Ar-RaziAli 'Imran · 3:117–118

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:117–118

3:117Page 65

مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَثَلِ رِيحٖ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتۡ حَرۡثَ قَوۡمٖ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَأَهۡلَكَتۡهُۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنۡ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١١٧

The example of what they spend in this worldly life is like that of a wind containing frost which strikes the harvest of a people who have wronged themselves [i.e., sinned] and destroys it. And Allāh has not wronged them, but they wrong themselves.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ أمْوالَ الكُفّارِ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، ثُمَّ إنَّهم رُبَّما أنْفَقُوا أمْوالَهم في وُجُوهِ الخَيْراتِ، فَيَخْطُرُ بِبالِ الإنْسانِ أنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ تِلْكَ الشُّبْهَةَ، وبَيَّنَ أنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِتِلْكَ الإنْفاقاتِ، وإنْ كانُوا قَدْ قَصَدُوا بِها وجْهَ اللَّهِ.

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المَثَلُ الشَّبَهُ الَّذِي يَصِيرُ كالعَلَمِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ فِيما يُشَبَّهُ بِهِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ كُفْرَهم يُبْطِلُ ثَوابَ نَفَقَتِهِمْ، كَما أنَّ الرِّيحَ البارِدَةَ تُهْلِكُ الزَّرْعَ.

فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ مَثَلُ إنْفاقِهِمْ هو الحَرْثُ الَّذِي هَلَكَ، فَكَيْفَ شَبَّهَ الإنْفاقَ بِالرِّيحِ البارِدَةِ المُهْلِكَةِ ؟

قُلْنا: المَثَلُ قِسْمانِ مِنهُ ما حَصَلَتْ فِيهِ المُشابَهَةُ بَيْنَ ما هو المَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ وإنْ لَمْ تَحْصُلِ المُشابَهَةُ بَيْنَ أجْزاءِ الجُمْلَتَيْنِ، وهَذا هو المُسَمّى بِالتَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ، ومِنهُ ما حَصَلَتِ المُشابَهَةُ فِيهِ بَيْنَ المَقْصُودِ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ، وبَيْنَ أجْزاءِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما، فَإذا جَعَلْنا هَذا المَثَلَ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ زالَ السُّؤالُ، وإنْ جَعَلْناهُ مِنَ القِسْمِ الثّانِي فَفِيهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: مَثَلُ الكُفْرِ في إهْلاكِ ما يُنْفِقُونَ، كَمَثَلِ الرِّيحِ المُهْلِكَةِ لِلْحَرْثِ. الثّانِي: مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ، كَمَثَلِ مُهْلَكِ رِيحٍ، وهو الحَرْثُ. الثّالِثُ: لَعَلَّ الإشارَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ﴾ إلى ما أنْفَقُوا في إيذاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في جَمْعِ العَساكِرِ عَلَيْهِ، وكانَ هَذا الإنْفاقُ مُهْلِكًا

صفحة ١٧٠

لِجَمِيعِ ما أتَوْا بِهِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ والبِرِّ وحِينَئِذٍ يَسْتَقِيمُ التَّشْبِيهُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى إضْمارٍ وتَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ، والتَّقْدِيرُ: مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في كَوْنِهِ مُبْطِلًا لِما أتَوْا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِن أعْمالِ البِرِّ كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ في كَوْنِها مُبْطِلَةً لِلْحَرْثِ، وهَذا الوَجْهُ خَطَرَ بِبالِي عِنْدَ كِتابَتِي عَلى هَذا المَوْضِعِ، فَإنَّ إنْفاقَهم في إيذاءِ الرَّسُولِ ﷺ مِن أعْظَمِ أنْواعِ الكُفْرِ ومِن أشَدِّها تَأْثِيرًا في إبْطالِ آثارِ أعْمالِ البِرِّ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ هَذا الإنْفاقِ عَلى قَوْلَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالإنْفاقِ هاهُنا هو جَمِيعُ أعْمالِهِمُ الَّتِي يَرْجُونَ الِانْتِفاعَ بِها في الآخِرَةِ، سَمّاهُ اللَّهُ إنْفاقًا كَما سَمّى ذَلِكَ بَيْعًا وشِراءً في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] إلى قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١] ومِمّا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] والمُرادُ بِهِ جَمِيعُ أعْمالِ الخَيْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] والمُرادُ جَمِيعُ أنْواعِ الِانْتِفاعاتِ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو الأشْبَهُ أنَّ المُرادَ إنْفاقُ الأمْوالِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ﴾ المُرادُ مِنهُ جَمِيعُ الكُفّارِ أوْ بَعْضُهم، فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ بِالإخْبارِ عَنْ جَمِيعِ الكُفّارِ، وذَلِكَ لِأنَّ إنْفاقَهم إمّا أنْ يَكُونَ لِمَنافِعِ الدُّنْيا أوْ لِمَنافِعِ الآخِرَةِ فَإنْ كانَ لِمَنافِعِ الدُّنْيا لَمْ يَبْقَ مِنهُ أثَرٌ ألْبَتَّةَ في الآخِرَةِ في حَقِّ المُسْلِمِ فَضْلًا عَنِ الكافِرِ وإنْ كانَ لِمَنافِعِ الآخِرَةِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ في الآخِرَةِ لِأنَّ الكُفْرَ مانِعٌ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ، فَثَبَتَ أنَّ جَمِيعَ نَفَقاتِ الكُفّارِ لا فائِدَةَ فِيها في الآخِرَةِ، ولَعَلَّهم أنْفَقُوا أمْوالَهم في الخَيْراتِ نَحْوَ بِناءِ الرِّباطاتِ والقَناطِرِ والإحْسانِ إلى الضُّعَفاءِ والأيْتامِ والأرامِلِ، وكانَ ذَلِكَ المُنْفِقُ يَرْجُو مِن ذَلِكَ الإنْفاقِ خَيْرًا كَثِيرًا فَإذا قَدِمَ الآخِرَةَ رَأى كُفْرَهُ مُبْطِلًا لِآثارِ الخَيْراتِ، فَكانَ كَمَن زَرَعَ زَرْعًا وتَوَقَّعَ مِنهُ نَفْعًا كَثِيرًا فَأصابَتْهُ رِيحٌ فَأحْرَقَتْهُ فَلا يَبْقى مَعَهُ إلّا الحُزْنُ والأسَفُ، هَذا إذا أنْفَقُوا الأمْوالَ في وُجُوهِ الخَيْراتِ أمّا إذا أنْفَقُوها فِيما ظَنُّوهُ أنَّهُ الخَيْراتُ لَكِنَّهُ كانَ مِنَ المَعاصِي مِثْلَ إنْفاقِ الأمْوالِ في إيذاءِ الرَّسُولِ ﷺ وفي قَتْلِ المُسْلِمِينَ وتَخْرِيبِ دِيارِهِمْ، فالَّذِي قُلْناهُ فِيهِ أسَدُّ وأشَدُّ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ [الأنفال: ٣٦] وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩] فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَسَناتِ مِنَ الكُفّارِ لا تَسْتَعْقِبُ الثَّوابَ، وكُلُّ ذَلِكَ مَجْمُوعٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] وهَذا القَوْلُ هو الأقْوى والأصَحُّ.

واعْلَمْ أنّا إنَّما فَسَّرْنا الآيَةَ بِخَيْبَةِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ ولا يَبْعُدُ أيْضًا تَفْسِيرُها بِخَيْبَتِهِمْ في الدُّنْيا، فَإنَّهم أنْفَقُوا الأمْوالَ الكَثِيرَةَ في جَمْعِ العَساكِرِ وتَحَمَّلُوا المَشاقَّ ثُمَّ انْقَلَبَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، وأظْهَرَ اللَّهُ الإسْلامَ وقَوّاهُ فَلَمْ يَبْقَ مَعَ الكُفّارِ مِن ذَلِكَ الإنْفاقِ إلّا الخَيْبَةُ والحَسْرَةُ.

والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ مِنهُ الإخْبارُ عَنْ بَعْضِ الكُفّارِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَفي الآيَةِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ولَكِنْ عَلى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ والخَوْفِ مِنَ المُسْلِمِينَ وعَلى سَبِيلِ المُداراةِ لَهم، فالآيَةُ فِيهم. الثّانِي: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ عِنْدَ تَظاهُرِهِمْ عَلى

صفحة ١٧١

الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ. الثّالِثُ: نَزَلَتْ في إنْفاقِ سَفَلَةِ اليَهُودِ عَلى أحْبارِهِمْ لِأجْلِ التَّحْرِيفِ. والرّابِعُ: المُرادُ ما يُنْفِقُونَ ويَظُنُّونَ أنَّهُ تَقَرُّبٌ إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في (الصِّرِّ) عَلى وُجُوهٍ. الأوَّلُ: قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ وأهْلُ اللُّغَةِ: الصِّرُّ البَرْدُ الشَّدِيدُ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ وابْنِ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّ الصِّرَّ: هو السَّمُومُ الحارَّةُ والنّارُ الَّتِي تَغْلِي، وهو اخْتِيارُ أبِي بَكْرٍ الأصَمِّ وأبِي بَكْرِ بْنِ الأنْبارِيِّ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما وُصِفَتِ النّارُ بِأنَّها (صِرٌّ) لِتَصْوِيتِها عِنْدَ الِالتِهابِ، ومِنهُ صَرِيرُ البابِ، والصَّرْصَرُ مَشْهُورٌ، والصَّرَّةُ الصَّيْحَةُ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩] ورَوى ابْنُ الأنْبارِيِّ بِإسْنادِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في ﴿فِيها صِرٌّ﴾ قالَ: فِيها نارٌ، وعَلى القَوْلَيْنِ فالمَقْصُودُ مِنَ التَّشْبِيهِ حاصِلٌ، لِأنَّهُ سَواءٌ كانَ بَرْدًا مُهْلِكًا أوْ حَرًّا مُحْرِقًا فَإنَّهُ يَصِيرُ مُبْطِلًا لِلْحَرْثِ والزَّرْعِ فَيَصِحُّ التَّشْبِيهُ بِهِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالإحْباطِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما أنَّ هَذِهِ الرِّيحَ تُهْلِكُ الحَرْثَ فَكَذَلِكَ الكُفْرُ يُهْلِكُ الإنْفاقَ، وهَذا إنَّما يَصِحُّ إذا قُلْنا: إنَّهُ لَوْلا الكُفْرُ لَكانَ ذَلِكَ الإنْفاقُ مُوجِبًا لِمَنافِعِ الآخِرَةِ وحِينَئِذٍ يَصِحُّ القَوْلُ بِالإحْباطِ، وأجابَ أصْحابُنا عَنْهُ بِأنَّ العَمَلَ لا يَسْتَلْزِمُ الثَّوابَ إلّا بِحُكْمِ الوَعْدِ، والوَعْدُ مِنَ اللَّهِ مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ الإيمانِ، فَإذا حَصَلَ الكُفْرُ فاتَ المَشْرُوطُ لِفَواتِ شَرْطِهِ لِأنَّ الكُفْرَ أزالَهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، ودَلائِلُ بُطْلانِ القَوْلِ بِالإحْباطِ قَدْ تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنْ يُقالَ: لِمَ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ﴾ وما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ .

قُلْنا: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ وجْهانِ الأوَّلُ: أنَّهم عَصَوُا اللَّهَ فاسْتَحَقُّوا هَلاكَ حَرْثِهِمْ عُقُوبَةً لَهم، والفائِدَةُ في ذِكْرِهِ هي أنَّ الغَرَضَ تَشْبِيهُ ما يُنْفِقُونَ بِشَيْءٍ يَذْهَبُ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى لا يَبْقى مِنهُ شَيْءٌ، وحَرْثُ الكافِرِينَ الظّالِمِينَ هو الَّذِي يَذْهَبُ بِالكُلِّيَّةِ ولا يَحْصُلُ مِنهُ مَنفَعَةٌ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، فَأمّا حَرْثُ المُسْلِمِ المُؤْمِنِ فَلا يَذْهَبُ بِالكُلِّيَّةِ لِأنَّهُ وإنْ كانَ يَذْهَبُ صُورَةً فَلا يَذْهَبُ مَعْنًى، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَزِيدُ في ثَوابِهِ لِأجْلِ وُصُولِ تِلْكَ الأحْزانِ إلَيْهِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ هو أنَّهم زَرَعُوا في غَيْرِ مَوْضِعِ الزَّرْعِ أوْ في غَيْرِ وقْتِهِ، لِأنَّ الظُّلْمَ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَتَأكَّدُ وجْهُ التَّشْبِيهِ، فَإنْ مَن زَرَعَ لا في مَوْضِعِهِ ولا في وقْتِهِ يَضِيعُ، ثُمَّ إذا أصابَتْهُ الرِّيحُ البارِدَةُ كانَ أوْلى بِأنْ يَصِيرَ ضائِعًا، فَكَذا هاهُنا الكُفّارُ لَمّا أتَوْا بِالإنْفاقِ لا في مَوْضِعِهِ ولا في وقْتِهِ ثُمَّ أصابَهُ شُؤْمُ كُفْرِهِمُ امْتَنَعَ أنْ لا يَصِيرَ ضائِعًا، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى ما ظَلَمَهم حَيْثُ لَمْ يَقْبَلْ نَفَقاتِهِمْ، ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم حَيْثُ أتَوْا بِها مَقْرُونَةً بِالوُجُوهِ المانِعَةِ مِن كَوْنِها مَقْبُولَةً لِلَّهِ تَعالى قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (ولَكِنَّ) بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى ولَكِنَّ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَها، ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ، ولَكِنَّهُ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ عَلى إسْقاطِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ.

3:118Page 65

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ١١٨

O you who have believed, do not take as intimates those other than yourselves [i.e., believers], for they will not spare you [any] ruin. They wish you would have hardship. Hatred has already appeared from their mouths, and what their breasts conceal is greater. We have certainly made clear to you the signs, if you will use reason.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ شَرَعَ في تَحْذِيرِ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُخالَطَةِ الكافِرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ وهاهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ الَّذِينَ نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُخالَطَتِهِمْ مَن هم ؟ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّهم هُمُ اليَهُودُ وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يُشاوِرُونَهم في أُمُورِهِمْ ويُؤانِسُونَهم لِما كانَ بَيْنَهم مِنَ الرَّضاعِ والحِلْفِ ظَنًّا مِنهم أنَّهم وإنْ خالَفُوهم في الدِّينِ فَهم يَنْصَحُونَ لَهم في أسْبابِ المَعاشِ فَنَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ عَنْهُ، وحُجَّةُ أصْحابِ هَذا القَوْلِ أنَّ هَذِهِ الآياتِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها مُخاطَبَةٌ مَعَ اليَهُودِ فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا كَذَلِكَ. الثّانِي: أنَّهم هُمُ المُنافِقُونَ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَغْتَرُّونَ بِظاهِرِ أقْوالِ المُنافِقِينَ ويَظُنُّونَ أنَّهم صادِقُونَ فَيُفْشُونَ إلَيْهِمُ الأسْرارَ ويُطْلِعُونَهم عَلى الأحْوالِ الخَفِيَّةِ، فاللَّهُ تَعالى مَنَعَهم عَنْ ذَلِكَ، وحُجَّةُ أصْحابِ هَذا القَوْلِ أنَّ ما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لا يَلِيقُ بِاليَهُودِ بَلْ هو صِفَةُ المُنافِقِينَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] . الثّالِثُ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ أصْنافِ الكُفّارِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ فَمَنَعَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ فَيَكُونُ ذَلِكَ نَهْيًا عَنْ جَمِيعِ الكُفّارِ وقالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ ما رُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هاهُنا رَجُلٌ مِن أهْلِ الحَيْرَةِ نَصْرانِيٌّ لا يُعْرَفُ أقْوى حِفْظًا ولا أحْسَنُ خَطًّا مِنهُ، فَإنْ رَأيْتَ أنْ تَتَّخِذَهُ كاتِبًا، فامْتَنَعَ عُمَرُ مِن ذَلِكَ وقالَ: إذَنِ اتَّخَذْتُ بِطانَةً مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، فَقَدْ جَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذِهِ الآيَةَ دَلِيلًا عَلى النَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ بِطانَةٍ، وأمّا ما تَمَسَّكُوا بِهِ مِن أنَّ ما بَعْدَ الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِالمُنافِقِينَ فَهَذا لا يَمْنَعُ عُمُومَ أوَّلِ الآيَةِ، فَإنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ أوَّلَ الآيَةِ إذا كانَ عامًّا وآخِرَها إذا كانَ خاصًّا لَمْ يَكُنْ خُصُوصُ آخِرِ الآيَةِ مانِعًا مِن عُمُومِ أوَّلِها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو حاتِمٍ عَنِ الأصْمَعِيِّ: بَطَنَ فُلانٌ بِفُلانٍ يُبْطِنُ بِهِ بُطُونًا وبِطانَةً، إذا كانَ خاصًّا بِهِ داخِلًا في أمْرِهِ، فالبِطانَةُ مَصْدَرٌ يُسَمّى بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ، وبِطانَةُ الرَّجُلِ خاصَّتُهُ الَّذِينَ يُبْطِنُونَ أمْرَهُ وأصْلُهُ مِنَ البَطْنِ خِلافُ الظَّهْرِ، ومِنهُ بِطانَةُ الثَّوْبِ خِلافُ ظِهارَتِهِ، والحاصِلُ أنَّ الَّذِي يَخُصُّهُ الإنْسانُ بِمَزِيدِ التَّقْرِيبِ يُسَمّى بِطانَةً لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ ما يَلِي بَطْنَهُ في شِدَّةِ القُرْبِ مِنهُ.

صفحة ١٧٣

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً﴾ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ فَيُفِيدُ العُمُومَ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: مِن دُونِكم أيْ مِن دُونِ المُسْلِمِينَ ومِن غَيْرِ أهْلِ مِلَّتِكم، ولَفْظُ ﴿مِن دُونِكُمْ﴾ يَحْسُنُ حَمْلُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: قَدْ أحْسَنْتُمْ إلَيْنا وأنْعَمْتُمْ عَلَيْنا، وهو يُرِيدُ أحْسَنْتُمْ إلى إخْوانِنا، وقالَ تَعالى: ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ٢١] أيْ آباؤُهم فَعَلُوا ذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِكُمْ﴾ احْتِمالانِ. أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾ أيْ لا تَتَّخِذُوا مِن دُونِكم بِطانَةً. والثّانِي: أنْ يُجْعَلَ وصْفًا لِلْبِطانَةِ، والتَّقْدِيرُ: بِطانَةً كائِناتٍ مِن دُونِكم.

فَإنْ قِيلَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ: لا تَتَّخِذُوا مِن دُونِكم بِطانَةً، وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ ؟

قُلْنا: قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ والَّذِي هم بِشَأْنِهِ أعْنى، وهاهُنا لَيْسَ المَقْصُودُ اتِّخاذَ البِطانَةِ إنَّما المَقْصُودُ أنْ يَتَّخِذَ مِنهم بِطانَةً فَكانَ قَوْلُهُ: لا تَتَّخِذُوا مِن دُونِكم بِطانَةً أقْوى في إفادَةِ المَقْصُودِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قِيلَ (مِن) زائِدَةٌ، وقِيلَ لِلنَّبِيِّينَ: لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِ أهْلِ مِلَّتِكم. فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي المَنعَ مِن مُصاحَبَةِ الكُفّارِ عَلى الإطْلاقِ، وقالَ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨] ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ﴾ [الممتحنة: ٩] فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ قُلْنا: لا شَكَّ أنَّ الخاصَّ يُقَدَّمُ عَلى العامِّ.

* * *

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَعَ المُؤْمِنِينَ مِن أنْ يَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنَ الكافِرِينَ ذَكَرَ عِلَّةَ هَذا النَّهْيِ، وهي أُمُورٌ. أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ (ألا) في الأمْرِ يَأْلُو إذا قَصَّرَ فِيهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مُعَدًى إلى مَفْعُولَيْنِ في قَوْلِهِمْ: لا آلُوكَ نُصْحًا، ولا آلُوكَ جُهْدًا عَلى التَّضْمِينِ، والمَعْنى لا أمْنَعُكَ نُصْحًا ولا أنْقُصُكَ جُهْدًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الخَبالُ الفَسادُ والنُّقْصانُ، وأنْشَدُوا:

لَسْتُمْ بِيَدٍ إلّا يَدًا أبَـ دًا مَخْبُولَةَ العَضُدِ

أيْ فاسِدَةَ العَضُدِ مَنقُوضَتَها، ومِنهُ قِيلَ: رَجُلٌ مَخْبُولٌ ومُخْبَلٌ ومُخْتَبَلٌ لِمَن كانَ ناقِصَ العَقْلِ، وقالَ تَعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ [التوبة: ٤٧] أيْ فَسادًا وضَرَرًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ أيْ لا يَدَعُونَ جُهْدَهم في مَضَرَّتِكم وفَسادِكم، يُقالُ: ما ألَوْتُهُ نُصْحًا، أيْ ما قَصَّرْتُ في نَصِيحَتِهِ، وما ألَوْتُهُ شَرًّا مِثْلُهُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: انْتَصَبَ الخَبالُ بِلا يَأْلُونَكم لِأنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ كَما ذَكَرْنا وإنْ شِئْتَ نَصَبْتَهُ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ لا يَخْبِلُونَكم خَبالًا. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ١٧٤

المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: ودِدْتُ كَذا، أيْ أحْبَبْتُهُ و(العَنَتُ) شِدَّةُ الضَّرَرِ والمَشَقَّةُ، قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما مَصْدَرِيَّةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥] أيْ بِفَرَحِكم ومَرَحِكم وكَقَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦] أيْ بِنائِهِ إيّاها وطَحْيِهِ إيّاها.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: أحَبُّوا أنْ يَضُرُّوكم في دِينِكم ودُنْياكم أشَدَّ الضَّرَرِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا مَحَلَّ لِقَوْلِهِ: ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ لِأنَّهُ اسْتِئْنافٌ بِالجُمْلَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ صِفَةٌ لِبِطانَةٍ، ولا يَصِحُّ هَذا لِأنَّ البِطانَةَ قَدْ وُصِفَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ فَلَوْ كانَ هَذا صِفَةً أيْضًا لَوَجَبَ إدْخالُ حَرْفِ العَطْفِ بَيْنَهُما.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ في المَعْنى مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: لا يُقَصِّرُونَ في إفْسادِ دِينِكم، فَإنْ عَجَزُوا عَنْهُ ودُّوا إلْقاءَكم في أشَدِّ أنْواعِ الضَّرَرِ. الثّانِي: لا يُقَصِّرُونَ في إفْسادِ أُمُورِكم في الدُّنْيا، فَإذا عَجَزُوا عَنْهُ لَمْ يَزُلْ عَنْ قُلُوبِهِمْ حُبُّ إعْناتِكم. والثّالِثُ: لا يُقَصِّرُونَ في إفْسادِ أُمُورِكم، فَإنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ لِمانِعٍ مِن خارِجٍ، فَحُبُّ ذَلِكَ غَيْرُ زائِلٍ عَنْ قُلُوبِهِمْ.

* * *

وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: البَغْضاءُ أشَدُّ البُغْضِ، فالبُغْضُ مَعَ البَغْضاءِ كالضُّرِّ مَعَ الضَّرّاءِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأفْواهُ جَمْعُ الفَمِ، والفَمُ أصْلُهُ فَوْهٌ بِدَلِيلِ أنَّ جَمْعَهُ أفْواهٌ، يُقالُ: فَوْهٌ وأفْواهٌ كَسَوْطٍ وأسْواطٍ، وطَوْقٍ وأطْواقٍ، ويُقالُ رَجُلٌ مُفَوَّهٌ إذا أجادَ القَوْلَ، وأفْوَهُ إذا كانَ واسِعَ الفَهْمِ، فَثَبَتَ أنَّ أصْلَ الفَمِ فَوْهٌ بِوَزْنِ سَوْطٍ، ثُمَّ حُذِفَتِ الهاءُ تَخْفِيفًا ثُمَّ أُقِيمَ المِيمُ مَقامَ الواوِ لِأنَّهُما حَرْفانِ شَفَوِيّانِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ إنْ حَمَلْناهُ عَلى المُنافِقِينَ فَفي تَفْسِيرِهِ وجْهانِ. الأوَّلُ: أنَّهُ لا بُدَّ في المُنافِقِ مِن أنْ يَجْرِيَ في كَلامِهِ ما يَدُلُّ عَلى نِفاقِهِ ومُفارَقَتِهِ لِطَرِيقِ المُخالَصَةِ في الوُدِّ والنَّصِيحَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] . الثّانِي: قالَ قَتادَةُ: قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ لِأوْلِيائِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ والكُفّارِ لِاطِّلاعِ بَعْضِهِمْ عَلى ذَلِكَ، أمّا إنْ حَمَلْناهُ عَلى اليَهُودِ فَتَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ فَهو أنَّهم يُظْهِرُونَ تَكْذِيبَ نَبِيِّكم وكِتابِكم ويَنْسِبُونَكم إلى الجَهْلِ والحُمْقِ، ومَنِ اعْتَقَدَ في غَيْرِهِ الإصْرارَ عَلى الجَهْلِ والحُمْقِ امْتَنَعَ أنْ يُحِبَّهُ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَبْغَضَهُ، فَهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾ يَعْنِي الَّذِي يَظْهَرُ عَلى لِسانِ المُنافِقِ مِن عَلاماتِ البَغْضاءِ أقَلُّ مِمّا في قَلْبِهِ مِنَ النَّفْرَةِ، والَّذِي يَظْهَرُ مِن عَلاماتِ الحِقْدِ عَلى لِسانِهِ أقَلُّ مِمّا في قَلْبِهِ مِنَ الحِقْدِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ إظْهارَ هَذِهِ الأسْرارِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أيْ مِن أهْلِ العَقْلِ والفَهْمِ والدِّرايَةِ، وقِيلَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ الفَصْلَ بَيْنَ ما يَسْتَحِقُّهُ العَدُوُّ والوَلِيُّ، والمَقْصُودُ بَعْثُهم عَلى اسْتِعْمالِ العَقْلِ في تَأمُّلِ هَذِهِ الآيَةِ وتَدَبُّرِ هَذِهِ البَيِّناتِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском