Ar-RaziAli 'Imran · 3:138–143

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:138–143

3:138Page 67

هَٰذَا بَيَانٞ لِّلنَّاسِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ ١٣٨

This [Qur’ān] is a clear statement to [all] the people and a guidance and instruction for those conscious of Allāh.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: (هَذا) ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِهِ ونَهْيِهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ وذِكْرِهِ لِأنْواعِ البَيِّناتِ والآياتِ، ولا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ البَيانِ وبَيْنَ الهُدى وبَيْنَ المَوْعِظَةِ؛ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ فَنَقُولُ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ البَيانَ هو الدَّلالَةُ الَّتِي تُفِيدُ إزالَةَ الشُّبْهَةِ بَعْدَ أنْ كانَتِ الشُّبْهَةُ حاصِلَةً، فالفَرْقُ أنَّ البَيانَ عامٌّ في أيِّ مَعْنًى كانَ، وأمّا الهُدى فَهو بَيانٌ لِطَرِيقِ الرُّشْدِ لِيُسْلَكَ دُونَ طَرِيقِ الغَيِّ. وأمّا المَوْعِظَةُ فَهي الكَلامُ الَّذِي يُفِيدُ الزَّجْرَ عَمّا لا يَنْبَغِي في طَرِيقِ الدِّينِ، فالحاصِلُ أنَّ البَيانَ جِنْسٌ تَحْتَهُ نَوْعانِ:

أحَدُهُما: الكَلامُ الهادِي إلى ما يَنْبَغِي في الدِّينِ وهو الهُدى.

الثّانِي: الكَلامُ الزّاجِرُ عَمّا لا يَنْبَغِي في الدِّينِ وهو المَوْعِظَةُ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ البَيانَ هو الدَّلالَةُ، وأمّا الهُدى فَهو الدَّلالَةُ بِشَرْطِ كَوْنِها مُفْضِيَةً إلى الِاهْتِداءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا البَحْثُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في تَخْصِيصِ هَذا البَيانِ والهُدى، والمَوْعِظَةِ لِلْمُتَّقِينَ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، فَكانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ في حَقِّ غَيْرِ المُتَّقِينَ كالمَعْدُومَةِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النّازِعاتِ: ٤٥] ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: ١١] ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾

صفحة ١٢

[فاطِرٍ: ٢٨] وقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] .

الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ﴾ كَلامٌ عامٌّ ثُمَّ قَوْلَهُ: ﴿وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ مَخْصُوصٌ إلّا في حَقِّ المُتَّقِينَ واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

3:139Page 67

وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩

So do not weaken and do not grieve, and you will be superior if you are [true] believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ الَّذِي قَدَّمَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ﴾ كالمُقَدَّمَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ كَأنَّهُ قالَ إذا بَحَثْتُمْ عَنْ أحْوالِ القُرُونِ الماضِيَةِ عَلِمْتُمْ أنَّ أهْلَ الباطِلِ وإنِ اتَّفَقَتْ لَهُمُ الصَّوْلَةُ، لَكِنْ كانَ مَآلُ الأمْرِ إلى الضَّعْفِ والفُتُورِ، وصارَتْ دَوْلَةُ أهْلِ الحَقِّ عالِيَةً، وصَوْلَةُ أهْلِ الباطِلِ مُنْدَرِسَةً، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَصِيرَ صَوْلَةُ الكُفّارِ عَلَيْكم يَوْمَ أُحُدٍ سَبَبًا لِضَعْفِ قَلْبِكم ولِجُبْنِكم وعَجْزِكم، بَلْ يَجِبُ أنْ يَقْوى قَلْبُكم فَإنَّ الِاسْتِعْلاءَ سَيَحْصُلُ لَكم، والقُوَّةُ والدَّوْلَةُ راجِعَةٌ إلَيْكم.

ثُمَّ نَقُولُ: قَوْلُهُ ﴿ولا تَهِنُوا﴾ أيْ لا تَضْعُفُوا عَنِ الجِهادِ، والوَهْنُ الضَّعْفُ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ [مَرْيَمَ: ٤] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَحْزَنُوا﴾ أيْ عَلى مَن قُتِلَ مِنكم أوْ جُرِحَ وقَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ حالَكم أعْلى مِن حالِهِمْ في القَتْلِ لِأنَّكم أصَبْتُمْ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ أكْثَرَ مِمّا أصابُوا مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٦٥] أوْ لِأنَّ قِتالَكم لِلَّهِ وقِتالَهم لِلشَّيْطانِ، أوْ لِأنَّ قِتالَهم لِلدِّينِ الباطِلِ وقِتالَكم لِلدِّينِ الحَقِّ، وكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَكم أعْلى حالًا مِنهم.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ بِالحُجَّةِ والتَّمَسُّكِ بِالدِّينِ والعاقِبَةِ الحَمِيدَةِ.

الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ مِن حَيْثُ أنَّكم في العاقِبَةِ تَظْفَرُونَ بِهِمْ وتَسْتَوْلُونَ عَلَيْهِمْ وهَذا شَدِيدُ المُناسَبَةِ لِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ القَوْمَ انْكَسَرَتْ قُلُوبُهم بِسَبَبِ ذَلِكَ الوَهْنِ فَهم كانُوا مُحْتاجِينَ إلى ما يُفِيدُهم قُوَّةً في القَلْبِ، وفَرَحًا في النَّفْسِ، فَبَشَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ بَقِيتُمْ عَلى إيمانِكم، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما تَكَفَّلَ بِإعْلاءِ دَرَجَتِهِمْ لِأجْلِ تَمَسُّكِهِمْ بِدِينِ الإسْلامِ.

الثّانِي: وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ فَكُونُوا مُصَدِّقِينَ لِهَذِهِ البِشارَةِ إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِما يَعِدُكُمُ اللَّهُ ويُبَشِّرُكم بِهِ مِنَ الغَلَبَةِ.

والثّالِثُ: التَّقْدِيرُ: ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ بِنُصْرَةِ هَذا الدِّينِ، فَإنْ كُنْتُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلِمْتُمْ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ لا تَبْقى بِحالِها، وأنَّ الدَّوْلَةَ تَصِيرُ لِلْمُسْلِمِينَ والِاسْتِيلاءُ عَلى العَدُوِّ يَحْصُلُ لَهم.

3:140–141Page 67

إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٠

If a wound should touch you - there has already touched the [opposing] people a wound similar to it. And these days [of varying conditions] We alternate among the people so that Allāh may make evident those who believe and [may] take to Himself from among you martyrs - and Allāh does not like the wrongdoers -

وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤١

And that Allāh may purify the believers [through trials] and destroy the disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾

صفحة ١٣

واعْلَمْ أنَّ هَذا مِن تَمامِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِي يُصِيبُهم مِنَ القَرْحِ لا يَجِبُ أنْ يُزِيلَ جِدَّهم واجْتِهادَهم في جِهادِ العَدُوِّ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما أصابَهم ذَلِكَ فَقَدْ أصابَ عَدُوَّهم مِثْلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإذا كانُوا مَعَ باطِلِهِمْ، وسُوءِ عاقِبَتِهِمْ لَمْ يَفْتُرُوا لِأجْلِ ذَلِكَ في الحَرْبِ، فَبِأنْ لا يَلْحَقَكُمُ الفُتُورُ مَعَ حُسْنِ العاقِبَةِ والتَّمَسُّكِ بِالحَقِّ أوْلى، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (قُرْحٌ) بِضَمِّ القافِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القُرْحُ) [آلِ عِمْرانَ: ١٧٢] والباقُونَ بِفَتْحِ القافِ فِيهِما واخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ:

فالأوَّلُ: مَعْناهُما واحِدٌ، وهُما لُغَتانِ: كالجُهْدِ والجَهْدِ، والوُجْدِ والوَجْدِ، والضُّعْفِ والضَّعْفِ.

والثّانِي: أنَّ الفَتْحَ لُغَةُ تِهامَةَ والحِجازِ والضَّمَّ لُغَةُ نَجْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ وبِالضَّمِّ اسْمٌ.

والرّابِعُ: وهو قَوْلُ الفَرّاءِ أنَّهُ بِالفَتْحِ الجِراحَةُ بِعَيْنِها وبِالضَّمِّ ألَمُ الجِراحَةِ.

والخامِسُ: قالَ ابْنُ مِقْسَمٍ: هُما لُغَتانِ إلّا أنَّ المَفْتُوحَةَ تُوِهِمُ أنَّها جَمْعُ قُرْحَةٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ مَسَّهم يَوْمَ بَدْرٍ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٦٥] .

والثّانِي: أنَّ الكُفّارَ قَدْ نالَهم يَوْمَ أُحُدٍ مِثْلُ ما نالَكم مِنَ الجِراحِ والقَتْلِ؛ لِأنَّهُ قُتِلَ مِنهم نَيِّفٌ وعِشْرُونَ رَجُلًا، وقُتِلَ صاحِبُ لِوائِهِمْ والجِراحاتُ كَثُرَتْ فِيهِمْ وعُقِرَ عامَّةُ خَيْلِهِمْ بِالنَّبْلِ، وقَدْ كانَتِ الهَزِيمَةُ عَلَيْهِمْ في أوَّلِ النَّهارِ.

فَإنْ قِيلَ كَيْفَ قالَ: ﴿قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ وما كانَ قَرْحُهم يَوْمَ أُحُدٍ مِثْلَ قَرْحِ المُشْرِكِينَ ؟

قُلْنا: يَجِبُ أنَّ يُفَسَّرَ القَرْحُ في هَذا التَّأْوِيلِ بِمُجَرَّدِ الِانْهِزامِ لا بِكَثْرَةِ القَتْلى.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: (تِلْكَ) مُبْتَدَأٌ و(الأيّامُ) صِفَةٌ و(نُداوِلُها) خَبَرُهُ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: تِلْكَ الأيّامُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ كَما تَقُولُ: هي الأيّامُ تُبْلِي كُلَّ جَدِيدٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ أيّامِ الوَقائِعِ العَجِيبَةِ، فَبَيَّنَ أنَّها دُوَلٌ تَكُونُ عَلى الرَّجُلِ حِينًا ولَهُ حِينًا والحَرْبُ سِجالٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القَفّالُ: المُداوَلَةُ نَقْلُ الشَّيْءِ مِن واحِدٍ إلى آخَرَ، يُقالُ: تَداوَلَتْهُ الأيْدِي إذا تَناقَلَتْهُ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ [الحَشْرِ: ٧] أيْ تَتَداوَلُونَها ولا تَجْعَلُونَ لِلْفُقَراءِ مِنها نَصِيبًا، ويُقالُ: الدُّنْيا دُوَلٌ، أيْ تَنْتَقِلُ مِن قَوْمٍ إلى آخَرِينَ، ثُمَّ عَنْهم إلى غَيْرِهِمْ، ويُقالُ: دالَ لَهُ الدَّهْرُ بِكَذا إذا انْتَقَلَ إلَيْهِ، والمَعْنى أنَّ أيّامَ الدُّنْيا هي دُوَلٌ بَيْنَ النّاسِ لا يَدُومُ مَسارُّها ولا مَضارُّها، فَيَوْمٌ يَحْصُلُ فِيهِ السُّرُورُ لَهُ والغَمُّ لِعَدُوِّهِ، ويَوْمٌ آخَرُ بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ، ولا يَبْقى شَيْءٌ مِن أحْوالِها ولا يَسْتَقِرُّ أثَرٌ مِن آثارِها.

واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ المُداوَلَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى تارَةً يَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ وأُخْرى يَنْصُرُ الكافِرِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ نُصْرَةَ اللَّهِ مَنصِبٌ شَرِيفٌ وإعْزازٌ عَظِيمٌ، فَلا يَلِيقُ بِالكافِرِ، بَلِ المُرادُ مِن هَذِهِ المُداوَلَةِ أنَّهُ تارَةً يُشَدِّدُ المِحْنَةَ عَلى الكُفّارِ وأُخْرى عَلى المُؤْمِنِينَ والفائِدَةُ فِيهِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ شَدَّدَ المِحْنَةَ عَلى الكُفّارِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ وأزالَها عَنِ المُؤْمِنِينَ في جَمِيعِ الأوْقاتِ لَحَصَلَ العِلْمُ الِاضْطِرارِيُّ بِأنَّ الإيمانَ حَقٌّ وما سِواهُ باطِلٌ،

صفحة ١٤

ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ التَّكْلِيفُ والثَّوابُ والعِقابُ، فَلِهَذا المَعْنى تارَةً يُسَلِّطُ اللَّهُ المِحْنَةَ عَلى أهْلِ الإيمانِ، وأُخْرى عَلى أهْلِ الكُفْرِ لِتَكُونَ الشُّبَهاتُ باقِيَةً والمُكَلَّفُ يَدْفَعُها بِواسِطَةِ النَّظَرِ في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ الإسْلامِ فَيَعْظُمُ ثَوابُهُ عِنْدَ اللَّهِ.

والثّانِي: أنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يُقْدِمُ عَلى بَعْضِ المَعاصِي، فَيَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ تَشْدِيدُ المِحْنَةِ عَلَيْهِ في الدُّنْيا أدَبًا لَهُ، وأمّا تَشْدِيدُ المِحْنَةِ عَلى الكافِرِ فَإنَّهُ يَكُونُ غَضَبًا مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ.

والثّالِثُ: وهو أنَّ لَذّاتِ الدُّنْيا وآلامَها غَيْرُ باقِيَةٍ وأحْوالُها غَيْرُ مُسْتَمِرَّةٍ، وإنَّما تَحْصُلُ السَّعاداتُ المُسْتَمِرَّةُ في دارِ الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ فَإنَّهُ تَعالى يُمِيتُ بَعْدَ الإحْياءِ، ويُسْقِمُ بَعْدَ الصِّحَّةِ، فَإذا حَسُنَ ذَلِكَ فَلِمَ لا يَحْسُنُ أنْ يُبَدِّلَ السَّرّاءَ بِالضَّرّاءِ، والقُدْرَةَ بِالعَجْزِ، ورُوِيَ «أنَّ أبا سُفْيانَ صَعِدَ الجَبَلَ يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ قالَ: أيْنَ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ ؟ أيْنَ ابْنُ أبِي قُحافَةَ ؟ أيْنَ ابْنُ الخَطّابِ ؟، فَقالَ عُمَرُ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهَذا أبُو بَكْرٍ، وها أنا عُمَرُ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: يَوْمٌ بِيَوْمٍ والأيّامُ دُوَلٌ والحَرْبُ سِجالٌ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لا سَواءَ، قَتْلانا في الجَنَّةِ وقَتْلاكم في النّارِ، فَقالَ: إنْ كانَ كَما تَزْعُمُونَ، فَقَدْ خِبْنا إذَنْ وخَسِرْنا» .

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ.

المَسْألَةُ الأُولى: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، إمّا بَعْدَهُ أوْ قَبْلَهُ، أمّا الإضْمارُ بَعْدَهُ فَعَلى تَقْدِيرِ ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَعَلْنا هَذِهِ المُداوَلَةَ، وأمّا الإضْمارُ قَبْلَهُ فَعَلى تَقْدِيرِ: وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ لِأُمُورٍ، مِنها لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، ومِنها لِيَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ، ومِنها لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، ومِنها لِيَمْحَقَ الكافِرِينَ، فَكُلُّ ذَلِكَ كالسَّبَبِ والعِلَّةِ في تِلْكَ المُداوَلَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ، قالَ تَعالى: ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٧٥] وقالَ تَعالى: ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنْعامِ: ١١٣] والتَّقْدِيرُ: وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ لِيَكُونَ كَيْتَ وكَيْتَ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ، وإنَّما حُذِفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ المَصْلَحَةَ في هَذِهِ المُداوَلَةِ لَيْسَتْ بِواحِدَةٍ، لِيُسَلِّيَهم عَمّا جَرى، ولِيُعَرِّفَهم أنَّ تِلْكَ الواقِعَةَ وأنَّ شَأْنَهم فِيها، فِيهِ مِن وُجُوهِ المَصالِحِ ما لَوْ عَرَفُوهُ لَسَرَّهم.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ تَعالى إنَّما فَعَلَ تِلْكَ المُداوَلَةَ لِيَكْتَسِبَ هَذا العِلْمَ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ مُحالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في الإشْكالِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٢] وقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٣٠] وقَوْلُهُ: ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ [الكَهْفِ: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هُودٌ: ٧] وقَدِ احْتَجَّ هِشامُ بْنُ الحَكَمِ بِظَواهِرِ هَذِهِ الآياتِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْلَمُ حُدُوثَ الحَوادِثِ إلّا عِنْدَ وُقُوعِها، فَقالَ: كُلُّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما صارَ عالِمًا بِحُدُوثِ هَذِهِ الأشْياءِ عِنْدَ حُدُوثِها.

أجابَ المُتَكَلِّمُونَ عَنْهُ: بِأنَّ الدَّلائِلَ العَقْلِيَّةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ الحَوادِثَ قَبْلَ وُقُوعِها، فَثَبَتَ أنَّ التَّغْيِيرَ في العِلْمِ مُحالٌ إلّا أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ العِلْمِ عَلى المَعْلُومِ والقُدْرَةِ عَلى المَقْدُورِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، يُقالُ: هَذا

صفحة ١٥

عِلْمُ فُلانٍ والمُرادُ مَعْلُومُهُ، وهَذِهِ قُدْرَةُ فُلانٍ والمُرادُ مَقْدُورُهُ، فَكُلُّ آيَةٍ يُشْعِرُ ظاهِرُها بِتَجَدُّدِ العِلْمِ، فالمُرادُ تَجَدُّدُ المَعْلُومِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: لِيَظْهَرَ الإخْلاصُ مِنَ النِّفاقِ والمُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ.

والثّانِي: لِيَعْلَمَ أوْلِياءَ اللَّهِ، فَأضافَ إلى نَفْسِهِ تَفْخِيمًا.

وثالِثُها: لِيَحْكُمَ بِالِامْتِيازِ، فَوَضَعَ العِلْمَ مَكانَ الحُكْمِ بِالِامْتِيازِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ بِالِامْتِيازِ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ العِلْمِ.

ورابِعُها: لِيَعْلَمَ ذَلِكَ واقِعًا مِنهم كَما كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ سَيَقَعُ؛ لِأنَّ المُجازاةَ تَقَعُ عَلى الواقِعِ دُونَ المَعْلُومِ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: العِلْمُ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يُكْتَفى فِيهِ بِمَفْعُولٍ واحِدٍ، كَما يُقالُ: عَلِمْتُ زَيْدًا، أيْ عَلِمْتُ ذاتَهُ وعَرَفْتُهُ، وقَدْ يَفْتَقِرُ إلى مَفْعُولَيْنِ، كَما يُقالُ: عَلِمْتُ زَيْدًا كَرِيمًا، والمُرادُ مِنهُ في هَذِهِ الآيَةِ هَذا القِسْمُ الثّانِي، إلّا أنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مُتَمَيِّزِينَ بِالإيمانِ مِن غَيْرِهِمْ، أيِ الحِكْمَةُ في هَذِهِ المُداوَلَةِ أنْ يَصِيرَ الَّذِينَ آمَنُوا مُتَمَيِّزِينَ عَمَّنْ يَدَّعِي الإيمانَ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلى الإسْلامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العِلْمُ هاهُنا مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، بِمَعْنى مَعْرِفَةِ الذّاتِ، والمَعْنى ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما يَظْهَرُ مِن صَبْرِهِمْ عَلى جِهادِ عَدُوِّهِمْ، أيْ لِيَعْرِفَهم بِأعْيانِهِمْ إلّا أنَّ سَبَبَ حُدُوثِ هَذا العِلْمِ، وهو ظُهُورُ الصَّبْرِ حُذِفَ هاهُنا.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ فالمُرادُ مِنهُ ذِكْرُ الحِكْمَةِ الثّانِيَةِ في تِلْكَ المُداوَلَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: يَتَّخِذُ مِنكم شُهَداءَ عَلى النّاسِ بِما صَدَرَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ والمَعاصِي، فَإنَّ كَوْنَهم شُهَداءَ عَلى النّاسِ مَنصِبٌ عالٍ ودَرَجَةٌ عالِيَةٌ.

والثّانِي: المُرادُ مِنهُ ولِيُكْرِمَ قَوْمًا بِالشَّهادَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ فاتَهم يَوْمَ بَدْرٍ، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ لِقاءَ العَدُوِّ وأنْ يَكُونَ لَهم يَوْمٌ كَيَوْمِ بَدْرٍ يُقاتِلُونَ فِيهِ العَدُوَّ ويَلْتَمِسُونَ فِيهِ الشَّهادَةَ، وأيْضًا القُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِن تَعْظِيمِ حالِ الشُّهَداءِ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٦٩] وقالَ: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٩] وقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ [النِّساءِ: ٦٩] فَكانَتْ هَذِهِ المَنزِلَةُ هي المَنزِلَةُ الثّالِثَةُ لِلنُّبُوَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكانَ مِن جُمْلَةِ الفَوائِدِ المَطْلُوبَةِ مِن تِلْكَ المُداوَلَةِ حُصُولُ هَذا المَنصِبِ العَظِيمِ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى فَقالُوا: مَنصِبُ الشَّهادَةِ عَلى ما ذَكَرْتُمْ، فَإنْ كانَ يُمْكِنُ تَحْصِيلُها بِدُونِ تَسْلِيطِ الكُفّارِ عَلى المُؤْمِنِينَ لَمْ يَبْقَ لِحُسْنِ التَّعْلِيلِ وجْهٌ، وإنْ كانَ لا يُمْكِنُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَتْلُ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الشَّهادَةِ، فَإذا كانَ تَحْصِيلُ تِلْكَ الشَّهادَةِ لِلْعَبْدِ مَطْلُوبًا لِلَّهِ تَعالى وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ القَتْلُ مَطْلُوبًا لِلَّهِ تَعالى، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ تَنْصِيصٌ عَلى أنَّ ما بِهِ حَصَلَتْ تِلْكَ الشَّهادَةُ هو مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الشُّهَداءُ جَمْعُ شَهِيدٍ كالكُرَماءِ والظُّرَفاءِ، والمَقْتُولُ مِنَ المُسْلِمِينَ بِسَيْفِ الكُفّارِ شَهِيدٌ، وفي تَعْلِيلِ هَذا الِاسْمِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الشُّهَداءُ أحْياءُ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٦٩] فَأرْواحُهم حَيَّةٌ وقَدْ حَضَرَتْ دارَ السَّلامِ، وأرْواحُ غَيْرِهِمْ لا تَشْهَدُها.

الثّانِي: قالَ

صفحة ١٦

ابْنُ الأنْبارِيِّ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ومَلائِكَتَهُ شَهِدُوا لَهُ بِالجَنَّةِ، فالشَّهِيدُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ.

الثّالِثُ: سُمُّوا شُهَداءَ لِأنَّهم يَشْهَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ الأنْبِياءِ والصِّدِّيقِينَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] .

الرّابِعُ: سُمُّوا شُهَداءَ لِأنَّهم كَما قُتِلُوا أُدْخِلُوا الجَنَّةَ، بِدَلِيلِ أنَّ الكُفّارَ كَما ماتُوا أُدْخِلُوا النّارَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٥] فَكَذا هاهُنا يَجِبُ أنْ يُقالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، كَما ماتُوا دَخَلُوا الجَنَّةَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أيِ المُشْرِكِينَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمانَ: ١٣] وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ بَعْضِ التَّعْلِيلِ وبَعْضٍ، وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: واللَّهُ لا يُحِبُّ مَن لا يَكُونُ ثابِتًا عَلى الإيمانِ صابِرًا عَلى الجِهادِ.

الثّانِي: فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى إنَّما يُؤَيِّدُ الكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ لِما ذَكَرَ مِنَ الفَوائِدِ، لا لِأنَّهُ يُحِبُّهم.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ لِيُطَهِّرَهم مِن ذُنُوبِهِمْ ويُزِيلَها عَنْهم، والمَحْصُ: في اللُّغَةِ التَّنْقِيَةُ، والمَحْقُ في اللُّغَةِ النُّقْصانُ، وقالَ المُفَضَّلُ: هو أنْ يَذْهَبَ الشَّيْءُ كُلُّهُ حَتّى لا يُرى مِنهُ شَيْءٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧٦] أيْ يَسْتَأْصِلُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الأيّامَ مُداوَلَةً بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ، فَإنْ حَصَلَتِ الغَلَبَةُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ كانَ المُرادُ تَمْحِيصَ ذُنُوبِ المُؤْمِنِينَ، وإنْ كانَتِ الغَلَبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى هَؤُلاءِ الكافِرِينَ كانَ المُرادُ مَحْقَ آثارِ الكافِرِينَ ومَحْوَهم، فَقابَلَ تَمْحِيصَ المُؤْمِنِينَ بِمَحْقِ الكافِرِينَ؛ لِأنَّ تَمْحِيصَ هَؤُلاءِ بِإهْلاكِ ذُنُوبِهِمْ نَظِيرُ مَحْقِ أُولَئِكَ بِإهْلاكِ أنْفُسِهِمْ، وهَذِهِ مُقابَلَةٌ لَطِيفَةٌ في المَعْنى. والأقْرَبُ أنَّ المُرادَ بِالكافِرِينَ هاهُنا طائِفَةٌ مَخْصُوصَةٌ مِنهم وهُمُ الَّذِينَ حارَبُوا الرَّسُولَ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وإنَّما قُلْنا ذَلِكَ لِعِلْمِنا بِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَمْحَقْ كُلَّ الكُفّارِ، بَلْ كَثِيرٌ مِنهم بَقِيَ عَلى كَفْرِهِ واللَّهُ أعْلَمُ.

3:142–143Page 68

أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٤٢

Or do you think that you will enter Paradise while Allāh has not yet made evident those of you who fight in His cause and made evident those who are steadfast?

وَلَقَدۡ كُنتُمۡ تَمَنَّوۡنَ ٱلۡمَوۡتَ مِن قَبۡلِ أَن تَلۡقَوۡهُ فَقَدۡ رَأَيۡتُمُوهُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ١٤٣

And you had certainly wished for death [i.e., martyrdom] before you encountered it, and you have [now] seen it [before you] while you were looking on.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى الوُجُوهَ الَّتِي هي المُوجِباتُ والمُؤَثِّراتُ في مُداوَلَةِ الأيّامِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما هو السَّبَبُ الأصْلِيُّ لِذَلِكَ، فَقالَ ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ بِدُونِ تَحَمُّلِ المَشاقِّ ؟ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أمْ: مُنْقَطِعَةٌ، وتَفْسِيرُ كَوْنِها مُنْقَطِعَةً تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: في ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ إنَّهُ نَهْيٌ وقَعَ بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَأْتِي لِلتَّبْكِيتِ، وتَلْخِيصُهُ: لا تَحْسَبُوا أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمْ يَقَعْ مِنكُمُ الجِهادُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ١ ٢] وافْتَتَحَ الكَلامَ بِذِكْرِ ”أمْ“ الَّتِي هي أكْثَرُ ما تَأْتِي في كَلامِهِمْ واقِعَةً بَيْنَ ضَرْبَيْنِ يُشَكُّ في أحَدِهِما لا بِعَيْنِهِ، يَقُولُونَ: أزَيْدًا ضَرَبْتَ أمْ عَمْرًا ؟، مَعَ تَيَقُّنِ وُقُوعِ الضَّرْبِ بِأحَدِهِما، قالَ: وعادَةُ العَرَبِ يَأْتُونَ بِهَذا الجِنْسِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ تَوْكِيدًا،

صفحة ١٧

فَلَمّا قالَ: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٩] كَأنَّهُ قالَ: أفَتَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ كَما تُؤْمَرُونَ بِهِ، أمْ تَحْسَبُونَ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ مِن غَيْرِ مُجاهِدَةٍ وصَبْرٍ، وإنَّما اسْتُبْعِدَ هَذا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ الجِهادَ قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ، وأوْجَبَ الصَّبْرَ عَلى تَحَمُّلِ مَتاعِبِها، وبَيَّنَ وُجُوهَ المَصالِحِ فِيها في الدِّينِ وفي الدُّنْيا، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ، فَمِنَ البَعِيدِ أنْ يَصِلَ الإنْسانُ إلى السَّعادَةِ والجَنَّةِ مَعَ إهْمالِ هَذِهِ الطّاعَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: إذا قِيلَ فَعَلَ فُلانٌ، فَجَوابُهُ أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، وإذا قِيلَ قَدْ فَعَلَ فُلانٌ، فَجَوابُهُ لَمّا يَفْعَلْ. لِأنَّهُ لَمّا أُكِّدَ في جانِبِ الثُّبُوتِ بِقَدْ، لا جَرَمَ أُكِّدَ في جانِبِ النَّفْيِ بِكَلِمَةِ ”لَمّا“ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ النَّفْيِ عَلى العِلْمِ، والمُرادُ وُقُوعُهُ عَلى نَفْيِ المَعْلُومِ، والتَّقْدِيرُ: أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَصْدُرِ الجِهادُ عَنْكم، وتَقْرِيرُهُ أنَّ العِلْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالمَعْلُومِ، كَما هو عَلَيْهِ، فَلَمّا حَصَلَتْ هَذِهِ المُطابَقَةُ لا جَرَمَ. حَسُنَ إقامَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَقامَ الآخَرِ، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قَرَأ الحَسَنُ (ويَعْلَمِ الصّابِرِينَ) بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ وأمّا النَّصْبُ فَبِإضْمارِ أنْ، وهَذِهِ الواوُ تُسَمّى واوَ الصَّرْفِ، كَقَوْلِكَ: لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبَ اللَّبَنَ، أيْ لا تَجْمَعُ بَيْنَهُما، وكَذا هاهُنا المُرادُ أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ وتَرْكَ المُصابَرَةِ عَلى الجِهادِ مِمّا لا يَجْتَمِعانِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (ويَعْلَمُ) بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ الواوَ لِلْحالِ. كَأنَّهُ قِيلَ: ولَمّا تُجاهِدُوا وأنْتُمْ صابِرُونَ.

واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ الكَلامِ أنَّ حُبَّ الدُّنْيا لا يَجْتَمِعُ مَعَ سَعادَةِ الآخِرَةِ، فَبِقَدْرِ ما يَزْدادُ أحَدَهُما يَنْتَقِصُ الآخَرُ، وذَلِكَ لِأنَّ سَعادَةَ الدُّنْيا لا تَحْصُلُ إلّا بِاشْتِغالِ القَلْبِ بِطَلَبِ الدُّنْيا، والسَّعادَةُ في الآخِرَةِ لا تَحْصُلُ إلّا بِفَراغِ القَلْبِ مِن كُلِّ ما سِوى اللَّهِ وامْتِلائِهِ مِن حُبِّ اللَّهِ، وهَذانَ الأمْرانِ مِمّا لا يَجْتَمِعانِ، فَلِهَذا السِّرِّ وقَعَ الِاسْتِبْعادُ الشَّدِيدُ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ اجْتِماعِهِما، وأيْضًا حُبُّ اللَّهِ وحُبُّ الآخِرَةِ لا يَتِمُّ بِالدَّعْوى، فَلَيْسَ كُلُّ مَن أقَرَّ بِدِينِ اللَّهِ كانَ صادِقًا، ولَكِنَّ الفَصْلَ فِيهِ تَسْلِيطُ المَكْرُوهاتِ والمَحْبُوباتِ، فَإنَّ الحُبَّ هو الَّذِي لا يُنْتَقَصُ بِالجَفاءِ ولا يَزْدادُ بِالوَفاءِ، فَإنْ بَقِيَ الحُبُّ عِنْدَ تَسْلِيطِ أسْبابِ البَلاءِ ظَهَرَ أنَّ ذَلِكَ الحُبَّ كانَ حَقِيقِيًّا، فَلِهَذِهِ الحِكْمَةِ قالَ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ بِمُجَرَّدِ تَصْدِيقِكُمُ الرَّسُولَ قَبْلَ أنْ يَبْتَلِيَكُمُ اللَّهُ بِالجِهادِ وتَشْدِيدِ المِحْنَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском