Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:123–125
3:123Page 66
وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢٣
And already had Allāh given you victory at [the battle of] Badr while you were weak [i.e., few in number]. Then fear Allāh; perhaps you will be grateful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾
فِي كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ أُحُدٍ أتْبَعَها بِذِكْرِ قِصَّةِ بَدْرٍ، وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كانُوا في غايَةِ الفَقْرِ والعَجْزِ، والكُفّارَ كانُوا في غايَةِ الشِّدَّةِ والقُوَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى سَلَّطَ المُسْلِمِينَ عَلى المُشْرِكِينَ فَصارَ ذَلِكَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ العاقِلَ يَجِبُ أنْ لا يَتَوَسَّلَ إلى تَحْصِيلِ غَرَضِهِ ومَطْلُوبِهِ إلّا بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ والِاسْتِعانَةِ بِهِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ تَأْكِيدُ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ وتَأْكِيدُ قَوْلِهِ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ . الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الطّائِفَتَيْنِ أنَّهُما هَمَّتا بِالفَشَلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي مَن كانَ اللَّهُ ناصِرًا لَهُ ومُعِينًا لَهُ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذا الفَشَلُ والجُبْنُ والضَّعْفُ ؟ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ بَدْرٍ فَإنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا في غايَةِ الضَّعْفِ ولَكِنْ لَمّا كانَ اللَّهُ ناصِرًا لَهم فازُوا بِمَطْلُوبِهِمْ وقَهَرُوا خُصُومَهم فَكَذا هاهُنا، فَهَذا تَقْرِيرُ وجْهِ النَّظْمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في بَدْرٍ أقْوالٌ. الأوَّلُ: بَدْرٌ اسْمُ بِئْرٍ لِرَجُلٍ يُقالُ لَهُ بَدْرٌ فَسُمِّيَتِ البِئْرُ بِاسْمِ صاحِبِها هَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ. الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ لِلْبِئْرِ كَما يُسَمّى البَلَدُ بِاسْمٍ مِن غَيْرِ أنْ يُنْقَلَ إلَيْهِ اسْمُ صاحِبِهِ وهَذا قَوْلُ الواقِدِيِّ وشُيُوخِهِ، وأنْكَرُوا قَوْلَ الشَّعْبِيِّ، وهو ماءٌ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (أذِلَّةٌ) جَمْعُ ذَلِيلٍ قالَ الواحِدِيُّ: الأصْلُ في الفَعِيلِ إذا كانَ صِفَةً أنْ يُجْمَعَ عَلى فُعَلاءَ كَظَرِيفٍ وظُرَفاءَ وكَثِيرٍ وكُثَراءَ وشَرِيكٍ وشُرَكاءَ إلّا أنَّ لَفْظَ فُعَلاءَ اجْتَنَبُوهُ في التَّضْعِيفِ لِأنَّهم لَوْ قالُوا: قَلِيلٌ وقُلَلاءُ وخَلِيلٌ وخُلَلاءُ لاجْتَمَعَ حَرْفانِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ فَعُدِلَ إلى أفْعِلَةٍ لِأنَّ مِن جُمُوعِ الفَعِيلِ: الأفْعِلَةَ، كَجَرِيبٍ وأجْرِبَةٍ، وقَفِيزٍ وأقْفِزَةٍ فَجَعَلُوهُ جَمْعَ ذَلِيلٍ أذِلَّةً، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الأذِلَّةُ جَمْعُ قِلَّةٍ، وإنَّما ذَكَرَ جَمْعَ القِلَّةِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم مَعَ ذُلِّهِمْ كانُوا قَلِيلِينَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وإنَّما كانُوا أذِلَّةً لِوُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فَلا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ هَذا الذُّلِّ بِمَعْنًى لا يُنافِي مَدْلُولَ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ هو تَفْسِيرُهُ بِقِلَّةِ العَدَدِ وضَعْفِ الحالِ وقِلَّةِ السِّلاحِ والمالِ وعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى مُقاوَمَةِ العَدُوِّ، ومَعْنى الذُّلِّ الضَّعْفُ عَنِ المُقاوَمَةِ ونَقِيضُهُ العِزُّ وهو القُوَّةُ والغَلَبَةُ، رُوِيَ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ، وما كانَ
صفحة ١٨٣
فِيهِمْ إلّا فَرَسٌ واحِدٌ، وأكْثَرُهم كانُوا رَجّالَةً، ورُبَّما كانَ الجَمْعُ مِنهم يَرْكَبُ جَمَلًا واحِدًا، والكُفّارُ قَرِيبِينَ مِن ألْفِ مُقاتِلٍ ومَعَهم مِائَةُ فَرَسٍ مَعَ الأسْلِحَةِ الكَثِيرَةِ والعُدَّةِ الكامِلَةِ. الثّانِي: لَعَلَّ المُرادَ أنَّهم كانُوا أذِلَّةً في زَعْمِ المُشْرِكِينَ واعْتِقادِهِمْ لِأجْلِ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ وسِلاحِهِمْ، وهو مِثْلُ ما حَكى اللَّهُ عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا: (﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] . الثّالِثُ: أنَّ الصَّحابَةَ قَدْ شاهَدُوا الكُفّارَ في مَكَّةَ في القُوَّةِ والثَّرْوَةِ وإلى ذَلِكَ الوَقْتِ ما اتَّفَقَ لَهُمُ اسْتِيلاءٌ عَلى أُولَئِكَ الكُفّارِ، فَكانَتْ هَيْبَتُهم باقِيَةً في قُلُوبِهِمْ واسْتِعْظامُهم مُقَرَّرًا في نُفُوسِهِمْ فَكانُوا لِهَذا السَّبَبِ يَهابُونَهم ويَخافُونَ مِنهم.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ في الثَّباتِ مَعَ رَسُولِهِ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ بِتَقْواكم ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِن نُصْرَتِهِ أوْ لَعَلَّ اللَّهَ يُنْعِمُ عَلَيْكم نِعْمَةً أُخْرى تَشْكُرُونَها، فَوَضَعَ الشُّكْرَ مَوْضِعَ الإنْعامِ، لِأنَّهُ سَبَبٌ لَهُ.
3:124Page 66
إِذۡ تَقُولُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ أَلَن يَكۡفِيَكُمۡ أَن يُمِدَّكُمۡ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ ١٢٤
[Remember] when you said to the believers, "Is it not sufficient for you that your Lord should reinforce you with three thousand angels sent down?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّ هَذا الوَعْدَ حَصَلَ يَوْمَ بَدْرٍ، أوْ يَوْمَ أُحُدٍ ويَتَفَرَّعُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بَيانُ العامِلِ في (إذْ) فَإنْ قُلْنا هَذا الوَعْدُ حَصَلَ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ العامِلُ في (إذْ) قَوْلَهُ: ﴿نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ والتَّقْدِيرُ: إذْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإنْ قُلْنا إنَّهُ حَصَلَ يَوْمَ أُحُدٍ كانَ ذَلِكَ بَدَلًا ثانِيًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذْ غَدَوْتَ﴾ .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ يَوْمُ أُحُدٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ والواقِدِيِّ ومُقاتِلٍ ومُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، والحُجَّةُ عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ يَوْمَ بَدْرٍ إنَّما أُمِدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ قالَ تَعالى في سُورَةِ الأنْفالِ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ [الأنفال: ٩] فَكَيْفَ يَلِيقُ ما ذُكِرَ فِيهِ ثَلاثَةُ آلافٍ وخَمْسَةُ آلافٍ بِيَوْمِ بَدْرٍ ؟
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَوْمَ بَدْرٍ ألْفًا أوْ ما يَقْرُبُ مِنهُ، والمُسْلِمُونَ كانُوا عَلى الثُّلُثِ مِنهم لِأنَّهم كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ، فَصارَ عَدَدُ الكُفّارِ مُقابَلًا بِعَدَدِ المَلائِكَةِ مَعَ زِيادَةِ عَدَدِ المُسْلِمِينَ فَلا جَرَمَ وقَعَتِ الهَزِيمَةُ عَلى الكُفّارِ فَكَذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ كانَ عَدَدُ المُسْلِمِينَ ألْفًا، وعَدَدُ الكُفّارِ ثَلاثَةَ آلافٍ، فَكانَ عَدَدُ المُسْلِمِينَ عَلى الثُّلُثِ مِن عَدَدِ الكُفّارِ في هَذا اليَوْمِ، كَما في يَوْمِ بَدْرٍ، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ في هَذا اليَوْمِ أنْ يُنَزِّلَ ثَلاثَةَ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ لِيَصِيرَ عَدَدُ الكُفّارِ مُقابَلًا بِعَدَدِ المَلائِكَةِ مَعَ زِيادَةِ عَدَدِ المُسْلِمِينَ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّ المُسْلِمِينَ يَهْزِمُونَهم في هَذا اليَوْمِ كَما هَزَمُوهم يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ جَعَلَ الثَّلاثَةَ
صفحة ١٨٤
آلافٍ خَمْسَةَ آلافٍ لِتَزْدادَ قُوَّةُ قُلُوبِ المُسْلِمِينَ في هَذا اليَوْمِ ويَزُولَ الخَوْفُ عَنْ قُلُوبِهِمْ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا المَعْنى إنَّما يَحْصُلُ إذا قُلْنا إنَّ هَذا الوَعْدَ إنَّما حَصَلَ يَوْمَ أُحُدٍ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] والمُرادُ ويَأْتُوكم أعْداؤُكم مِن فَوْرِهِمْ، ويَوْمُ أُحُدٍ هو اليَوْمُ الَّذِي كانَ يَأْتِيهِمُ الأعْداءُ، فَأمّا يَوْمُ بَدْرٍ فالأعْداءُ ما أتَوْهم، بَلْ هم ذَهَبُوا إلى الأعْداءِ.
فَإنْ قِيلَ: لَوْ جَرى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ في يَوْمِ أُحُدٍ، ثُمَّ إنَّهُ ما حَصَلَ هَذا الإمْدادُ لَزِمَ الكَذِبُ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّ إنْزالَهُ خَمْسَةَ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ كانَ مَشْرُوطًا بِشَرْطِ أنْ يَصْبِرُوا ويَتَّقُوا في المَغانِمِ ثُمَّ إنَّهم لَمْ يَصْبِرُوا ولَمْ يَتَّقُوا في المَغانِمِ، بَلْ خالَفُوا أمْرَ الرَّسُولِ ﷺ، فَلَمّا فاتَ الشَّرْطُ لا جَرَمَ فاتَ المَشْرُوطُ، وأمّا إنْزالُ ثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَإنَّما وعَدَ الرَّسُولُ بِذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَوَّأهم مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وأمَرَهم بِالسُّكُونِ والثَّباتِ في تِلْكَ المَقاعِدِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ إنَّما وعَدَهم بِهَذا الوَعْدِ بِشَرْطِ أنْ يَثْبُتُوا في تِلْكَ المَقاعِدِ، فَلَمّا أهْمَلُوا هَذا الشَّرْطَ لا جَرَمَ لَمْ يَحْصُلِ المَشْرُوطُ.
الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المَلائِكَةَ ما نَزَلَتْ، رَوى الواقِدِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: حَضَرَتِ المَلائِكَةُ يَوْمَ أُحُدٍ ولَكِنَّهم لَمْ يُقاتِلُوا، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أعْطى اللِّواءَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ فَقُتِلَ مُصْعَبٌ فَأخَذَهُ مَلَكٌ في صُورَةِ مُصْعَبٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَقَدَّمْ يا مُصْعَبُ فَقالَ المَلَكُ: لَسْتُ بِمُصْعَبٍ فَعَرَفَ الرَّسُولُ ﷺ أنَّهُ مَلَكٌ أُمِدَّ بِهِ»، وعَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ أرْمِي السَّهْمَ يَوْمَئِذٍ فَيَرُدُّهُ عَلَيَّ رَجُلٌ أبْيَضُ حَسَنُ الوَجْهِ وما كُنْتُ أعْرِفُهُ، فَظَنَنْتُ أنَّهُ مَلَكٌ، فَهَذا ما نَقُولُهُ في تَقْرِيرِ هَذا الوَجْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: نَظْمُ الآيَةِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قِصَّةَ أُحُدٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ تَوَكُّلُهم عَلى اللَّهِ لا عَلى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ فَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فَكَذَلِكَ هو قادِرٌ عَلى مِثْلِ هَذِهِ النُّصْرَةِ في سائِرِ المَواضِعِ، ثُمَّ بَعْدَ هَذا أعادَ الكَلامَ إلى قِصَّةِ أُحُدٍ فَقالَ: ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ .
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الوَعْدَ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّتِهِ بِوُجُوهٍ.
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ كَذا وكَذا، فَظاهِرُ هَذا الكَلامِ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى نَصَرَهم بِبَدْرٍ حِينَما قالَ الرَّسُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ هَذا الكَلامَ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ هَذا الكَلامَ يَوْمَ بَدْرٍ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ قِلَّةَ العَدَدِ والعُدَدِ كانَتْ يَوْمَ بَدْرٍ أكْثَرَ وكانَ الِاحْتِياجُ إلى تَقْوِيَةِ القَلْبِ ذَلِكَ اليَوْمَ أكْثَرَ، فَكانَ صَرْفُ هَذا الكَلامِ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ أوْلى.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الوَعْدَ بِإنْزالِ ثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ كانَ مُطْلَقًا غَيْرَ مَشْرُوطٍ بِشَرْطٍ، فَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ، وهو إنَّما حَصَلَ يَوْمَ بَدْرٍ لا يَوْمَ أُحُدٍ، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ إنَّهم نَزَلُوا لَكِنَّهم ما قاتَلُوا لِأنَّ الوَعْدَ كانَ بِالإمْدادِ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وبِمُجَرَّدِ الإنْزالِ لا يَحْصُلُ الإمْدادُ بَلْ لا بُدَّ مِنَ الإعانَةِ، والإعانَةُ حَصَلَتْ
صفحة ١٨٥
يَوْمَ بَدْرٍ ولَمْ تَحْصُلْ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ أجابُوا عَنْ دَلائِلِ الأوَّلِينَ فَقالُوا:
أمّا الحُجَّةُ الأُولى: وهي قَوْلُكم: الرَّسُولُ ﷺ إنَّما أُمِدَّ يَوْمَ بَدْرٍ بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ.
فالجَوابُ عَنْها: مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أمَدَّ أصْحابَ الرَّسُولِ ﷺ بِألْفٍ ثُمَّ زادَ فِيهِمْ ألْفَيْنِ فَصارُوا ثَلاثَةَ آلافٍ، ثُمَّ زادَ ألْفَيْنِ آخَرَيْنِ فَصارُوا خَمْسَةَ آلافٍ، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لَهم: ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَقالُوا: بَلى، ثُمَّ قالَ: ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ ؟ فَقالُوا: بَلى، ثُمَّ قالَ لَهم: إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ، وهو كَما رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: ”«أيَسُرُّكم أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: أيَسُرُّكم أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: فَإنِّي أرْجُو أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ» “ .
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ أهْلَ بَدْرٍ إنَّما أُمِدُّوا بِألْفٍ عَلى ما هو مَذْكُورٌ في سُورَةِ الأنْفالِ، ثُمَّ بَلَغَهم أنَّ بَعْضَ المُشْرِكِينَ يُرِيدُ إمْدادَ قُرَيْشٍ بِعَدَدٍ كَثِيرٍ فَخافُوا وشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ بِأنَّ الكُفّارَ إنْ جاءَهم مَدَدٌ فَأنا أُمِدُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَأْتِ قُرَيْشًا ذَلِكَ المَدَدُ، بَلِ انْصَرَفُوا حِينَ بَلَغَهم هَزِيمَةُ قُرَيْشٍ، فاسْتَغْنى عَنْ إمْدادِ المُسْلِمِينَ بِالزِّيادَةِ عَلى الألْفِ.
وأمّا الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: وهي قَوْلُكم: إنَّ الكُفّارَ كانُوا يَوْمَ بَدْرٍ ألْفًا فَأنْزَلَ اللَّهُ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ ويَوْمَ أُحُدٍ ثَلاثَةَ آلافٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ ثَلاثَةَ آلافٍ.
فالجَوابُ: إنَّهُ تَقْرِيبٌ حَسَنٌ، ولَكِنَّهُ لا يُوجِبُ أنْ لا يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلِ اللَّهُ تَعالى قَدْ يُزِيدُ وقَدْ يُنْقِصُ في العَدَدِ بِحَسَبِ ما يُرِيدُ.
وأمّا الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: وهي التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ﴾ .
فالجَوابُ عَنْهُ: أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا سَمِعُوا أنَّ الرَّسُولَ ﷺ وأصْحابَهُ قَدْ تَعَرَّضُوا لِلْعِيرِ ثارَ الغَضَبُ في قُلُوبِهِمْ واجْتَمَعُوا وقَصَدُوا النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ إنَّ الصَّحابَةَ لَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ خافُوا فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى: أنَّهم إنْ يَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَهَذا حاصِلُ ما قِيلَ في تَقْرِيرِ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في عَدَدِ المَلائِكَةِ، وضَبْطُ الأقْوالِ فِيها أنَّ مِنَ النّاسِ مَن ضَمَّ العَدَدَ النّاقِصَ إلى العَدَدِ الزّائِدِ، فَقالُوا: لِأنَّ الوَعْدَ بِإمْدادِ الثَّلاثَةِ لا شَرْطَ فِيهِ، والوَعْدُ بِإمْدادِ الخَمْسَةِ مَشْرُوطٌ بِالصَّبْرِ والتَّقْوى ومَجِيءِ الكُفّارِ مِن فَوْرِهِمْ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّغايُرِ وهو ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الخَمْسَةِ مَشْرُوطَةً بِشَرْطِ أنْ تَكُونَ الثَّلاثَةُ الَّتِي جَزَّؤُها مَشْرُوطَةً بِذَلِكَ الشَّرْطِ ومِنهم مَن أدْخَلَ العَدَدَ النّاقِصَ في العَدَدِ الزّائِدِ، أمّا عَلى تَقْدِيرِ الأوَّلِ: فَإنْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى قِصَّةِ بَدْرٍ كانَ عَدَدُ المَلائِكَةِ تِسْعَةَ آلافٍ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الألْفَ، وذَكَرَ ثَلاثَةَ آلافٍ، وذَكَرَ خَمْسَةَ آلافٍ، والمَجْمُوعُ تِسْعَةُ آلافٍ، وإنْ حَمَلْناها عَلى قِصَّةِ أُحُدٍ، فَلَيْسَ فِيها ذِكْرُ الألْفِ، بَلْ فِيها ذِكْرُ ثَلاثَةِ آلافٍ، وخَمْسَةِ آلافٍ، والمَجْمُوعُ: ثَمانِيَةُ آلافٍ، وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي: وهو إدْخالُ النّاقِصِ في الزّائِدِ فَقالُوا: عَدَدُ المَلائِكَةِ خَمْسَةُ آلافٍ، ثُمَّ ضُمَّ إلَيْها ألْفانِ آخَرانِ، فَلا جَرَمَ وُعِدُوا بِالألْفِ ثُمَّ ضُمَّ إلَيْهِ ألْفانِ فَلا جَرَمَ وُعِدُوا بِثَلاثَةِ آلافٍ، ثُمَّ ضُمَّ إلَيْها ألْفانِ آخَرانِ فَلا جَرَمَ وُعِدُوا بِخَمْسَةِ
صفحة ١٨٦
آلافٍ، وقَدْ حَكَيْنا عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: أُمِدَّ أهْلُ بَدْرٍ بِألْفٍ فَقِيلَ: إنَّ كُرْزَ بْنَ جابِرٍ المُحارِبِيَّ يُرِيدُ أنْ يُمِدَّ المُشْرِكِينَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لَهم: ألَنْ يَكْفِيَكم يَعْنِي بِتَقْدِيرِ أنْ يَجِيءَ المُشْرِكِينَ مَدَدٌ فاللَّهُ تَعالى يُمِدُّكم أيْضًا بِثَلاثَةِ آلافٍ وخَمْسَةِ آلافٍ، ثُمَّ إنَّ المُشْرِكِينَ ما جاءَهُمُ المَدَدُ، فَكَذا هاهُنا الزّائِدُ عَلى الألْفِ ما جاءَ المُسْلِمِينَ، فَهَذِهِ وُجُوهٌ كُلُّها مُحْتَمَلَةٌ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أجْمَعَ أهْلُ التَّفْسِيرِ والسِّيَرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ المَلائِكَةَ يَوْمَ بَدْرٍ وأنَّهم قاتَلُوا الكُفّارَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمْ تُقاتِلِ المَلائِكَةُ سِوى يَوْمِ بَدْرٍ وفِيما سِواهُ كانُوا عَدَدًا ومَدَدًا لا يُقاتِلُونَ ولا يَضْرِبُونَ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وأمّا أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ، فَإنَّهُ أنْكَرَ ذَلِكَ أشَدَّ الإنْكارِ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: إنَّ المَلَكَ الواحِدَ يَكْفِي في إهْلاكِ الأرْضِ، ومِنَ المَشْهُورِ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أدْخَلَ جَناحَهُ تَحْتَ المَدائِنِ الأرْبَعِ لِقَوْمِ لُوطٍ وبَلَغَ جَناحُهُ إلى الأرْضِ السّابِعَةِ، ثُمَّ رَفَعَها إلى السَّماءِ وقَلَبَ عالِيَها سافِلَها، فَإذا حَضَرَ هو يَوْمَ بَدْرٍ، فَأيُّ حاجَةٍ إلى مُقاتَلَةِ النّاسِ مَعَ الكُفّارِ ؟ ثُمَّ بِتَقْدِيرِ حُضُورِهِ، فَأيُّ فائِدَةٍ في إرْسالِ سائِرِ المَلائِكَةِ ؟
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ أكابِرَ الكُفّارِ كانُوا مَشْهُورِينَ وكُلُّ واحِدٍ مِنهم مُقابِلُهُ مِنَ الصَّحابَةِ مَعْلُومٌ وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ إسْنادُ قَتْلِهِ إلى المَلائِكَةِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: المَلائِكَةُ لَوْ قاتَلُوا لَكانُوا إمّا أنْ يَصِيرُوا بِحَيْثُ يَراهُمُ النّاسُ أوْ لا يَراهُمُ النّاسُ فَإنْ رَآهُمُ النّاسُ فَإمّا أنْ يُقالَ إنَّهم رَأوْهم في صُورَةِ النّاسِ أوْ في غَيْرِ صُورَةِ النّاسِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ صارَ المُشاهَدُ مِن عَسْكَرِ الرَّسُولِ ثَلاثَةَ آلافٍ، أوْ أكْثَرَ، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِذَلِكَ، ولِأنَّ هَذا عَلى خِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤] وإنْ شاهَدُوهم في صُورَةٍ غَيْرِ صُوَرِ النّاسِ لَزِمَ وُقُوعُ الرُّعْبِ الشَّدِيدِ في قُلُوبِ الخَلْقِ، فَإنَّ مَن شاهَدَ الجِنَّ لا شَكَّ أنَّهُ يَشْتَدُّ فَزَعُهُ ولَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ ألْبَتَّةَ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنَّ النّاسَ ما رَأوُا المَلائِكَةَ فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: إذا حارَبُوا وحَزُّوا الرُّءُوسَ، ومَزَّقُوا البُطُونَ وأسْقَطُوا الكُفّارَ عَنِ الأفْراسِ، فَحِينَئِذٍ النّاسُ كانُوا يُشاهِدُونَ حُصُولَ هَذِهِ الأفْعالِ مَعَ أنَّهم ما كانُوا شاهَدُوا أحَدًا مِنَ الفاعِلِينَ، ومِثْلُ هَذا يَكُونُ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ، وحِينَئِذٍ يَجِبُ أنْ يَصِيرَ الجاحِدُ لِمِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ كافِرًا مُتَمَرِّدًا، ولَمّا لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عُرِفَ فَسادُ هَذا القِسْمِ أيْضًا.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ هَؤُلاءِ المَلائِكَةَ الَّذِينَ نَزَلُوا، إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا أجْسامًا كَثِيفَةً أوْ لَطِيفَةً، فَإنْ كانَ الأوَّلَ وجَبَ أنْ يَراهُمُ الكُلُّ وأنْ تَكُونَ رُؤْيَتُهم كَرُؤْيَةِ غَيْرِهِمْ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأمْرَ ما كانَ كَذَلِكَ، وإنْ كانُوا أجْسامًا لَطِيفَةً دَقِيقَةً مِثْلَ الهَواءِ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ صَلابَةٌ وقُوَّةٌ، ويَمْتَنِعُ كَوْنُهم راكِبِينَ عَلى الخُيُولِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا تَرَوْنَهُ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ إنَّما تَلِيقُ بِمَن يُنْكِرُ القُرْآنَ والنُّبُوَّةَ، فَأمّا مَن يُقِرُّ بِهِما فَلا يَلِيقُ بِهِ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الكَلِماتِ، فَما كانَ يَلِيقُ بِأبِي بَكْرٍ الأصَمِّ إنْكارُ هَذِهِ الأشْياءِ مَعَ أنَّ نَصَّ القُرْآنِ ناطِقٌ بِها ووُرُودُها في الأخْبارِ قَرِيبٌ مِنَ التَّواتُرِ، رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قالَ: لَمّا رَجَعَتْ قُرَيْشٌ مِن أُحُدٍ جَعَلُوا يَتَحَدَّثُونَ في أنْدِيَتِهِمْ بِما ظَفِرُوا، ويَقُولُونَ: لَمْ نَرَ الخَيْلَ البُلْقَ ولا الرِّجالَ البِيضَ الَّذِينَ كُنّا نَراهم يَوْمَ بَدْرٍ، والشُّبْهَةُ المَذْكُورَةُ إذا قابَلْناها
صفحة ١٨٧
بِكَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى زالَتْ وطاحَتْ فَإنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ لِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ لِكَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الحاجاتِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ نُصْرَةِ المَلائِكَةِ قالَ بَعْضُهم: بِالقِتالِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ بِتَقْوِيَةِ نُفُوسِهِمْ وإشْعارِهِمْ بِأنَّ النُّصْرَةَ لَهم وبِإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ الكُفّارِ، والظّاهِرُ في المَدَدِ أنَّهم يُشْرِكُونَ الجَيْشَ في القِتالِ إنْ وقَعَتِ الحاجَةُ إلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ لا تَقَعَ الحاجَةُ إلَيْهِمْ في نَفْسِ القِتالِ وأنْ يَكُونَ مُجَرَّدُ حُضُورِهِمْ كافِيًا في تَقْوِيَةِ القَلْبِ، وزَعَمَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهم قاتَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ ولَمْ يُقاتِلُوا في سائِرِ الأيّامِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ مَعْنى الكِفايَةِ هو سَدُّ الخَلَّةِ والقِيامُ بِالأمْرِ، يُقالُ كَفاهُ أمْرَ كَذا إذا سَدَّ خَلَّتَهُ، ومَعْنى الإمْدادِ إعْطاءُ الشَّيْءِ حالًا بَعْدَ حالٍ قالَ المُفَضَّلُ: ما كانَ عَلى جِهَةِ القُوَّةِ والإعانَةِ قِيلَ فِيهِ: أمَدَّهُ يُمِدُّهُ، وما كانَ عَلى جِهَةِ الزِّيادَةِ قِيلَ فِيهِ: مَدَّهُ يَمُدُّهُ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ [لقمان: ٢٧] .
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ (مُنَزَّلِينَ) مُشَدَّدَ الزّايِ مَفْتُوحَةً عَلى التَّكْثِيرِ، والباقُونَ بِفَتْحِ الزّايِ مُخَفَّفَةً وهُما لُغَتانِ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنَّما قَدَّمَ لَهُمُ الوَعْدَ بِنُزُولِ المَلائِكَةِ لِتَقْوى قُلُوبُهم ويَعْزِمُوا عَلى الثَّباتِ ويَثِقُوا بِنَصْرِ اللَّهِ ومَعْنى ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ إنْكارُ أنْ لا يَكْفِيَكُمُ الإمْدادُ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ وإنَّما جِيءَ بِلَنِ الَّتِي هي لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم كانُوا لِقِلَّتِهِمْ وضَعْفِهِمْ وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ كالآيِسِينَ مِنَ النَّصْرِ.
3:125Page 66
بَلَىٰٓۚ إِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأۡتُوكُم مِّن فَوۡرِهِمۡ هَٰذَا يُمۡدِدۡكُمۡ رَبُّكُم بِخَمۡسَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ١٢٥
Yes, if you remain patient and conscious of Allāh and they [i.e., the enemy] come upon you [attacking] in rage, your Lord will reinforce you with five thousand angels having marks [of distinction]."
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: بَلى: إيجابٌ لِما بَعْدَ (لَنْ) يَعْنِي بَلْ يَكْفِيكُمُ الإمْدادُ فَأوْجَبَ الكِفايَةَ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا﴾ يَعْنِي والمُشْرِكُونَ يَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ العَدَدِ وهو خَمْسَةُ آلافٍ، فَجَعَلَ مَجِيءَ خَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مَشْرُوطَةً بِثَلاثَةِ أشْياءَ: الصَّبْرُ والتَّقْوى ومَجِيءُ الكُفّارِ عَلى الفَوْرِ، فَلَمّا لَمْ تُوجَدْ هَذِهِ الشَّرائِطُ لا جَرَمَ لَمْ يُوجَدِ المَشْرُوطُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفَوْرُ مَصْدَرٌ مِن: فارَتِ القِدْرُ إذا غَلَتْ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠] قِيلَ: إنَّهُ أوَّلُ ارْتِفاعِ الماءِ مِنهُ ثُمَّ جَعَلُوا هَذِهِ اللَّفْظَةَ اسْتِعارَةً في السُّرْعَةِ، يُقالُ جاءَ فُلانٌ ورَجَعَ مِن فَوْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الأُصُولِيِّينَ الأمْرُ لِلْفَوْرِ أوِ التَّراخِي، والمَعْنى حِدَّةُ مَجِيءِ العَدُوِّ وحَرارَتُهُ وسُرْعَتُهُ.
صفحة ١٨٨
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ (مُسَوِّمِينَ) بِكَسْرِ الواوِ أيْ مُعَلِّمِينَ عَلَّمُوا أنْفُسَهم بِعَلاماتٍ مَخْصُوصَةٍ، وأكْثَرُ الأخْبارِ أنَّهم سَوَّمُوا خُيُولَهم بِعَلاماتٍ جَعَلُوها عَلَيْها، والباقُونَ بِفَتْحِ الواوِ، أيْ سَوَّمَهُمُ اللَّهُ أوْ بِمَعْنى أنَّهم سَوَّمُوا أنْفُسَهم، فَكانَ في المُرادِ مِنَ التَّسْوِيمِ في قَوْلِهِ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قَوْلانِ. الأوَّلُ: السُّومَةُ العَلامَةُ الَّتِي يُعْرَفُ بِها الشَّيْءُ مِن غَيْرِهِ، ومَضى شَرْحُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] وهَذِهِ العَلامَةُ يُعَلَّمُها الفارِسُ يَوْمَ اللِّقاءِ لِيُعْرَفَ بِها، وفي الخَبَرِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: ”«سَوِّمُوا فَإنَّ المَلائِكَةَ قَدْ سَوَّمَتْ» “ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتِ المَلائِكَةُ قَدْ سَوَّمُوا أنْفُسَهم بِالعَمائِمِ الصُّفْرِ وخُيُولَهم، وكانُوا عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ، بِأنْ عَلَّقُوا الصُّوفَ الأبْيَضَ في نَواصِيها وأذْنابِها، ورُوِيَ أنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ كانَ يُعَلَّمُ بِرِيشَةِ نَعامَةٍ، وأنَّ عَلِيًّا كانَ يُعَلَّمُ بِصُوفَةٍ بَيْضاءَ وأنَّ الزُّبَيْرَ كانَ يَتَعَصَّبُ بِعِصابَةٍ صَفْراءَ وأنَّ أبا دُجانَةَ كانَ يُعَلَّمُ بِعِصابَةٍ حَمْراءَ.
القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ المُسَوَّمِينَ أنَّهُ بِمَعْنى المُرْسَلِينَ مَأْخُوذًا مِنَ الإبِلِ السّائِمَةِ المُرْسَلَةِ في الرَّعْيِ، تَقُولُ: أسَمْتُ الإبِلَ إذا أرْسَلْتَها، ويُقالُ في التَّكْثِيرِ سَوَّمْتُ كَما تَقُولُ: أكْرَمْتُ وكَرَّمْتُ، فَمَن قَرَأ ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بِكَسْرِ الواوِ فالمَعْنى أنَّ المَلائِكَةَ أرْسَلَتْ خَيْلَها عَلى الكُفّارِ لِقَتْلِهِمْ وأسْرِهِمْ، ومَن قَرَأ بِفَتْحِ الواوِ فالمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَهم عَلى المُشْرِكِينَ لِيُهْلِكُوهم كَما تُهْلِكُ الماشِيَةُ النَّباتَ والحَشِيشَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences