Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:110, continued
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ فَقَوْلُهُ: (تِلْكَ) فِيهِ وجْهانِ. الأوَّلُ: المُرادُ أنَّ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي ذَكَرْناها هي دَلائِلُ اللَّهِ، وإنَّما جازَ إقامَةُ (تِلْكَ) مَقامَ (هَذِهِ) لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ المَذْكُورَةَ قَدِ انْقَضَتْ بَعْدَ الذِّكْرِ، فَصارَ كَأنَّها بَعُدَتْ فَقِيلَ فِيها: (تِلْكَ) . والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِ كِتابًا مُشْتَمِلًا عَلى كُلِّ ما لا بُدَّ مِنهُ في الدِّينِ، فَلَمّا أنْزَلَ هَذِهِ الآياتِ قالَ: تِلْكَ الآياتُ المَوْعُودَةُ هي الَّتِي نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المَسْألَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ . وقَوْلُهُ: (بِالحَقِّ) فِيهِ وجْهانِ. الأوَّلُ: أيْ مُلْتَبِسَةٌ بِالحَقِّ والعَدْلِ مِن إجْزاءِ المُحْسِنِ والمُسِيءِ بِما يَسْتَوْجِبانِهِ. الثّانِي: بِالحَقِّ، أيْ بِالمَعْنى الحَقِّ، لِأنَّ مَعْنى التَّلْوِ حَقٌّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما حَسُنَ ذِكْرُ الظُّلْمِ هاهُنا لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ العُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ وهو سُبْحانَهُ وتَعالى أكْرَمُ الأكْرَمِينَ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَعْتَذِرُ عَنْ ذَلِكَ وقالَ: إنَّهم ما وقَعُوا فِيهِ إلّا بِسَبَبِ أفْعالِهِمُ المُنْكَرَةِ فَإنَّ مَصالِحَ العالَمِ لا تَسْتَقِيمُ إلّا بِتَهْدِيدِ المُذْنِبِينَ، وإذا حَصَلَ هَذا التَّهْدِيدُ فَلا بُدَّ مِنَ التَّحْقِيقِ دَفْعًا لِلْكَذِبِ، فَصارَ هَذا الِاعْتِذارُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ، عَلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ غالِبٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ (عَمَّ) بَعْدَ أنْ ذَكَرَ وعِيدَ الكُفّارِ: ﴿إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا﴾ ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾ [النبأ: ٢٨] أيْ هَذا الوَعِيدُ الشَّدِيدُ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ هَذِهِ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُرِيدُ شَيْئًا مِنَ القَبائِحِ لا مِن أفْعالِهِ ولا مِن أفْعالِ عِبادِهِ، ولا يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وبَيانُهُ: وهو أنَّ الظُّلْمَ إمّا أنْ يُفْرَضَ صُدُورُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ مِنَ العَبْدِ، وبِتَقْدِيرِ صُدُورِهِ مِنَ العَبْدِ، فَإمّا أنْ يَظْلِمَ نَفْسَهُ وذَلِكَ بِسَبَبِ إقْدامِهِ عَلى المَعاصِي أوْ يَظْلِمَ غَيْرَهُ، فَأقْسامُ الظُّلْمِ هي هَذِهِ الثَّلاثَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ، فَوَجَبَ أنْ لا يُرِيدَ شَيْئًا مِمّا يَكُونُ ظُلْمًا، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ صادِرًا عَنْهُ أوْ صادِرًا عَنْ غَيْرِهِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُرِيدُ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ فاعِلًا لِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ، ويَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا يَكُونَ فاعِلًا لِلظُّلْمِ أصْلًا ويَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ فاعِلًا لِأعْمالِ العِبادِ، لِأنَّ مِن جُمْلَةِ أعْمالِهِمْ ظُلْمُهم لِأنْفُسِهِمْ وظُلْمُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى غَيْرَ فاعِلٍ لِلظُّلْمِ ألْبَتَّةَ لِأنَّها دَلَّتْ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُرِيدٍ لِشَيْءٍ مِنها، ولَوْ كانَ فاعِلًا لِشَيْءٍ مِن أقْسامِ الظُّلْمِ لَكانَ مُرِيدًا لَها، وقَدْ بَطَلَ ذَلِكَ، قالُوا: فَثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى غَيْرُ فاعِلٍ لِلظُّلْمِ، وغَيْرُ فاعِلٍ لِأعْمالِ العِبادِ، وغَيْرُ مُرِيدٍ لِلْقَبائِحِ مِن أفْعالِ العِبادِ، ثُمَّ قالُوا: إنَّهُ
صفحة ١٥٣
تَعالى تَمَدَّحَ بِأنَّهُ لا يُرِيدُ ذَلِكَ، والتَّمَدُّحُ إنَّما يَصِحُّ لَوْ صَحَّ مِنهُ فِعْلُ ذَلِكَ الشَّيْءِ وصَحَّ مِنهُ كَوْنُهُ مُرِيدًا لَهُ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى الظُّلْمِ وعِنْدَ هَذا تَبَجَّحُوا وقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ الواحِدَةُ وافِيَةٌ بِتَقْرِيرِ جَمِيعِ أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ في مَسائِلِ العَدْلِ، ثُمَّ قالُوا: ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لا يُرِيدُ الظُّلْمَ ولا يَفْعَلُ الظُّلْمَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ وإنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ عَقِيبَ ما تَقَدَّمَ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ لا يُرِيدُ الظُّلْمَ والقَبائِحَ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأنَّ فاعِلَ القَبِيحِ إنَّما يَفْعَلُ القَبِيحَ إمّا لِلْجَهْلِ، أوِ العَجْزِ، أوِ الحاجَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ لِأنَّهُ مالِكٌ لِكُلِّ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، وهَذِهِ المالِكِيَّةُ تُنافِي الجَهْلَ والعَجْزَ والحاجَةَ، وإذا امْتَنَعَ ثُبُوتُ هَذِهِ الصِّفاتِ في حَقِّهِ تَعالى امْتَنَعَ كَوْنُهُ فاعِلًا لِلْقَبِيحِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ لا يُرِيدُ الظُّلْمَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ كانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنّا نُشاهِدُ وُجُودَ الظُّلْمِ في العالَمِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ وُقُوعُهُ بِإرادَتِهِ كانَ عَلى خِلافِ إرادَتِهِ، فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ ضَعِيفًا عاجِزًا مَغْلُوبًا وذَلِكَ مُحالٌ.
فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَمْنَعَ الظَّلَمَةَ مِنَ الظُّلْمِ عَلى سَبِيلِ الإلْجاءِ والقَهْرِ، ولَمّا كانَ قادِرًا عَلى ذَلِكَ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ عاجِزًا ضَعِيفًا لا أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنهم تَرْكَ المَعْصِيَةِ اخْتِيارًا وطَوْعًا لِيَصِيرُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ مُسْتَحِقِّينَ لِلثَّوابِ فَلَوْ قَهَرَهم عَلى تَرْكِ المَعْصِيَةِ لَبَطَلَتْ هَذِهِ الفائِدَةُ، فَهَذا تَلْخِيصُ كَلامِ المُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، ورُبَّما أوْرَدُوا هَذا الكَلامَ مِن وجْهٍ آخَرَ، فَقالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ هو لا يُرِيدُ أنْ يَظْلِمَهم أوْ أنَّهُ لا يُرِيدُ مِنهم أنْ يَظْلِمَ بَعْضُهم بَعْضًا فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَهَذا لا يَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِكم، لِأنَّ مَذْهَبَكم أنَّهُ تَعالى لَوْ عَذَّبَ البَرِيءَ عَنِ الذَّنْبِ بِأشَدِّ العَذابِ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا بَلْ كانَ عادِلًا، لَأنَّ الظُّلْمَ تَصَرُّفٌ في مِلْكِ الغَيْرِ، وهو تَعالى إنَّما يَتَصَرَّفُ في مِلْكِ نَفْسِهِ فاسْتَحالَ كَوْنُهُ ظالِمًا وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حَمْلُ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يُرِيدُ أنْ يَظْلِمَ الخَلْقَ، وإنْ حَمَلْتُمُ الآيَةَ عَلى أنَّهُ لا يُرِيدُ أنْ يَظْلِمَ بَعْضُ العِبادِ بَعْضًا، فَهَذا أيْضًا لا يَتِمُّ عَلى قَوْلِكم لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ بِإرادَةِ اللَّهِ وتَكْوِينِهِ عَلى قَوْلِكم، فَثَبَتَ أنَّ عَلى مَذْهَبِكم لا يُمْكِنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى وجْهٍ صَحِيحٍ. والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ أنْ يَظْلِمَ أحَدًا مِن عِبادِهِ ؟ قَوْلُهُ الظُّلْمُ مِنهُ مُحالٌ عَلى مَذْهَبِكم فامْتَنَعَ التَّمَدُّحُ بِهِ قُلْنا: الكَلامُ عَلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى تَمَدَّحَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وبِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ صِحَّةُ النَّوْمِ والأكْلِ عَلَيْهِ فَكَذا هاهُنا. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنْ عَذَّبَ مَن لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِلْعَذابِ فَهو وإنْ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا في نَفْسِهِ لَكِنَّهُ في صُوَرِ الظُّلْمِ، وقَدْ يُطْلَقُ اسْمُ أحَدِ المُتَشابِهَيْنِ عَلى الآخَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ هَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المُناظَرَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ عَلى كَوْنِهِ خالِقًا لِأعْمالِ العِبادِ، فَقالُوا لا شَكَّ أنَّ أفْعالَ العِبادِ مِن جُمْلَةِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَوَجَبَ كَوْنُها لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وإنَّما يَصِحُّ قَوْلُنا: إنَّها لَهُ لَوْ كانَتْ مَخْلُوقَةً لَهُ فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ خالِقٌ لِأفْعالِ العِبادِ.
أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ بِأنَّ قَوْلَهُ: (لِلَّهِ) إضافَةُ مِلْكٍ لا إضافَةُ فِعْلٍ، ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ: هَذا البِناءُ لِفُلانٍ
صفحة ١٥٤
فَيُرِيدُونَ أنَّهُ مَمْلُوكُهُ لا أنَّهُ مَفْعُولُهُ، وأيْضًا المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ تَعْظِيمُ اللَّهِ لِنَفْسِهِ ومَدْحُهُ لِإلَهِيَّةِ نَفْسِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَتَمَدَّحَ بِأنْ يَنْسِبَ إلى نَفْسِهِ الفَواحِشَ والقَبائِحَ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ إنَّما يَتَناوَلُ ما كانَ مَظْرُوفًا في السَّماواتِ والأرْضِ وذَلِكَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ لا مِن صِفاتِ الأفْعالِ الَّتِي هي أعْراضٌ.
أجابَ أصْحابُنا عَنْهُ بِأنَّ هَذِهِ الإضافَةَ إضافَةُ الفِعْلِ بِدَلِيلِ أنَّ القادِرَ عَلى القَبِيحِ والحَسَنِ لا يُرَجِّحُ الحَسَنَ عَلى القَبِيحِ إلّا إذا حَصَلَ في قَلْبِهِ ما يَدْعُوهُ إلى فِعْلِ الحَسَنِ، وتِلْكَ الدّاعِيَةُ حاصِلَةٌ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى دَفْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وإذا كانَ المُؤَثِّرُ في حُصُولِ فِعْلِ العَبْدِ هو مَجْمُوعُ القُدْرَةِ والدّاعِيَةِ، وثَبَتَ أنَّ مَجْمُوعَ القُدْرَةِ والدّاعِيَةِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى ثَبَتَ أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مُسْتَنِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى خَلْقًا وتَكْوِينًا بِواسِطَةِ فِعْلِ السَّبَبِ، فَهَذا تَمامُ القَوْلِ في هَذِهِ المُناظَرَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ زَعَمَتِ الفَلاسِفَةُ أنَّهُ إنَّما قُدِّمَ ذِكْرُ ما في السَّماواتِ عَلى ذِكْرِ ما في الأرْضِ لِأنَّ الأحْوالَ السَّماوِيَّةَ أسْبابٌ لِلْأحْوالِ الأرْضِيَّةِ، فَقُدِّمَ السَّبَبُ عَلى المُسَبَّبِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأحْوالِ الأرْضِيَّةِ مُسْتَنِدَةٌ إلى الأحْوالِ السَّماوِيَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ الأحْوالَ السَّماوِيَّةَ مُسْتَنِدَةٌ إلى خَلْقِ اللَّهِ وتَكْوِينِهِ فَيَكُونُ الجَبْرُ لازِمًا أيْضًا مِن هَذا الوَجْهِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ فَأعادَ ذِكْرَ اللَّهِ في أوَّلِ الآيَتَيْنِ والغَرَضُ مِنهُ تَأْكِيدُ التَّعْظِيمِ، والمَقْصُودُ أنَّ مِنهُ مَبْدَأ المَخْلُوقاتِ وإلَيْهِ مَعادَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الأوَّلُ وقَوْلُهُ: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ هو الآخِرُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى إحاطَةِ حُكْمِهِ وتَصَرُّفِهِ وتَدْبِيرِهِ بِأوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ، وأنَّ الأسْبابَ مُنْتَسِبَةٌ إلَيْهِ وأنَّ الحاجاتِ مُنْقَطِعَةٌ عِنْدَهُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: كَلِمَةُ (إلى) في قَوْلِهِ: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ لا تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى في مَكانِ وُجْهَةٍ، بَلِ المُرادُ أنَّ رُجُوعَ الخَلْقِ إلى مَوْضِعٍ لا يَنْفُذُ فِيهِ حُكْمُ أحَدٍ إلّا حُكْمُهُ ولا يَجْرِي فِيهِ قَضاءُ أحَدٍ إلّا قَضاؤُهُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾.
صفحة ١٥٥
فِي النَّظْمِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِبَعْضِ الأشْياءِ ونَهاهم عَنْ بَعْضِها وحَذَّرَهم مِن أنْ يَكُونُوا مِثْلَ أهْلِ الكِتابِ في التَّمَرُّدِ والعِصْيانِ، وذَكَرَ عَقِيبَهُ ثَوابَ المُطِيعِينَ وعِقابَ الكافِرِينَ، كانَ الغَرَضُ مِن كُلِّ هَذِهِ الآياتِ حَمْلَ المُؤْمِنِينَ المُكَلَّفِينَ عَلى الِانْقِيادِ والطّاعَةِ ومَنعَهم عَنِ التَّمَرُّدِ والمَعْصِيَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أرْدَفَ ذَلِكَ بِطَرِيقٍ آخَرَ يَقْتَضِي حَمْلَ المُؤْمِنِينَ عَلى الِانْقِيادِ والطّاعَةِ فَقالَ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ والمَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ خَيْرَ الأُمَمِ وأفْضَلَهم، فاللّائِقُ بِهَذا أنْ لا تُبْطِلُوا عَلى أنْفُسِكم هَذِهِ الفَضِيلَةَ، وأنْ لا تُزِيلُوا عَنْ أنْفُسِكم هَذِهِ الخَصْلَةَ المَحْمُودَةَ، وأنْ تَكُونُوا مُنْقادِينَ مُطِيعِينَ في كُلِّ ما يَتَوَجَّهُ عَلَيْكم مِنَ التَّكالِيفِ.
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَمالَ حالِ الأشْقِياءِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ وكَمالَ حالِ السُّعَداءِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ نَبَّهَ عَلى ما هو السَّبَبُ لِوَعِيدِ الأشْقِياءِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ يَعْنِي أنَّهم إنَّما اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ بِأفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، ثُمَّ نَبَّهَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما هو السَّبَبُ لِوَعْدِ السُّعَداءِ بِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ أيْ تِلْكَ السَّعاداتُ والكَمالاتُ والكَراماتُ إنَّما فازُوا بِها في الآخِرَةِ لِأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لَفْظَةُ (كانَ) قَدْ تَكُونُ تامَّةً وناقِصَةً وزائِدَةً عَلى ما هو مَشْرُوحٌ في النَّحْوِ واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: (كُنْتُمْ) عَلى وُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّ (كانَ) هاهُنا تامَّةٌ بِمَعْنى الوُقُوعِ والحُدُوثِ وهو لا يَحْتاجُ إلى خَبَرٍ، والمَعْنى: حَدَثْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ووُجِدْتُمْ وخُلِقْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ بِمَعْنى الحالِ وهَذا قَوْلُ جَمْعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ. الثّانِي: أنَّ (كانَ) هاهُنا ناقِصَةٌ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ هَذا يُوهِمُ أنَّهم كانُوا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وأنَّهم ما بَقُوا الآنَ عَلَيْها.
والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ قَوْلَهُ (كانَ) عِبارَةٌ عَنْ وُجُودِ الشَّيْءِ في زَمانٍ ماضٍ عَلى سَبِيلِ الإبْهامِ، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى انْقِطاعٍ طارِئٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح: ١٠] وقَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠] إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لِلْمُفَسِّرِينَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أقْوالٌ. أحَدُها: كُنْتُمْ في عِلْمِ اللَّهِ خَيْرَ أُمَّةٍ. وثانِيها: كُنْتُمْ في الأُمَمِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَكم مَذْكُورِينَ بِأنَّكم خَيْرُ أُمَّةٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ﴾ [الفتح: ٢٩] فَشِدَّتُهم عَلى الكُفّارِ أمْرُهم بِالمَعْرُوفِ ونَهْيُهم عَنِ المُنْكَرِ. وثالِثُها: كُنْتُمْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مَوْصُوفِينَ بِأنَّكم خَيْرُ أُمَّةٍ. ورابِعُها: كُنْتُمْ مُنْذُ آمَنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ. وخامِسُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ قَوْلُهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ تابِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ والتَّقْدِيرُ: أنَّهُ يُقالُ لَهم عِنْدَ الخُلُودِ في الجَنَّةِ: كُنْتُمْ في دُنْياكم خَيْرَ أُمَّةٍ فاسْتَحَقَّيْتُمْ ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الرَّحْمَةِ وبَياضِ الوَجْهِ بِسَبَبِهِ، ويَكُونُ ما عُرِضَ بَيْنَ أوَّلِ القِصَّةِ وآخِرِها كَما لا يَزالُ يُعْرَضُ في القُرْآنِ مِن مِثْلِهِ. وسادِسُها: قالَ بَعْضُهم: لَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لَقالَ (أنْتُمْ) وكانَ هَذا التَّشْرِيفُ حاصِلًا لِكُلِّنا ولَكِنَّ قَوْلَهُ: (كُنْتُمْ) مَخْصُوصٌ بِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ مِن أصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ وهُمُ السّابِقُونَ الأوَّلُونَ، ومَن صَنَعَ مِثْلَ ما صَنَعُوا. وسابِعُها: كُنْتُمْ مُذْ آمَنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم كانُوا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مُذْ كانُوا.
الِاحْتِمالُ الثّالِثُ: أنْ يُقالَ (كانَ) هاهُنا زائِدَةٌ، وقالَ بَعْضُهم قَوْلُهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ هو كَقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦] وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦] وإضْمارُ كانَ وإظْهارُها سَواءٌ إلّا أنَّها تُذْكَرُ لِلتَّأْكِيدِ ووُقُوعِ الأمْرِ لا مَحالَةَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا القَوْلُ ظاهِرُ
صفحة ١٥٦
الِاخْتِلالِ، لِأنَّ (كانَ) تُلْغى مُتَوَسِّطَةً ومُؤَخَّرَةً، ولا تُلْغى مُتَقَدِّمَةً، تَقُولُ العَرَبُ: عَبْدُ اللَّهِ كانَ قائِمٌ، وعَبْدُ اللَّهِ قائِمٌ كانَ عَلى أنَّ كانَ مُلْغاةٌ، ولا يَقُولُونَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ قائِمٌ عَلى إلْغائِها، لِأنَّ سَبِيلَهم أنْ يَبْدَءُوا بِما تَنْصَرِفُ العِنايَةُ إلَيْهِ، والمُلْغى لا يَكُونُ في مَحَلِّ العِنايَةِ، وأيْضًا لا يَجُوزُ إلْغاءُ الكَوْنِ في الآيَةِ لِانْتِصابِ خَبَرِهِ، وإذا عَمِلَ الكَوْنُ في الخَبَرِ فَنَصَبَهُ لَمْ يَكُنْ مُلْغًى.
الِاحْتِمالُ الرّابِعُ: أنْ تَكُونَ (كانَ) بِمَعْنى صارَ، فَقَوْلُهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ مَعْناهُ صِرْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، أيْ صِرْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ بِسَبَبِ كَوْنِكم آمِرِينَ بِالمَعْرُوفِ وناهِينَ عَنِ المُنْكَرِ ومُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ يَعْنِي كَما أنَّكُمُ اكْتَسَبْتُمْ هَذِهِ الخَيْرِيَّةَ بِسَبَبِ هَذِهِ الخِصالِ، فَأهْلُ الكِتابِ لَوْ آمَنُوا لَحَصَلَتْ لَهم أيْضًا صِفَةُ الخَيْرِيَّةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ إجْماعَ الأُمَّةِ حُجَّةٌ، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٥٩] ثُمَّ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ فَوَجَبَ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ أفْضَلَ مِن أُولَئِكَ الَّذِينَ يَهْدُونَ بِالحَقِّ مِن قَوْمِ مُوسى، وإذا كانَ هَؤُلاءِ أفْضَلَ مِنهم وجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأُمَّةُ لا تَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ إذْ لَوْ جازَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ تَحْكُمَ بِما لَيْسَ بِحَقٍّ لامْتَنَعَ كَوْنُ هَذِهِ الأُمَّةِ أفْضَلَ مِنَ الأُمَّةِ الَّتِي تُهْدِي بِالحَقِّ، لِأنَّ المُبْطِلَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ خَيْرًا مِنَ المُحِقِّ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ لا تَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ إجْماعُهم حُجَّةً.
الوَجْهُ الثّانِي: وهو (أنَّ الألِفَ واللّامَ) في لَفْظِ (المَعْرُوفِ) ولَفْظِ (المُنْكَرِ) يُفِيدانِ الِاسْتِغْراقَ، وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَهم آمِرِينَ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ، وناهِينَ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ ومَتى كانُوا كَذَلِكَ كانَ إجْماعُهم حَقًّا وصِدْقًا لا مَحالَةَ فَكانَ حُجَّةً، والمَباحِثُ الكَثِيرَةُ فِيهِ ذَكَرْناها في الأُصُولِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ ظاهِرُ الخِطابِ فِيهِ مَعَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ، ولَكِنَّهُ عامٌّ في كُلِّ الأُمَّةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ خِطابٌ مَعَ الحاضِرِينَ بِحَسَبِ اللَّفْظِ، ولَكِنَّهُ عامٌّ في حَقِّ الكُلِّ كَذا هاهُنا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أصْلُ الأُمَّةِ الطّائِفَةُ المُجْتَمِعَةُ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ فَأُمَّةُ نَبِيِّنا ﷺ هُمُ الجَماعَةُ المَوْصُوفُونَ بِالإيمانِ بِهِ والإقْرارِ بِنُبُوَّتِهِ، وقَدْ يُقالُ لِكُلِّ مَن جَمَعَتْهم دَعْوَتُهُ أنَّهم أُمَّتُهُ إلّا أنَّ لَفْظَ الأُمَّةِ إذا أُطْلِقَتْ وحْدَها وقَعَ عَلى الأوَّلِ، ألا تَرى أنَّهُ إذا قِيلَ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى كَذا فُهِمَ مِنهُ الأوَّلُ وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أُمَّتِي لا تَجْتَمِعُ عَلى ضَلالَةٍ» “ ورُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ ”أُمَّتِي أُمَّتِي“» فَلَفْظُ الأُمَّةِ في هَذِهِ المَواضِعِ وأشْباهِها يُفْهَمُ مِنهُ المُقِرُّونَ بِنُبُوَّتِهِ، فَأمّا أهْلُ دَعْوَتِهِ فَإنَّهُ إنَّما يُقالُ لَهم: إنَّهم أُمَّةُ الدَّعْوَةِ، ولا يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ إلّا لَفْظُ الأُمَّةِ بِهَذا الشَّرْطِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ. الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى كُنْتُمْ خَيْرَ الأُمَمِ المُخْرَجَةِ لِلنّاسِ في جَمِيعِ الأعْصارِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ أيْ أُظْهِرَتْ لِلنّاسِ حَتّى تَمَيَّزَتْ وعُرِفَتْ وفُصِلَ بَيْنَها وبَيْنَ غَيْرِها. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (لِلنّاسِ) مِن تَمامِ قَوْلِهِ: (كُنْتُمْ) والتَّقْدِيرُ: كُنْتُمْ لِلنّاسِ خَيْرَ أُمَّةٍ، ومِنهم مَن قالَ:
صفحة ١٥٧
﴿أُخْرِجَتْ﴾ صِلَةٌ، والتَّقْدِيرُ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ لِلنّاسِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ عِلَّةِ تِلْكَ الخَيْرِيَّةِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ كَرِيمٌ يُطْعِمُ النّاسَ ويَكْسُوهم ويَقُومُ بِما يُصْلِحُهم، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ ذِكْرَ الحُكْمِ مَقْرُونًا بِالوَصْفِ المُناسِبِ لَهُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ، فَهاهُنا حَكَمَ تَعالى بِثُبُوتِ وصْفِ الخَيْرِيَّةِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ هَذا الحُكْمَ وهَذِهِ الطّاعاتِ، أعْنِي الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ والإيمانَ، فَوَجَبَ كَوْنُ تِلْكَ الخَيْرِيَّةِ مُعَلَّلَةً بِهَذِهِ العِباداتِ.
وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: مِن أيِّ وجْهٍ يَقْتَضِي الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ والإيمانُ بِاللَّهِ كَوْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ خَيْرَ الأُمَمِ مَعَ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةَ كانَتْ حاصِلَةً في سائِرِ الأُمَمِ ؟
والجَوابُ: قالَ القَفّالُ: تَفْضِيلُهم عَلى الأُمَمِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهم إنَّما حَصَلَ لِأجْلِ أنَّهم يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ بِآكَدِ الوُجُوهِ وهو القِتالُ لِأنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ قَدْ يَكُونُ بِالقَلْبِ وبِاللِّسانِ وبِاليَدِ، وأقْواها ما يَكُونُ بِالقِتالِ، لِأنَّهُ إلْقاءُ النَّفْسِ في خَطَرِ القَتْلِ. وأعْرَفُ المَعْرُوفاتِ الدِّينُ الحَقُّ والإيمانُ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، وأنْكَرُ المُنْكَراتِ: الكُفْرُ بِاللَّهِ، فَكانَ الجِهادُ في الدِّينِ مَحْمَلًا لِأعْظَمِ المَضارِّ لِغَرَضِ إيصالِ الغَيْرِ إلى أعْظَمِ المَنافِعِ، وتَخْلِيصِهِ مِن أعْظَمِ المَضارِّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الجِهادُ أعْظَمَ العِباداتِ، ولَمّا كانَ أمْرُ الجِهادِ في شَرْعِنا أقْوى مِنهُ في سائِرِ الشَّرائِعِ، لا جَرَمَ صارَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِفَضْلِ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، وهَذا مَعْنى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: قَوْلُهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ تَأْمُرُونَهم أنْ يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ويُقِرُّوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ، وتُقاتِلُونَهم عَلَيْهِ، و”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ أعْظَمُ المَعْرُوفِ، والتَّكْذِيبُ هو أنْكَرُ المُنْكَرِ.
ثُمَّ قالَ القَفّالُ: فائِدَةُ القِتالِ عَلى الدِّينِ لا يُنْكِرُهُ مُنْصِفٌ، وذَلِكَ لِأنَّ أكْثَرَ النّاسِ يُحِبُّونَ أدْيانَهم بِسَبَبِ الأُلْفِ والعادَةِ، ولا يَتَأمَّلُونَ في الدَّلائِلِ الَّتِي تُورَدُ عَلَيْهِمْ فَإذا أُكْرِهَ عَلى الدُّخُولِ في الدِّينِ بِالتَّخْوِيفِ بِالقَتْلِ دَخَلَ فِيهِ، ثُمَّ لا يَزالُ يَضْعُفُ ما في قَلْبِهِ مِن حُبِّ الدِّينِ الباطِلِ، ولا يَزالُ يَقْوى في قَلْبِهِ حُبُّ الدِّينِ الحَقِّ إلى أنْ يَنْتَقِلَ مِنَ الباطِلِ إلى الحَقِّ، ومِنَ اسْتِحْقاقِ العَذابِ الدّائِمِ إلى اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ الدّائِمِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قُدِّمَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ في الذِّكْرِ مَعَ أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلى كُلِّ الطّاعاتِ ؟
والجَوابُ: أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ أمْرٌ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ جَمِيعِ الأُمَمِ المُحِقَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى فَضَّلَ هَذِهِ الأُمَّةَ عَلى سائِرِ الأُمَمِ المُحِقَّةِ، فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُؤَثِّرُ في حُصُولِ هَذِهِ الخَيْرِيَّةِ هو الإيمانُ الَّذِي هو القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الكُلِّ، بَلِ المُؤَثِّرُ في حُصُولِ هَذِهِ الزِّيادَةِ هو كَوْنُ هَذِهِ الأُمَّةِ أقْوى حالًا في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ مِن سائِرِ الأُمَمِ، فَإذَنِ المُؤَثِّرُ في حُصُولِ هَذِهِ الخَيْرِيَّةِ هو الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، وأمّا الإيمانُ بِاللَّهِ فَهو شَرْطٌ لِتَأْثِيرِ هَذا المُؤَثِّرِ في هَذا الحُكْمِ لِأنَّهُ ما لَمْ يُوجَدِ الإيمانُ لَمْ يَصِرْ شَيْءٌ مِنَ الطّاعاتِ مُؤَثِّرًا في
صفحة ١٥٨
صِفَةِ الخَيْرِيَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ المُوجِبَ لِهَذِهِ الخَيْرِيَّةِ هو كَوْنُهم آمِرِينَ بِالمَعْرُوفِ ناهِينَ عَنِ المُنْكَرِ وأمّا إيمانُهم فَذاكَ شَرْطُ التَّأْثِيرِ، والمُؤَثِّرُ ألْصَقُ بِالأثَرِ مِن شَرْطِ التَّأْثِيرِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلى ذِكْرِ الإيمانِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ اكْتَفى بِذِكْرِ الإيمانِ بِاللَّهِ ولَمْ يَذْكُرِ الإيمانَ بِالنُّبُوَّةِ مَعَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ ؟
والجَوابُ: الإيمانُ بِاللَّهِ يَسْتَلْزِمُ الإيمانَ بِالنُّبُوَّةِ، لِأنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا إذا حَصَلَ الإيمانُ بِكَوْنِهِ صادِقًا، والإيمانُ بِكَوْنِهِ صادِقًا لا يَحْصُلُ إلّا إذا كانَ الَّذِي أظْهَرَ المُعْجِزَ عَلى وفْقِ دَعْواهُ صادِقًا لِأنَّ المُعْجِزَ قائِمٌ مَقامَ التَّصْدِيقِ بِالقَوْلِ، فَلَمّا شاهَدْنا ظُهُورَ المُعْجِزِ عَلى وفْقِ دَعْوى مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ مِن ضَرُورَةِ الإيمانِ بِاللَّهِ الإيمانُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكانَ الِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَنْبِيهًا عَلى هَذِهِ الدَّقِيقَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ وفِيهِ وجْهانِ. الأوَّلُ: ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ بِهَذا الدِّينِ الَّذِي لِأجْلِهِ حَصَلَتْ صِفَةُ الخَيْرِيَّةِ لِأتْباعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَحَصَلَتْ هَذِهِ الخَيْرِيَّةُ أيْضًا لَهم، فالمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَرْغِيبُ أهْلِ الكِتابِ في هَذا الدِّينِ. الثّانِي: أنَّ أهْلَ الكِتابِ إنَّما آثَرُوا دِينَهم عَلى دِينِ الإسْلامِ حُبًّا لِلرِّياسَةِ واسْتِتْباعِ العُلُومِ ولَوْ آمَنُوا لَحَصَلَتْ لَهم هَذِهِ الرِّياسَةُ في الدُّنْيا مَعَ الثَّوابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ، فَكانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهم مِمّا قَنِعُوا بِهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أتْبَعَ هَذا الكَلامَ بِجُمْلَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ الِابْتِداءِ مِن غَيْرِ عاطِفٍ، إحْداهُما: قَوْلُهُ: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ . وثانِيَتُهُما: قَوْلُهُ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هُما كَلامانِ وارِدانِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ عِنْدَ إجْراءِ ذِكْرِ أهْلِ الكِتابِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: وعَلى ذِكْرِ فُلانٍ فَإنَّ مِن شَأْنِهِ كَيْتُ وكَيْتُ، ولِذَلِكَ جاءَ (آمَنَ) غَيْرَ عاطِفٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: الألِفُ واللّامُ في قَوْلِهِ: (المُؤْمِنُونَ) لِلِاسْتِغْراقِ أوْ لِلْمَعْهُودِ السّابِقِ ؟
والجَوابُ: بَلْ لِلْمَعْهُودِ السّابِقِ، والمُرادُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ورَهْطُهُ مِنَ اليَهُودِ، والنَّجاشِيُّ ورَهْطُهُ مِنَ النَّصارى.
السُّؤالُ الثّانِي: الوَصْفُ إنَّما يُذْكَرُ لِلْمُبالَغَةِ فَأيُّ مُبالَغَةٍ تَحْصُلُ في وصْفِ الكافِرِ بِأنَّهُ فاسِقٌ ؟
والجَوابُ: الكافِرُ قَدْ يَكُونُ عَدْلًا في دِينِهِ وقَدْ يَكُونُ فاسِقًا في دِينِهِ فَيَكُونُ مَرْدُودًا عِنْدَ الطَّوائِفِ كُلِّهِمْ، لِأنَّ المُسْلِمِينَ لا يَقْبَلُونَهُ لِكُفْرِهِ، والكُفّارُ لا يَقْبَلُونَهُ لِكَوْنِهِ فاسِقًا فِيما بَيْنَهم، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أهْلُ الكِتابِ فَرِيقانِ: مِنهم مَن آمَنَ، والَّذِينَ ما آمَنُوا فَهم فاسِقُونَ في أدْيانِهِمْ، فَلَيْسُوا مِمَّنْ يَجِبُ الِاقْتِداءُ بِهِمُ البَتَّةَ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَغَّبَ المُؤْمِنِينَ في التَّصَلُّبِ في إيمانِهِمْ وتَرْكِ الِالتِفاتِ إلى أقْوالِ الكُفّارِ وأفْعالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ رَغَّبَهم فِيهِ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم عَلى الإضْرارِ بِالمُسْلِمِينَ إلّا بِالقَلِيلِ مِنَ القَوْلِ الَّذِي لا عِبْرَةَ بِهِ، ولَوْ أنَّهم قاتَلُوا المُسْلِمِينَ صارُوا مُنْهَزِمِينَ مَخْذُولِينَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجِبْ الِالتِفاتُ إلى أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، وكُلُّ ذَلِكَ تَقْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِن
صفحة ١٥٩
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences