Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:14–15
3:14Page 51
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ ١٤
Beautified for people is the love of that which they desire - of women and sons, heaped-up sums of gold and silver, fine branded horses, and cattle and tilled land. That is the enjoyment of worldly life, but Allāh has with Him the best return [i.e., Paradise].
قَوْلُهُ تَعالى ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالقِصَّةِ فَإنّا رُوِّينا أنَّ أبا حارِثَةَ بْنَ عَلْقَمَةَ النَّصْرانِيَّ اعْتَرَفَ لِأخِيهِ بِأنَّهُ يَعْرِفُ صِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ في قَوْلِهِ إلّا أنَّهُ لا يُقِرُّ بِذَلِكَ خَوْفًا مِن أنْ يَأْخُذَ مِنهُ مُلُوكُ الرُّومِ المالَ والجاهَ، وأيْضًا رُوِّينا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا دَعا اليَهُودَ إلى الإسْلامِ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ أظْهَرُوا مِن أنْفُسِهِمُ القُوَّةَ والشِّدَّةَ والِاسْتِظْهارَ بِالمالِ والسِّلاحِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ وغَيْرَها مِن مَتاعِ الدُّنْيا زائِلَةٌ باطِلَةٌ، وأنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ وأبْقى.
القَوْلُ الثّانِي: وهو عَلى التَّأْوِيلِ العامِّ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ما هو كالشَّرْحِ والبَيانِ لِتِلْكَ العِبْرَةِ وذَلِكَ هو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ زَيَّنَ لِلنّاسِ حُبَّ الشَّهَواتِ الجُسْمانِيَّةِ، واللَّذّاتِ الدُّنْيَوِيَّةَ، ثُمَّ إنَّها فانِيَةٌ مُنْقَضِيَةٌ تَذْهَبُ لَذّاتُها، وتَبْقى تَبِعاتُها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَثَّ عَلى الرَّغْبَةِ في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ طَيِّباتِ الآخِرَةِ مُعَدَّةٌ لِمَن واظَبَ عَلى العُبُودِيَّةِ مِنَ الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ إلى آخَرِ الآيَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ مَنِ الَّذِي زَيَّنَ ذَلِكَ ؟ أمّا أصْحابُنا فَقَوْلُهم فِيهِ ظاهِرٌ، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَهم خالِقُ جَمِيعِ الأفْعالِ هو اللَّهُ تَعالى، وأيْضًا قالُوا: لَوْ كانَ المُزَيِّنُ الشَّيْطانَ فَمَنِ الَّذِي زَيَّنَ الكُفْرَ والبِدْعَةَ لِلشَّيْطانِ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ شَيْطانًا آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ وقَعَ ذَلِكَ مِن نَفْسِ ذَلِكَ الشَّيْطانِ في الإنْسانِ فَلْيَكُنْ كَذَلِكَ الإنْسانُ، وإنْ كانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو الحَقُّ فَلْيَكُنْ في حَقِّ الإنْسانِ كَذَلِكَ، وفي القُرْآنِ إشارَةٌ إلى هَذِهِ النُّكْتَةِ في سُورَةِ القَصَصِ في قَوْلِهِ ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] يَعْنِي إنِ اعْتَقَدَ أحَدٌ أنّا أغْوَيْناهم فَمَنِ الَّذِي أغْوانا، وهَذا الكَلامُ ظاهِرٌ جِدًّا.
أمّا المُعْتَزِلَةُ فالقاضِي نَقَلَ عَنْهم ثَلاثَةَ أقْوالٍ:
القَوْلُ الأوَّلُ: حُكِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: الشَّيْطانُ زَيَّنَ لَهم، وكانَ يَحْلِفُ عَلى ذَلِكَ بِاللَّهِ، واحْتَجَّ القاضِي لَهم بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أطْلَقَ حُبَّ الشَّهَواتِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الشَّهَواتُ المُحَرَّمَةُ ومُزَيِّنُ الشَّهَواتِ المُحَرَّمَةِ هو الشَّيْطانُ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ القَناطِيرَ المُقَنْطَرَةَ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ؛ وحُبُّ هَذا المالِ الكَثِيرِ
صفحة ١٦٩
إلى هَذا الحَدِّ لا يَلِيقُ إلّا بِمَن جَعَلَ الدُّنْيا قِبْلَةَ طَلَبِهِ، ومُنْتَهى مَقْصُودِهِ، لِأنَّ أهْلَ الآخِرَةِ يَكْتَفُونَ بِالغَلَبَةِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ولا شَكَّ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لِلدُّنْيا، والذَّمُّ لِلشَّيْءِ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُزَيِّنًا لَهُ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ صَرْفُ العَبْدِ عَنِ الدُّنْيا وتَقْبِيحُها في عَيْنِهِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِمَن يُزَيِّنُ الدُّنْيا في عَيْنِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ قَوْمٍ آخَرِينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ: وهو أنَّ المُزَيِّنَ لِهَذِهِ الأشْياءِ هو اللَّهُ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى كَما رَغَّبَ في مَنافِعِ الآخَرَةِ فَقَدْ خَلَقَ مَلاذَّ الدُّنْيا وأباحَها لِعَبِيدِهِ، وإباحَتُها لِلْعَبِيدِ تَزْيِينٌ لَها، فَإنَّهُ تَعالى إذا خَلَقَ الشَّهْوَةَ والمُشْتَهى، وخَلَقَ لِلْمُشْتَهِي عِلْمًا بِما في تَناوُلِ المُشْتَهى مِنَ اللَّذَّةِ، ثُمَّ أباحَ لَهُ ذَلِكَ التَّناوُلَ كانَ تَعالى مُزَيِّنًا لَها.
وثانِيها: أنَّ الِانْتِفاعَ بِهَذِهِ المُشْتَهَياتِ وسائِلُ إلى مَنافِعِ الآخِرَةِ، واللَّهُ تَعالى قَدْ نَدَبَ إلَيْها، فَكانَ مُزَيِّنًا لَها، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الِانْتِفاعَ بِها وسائِلُ إلى ثَوابِ الآخِرَةِ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنْ يَتَصَدَّقَ بِها.
والثّانِي: أنْ يَتَقَوّى بِها عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى.
والثّالِثُ: أنَّهُ إذا انْتَفَعَ بِها وعَلِمَ أنَّ تِلْكَ المَنافِعَ إنَّما تَيَسَّرَتْ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى وإعانَتِهِ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاشْتِغالِ العَبْدِ بِالشُّكْرِ العَظِيمِ، ولِذَلِكَ كانَ الصّاحِبُ ابْنُ عَبّادٍ يَقُولُ: شُرْبُ الماءِ البارِدِ في الصَّيْفِ يَسْتَخْرِجُ الحَمْدَ مِن أقْصى القَلْبِ؛ وذَكَرَ شِعْرًا هَذا مَعْناهُ.
والرّابِعُ: أنَّ القادِرَ عَلى التَّمَتُّعِ بِهَذِهِ اللَّذّاتِ والطَّيِّباتِ إذا تَرَكَها واشْتَغَلَ بِالعُبُودِيَّةِ وتَحَمَّلَ ما فِيها مِنَ المَشَقَّةِ كانَ أكْثَرَ ثَوابًا، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ الِانْتِفاعَ بِهَذِهِ الطَّيِّباتِ وسائِلُ إلى ثَوابِ الآخِرَةِ.
والخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وقالَ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] وقالَ: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها﴾ [الكهف: ٧] وقالَ: ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] وقالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] وقالَ ﴿كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّزْيِينَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ مُجاهِدٍ ”زَيَّنَ لِلنّاسِ“ عَلى تَسْمِيَةِ الفاعِلِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو اخْتِيارُ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ والقاضِي: وهو التَّفْصِيلُ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما كانَ مِن هَذا البابِ واجِبًا أوْ مَندُوبًا كانَ التَّزْيِينُ فِيهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وكُلُّ ما كانَ حَرامًا كانَ التَّزْيِينُ فِيهِ مِنَ الشَّيْطانِ؛ هَذا ما ذَكَرَهُ القاضِي، وبَقِيَ قِسْمٌ ثالِثٌ وهو المُباحُ الَّذِي لا يَكُونُ في فِعْلِهِ ولا في تَرْكِهِ ثَوابٌ ولا عِقابٌ، والقاضِي ما ذَكَرَ هَذا القِسْمَ، وكانَ مِن حَقِّهِ أنْ يَذْكُرَهُ ويُبَيِّنَ أنَّ التَّزْيِينَ فِيهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ مِنَ الشَّيْطانِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ فِيهِ أبْحاثٌ ثَلاثَةٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الشَّهَواتِ هاهُنا هي الأشْياءُ المُشْتَهَياتُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ عَلى الِاسْتِعارَةِ لِلتَّعَلُّقِ والِاتِّصالِ، كَما يُقالُ لِلْمَقْدُورِ قُدْرَةٌ، ولِلْمَرْجُوِّ رَجاءٌ ولِلْمَعْلُومِ عِلْمٌ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ مَشْهُورَةٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: هَذِهِ شَهْوَةُ فُلانٍ، أيْ مُشْتَهاهُ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وفي تَسْمِيَتِها بِهَذا الِاسْمِ فائِدَتانِ:
إحْداهُما: أنَّهُ جَعَلَ الأعْيانَ الَّتِي ذَكَرَها شَهَواتٍ مُبالَغَةً في كَوْنِها مُشْتَهاةً مَحْرُوصًا عَلى الِاسْتِمْتاعِ بِها.
والثّانِيَةُ: أنَّ الشَّهْوَةَ صِفَةٌ مُسْتَرْذَلَةٌ عِنْدَ الحُكَماءِ مَذْمُومَةٌ، مَنِ اتَّبَعَها شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِالبَهِيمِيَّةِ، فَكانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا اللَّفْظِ التَّنْفِيرَ عَنْها.
صفحة ١٧٠
البَحْثُ الثّانِي: قالَ المُتَكَلِّمُونَ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الحُبَّ غَيْرُ الشَّهْوَةِ؛ لِأنَّهُ أضافَ الحُبَّ إلى الشَّهْوَةِ والمُضافُ غَيْرُ المُضافِ إلَيْهِ، والشَّهْوَةُ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، والمَحَبَّةُ مِن أفْعالِ العِبادِ وهي عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَجْعَلَ الإنْسانُ كُلَّ غَرَضِهِ وعَيْشِهِ في طَلَبِ اللَّذّاتِ والطَّيِّباتِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ الحُكَماءُ: الإنْسانُ قَدْ يُحِبُّ شَيْئًا ولَكِنَّهُ يُحِبُّ أنْ لا يُحِبَّهُ، مِثْلَ المُسْلِمِ فَإنَّهُ قَدْ يَمِيلُ طَبْعُهُ إلى بَعْضِ المُحَرَّماتِ لَكِنَّهُ يُحِبُّ أنْ لا يُحِبَّ، وأمّا مَن أحَبَّ شَيْئًا وأحَبَّ أنْ يُحِبَّهُ فَذاكَ هو كَمالُ المَحَبَّةِ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ في جانِبِ الخَيْرِ فَهو كَمالُ السَّعادَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢] ومَعْناهُ أُحِبُّ الخَيْرَ وأُحِبُّ أنْ أكُونَ مُحِبًّا لِلْخَيْرِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ في جانِبِ الشَّرِّ، فَهو كَما قالَ في هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ يَدُلُّ عَلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ مُرَتَّبَةٍ:
أوَّلُها: أنَّهُ يَشْتَهِي أنْواعَ المُشْتَهَياتِ.
وثانِيها: أنَّهُ يُحِبُّ شَهْوَتَهُ لَها.
وثالِثُها: أنَّهُ يَعْتَقِدُ أنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ حَسَنَةٌ وفَضِيلَةٌ، ولَمّا اجْتَمَعَتْ في هَذِهِ القَضِيَّةِ الدَّرَجاتُ الثَّلاثَةُ بَلَغَتِ الغايَةَ القُصْوى في الشِّدَّةِ والقُوَّةِ، ولا يَكادُ يَنْحَلُّ إلّا بِتَوْفِيقٍ عَظِيمٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أضافَ ذَلِكَ إلى النّاسِ، وهو لَفْظٌ عامٌّ دَخَلَهُ حَرْفُ التَّعْرِيفِ فَيُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ، فَظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أنَّ هَذا المَعْنى حاصِلٌ لِجَمِيعِ النّاسِ، والعَقْلُ أيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو أنَّ كُلَّ ما كانَ لَذِيذًا ونافِعًا فَهو مَحْبُوبٌ ومَطْلُوبٌ لِذاتِهِ، واللَّذِيذُ النّافِعُ قِسْمانِ: جُسْمانِيٌّ ورُوحانِيٌّ، والقِسْمُ الجُسْمانِيُّ حاصِلٌ لِكُلِّ أحَدٍ في أوَّلِ الأمْرِ، وأمّا القِسْمُ الرُّوحانِيُّ فَلا يَكُونُ إلّا في الإنْسانِ الواحِدِ عَلى سَبِيلِ النُّدْرَةِ، ثُمَّ ذَلِكَ الإنْسانُ إنَّما يَحْصُلُ لَهُ تِلْكَ اللَّذَّةُ الرُّوحانِيَّةُ بَعْدَ اسْتِئْناسِ النَّفْسِ بِاللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، فَيَكُونُ انْجِذابُ النَّفْسِ إلى اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ كالمَلَكَةِ المُسْتَقِرَّةِ المُتَأكَّدَةِ، وانْجِذابُها إلى اللَّذّاتِ الرُّوحانِيَّةِ كالحالَةِ الطّارِئَةِ الَّتِي تَزُولُ بِأدْنى سَبَبٍ، فَلا جَرَمَ كانَ الغالِبُ عَلى الخَلْقِ إنَّما هو المَيْلُ الشَّدِيدُ إلى اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، وأمّا المَيْلُ إلى طَلَبِ اللَّذّاتِ الرُّوحانِيَّةِ فَذاكَ لا يَحْصُلُ إلّا لِلشَّخْصِ النّادِرِ، ثُمَّ حُصُولُهُ لِذَلِكَ النّادِرِ لا يَتَّفِقُ إلّا في أوْقاتٍ نادِرَةٍ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَمَّ اللَّهُ هَذا الحُكْمَ فَقالَ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: ”مِن“ في قَوْلِهِ ﴿مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ﴾ كَما في قَوْلِهِ ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] فَكَما أنَّ المَعْنى فاجْتَنِبُوا الأوْثانَ الَّتِي هي رِجْسٌ فَكَذا أيْضًا مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: زُيِّنَ لِلنّاسِ حَبُّ النِّساءِ وكَذا وكَذا الَّتِي هي مُشْتَهاةٌ.
البَحْثُ الثّانِي: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عَدَّدَ هاهُنا مِنَ المُشْتَهَياتِ أُمُورًا سَبْعَةً:
أوَّلُها: النِّساءُ وإنَّما قَدَّمَهُنَّ عَلى الكُلِّ لِأنَّ الِالتِذاذَ بِهِنَّ أكْثَرُ والِاسْتِئْناسَ بِهِنَّ أتَمُّ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ العِشْقَ الشَّدِيدَ المُفْلِقَ المُهْلِكَ لا يَتَّفِقُ إلّا في هَذا النَّوْعِ مِنَ الشَّهْوَةِ.
المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: حُبُّ الوَلَدِ؛ ولَمّا كانَ حُبُّ الوَلَدِ الذَّكَرِ أكْثَرَ مِن حُبِّ الأُنْثى، لا جَرَمَ خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِالذِّكْرِ، ووَجْهُ التَّمَتُّعِ بِهِمْ ظاهِرٌ مِن حَيْثُ السُّرُورُ والتَّكَثُّرُ بِهِمْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
صفحة ١٧١
واعْلَمْ أنَّ لِلَّهِ تَعالى في إيجادِ حُبِّ الزَّوْجَةِ والوَلَدِ في قَلْبِ الإنْسانِ حِكْمَةً بالِغَةً، فَإنَّهُ لَوْلا هَذا الحُبُّ لَما حَصَلَ التَّوالُدُ والتَّناسُلُ ولَأدّى ذَلِكَ إلى انْقِطاعِ النَّسْلِ، وهَذِهِ المَحَبَّةُ كَأنَّها حالَةٌ غَرِيزِيَّةٌ ولِذَلِكَ فَإنَّها حاصِلَةٌ لِجَمِيعِ الحَيَواناتِ، والحِكْمَةُ فِيهِ ما ذَكَرْنا مِن بَقاءِ النَّسْلِ.
المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ والرّابِعَةُ: ﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: القِنْطارُ مَأْخُوذٌ مِن عَقْدِ الشَّيْءِ وإحْكامِهِ، والقَنْطَرَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن ذَلِكَ لِتَوَثُّقِها بِعَقْدِ الطّاقِ، فالقِنْطارُ مالٌ كَثِيرٌ يَتَوَثَّقُ الإنْسانُ بِهِ في دَفْعِ أصْنافِ النَّوائِبِ، وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنِ العَرَبِ أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّهُ وزْنٌ لا يُحَدُّ. واعْلَمْ أنَّ هَذا هو الصَّحِيحُ، ومِنَ النّاسِ مَن حاوَلَ تَحْدِيدَهُ، وفِيهِ رِواياتٌ: فَرَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«القِنْطارُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ أُوقِيَّةً» “ ورَوى أنَسٌ عَنْهُ أيْضًا أنَّ «القِنْطارَ ألْفُ دِينارٍ»، ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «القِنْطارُ ألْفٌ ومِائَتا أُوقِيَّةً» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القِنْطارُ ألْفُ دِينارٍ أوِ اثْنا عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ، وهو مِقْدارُ الدِّيَةِ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: القِنْطارُ بِلِسانِ الرُّومِ مَلْءُ مِسْكِ ثَوْرٍ مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ، وفِيهِ أقْوالٌ سِوى ما ذَكَرْنا لَكِنّا تَرَكْناها لِأنَّها غَيْرُ مَعْضُودَةٍ بِحُجَّةٍ البَتَّةَ.
البَحْثُ الثّانِي: (المُقَنْطَرَةِ) مُنْفَعِلَةٌ مِنَ القِنْطارِ، وهو لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِمْ: ألْفٌ مُؤَلَّفَةٌ، وبَدْرَةٌ مُبَدَّرَةٌ، وإبِلٌ مُؤَبَّلَةٌ، ودَراهِمُ مُدَرْهَمَةٌ، وقالَ الكَلْبِيُّ: القَناطِيرُ ثَلاثَةٌ، والمُقَنْطَرَةُ المُضاعَفَةُ، فَكانَ المَجْمُوعُ سِتَّةً.
البَحْثُ الثّالِثُ: الذَّهَبُ والفِضَّةُ إنَّما كانا مَحْبُوبَيْنِ لِأنَّهُما جَعَلا ثَمَنَ جَمِيعِ الأشْياءِ، فَمالِكُهُما كالمالِكِ لِجَمِيعِ الأشْياءِ، وصِفَةُ المالِكِيَّةِ هي القُدْرَةُ، والقُدْرَةُ صِفَةُ كَمالٍ، والكَمالِ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، فَلَمّا كانَ الذَّهَبُ والفِضَّةُ أكْمَلَ الوَسائِلِ إلى تَحْصِيلِ هَذا الكَمالِ الَّذِي هو مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ وما لا يُوجَدُ المَحْبُوبُ إلّا بِهِ فَهو مَحْبُوبٌ، لا جَرَمَ كانا مَحْبُوبَيْنِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: الخَيْلُ جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، كالقَوْمِ والنِّساءِ والرَّهْطِ، وسُمِّيَتِ الأفْراسُ خَيْلًا لِخُيَلائِها في مَشْيِها، وسُمِّيَتْ حَرَكَةُ الإنْسانِ عَلى سَبِيلِ الجَوَلانِ اخْتِيالًا، وسُمِّيَ الخَيالُ خَيالًا، والتَّخَيُّلَ تَخَيُّلًا، لِجَوَلانِ هَذِهِ القُوَّةِ في اسْتِحْضارِ تِلْكَ الصُّورَةِ، والأخْيَلُ الشَّقِرّاقُ، لِأنَّهُ يُتَخَيَّلُ تارَةً أخْضَرَ، وتارَةً أحْمَرَ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى (المُسَوَّمَةِ) عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّها الرّاعِيَةُ، يُقالُ: أسَمْتُ الدّابَّةَ وسَوَّمْتُها إذا أرْسَلْتَها في مُرُوجِها لِلرَّعْيِ، كَما يُقالُ: أقَمْتُ الشَّيْءَ وقَوَّمْتُهُ، وأجَدْتُهُ وجَوَّدْتُهُ، وأنَمْتُهُ ونَوَّمْتُهُ، والمَقْصُودُ أنَّها إذا رَعَتِ ازْدادَتْ حُسْنًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] .
والقَوْلُ الثّانِي: المُسَوَّمَةُ المُعَلَّمَةُ قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: وهو مَأْخُوذٌ مِنَ السِّيما بِالقَصْرِ والسِّيماءِ بِالمَدِّ، ومَعْناهُ واحِدٌ، وهو الهَيْئَةُ الحَسَنَةُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا في تِلْكَ العَلامَةِ، فَقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِن هَذِهِ العَلاماتِ الأوْضاحُ والغُرَرُ الَّتِي تَكُونُ في الخَيْلِ، وهي أنْ تَكُونَ الأفْراسُ غُرًّا مُحَجَّلَةً، وقالَ الأصَمُّ: إنَّما هي البَلَقُ، وقالَ قَتادَةُ: الشِّيَةُ، وقالَ المُؤَرِّجُ: الكَيُّ، وقَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أحْسَنُ لِأنَّ الإشارَةَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى شَرائِفِ الأمْوالِ، وذَلِكَ هو أنْ يَكُونَ الفَرَسُ أغَرَّ مُحَجَّلًا، وأمّا سائِرُ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرُوها فَإنَّها لا تُفِيدُ شَرَفًا في الفَرَسِ.
صفحة ١٧٢
القَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ: أنَّها الخَيْلُ المُطَهَّمَةُ الحِسانُ، قالَ القَفّالُ: المُطَهَّمَةُ المَرْأةُ الجَمِيلَةُ.
المَرْتَبَةُ السّادِسَةُ: (الأنْعامِ) وهي جَمْعُ نَعَمٍ، وهي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، ولا يُقالُ لِلْجِنْسِ الواحِدِ مِنها: نَعَمٌ إلّا لِلْإبِلِ خاصَّةً فَإنَّها غَلَبَتْ عَلَيْها.
المَرْتَبَةُ السّابِعَةُ: (والحَرْثِ) وقَدْ ذَكَرْنا اشْتِقاقَهُ في قَوْلِهِ ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] .
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ هَذِهِ السَّبْعَةَ قالَ: ﴿ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قالَ القاضِي: ومَعْلُومٌ أنَّ مَتاعَها إنَّما خُلِقَ لِيُسْتَمْتَعَ بِهِ فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّهُ لا يَجُوزُ إضافَةُ التَّزْيِينِ إلى اللَّهِ تَعالى ؟
ثُمَّ قالَ: لِلِاسْتِمْتاعِ بِمَتاعِ الدُّنْيا وُجُوهٌ:
مِنها أنْ يَنْفَرِدَ بِهِ مَن خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ النِّعَمِ فَيَكُونُ مَذْمُومًا.
ومِنها أنْ يَتْرُكَ الِانْتِفاعَ بِهِ مَعَ الحاجَةِ إلَيْهِ فَيَكُونَ أيْضًا مَذْمُومًا.
ومِنها أنْ يَنْتَفِعَ بِهِ في وجْهٍ مُباحٍ مِن غَيْرِ أنْ يَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلى مَصالِحِ الآخِرَةِ، وذَلِكَ لا مَمْدُوحٌ ولا مَذْمُومٌ.
ومِنها أنْ يَنْتَفِعَ بِهِ عَلى وجْهٍ يَتَوَصَّلُ بِهِ إلى مَصالِحِ الآخِرَةِ وذَلِكَ هو المَمْدُوحُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ اعْلَمْ أنَّ المَآبَ في اللُّغَةِ المَرْجِعُ، يُقالُ: آبَ الرَّجُلُ إيابًا وأوْبَةً وأيْبَةً ومَآبًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنَّ مَن آتاهُ اللَّهُ الدُّنْيا كانَ الواجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَصْرِفَها إلى ما يَكُونُ فِيهِ عِمارَةٌ لِمَعادِهِ ويَتَوَصَّلُ بِها إلى سَعادَةِ آخِرَتِهِ، ثُمَّ لَمّا كانَ الغَرَضُ التَّرْغِيبَ في المَآبِ وصَفَ المَآبَ بِالحُسْنِ.
فَإنْ قِيلَ: المَآبُ قِسْمانِ: الجَنَّةُ وهي في غايَةِ الحُسْنِ، والنّارُ وهي خالِيَةٌ عَنِ الحُسْنِ، فَكَيْفَ وصَفَ المَآبَ المُطْلَقَ بِالحُسْنِ ؟
قُلْنا: المَآبُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ هو الجَنَّةُ، فَأمّا النّارُ فَهي المَقْصُودُ بِالغَرَضِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ الخَلْقَ لِلرَّحْمَةِ لا لِلْعَذابِ، كَما قالَ: سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي، وهَذا سِرٌّ يُطَّلَعُ مِنهُ عَلى أسْرارٍ غامِضَةٍ.
3:15Page 51
۞ قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيۡرٖ مِّن ذَٰلِكُمۡۖ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ١٥
Say, "Shall I inform you of [something] better than that? For those who fear Allāh will be gardens in the presence of their Lord beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and purified spouses and approval from Allāh. And Allāh is Seeing [i.e., aware] of [His] servants -
قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿أؤُنَبِّئُكُمْ﴾ بِهَمْزَتَيْنِ واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في مُتَعَلِّقِ الِاسْتِفْهامِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: هَلْ أُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ
صفحة ١٧٣
مِن ذَلِكم، ثُمَّ يُبْتَدَأُ فَيُقالُ: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ كَذا وكَذا.
والثّانِي: هَلْ أُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا، ثُمَّ يُبْتَدَأُ فَيُقالُ: عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي.
والثّالِثُ: هَلْ أُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ، ثُمَّ يُبْتَدَأُ فَيُقالُ: جَنّاتٌ تَجْرِي.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في وجْهِ النَّظْمِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ المَآبَ، كَما أنَّهُ حَسَنٌ في نَفْسِهِ فَهو أحْسَنُ وأفْضَلُ مِن هَذِهِ الدُّنْيا، فَقالَ ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ .
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ نِعَمَ الدُّنْيا بَيَّنَ أنَّ مَنافِعَ الآخِرَةِ خَيْرٌ مِنها كَما قالَ في آيَةٍ أُخْرى ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] .
الثّالِثُ: كَأنَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى أنَّ أمْرَكَ في الدُّنْيا وإنْ كانَ حَسَنًا مُنْتَظِمًا إلّا أنَّ أمْرَكَ في الآخِرَةِ خَيْرٌ وأفْضَلُ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ يَعْلَمَ العَبْدُ أنَّهُ كَما أنَّ الدُّنْيا أطْيَبُ وأوْسَعُ وأفْسَحُ مِن بَطْنِ الأُمِّ، فَكَذَلِكَ الآخِرَةُ أطْيَبُ وأوْسَعُ وأفْسَحُ مِنَ الدُّنْيا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما قُلْنا: إنَّ نِعَمَ الآخِرَةِ خَيْرٌ مِن نِعَمِ الدُّنْيا، لِأنَّ نِعَمَ الدُّنْيا مَشُوبَةٌ بِالمَضَرَّةِ، ونِعَمَ الآخِرَةِ خالِيَةٌ عَنْ شَوْبِ المَضارِّ بِالكُلِّيَّةِ، وأيْضًا فَنِعَمُ الدُّنْيا مُنْقَطِعَةٌ لا مَحالَةَ، ونِعَمُ الآخِرَةِ باقِيَةٌ لا مَحالَةَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ فَقَدْ بَيَّنّا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] أنَّ التَّقْوى ما هي؛ وبِالجُمْلَةِ فَإنَّ الإنْسانَ لا يَكُونُ مُتَّقِيًا إلّا إذا كانَ آتِيًا بِالواجِباتِ، مُتَحَرِّزًا عَنِ المَحْظُوراتِ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: التَّقْوى عِبارَةٌ عَنِ اتِّقاءِ الشِّرْكِ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّقْوى صارَتْ في عُرْفِ القُرْآنِ مُخْتَصَّةً بِالإيمانِ، قالَ تَعالى: ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ [الفتح: ٢٦] وظاهِرُ اللَّفْظِ أيْضًا مُطابِقٌ لَهُ، لِأنَّ الِاتِّقاءَ عَنِ الشِّرْكِ أعَمُّ مِنَ الِاتِّقاءِ عَنْ جَمِيعِ المَحْظُوراتِ، ومِنَ الِاتِّقاءِ عَنْ بَعْضِ المَحْظُوراتِ، لِأنَّ ماهِيَّةَ الِاشْتِراكِ لا تَدُلُّ عَلى ماهِيَّةِ الِامْتِيازِ، فَحَقِيقَةُ التَّقْوى وماهِيَّتُها حاصِلَةٌ عِنْدَ حُصُولِ الِاتِّقاءِ عَنِ الشِّرْكِ، وعُرْفُ القُرْآنِ مُطابِقٌ لِذَلِكَ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ فَكانَ قَوْلُهُ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ مَحْمُولًا عَلى كُلِّ مَنِ اتَّقى الكُفْرَ بِاللَّهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فَفِيهِ احْتِمالانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ صِفَةً لِلْخَيْرِ، والتَّقْدِيرُ: هَلْ أُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم عِنْدُ رَبِّهِمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ صِفَةً لِلَّذِينَ اتَّقَوْا، والتَّقْدِيرُ: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ خَيْرٌ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا، ويَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ هَذا الثَّوابَ العَظِيمَ لا يَحْصُلُ إلّا لِمَن كانَ مُتَّقِيًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَيَخْرُجُ عَنْهُ المُنافِقُ، ويَدْخُلُ فِيهِ مَن كانَ مُؤْمِنًا في عِلْمِ اللَّهِ.
وأمّا قَوْلُهُ (جَنّاتٌ) فالتَّقْدِيرُ: هو جَنّاتٌ، وقَرَأ بَعْضُهم ”جَنّاتٍ“ بِالجَرِّ عَلى البَدَلِ مِن خَيْرٍ، واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وصْفٌ لِطِيبِ الجَنَّةِ ودَخَلَ تَحْتَهُ جَمِيعُ النِّعَمِ المَوْجُودَةِ فِيها مِنَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَلْبَسِ والمَفْرَشِ والمَنظَرِ، وبِالجُمْلَةِ فالجَنَّةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى جَمِيعِ المَطالِبِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ والمُرادُ كَوْنُ تِلْكَ النِّعَمِ دائِمَةً.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا لَطائِفَها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ولَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ النِّعْمَةَ وإنْ عَظُمَتْ فَلَنْ تَتَكامَلَ إلّا بِالأزْواجِ اللَّواتِي لا يَحْصُلُ الأُنْسُ إلّا بِهِنَّ، ثُمَّ وصَفَ الأزْواجَ بِصِفَةٍ واحِدَةٍ جامِعَةٍ لِكُلِّ مَطْلُوبٍ، فَقالَ (مُطَهَّرَةٌ) ويَدْخُلُ في
صفحة ١٧٤
ذَلِكَ الطَّهارَةُ مِنَ الحَيْضِ والنِّفاسِ وسائِرِ الأحْوالِ الَّتِي تَظْهَرُ عَنِ النِّساءِ في الدُّنْيا مِمّا يَنْفِرُ عَنْهُ الطَّبْعُ، ويَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهُنَّ مُطَهَّراتٍ مِنَ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ ومِنَ القُبْحِ وتَشْوِيهِ الخِلْقَةِ، ويَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهُنَّ مُطَهَّراتٍ مِن سُوءِ العِشْرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ ”ورُضْوانٌ“ بِضَمِّ الرّاءِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، أمّا الضَّمُّ فَهو لُغَةُ قَيْسٍ وتَمِيمٍ، وقالَ الفَرّاءُ: يُقالُ رَضِيتُ رِضًا ورِضْوانًا، ومِثْلُ الرِّضْوانِ بِالكَسْرِ الحِرْمانُ والقِرْبانُ وبِالضَّمِّ الطُّغْيانُ والرُّجْحانُ والكُفْرانُ والشُّكْرانُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُتَكَلِّمُونَ: الثَّوابُ لَهُ رُكْنانِ:
أحَدُهُما: المَنفَعَةُ، وهي الَّتِي ذَكَرْناها، والثّانِي: التَّعْظِيمُ، وهو المُرادُ بِالرِّضْوانِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَعْرِفَةَ أهْلِ الجَنَّةِ مَعَ هَذا النَّعِيمِ المُقِيمِ بِأنَّهُ تَعالى راضٍ عَنْهم، حامِدٌ لَهم، مُثْنٍ عَلَيْهِمْ، أزْيَدُ في إيجابِ السُّرُورِ مِن تِلْكَ المَنافِعِ، وأمّا الحُكَماءُ فَإنَّهم قالُوا: الجَنّاتُ بِما فِيها إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ الجُسْمانِيَّةِ، والرِّضْوانُ فَهو إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ الرُّوحانِيَّةِ وأعْلى المَقاماتِ إنَّما هو الجَنَّةُ الرُّوحانِيَّةُ، وهو عِبارَةٌ عَنْ تَجَلِّي نُورِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى في رُوحِ العَبْدِ واسْتِغْراقِ العَبْدِ في مَعْرِفَتِهِ، ثُمَّ يَصِيرُ في أوَّلِ هَذِهِ المَقاماتِ راضِيًا عَنِ اللَّهِ تَعالى، وفي آخِرِها مَرْضِيًّا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﴿راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ عالِمٌ بِمَصالِحِهِمْ، فَيَجِبُ أنْ يَرْضَوْا لِأنْفُسِهِمْ ما اخْتارَهُ لَهم مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ، وأنْ يَزْهَدُوا فِيما زَهَّدَهم فِيهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences