشَّرائِعِ الَّتِي هي صَلاحُ كُلِّ زَمانٍ، فالقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لِتِلْكَ الكُتُبِ في كُلِّ ذَلِكَ. بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ سَمّى ما مَضى بِأنَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ؟
والجَوابُ: أنَّ تِلْكَ الأخْبارَ لِغايَةِ ظُهُورِها سَمّاها بِهَذا الِاسْمِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ يَكُونُ مُصَدِّقًا لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ، مَعَ أنَّ القُرْآنَ ناسِخٌ لِأكْثَرِ تِلْكَ الأحْكامِ ؟
والجَوابُ: إذا كانَتِ الكُتُبُ مُبَشِّرَةً بِالقُرْآنِ وبِالرَّسُولِ، ودالَّةً عَلى أنَّ أحْكامَها تَثْبُتُ إلى حِينِ بَعْثِهِ، وأنَّها تَصِيرُ مَنسُوخَةً عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ، كانَتْ مُوافِقَةً لِلْقُرْآنِ، فَكانَ القُرْآنُ مُصَدِّقًا لَها، وأمّا فِيما عَدا الأحْكامَ فَلا شُبْهَةَ في أنَّ القُرْآنَ مُصَدِّقٌ لَها، لِأنَّ دَلائِلَ المَباحِثِ الإلَهِيَّةِ لا تَخْتَلِفُ في ذَلِكَ، فَهو مُصَدِّقٌ لَها في الأخْبارِ الوارِدَةِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
* *
ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٣٨
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ اسْمانِ أعْجَمِيّانِ، والِاشْتِغالُ بِاشْتِقاقِهِما غَيْرُ مُفِيدٍ، وقَرَأ الحَسَنُ ”والأنْجِيلَ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهو دَلِيلٌ عَلى العَجَمِيَّةِ، لِأنَّ أفْعِيلَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مَعْدُومٌ في أوْزانِ العَرَبِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ هو الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، ومَعَ ذَلِكَ فَنَنْقُلُ كَلامَ الأُدَباءِ فِيهِ.
أمّا لَفْظُ ”التَّوْراةِ“ فَفِيهِ أبْحاثٌ ثَلاثَةٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في اشْتِقاقِهِ، قالَ الفَرّاءُ ”التَّوْراةِ“ مَعْناها الضِّياءُ والنُّورُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ ورى الزَّنْدُ يَرِي إذا قَدَحَ وظَهَرَتِ النّارُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ [العاديات: ٢] ويَقُولُونَ: ورَيْتُ بِكَ زِنادِي، ومَعْناهُ: ظَهَرَ بِكَ الخَيْرُ لِي، فالتَّوْراةُ سُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ لِظُهُورِ الحَقِّ بِها، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً﴾ [الأنبياء: ٤٨] .
البَحْثُ الثّانِي: لَهم في وزْنِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: أصْلُ ”التَّوْراةِ“ تَوْرَيَةٌ تَفْعَلَةٌ بِفَتْحِ التّاءِ، وسُكُونِ الواوِ، وفَتْحِ الرّاءِ والياءِ، إلّا أنَّهُ صارَتِ الياءُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها.
القَوْلُ الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَفْعِلَةً عَلى وزْنِ تَوْفِيَةٍ وتَوْصِيَةٍ، فَيَكُونُ أصْلُها تَوْرِيَةً، إلّا أنَّ الرّاءَ نُقِلَتْ مِنَ الكَسْرِ إلى الفَتْحِ عَلى لُغَةِ طَيِّئٍ، فَإنَّهم يَقُولُونَ في جارِيَةٍ: جاراةٌ، وفي ناصِيَةٍ: ناصاةٌ، قالَ الشّاعِرُ:
فَما الدُّنْيا بِباقاةٍ لِحَيٍّ وما حَيٌّ عَلى الدُّنْيا بِباقِ
والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ الخَلِيلِ والبَصْرِيِّينَ: إنَّ أصْلَها: ووْرِيَةٌ، فَوْعِلَةٌ، ثُمَّ قُلِبَتِ الواوُ الأُولى تاءً، وهَذا القَلْبُ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، نَحْوَ: تُجاهٍ، وتُراثٍ، وتُخَمَةٍ، وتُكْلانٍ، ثُمَّ قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، فَصارَتْ ”تَوْراةً“ وكُتِبَتْ بِالياءِ عَلى أصْلِ الكَلِمَةِ، ثُمَّ طَعَنُوا في قَوْلِ الفَرّاءِ، أمّا الأوَّلُ: فَقالُوا: هَذا البِناءُ نادِرٌ، وأمّا فَوْعَلَةٌ فَكَثِيرٌ، نَحْوَ: صَوْمَعَةٍ، وحَوْصَلَةٍ، ودَوْسَرَةٍ، والحَمْلُ عَلى الأكْثَرِ أوْلى.
وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّهُ لا يَتِمُّ إلّا بِحَمْلِ اللَّفْظِ عَلى لُغَةِ طَيِّئٍ، والقُرْآنُ ما نَزَلَ بِها البَتَّةَ.
البَحْثُ الثّالِثُ: في التَّوْراةِ قِراءَتانِ: الإمالَةُ والتَّفْخِيمُ، فَمَن فَخَّمَ فَلِأنَّ الرّاءَ حَرْفٌ يَمْنَعُ الإمالَةَ لِما فِيهِ مِنَ التَّكْرِيرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وأمّا الإنْجِيلُ فَفِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ إفْعِيلٌ مِنَ النَّجْلِ، وهو الأصْلُ، يُقالُ: لَعَنَ اللَّهُ ناجِلَيْهِ، أيْ والِدَيْهِ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الكِتابُ بِهَذا الِاسْمِ، لِأنَّهُ الأصْلُ المَرْجُوعُ إلَيْهِ في ذَلِكَ الدِّينِ.
والثّانِي: قالَ قَوْمٌ: الإنْجِيلُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ العَرَبِ: نَجَلْتُ الشَّيْءَ إذا اسْتَخْرَجْتَهُ وأظْهَرْتَهُ ويُقالُ لِلْماءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ البِئْرِ: نَجْلٌ، ويُقالُ: قَدِ اسْتَنْجَلَ الوادِي، إذا خَرَجَ الماءُ مِنَ النَّزِّ فَسُمِّيَ الإنْجِيلُ إنْجِيلًا لِأنَّهُ تَعالى أظْهَرَ الحَقَّ بِواسِطَتِهِ.
والثّالِثُ: قالَ أبُو عَمْرٍو الشَّيْبانِيُّ: التَّناجُلُ التَّنازُعُ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الكِتابُ بِالإنْجِيلِ لِأنَّ القَوْمَ تَنازَعُوا فِيهِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ مِنَ النَّجْلِ الَّذِي هو سَعَةُ العَيْنِ، ومِنهُ طَعْنَةٌ نَجْلاءُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ سَعَةٌ ونُورٌ وضِياءٌ أخْرَجَهُ لَهم.
وأقُولُ: أمْرُ هَؤُلاءِ الأُدَباءِ عَجِيبٌ كَأنَّهم أوْجَبُوا في كُلِّ لَفْظٍ أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِن شَيْءٍ آخَرَ، ولَوْ كانَ
صفحة ١٣٩
كَذَلِكَ لَزِمَ إمّا التَّسَلْسُلُ وإمّا الدَّوْرُ، ولَمّا كانا باطِلَيْنِ وجَبَ الِاعْتِرافُ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن ألْفاظٍ مَوْضُوعَةٍ وضْعًا أوَّلًا: حَتّى يَجْعَلَ سائِرَ الألْفاظِ مُشْتَقَّةً مِنها، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلِمَ لا يَجُوزُ في هَذا اللَّفْظِ الَّذِي جَعَلُوهُ مُشْتَقًّا مِن ذَلِكَ الآخَرِ أنْ يَكُونَ الأصْلُ هو هَذا، والفَرْعُ هو ذاكَ الآخَرَ ومَنِ الَّذِي أخْبَرَهم بِأنَّ هَذا فَرْعٌ وذاكَ أصْلٌ، ورُبَّما كانَ هَذا الَّذِي يَجْعَلُونَهُ فَرْعًا ومُشْتَقًّا في غايَةِ الشُّهْرَةِ، وذاكَ الَّذِي يَجْعَلُونَهُ أصْلًا في غايَةِ الخَفاءِ، وأيْضًا فَلَوْ كانَتِ التَّوْراةُ إنَّما سُمِّيَتْ تَوْراةٌ لِظُهُورِها، والإنْجِيلُ إنَّما سُمِّيَ إنْجِيلًا لِكَوْنِهِ أصْلًا وجَبَ في كُلِّ ما ظَهَرَ أنْ يُسَمّى بِالتَّوْراةِ فَوَجَبَ تَسْمِيَةُ كُلِّ الحَوادِثِ بِالتَّوْراةِ، ووَجَبَ في كُلِّ ما كانَ أصْلًا لِشَيْءٍ آخَرَ أنْ يُسَمّى بِالإنْجِيلِ، والطِّينُ أصْلُ الكُوزِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الطِّينُ إنْجِيلًا، والذَّهَبُ أصْلُ الخاتَمِ والغَزْلُ أصْلُ الثَّوْبِ فَوَجَبَ تَسْمِيَةُ هَذِهِ الأشْياءِ بِالإنْجِيلِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهم عِنْدَ إيرادِ هَذِهِ الإلْزاماتِ عَلَيْهِمْ لا بُدَّ وأنْ يَتَمَسَّكُوا بِالوَضْعِ، ويَقُولُوا: العَرَبُ خَصَّصُوا هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ بِهَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ عَلى سَبِيلِ الوَضْعِ، وإذا كانَ لا يَتِمُّ المَقْصُودُ في آخِرِ الأمْرِ إلّا بِالرُّجُوعِ إلى وضْعِ اللُّغَةِ، فَلِمَ لا نَتَمَسَّكُ بِهِ في أوَّلِ الأمْرِ ونُرِيحُ أنْفُسَنا مِنَ الخَوْضِ في هَذِهِ الكَلِماتِ ؟ وأيْضًا فالتَّوْراةُ والإنْجِيلُ اسْمانِ أعْجَمِيّانِ أحَدُهُما بِالعِبْرِيَّةِ والآخَرُ بِالسُّرْيانِيَّةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَشْتَغِلَ بِتَطْبِيقِها عَلى أوْزانِ لُغَةِ العَرَبِ ؟ فَظَهَرَ أنَّ الأوْلى بِالعاقِلِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلى هَذِهِ المَباحِثِ واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences