Ar-RaziAli 'Imran · 3:148–151

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:148–151

3:148Page 68

فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٤٨

So Allāh gave them the reward of this world and the good reward of the Hereafter. And Allāh loves the doers of good.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ طَرِيقَةَ الرِّبِّيِّينَ في الصَّبْرِ، وطَرِيقَتَهم في الدُّعاءِ ذَكَرَ أيْضًا ما ضَمِنَ لَهم في مُقابَلَةٍ ذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَقالَ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى أعْطاهُمُ الأمْرَيْنِ، أمّا ثَوابُ الدُّنْيا فَهو النُّصْرَةُ والغَنِيمَةُ وقَهْرُ العَدُوِّ والثَّناءُ الجَمِيلُ، وانْشِراحُ الصَّدْرِ بِنُورِ الإيمانِ وزَوالُ ظُلُماتِ الشُّبُهاتِ وكَفّارَةُ المَعاصِي والسَّيِّئاتِ، وأمّا ثَوابُ الآخِرَةِ فَلا شَكَّ أنَّهُ هو الجَنَّةُ وما فِيها مِنَ المَنافِعِ واللَّذّاتِ وأنْواعِ السُّرُورِ والتَّعْظِيمِ، وذَلِكَ غَيْرُ حاصِلٍ في الحالِ، فَيَكُونُ المُرادُ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ لَهم بِحُصُولِها في الآخِرَةِ، فَأقامَ حُكْمَ اللَّهِ بِذَلِكَ مَقامَ نَفْسِ الحُصُولِ، كَما أنَّ الكَذِبَ في وعْدِ اللَّهِ والظُّلْمَ في عَدْلِهِ مُحالٌ، أوْ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: (فَآتاهُمُ) عَلى أنَّهُ سَيُؤْتِيهِمْ عَلى قِياسِ قَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النَّحْلِ: ١] أيْ سَيَأْتِي أمْرُ اللَّهِ. قالَ القاضِي: ولا يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةً بِالشُّهَداءِ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهم أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَيَكُونُ حالُ هَؤُلاءِ الرِّبِّيِّينَ أيْضًا كَذَلِكَ، فَإنَّهُ تَعالى في حالِ إنْزالِ هَذِهِ الآيَةِ كانَ قَدْ آتاهم حُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ في جِنانِ السَّماءِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: خَصَّ تَعالى ثَوابَ الآخِرَةِ بِالحُسْنِ تَنْبِيهًا عَلى جَلالَةِ ثَوابِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّ ثَوابَ الآخِرَةِ كُلَّهُ في غايَةِ الحُسْنِ، فَما خَصَّهُ اللَّهُ بِأنَّهُ حَسَنٌ مِن هَذا الجِنْسِ فانْظُرْ كَيْفَ يَكُونُ حُسْنُهُ، ولَمْ يَصِفْ ثَوابَ الدُّنْيا بِذَلِكَ لِقِلَّتِها وامْتِزاجِها بِالمَضارِّ، وكَوْنِها مُنْقَطِعَةً زائِلَةً، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الحُسْنُ هو الحَسَنَ كَقَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ [البَقَرَةِ: ٨٣] أيْ حَسَنًا، والغَرَضُ مِنهُ المُبالَغَةُ كَأنَّ تِلْكَ الأشْياءَ

صفحة ٢٥

الحَسَنَةَ لِكَوْنِها عَظِيمَةً في الحُسْنِ صارَتْ نَفْسَ الحُسْنِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ جُودٌ وكَرَمٌ، إذا كانَ في غايَةِ الجُودِ والكَرَمِ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿ومَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٥] فَذَكَرَ لَفْظَةَ ”مِن“ الدّالَّةِ عَلى التَّبْعِيضِ فَقالَ في الآيَةِ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ كَلِمَةَ ”مِن“ والفَرْقُ: أنَّ الَّذِينَ يُرِيدُونَ ثَوابَ الآخِرَةِ إنَّما اشْتَغَلُوا بِالعُبُودِيَّةِ لِطَلَبِ الثَّوابِ، فَكانَتْ مَرْتَبَتُهم في العُبُودِيَّةِ نازِلَةً، وأمّا المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّهم لَمْ يَذْكُرُوا في أنْفُسِهِمْ إلّا الذَّنْبَ والقُصُورَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٧] ولَمْ يَرَوُا التَّدْبِيرَ والنُّصْرَةَ والإعانَةَ إلّا مِن رَبِّهِمْ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٧] فَكانَ مَقامُ هَؤُلاءِ في العُبُودِيَّةِ في غايَةِ الكَمالِ، فَلا جَرَمَ أُولَئِكَ فازُوا بِبَعْضِ الثَّوابِ، وهَؤُلاءِ فازُوا بِالكُلِّ، وأيْضًا أُولَئِكَ أرادُوا الثَّوابَ، وهَؤُلاءِ ما أرادُوا الثَّوابَ. وإنَّما أرادُوا خِدْمَةَ مَوْلاهم فَلا جَرَمَ أُولَئِكَ حُرِمُوا وهَؤُلاءِ أُعْطُوا، لِيُعْلَمَ أنَّ كُلَّ مَن أقْبَلَ عَلى خِدْمَةِ اللَّهِ أقْبَلَ عَلى خِدْمَتِهِ كُلُّ ما سِوى اللَّهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ وفِيهِ دَقِيقَةٌ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ هَؤُلاءِ اعْتَرَفُوا بِكَوْنِهِمْ مُسِيئِينَ حَيْثُ قالُوا: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ فَلَمّا اعْتَرَفُوا بِذَلِكَ سَمّاهُمُ اللَّهُ مُحْسِنِينَ، كَأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لَهم:

إذا اعْتَرَفْتَ بِإساءَتِكَ وعَجْزِكَ فَأنا أصِفُكَ بِالإحْسانِ وأجْعَلُكَ حَبِيبًا لِنَفْسِي، حَتّى تَعْلَمَ أنَّهُ لا سَبِيلَ لِلْعَبْدِ إلى الوُصُولِ إلى حَضْرَةِ اللَّهِ إلّا بِإظْهارِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ والعَجْزِ. وأيْضًا: إنَّهم لَمّا أرادُوا الإقْدامَ عَلى الجِهادِ طَلَبُوا تَثْبِيتَ أقْدامِهِمْ في دِينِهِ ونُصْرَتَهم عَلى العَدُوِّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَعِنْدَ ذَلِكَ سَمّاهم بِالمُحْسِنِينَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يُمْكِنُهُ الإتْيانُ بِالفِعْلِ الحَسَنِ، إلّا إذا أعْطاهُ اللَّهُ ذَلِكَ الفِعْلَ الحَسَنَ وأعانَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٦٠] وقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يُونُسَ: ٢٦] وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي يُعْطِي الفِعْلَ الحَسَنَ لِلْعَبْدِ، ثُمَّ إنَّهُ يُثِيبُهُ عَلَيْهِ لِيَعْلَمَ العَبْدُ أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ وبِإعانَةِ اللَّهِ.

3:149–150Page 69

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ ١٤٩

O you who have believed, if you obey those who disbelieve, they will turn you back on your heels, and you will [then] become losers.

بَلِ ٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلنَّٰصِرِينَ ١٥٠

But Allāh is your protector, and He is the best of helpers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن تَمامِ الكَلامِ الأوَّلِ، وذَلِكَ لِأنَّ الكُفّارَ لَمّا أرْجَفُوا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ قُتِلَ، ودَعا المُنافِقُونَ بَعْضَ ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ إلى الكُفْرِ، مَنَعَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى كَلامِ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ. فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ: ﴿إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المُرادُ أبُو سُفْيانَ، فَإنَّهُ كانَ كَبِيرَ القَوْمِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ أبُو سُفْيانَ لِأنَّهُ كانَ شَجَرَةَ الفِتَنِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأتْباعُهُ مِنَ

صفحة ٢٦

المُنافِقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ ألْقَوُا الشُّبُهاتِ في قُلُوبِ الضَّعَفَةِ وقالُوا لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ رَسُولَ اللَّهِ ما وقَعَتْ لَهُ هَذِهِ الواقِعَةُ، وإنَّما هو رَجُلٌ كَسائِرِ النّاسِ، يَوْمٌ لَهُ ويَوْمٌ عَلَيْهِ، فارْجِعُوا إلى دِينِكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ اليَهُودُ لِأنَّهُ كانَ بِالمَدِينَةِ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، وكانُوا يُلْقُونَ الشُّبْهَةَ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، ولا سِيَّما عِنْدَ وُقُوعِ هَذِهِ الواقِعَةِ، والأقْرَبُ أنَّهُ يَتَناوَلُ كُلَّ الكُفّارِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ وخُصُوصُ السَّبَبِ لا يَمْنَعُ مِن عُمُومِ اللَّفْظِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى طاعَتِهِمْ في كُلِّ ما يَقُولُونَهُ بَلْ لا بُدَّ مِنَ التَّخْصِيصِ فَقِيلَ: إنْ تُطِيعُوهم فِيما أمَرُوكم بِهِ يَوْمَ أُحُدٍ مِن تَرْكِ الإسْلامِ، وقِيلَ: إنْ تُطِيعُوهم في كُلِّ ما يَأْمُرُونَكم مِنَ الضَّلالِ، وقِيلَ في المَشُورَةِ، وقِيلَ في تَرْكِ المُحارَبَةِ وهو قَوْلُهم: [ ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ ] .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكُمْ﴾ يَعْنِي يَرُدُّوكم إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ؛ لِأنَّ قَبُولَ قَوْلِهِمْ في الدَّعْوَةِ إلى الكُفْرِ كُفْرٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ اللَّفْظَ لَمّا كانَ عامًّا وجَبَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ خُسْرانُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا خُسْرانُ الدُّنْيا فَلِأنَّ أشَقَّ الأشْياءِ عَلى العُقَلاءِ في الدُّنْيا الِانْقِيادُ لِلْعَدُوِّ والتَّذَلُّلُ لَهُ وإظْهارُ الحاجَةِ إلَيْهِ، وأمّا خُسْرانُ الآخِرَةِ فالحِرْمانُ عَنِ الثَّوابِ المُؤَبَّدِ والوُقُوعُ في العِقابِ المُخَلَّدِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ والمَعْنى أنَّكم إنَّما تُطِيعُونَ الكُفّارَ لِيَنْصُرُوكم ويُعِينُوكم عَلى مَطالِبِكم وهَذا جَهْلٌ؛ لِأنَّهم عاجِزُونَ مُتَحَيِّرُونَ، والعاقِلُ يَطْلُبُ النُّصْرَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي يَنْصُرُكم عَلى العَدُوِّ ويَدْفَعُ عَنْكم كَيْدَهُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ خَيْرُ النّاصِرِينَ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ النُّصْرَةَ، لَمْ يَصِحَّ أنْ يُتْبِعَهُ بِهَذا القَوْلِ، وإنَّما كانَ تَعالى خَيْرَ النّاصِرِينَ لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى نُصْرَتِكَ في كُلِّ ما تُرِيدُ، والعالِمُ الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ دُعاؤُكَ وتَضَرُّعُكَ، والكَرِيمُ الَّذِي لا يَبْخَلُ في جُودِهِ، ونُصْرَةُ العَبِيدِ بَعْضُهم لِبَعْضٍ بِخِلافِ ذَلِكَ في كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ.

والثّانِي: أنَّهُ يَنْصُرُكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وغَيْرُهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ يَنْصُرُكَ قَبْلَ سُؤالِكَ ومَعْرِفَتِكَ بِالحاجَةِ، كَما قالَ: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٤٢] وغَيْرُهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ سائِرِ النّاصِرِينَ وهو مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ ورَدَ الكَلامُ عَلى حَسَبِ تَعارُفِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] .

3:151Page 69

سَنُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ بِمَآ أَشۡرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗاۖ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٥١

We will cast terror into the hearts of those who disbelieve for what they have associated with Allāh of which He had not sent down [any] authority.1 And their refuge will be the Fire, and wretched is the residence of the wrongdoers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ومَأْواهُمُ النّارُ وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾

صفحة ٢٧

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن تَمامِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَإنَّهُ تَعالى ذَكَرَ وُجُوهًا كَثِيرَةً في التَّرْغِيبِ في الجِهادِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِالكُفّارِ، ومِن جُمْلَتِها ما ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى يُلْقِي الخَوْفَ في قُلُوبِ الكُفّارِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ اسْتِيلاءَ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا الوَعْدَ هَلْ هو مُخْتَصٌّ بِيَوْمِ أُحُدٍ، أوْ هو عامٌّ في جَمِيعِ الأوْقاتِ ؟ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ لِأنَّ جَمِيعَ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ إنَّما ورَدَتْ في هَذِهِ الواقِعَةِ، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا في كَيْفِيَّةِ إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ في هَذا اليَوْمِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ لَمّا اسْتَوْلَوْا عَلى المُسْلِمِينَ وهَزَمُوهم أوْقَعَ اللَّهُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ، فَتَرَكُوهم وفَرُّوا مِنهم مِن غَيْرِ سَبَبٍ، حَتّى رُوِيَ أنَّ أبا سُفْيانَ صَعِدَ الجَبَلَ، وقالَ: أيْنَ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ ؟، وأيْنَ ابْنُ أبِي قُحافَةَ ؟، وأيْنَ ابْنُ الخَطّابِ ؟، فَأجابَهُ عُمَرُ، ودارَتْ بَيْنَهُما كَلِماتٌ، وما تَجاسَرَ أبُو سُفْيانَ عَلى النُّزُولِ مِنَ الجَبَلِ والذَّهابِ إلَيْهِمْ.

والثّانِي: أنَّ الكُفّارَ لَمّا ذَهَبُوا إلى مَكَّةَ، فَلَمّا كانُوا في بَعْضِ الطَّرِيقِ قالُوا: ما صَنَعْنا شَيْئًا، قَتَلْنا الأكْثَرِينَ مِنهم، ثُمَّ تَرَكْناهم ونَحْنُ قاهِرُونَ، ارْجِعُوا حَتّى نَسْتَأْصِلَهم بِالكُلِّيَّةِ، فَلَمّا عَزَمُوا عَلى ذَلِكَ ألْقى اللَّهُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الوَعْدَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِيَوْمِ أُحُدٍ، بَلْ هو عامٌّ. قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: كَأنَّهُ قِيلَ إنَّهُ وإنْ وقَعَتْ لَكم هَذِهِ الواقِعَةُ في يَوْمِ أُحُدٍ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى سَيُلْقِي الرُّعْبَ مِنكم بَعْدَ ذَلِكَ في قُلُوبِ الكافِرِينَ حَتّى يَقْهَرَ الكُفّارَ، ويُظْهِرَ دِينَكم عَلى سائِرِ الأدْيانِ. وقَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَتّى صارَ دِينُ الإسْلامِ قاهِرًا لِجَمِيعِ الأدْيانِ والمِلَلِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ”«نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ» “ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ (الرُّعُبَ) بِضَمِّ العَيْنِ، والباقُونَ بِتَخْفِيفِها في كُلِّ القُرْآنِ، قالَ الواحِدِيُّ: هُما لُغَتانِ، يُقالُ: رَعَبْتُهُ رُعْبًا ورُعُبًا وهو مَرْعُوبٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرُّعْبُ مَصْدَرًا، والرُّعُبُ اسْمٌ مِنهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الرُّعْبُ: الخَوْفُ الَّذِي يَحْصُلُ في القَلْبِ، وأصْلُ الرُّعْبِ المَلْءُ، يُقالُ سَيْلٌ راعِبٌ إذا مَلَأ الأوْدِيَةَ والأنْهارَ، وإنَّما سُمِّيَ الفَزَعُ رُعْبًا لِأنَّهُ يَمْلَأُ القَلْبَ خَوْفًا.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ يَقْتَضِي وُقُوعَ الرُّعْبِ في جَمِيعِ الكُفّارِ، فَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى إجْراءِ هَذا العُمُومِ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّهُ لا أحَدَ يُخالِفُ دِينَ الإسْلامِ إلّا وفي قَلْبِهِ ضَرْبٌ مِنَ الرُّعْبِ مِنَ المُسْلِمِينَ، إمّا في الحَرْبِ، وإمّا عِنْدَ المُحاجَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ لا يَقْتَضِي وُقُوعَ جَمِيعِ أنْواعِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ الكُفّارِ، إنَّما يَقْتَضِي وُقُوعَ هَذِهِ الحَقِيقَةِ في قُلُوبِهِمْ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، وذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِأُولَئِكَ الكُفّارِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: بِسَبَبِ إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ.

واعْلَمْ أنَّ تَقْدِيرَ هَذا بِالوَجْهِ المَعْقُولِ هو أنَّ الدُّعاءَ إنَّما يَصِيرُ في مَحَلِّ الإجابَةِ عِنْدَ الِاضْطِرارِ كَما قالَ: ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ [النَّمْلِ: ٦٢] ومَنِ اعْتَقَدَ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الِاضْطِرارُ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ: إنْ كانَ هَذا المَعْبُودُ لا يَنْصُرُنِي، فَذاكَ الآخَرُ يَنْصُرُنِي، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ في قَلْبِهِ الِاضْطِرارُ لَمْ تَحْصُلِ الإجابَةُ ولا النُّصْرَةُ،

صفحة ٢٨

وإذا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ الرُّعْبُ والخَوْفُ في قَلْبِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الإشْراكَ بِاللَّهِ يُوجِبُ الرُّعْبَ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: السُّلْطانُ هاهُنا هو الحُجَّةُ والبُرْهانُ، وفي اشْتِقاقِهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ مِنَ السَّلِيطِ وهو الَّذِي يُضاءُ بِهِ السِّراجُ، وقِيلَ لِلْأُمَراءِ سَلاطِينُ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ بِهِمْ يَتَوَصَّلُ النّاسُ إلى تَحْصِيلِ الحُقُوقِ.

الثّانِي: أنَّ السُّلْطانَ في اللُّغَةِ هو الحُجَّةُ، وإنَّما قِيلَ لِلْأمِيرِ سُلْطانٌ؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُ ذُو الحُجَّةِ.

الثّالِثُ: قالَ اللَّيْثُ: السُّلْطانُ القُدْرَةُ؛ لِأنَّ أصْلَ بِنائِهِ مِنَ التَّسْلِيطِ وعَلى هَذا سُلْطانُ المَلِكِ: قُوَّتُهُ وقُدْرَتُهُ، ويُسَمّى البُرْهانُ سُلْطانًا لِقُوَّتِهِ عَلى دَفْعِ الباطِلِ.

الرّابِعُ: قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: سُلْطانُ كُلِّ شَيْءٍ حِدَّتُهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ اللِّسانِ السَّلِيطِ، والسَّلاطَةُ بِمَعْنى الحِدَّةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ يُوهِمُ أنَّ فِيهِ سُلْطانًا إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أنْزَلَهُ وما أظْهَرَهُ، إلّا أنَّ الجَوابَ عَنْهُ أنَّهُ لَوْ كانَ لَأنْزَلَ اللَّهُ بِهِ سُلْطانًا، فَلَمّا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وجَبَ عَدَمُهُ، وحاصِلُ الكَلامِ فِيهِ ما يَقُولُهُ المُتَكَلِّمُونَ: أنَّ هَذا مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَجُزْ إثْباتُهُ، ومِنهم مَن يُبالِغُ فَيَقُولُ: لا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَيَجِبُ نَفْيُهُ، ومِنهم مَنِ احْتَجَّ بِهَذا الحَرْفِ عَلى وحْدانِيَّةِ الصّانِعِ، فَقالَ: لا سَبِيلَ إلى إثْباتِ الصّانِعِ إلّا بِاحْتِياجِ المُحْدَثاتِ إلَيْهِ، ويَكْفِي في دَفْعِ هَذِهِ الحاجَةِ إثْباتُ الصّانِعِ الواحِدِ، فَما زادَ عَلَيْهِ لا سَبِيلَ إلى إثْباتِهِ فَلَمْ يَجُزْ إثْباتُهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ، وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الشِّرْكَ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِهِ باطِلًا، وهَذا إنَّما يَصِحُّ إذا كانَ القَوْلُ بِإثْباتِ ما لا دَلِيلَ عَلى ثُبُوتِهِ يَكُونُ باطِلًا، فَيَلْزَمُ فَسادُ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ أحْوالَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا هو وُقُوعُ الخَوْفِ في قُلُوبِهِمْ، وبَيَّنَ أحْوالَهم في الآخِرَةِ، وهي أنَّ مَأْواهم ومَسْكَنَهُمُ النّارُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾ المَثْوى: المَكانُ الَّذِي يَكُونُ مَقَرَّ الإنْسانِ ومَأْواهُ، مِن قَوْلِهِمْ: ثَوى يَثْوِي ثَوِيًّا، وجَمْعُ المَثْوى مَثاوِي.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском