Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:166–168
3:166Page 72
وَمَآ أَصَٰبَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيَعۡلَمَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٦٦
And what struck you on the day the two armies met [at Uḥud] was by permission of Allāh that He might make evident the [true] believers
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلْإيمانِ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ فَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الأُولى أنَّها أصابَتْهم بِذَنْبِهِمْ ومِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، وذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها أصابَتْهم لِوَجْهٍ آخَرَ، وهو أنْ يَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُ عَنِ المُنافِقِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ المُرادُ يَوْمَ أُحُدٍ، والجَمْعانِ:
أحَدُهُما: جَمْعُ المُسْلِمِينَ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
والثّانِي: جَمْعُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا مَعَ أبِي سُفْيانَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: (فَبِإذْنِ اللَّهِ) وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ إذْنَ اللَّهِ عِبارَةٌ عَنِ التَّخْلِيَةِ وتَرْكِ المُدافَعَةِ، اسْتَعارَ الإذْنَ لِتَخْلِيَةِ الكُفّارِ فَإنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهم مِنهم لِيَبْتَلِيَهم، لِأنَّ الإذْنَ في الشَّيْءِ لا يَدْفَعُ المَأْذُونَ عَنْ مُرادِهِ، فَلَمّا كانَ تَرْكُ المُدافَعَةِ مِن لَوازِمِ الإذْنِ أُطْلِقَ عَلى تَرْكِ المُدافِعَةِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ.
الوَجْهُ الثّانِي: فَبِإذْنِ اللَّهِ: أيْ بِعِلْمِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣] أيْ إعْلامٌ، وكَقَوْلِهِ: ﴿آذَنّاكَ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٧] وقَوْلِهِ: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] وكُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنى العِلْمِ. طَعَنَ الواحِدِيُّ فِيهِ فَقالَ: الآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِمّا أصابَهم، ولا تَقَعُ التَّسْلِيَةُ إلّا إذا كانَ واقِعًا بِعِلْمِهِ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ عامٌّ في جَمِيعِ المَعْلُوماتِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١] .
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الإذْنِ الأمْرُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالمُحارَبَةِ، ثُمَّ صارَتْ تِلْكَ المُحارَبَةُ مُؤَدِّيَةً إلى ذَلِكَ الِانْهِزامِ، صَحَّ عَلى سَبِيلِ المَجازِ أنْ يُقالَ حَصَلَ ذَلِكَ بِأمْرِهِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: وهو المَنقُولُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُرادَ مِنَ الإذْنِ قَضاءُ اللَّهِ بِذَلِكَ وحُكْمُهُ بِهِ، وهَذا أوْلى لِأنَّ الآيَةَ تَسْلِيَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِمّا أصابَهم، والتَّسْلِيَةُ إنَّما تَحْصُلُ إذا قِيلَ أنَّ ذَلِكَ وقَعَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، فَحِينَئِذٍ يَرْضَوْنَ بِما قَضى اللَّهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ والمَعْنى لِيُمَيِّزَ المُؤْمِنِينَ عَنِ المُنافِقِينَ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ: نافَقَ الرَّجُلُ فَهو مُنافِقٌ إذا أظْهَرَ كَلِمَةَ الإيمانِ وأضْمَرَ خِلافَها، والنِّفاقُ اسْمٌ إسْلامِيٌّ اخْتُلِفَ في اشْتِقاقِهِ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِن نافِقاءِ اليَرْبُوعِ، وذَلِكَ لِأنَّ جُحْرَ اليَرْبُوعِ لَهُ بابانِ: القاصِعاءُ والنّافِقاءُ، فَإذا طُلِبَ مِن أيِّهِما كانَ خَرَجَ مِنَ الآخَرِ، فَقِيلَ لِلْمُنافِقِ إنَّهُ
صفحة ٦٩
مُنافِقٌ، لِأنَّهُ وضَعَ لِنَفْسِهِ طَرِيقَيْنِ، إظْهارَ الإسْلامِ وإضْمارَ الكُفْرِ، فَمِن أيِّهِما طَلَبْتَهُ خَرَجَ مِنَ الآخَرِ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُنافِقُ مِنَ النَّفَقِ وهو السِّرْبُ، ومَعْناهُ أنَّهُ يَتَسَتَّرُ بِالإسْلامِ كَما يَتَسَتَّرُ الرَّجُلُ في السِّرْبِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ النّافِقاءِ، لَكِنْ عَلى غَيْرِ هَذا الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وهو أنَّ النّافِقاءَ جُحْرٌ يَحْفِرُهُ اليَرْبُوعُ في داخِلِ الأرْضِ، ثُمَّ إنَّهُ يُرَقِّقُ مِمّا فَوْقَ الجُحْرِ، حَتّى إذا رابَهُ رَيْبٌ دَفَعَ التُّرابَ بِرَأْسِهِ وخَرَجَ، فَقِيلَ لِلْمُنافِقِ مُنافِقٌ لِأنَّهُ يُضْمِرُ الكُفْرَ في باطِنِهِ، فَإذا فَتَّشَتْهُ رَمى عَنْهُ ذَلِكَ الكُفْرَ وتَمَسَّكَ بِالإسْلامِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ظاهِرُهُ يُشْعِرُ بِأنَّهُ لِأجْلِ أنْ يَحْصُلَ لَهُ هَذا العِلْمُ أذِنَ في تِلْكَ المُصِيبَةِ، وهَذا يُشْعِرُ بِتَجَدُّدِ عِلْمِ اللَّهِ، وهَذا مُحالٌ في حَقِّ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، فالمُرادُ هَهُنا مِنَ العِلْمِ المَعْلُومُ، والتَّقْدِيرُ: لِيَتَبَيَّنَ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ، ولِيَتَمَيَّزَ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ حَصَلَ الإذْنُ في تِلْكَ المُصِيبَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ هَذا المَعْنى في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ ولِيَعْلَمَ إيمانَ المُؤْمِنِينَ ونِفاقَ المُنافِقِينَ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ ولَمْ يَقُلْ: ولِيَعْلَمَ المُنافِقِينَ ؟
قُلْنا: الِاسْمُ يَدُلُّ عَلى تَأْكِيدِ ذَلِكَ المَعْنى، والفِعْلُ يَدُلُّ عَلى تَجَدُّدِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مُسْتَقِرِّينَ عَلى إيمانِهِمْ مُتَثَبِّتِينَ فِيهِ، وأمّا (نافَقُوا) فَيَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ إنَّما شَرَعُوا في الأعْمالِ اللّائِقَةِ بِالنِّفاقِ في ذَلِكَ الوَقْتِ.
3:167Page 72
وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يَكۡتُمُونَ ١٦٧
And that He might make evident those who are hypocrites. For it was said to them, "Come, fight in the way of Allāh or [at least] defend." They said, "If we had known [there would be] battle, we would have followed you." They were nearer to disbelief that day than to faith, saying with their mouths what was not in their hearts. And Allāh is most knowing of what they conceal -
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في أنَّ هَذا القائِلَ مَن هو ؟ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الأصَمُّ: إنَّهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَدْعُوهم إلى القِتالِ.
الثّانِي: رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولٍ لَمّا خَرَجَ بِعَسْكَرِهِ إلى أُحُدٍ قالُوا: لِمَ نُلْقِي أنْفُسَنا في القَتْلِ، فَرَجَعُوا وكانُوا ثَلاثُمِائَةً مِن جُمْلَةِ الألْفِ الَّذِينَ خَرَجَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرامٍ أبُو جابِرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيُّ: أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ أنْ تَخْذُلُوا نَبِيَّكم وقَوْمَكم عِنْدَ حُضُورِ العَدُوِّ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقِيلَ لَهُمْ﴾ يَعْنِي قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ هَذا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾ يَعْنِي إنْ كانَ في قَلْبِكم حُبُّ الدِّينِ والإسْلامِ فَقاتِلُوا لِلدِّينِ والإسْلامِ، وإنْ لَمْ تَكُونُوا كَذَلِكَ، فَقاتِلُوا دَفْعًا عَنْ أنْفُسِكم وأهْلِيكم وأمْوالِكم، يَعْنِي كُونُوا إمّا مِن رِجالِ الدِّينِ، أوْ مِن رِجالِ الدُّنْيا. قالَ السُّدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ: ادْفَعُوا عَنّا العَدُوَّ بِتَكْثِيرِ سَوادِنا إنْ لَمْ تُقاتِلُوا مَعَنا، قالُوا: لِأنَّ الكَثْرَةَ أحَدُ أسْبابِ الهَيْبَةِ والعَظَمَةِ، والأوَّلُ هو الوَجْهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّهم قَدَّمُوا طَلَبَ الدِّينِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا بُدَّ وأنْ يُقَدِّمَ الدِّينَ عَلى الدُّنْيا في كُلِّ المُهِمّاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلْإيمانِ﴾ وهَذا هو الجَوابُ الَّذِي ذَكَرَهُ المُنافِقُونَ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الفَرِيقَيْنِ لا يَقْتَتِلانِ البَتَّةَ، فَلِهَذا رَجَعْنا.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى لَوْ نَعْلَمُ ما يَصْلُحُ أنْ يُسَمّى قِتالًا لاتَّبَعْناكم، يَعْنِي أنَّ الَّذِي يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ لا يُقالُ لَهُ
صفحة ٧٠
قِتالٌ، وإنَّما هو إلْقاءُ النَّفْسِ في التَّهْلُكَةِ؛ لِأنَّ رَأْيَ عَبْدِ اللَّهِ كانَ في الإقامَةِ بِالمَدِينَةِ، وما كانَ يَسْتَصْوِبُ الخُرُوجَ.
واعْلَمْ أنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ مِن هَذا الكَلامِ هو الوَجْهَ الأوَّلَ فَهو فاسِدٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الظَّنَّ في أحْوالِ الدُّنْيا قائِمٌ مَقامَ العِلْمِ، وأماراتُ حُصُولِ القِتالِ كانَتْ ظاهِرَةً في ذَلِكَ اليَوْمِ، ولَوْ قِيلَ لِهَذا المُنافِقِ الَّذِي ذَكَرَ هَذا الجَوابَ: فَيَنْبَغِي لَكَ لَوْ شاهَدْتَ مَن شَهَرَ سَيْفَهُ في الحَرْبِ أنْ لا تَقْدَمَ عَلى مُقاتَلَتِهِ لِأنَّكَ لا تَعْلَمُ مِنهُ قِتالًا، وكَذا القَوْلُ في سائِرِ التَّصَرُّفاتِ في أُمُورِ الدُّنْيا، بَلِ الحَقُّ أنَّ الجِهادَ واجِبٌ عِنْدَ ظُهُورِ أماراتِ المُحارَبَةِ، ولا أماراتِ أقْوى مِن قُرْبِهِمْ مِنَ المَدِينَةِ عِنْدَ جَبَلِ أُحُدٍ، فَدَلَّ ذِكْرُ هَذا الجَوابِ عَلى غايَةِ الخِزْيِ والنِّفاقِ، وأنَّهُ كانَ غَرَضُهم مِن ذِكْرِ هَذا الجَوابِ إمّا التَّلْبِيسَ، وإمّا الِاسْتِهْزاءَ. وأمّا إنْ كانَ مُرادُ المُنافِقِ هو الوَجْهَ الثّانِيَ فَهو أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَهم بِالنُّصْرَةِ والإعانَةِ لَمْ يَكُنِ الخُرُوجُ إلى ذَلِكَ القِتالِ إلْقاءًا لِلنَّفْسِ في التَّهْلُكَةِ.
* * *
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ حالَهم عِنْدَما ذَكَرُوا هَذا الجَوابَ فَقالَ: ﴿هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلْإيمانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في التَّأْوِيلِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ يُظْهِرُونَ الإيمانَ مِن أنْفُسِهِمْ، وما ظَهَرَتْ مِنهم أمارَةٌ تَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ، فَلَمّا رَجَعُوا عَنْ عَسْكَرِ المُؤْمِنِينَ تَباعَدُوا بِذَلِكَ عَنْ أنْ يُظَنَّ بِهِمْ كَوْنُهم مُؤْمِنِينَ.
واعْلَمْ أنَّ رُجُوعَهم عَنْ مُعاوَنَةِ المُسْلِمِينَ دَلَّ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مِنَ المُسْلِمِينَ، وأيْضًا قَوْلُهم: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مِنَ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ إمّا عَلى السُّخْرِيَةِ بِالمُسْلِمِينَ، وإمّا عَلى عَدَمِ الوُثُوقِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما كُفْرٌ.
الوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم لِأهْلِ الكُفْرِ أقْرَبُ نُصْرَةً مِنهم لِأهْلِ الإيمانِ، لِأنَّ تَقْلِيلَهم سَوادَ المُسْلِمِينَ بِالِانْعِزالِ يَجُرُّ إلى تَقْوِيَةِ المُشْرِكِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أكْثَرُ العُلَماءِ: أنَّ هَذا تَنْصِيصٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّهم كُفّارٌ، قالَ الحَسَنُ: إذا قالَ اللَّهُ تَعالى: (أقْرَبُ) فَهو اليَقِينُ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] فَهَذِهِ الزِّيادَةُ لا شَكَّ فِيها، وأيْضًا المُكَلَّفُ لا يُمْكِنُ أنْ يَنْفَكَّ عَنِ الإيمانِ والكُفْرِ، فَلَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى القُرْبِ لَزِمَ حُصُولُ الكُفْرِ. وقالَ الواحِدِيُّ في البَسِيطِ: هَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن أتى بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ لَمْ يَكْفُرْ ولَمْ يُطْلَقِ القَوْلُ بِتَكْفِيرِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُطْلِقِ القَوْلَ بِكُفْرِهِمْ مَعَ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ، لِإظْهارِهِمُ القَوْلَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ والمُرادُ أنَّ لِسانَهم مُخالِفٌ لِقَلْبِهِمْ، فَهم وإنْ كانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ بِاللِّسانِ لَكِنَّهم يُضْمِرُونَ في قُلُوبِهِمُ الكُفْرَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ .
صفحة ٧١
فَإنْ قِيلَ: إنَّ المَعْلُومَ إذا عَلِمَهُ عالِمانِ لا يَكُونُ أحَدُهُما أعْلَمَ بِهِ مِنَ الآخَرِ، فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ ؟ .
قُلْنا: المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ مِن تَفاصِيلِ تِلْكَ الأحْوالِ ما لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ.
3:168Page 72
ٱلَّذِينَ قَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ وَقَعَدُواْ لَوۡ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْۗ قُلۡ فَٱدۡرَءُواْ عَنۡ أَنفُسِكُمُ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٦٨
Those who said about their brothers while sitting [at home], "If they had obeyed us, they would not have been killed." Say, "Then prevent death from yourselves, if you should be truthful."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهم كَما قَعَدُوا واحْتَجُّوا لِقُعُودِهِمْ، فَكَذَلِكَ ثَبَّطُوا غَيْرَهم واحْتَجُّوا لِذَلِكَ، فَحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا لِإخْوانِهِمْ إنَّ الخارِجِينَ لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا، فَخَوَّفُوا مَن مُرادُهُ مُوافَقَةَ الرَّسُولِ ﷺ في مُحارَبَةِ الكُفّارِ بِالقَتْلِ لَمّا عَرَفُوا ما جَرى يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ مِنَ القَتْلِ؛ لِأنَّ المَعْلُومَ مِنَ الطِّباعِ مَحَبَّةُ الحَياةِ، فَكانَ وُقُوعُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ في القُلُوبِ يَجْرِي مَجْرى ما يُورِدُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الوَسْواسِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في مَحَلِّ ”الَّذِينَ“ وُجُوهٌ:
أحَدُها: النَّصْبُ عَلى البَدَلِ مِنَ ”الَّذِينَ نافَقُوا“ .
وثانِيها: الرَّفْعُ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في ”يَكْتُمُونَ“ .
وثالِثُها: الرَّفْعُ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ بِتَقْدِيرِ: هُمُ الَّذِينَ.
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى الذَّمِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ ”بِالَّذِينَ قالُوا“ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وقالَ الأصَمُّ: هَذا لا يَجُوزُ لِأنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في الجِهادِ يَوْمَ أُحُدٍ، وهَذا القَوْلُ فَهو واقِعٌ فِيمَن قَدْ تَخَلَّفَ لِأنَّهُ قالَ: ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا﴾ أيْ في القُعُودِ ”ما قُتِلُوا“، فَهو كَلامٌ مُتَأخِّرٌ عَنِ الجِهادِ قالَهُ لِمَن خَرَجَ إلى الجِهادِ ولِمَن هو قَوِيُّ النِّيَّةِ في ذَلِكَ لِيَجْعَلَهُ شُبْهَةً فِيما بَعْدَهُ صارِفًا لَهم عَنِ الجِهادِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالُوا لِإخْوانِهِمْ: أيْ قالُوا لِأجْلِ إخْوانِهِمْ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ المُرادِ مِن هَذِهِ الأُخُوَّةِ، الأُخُوَّةِ في النَّسَبِ، أوِ الأُخُوَّةِ بِسَبَبِ المُشارَكَةِ في الدّارِ، أوْ في عَداوَةِ الرَّسُولِ ﷺ أوْ في عِبادَةِ الأوْثانِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: الواوُ في قَوْلِهِ: (وقَعَدُوا) لِلْحالِ، ومَعْنى هَذا القُعُودِ القُعُودُ عَنِ الجِهادِ، يَعْنِي مَن قُتِلَ بِأُحُدٍ لَوْ قَعَدُوا كَما قَعَدْنا وفَعَلُوا كَما فَعَلْنا لَسَلِمُوا ولَمْ يُقْتَلُوا. ثُمَّ أجابَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ مَعَ أنَّ الفَرْقَ ظاهِرٌ، فَإنَّ التَّحَرُّزَ عَنِ القَتْلِ مُمْكِنٌ، أمّا التَّحَرُّزُ عَنِ المَوْتِ فَهو غَيْرُ مُمْكِنٍ البَتَّةَ ؟
والجَوابُ: هَذا الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى لا يَتَمَشّى إلّا إذا اعْتَرَفْنا بِالقَضاءِ والقَدَرِ، وذَلِكَ لِأنّا إذا
صفحة ٧٢
قُلْنا لا يَدْخُلُ الشَّيْءُ في الوُجُودِ إلّا بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، اعْتَرَفْنا بِأنَّ الكافِرَ لا يَقْتُلُ المُسْلِمَ إلّا بِقَضاءِ اللَّهِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى بَيْنَ القَتْلِ وبَيْنَ المَوْتِ فَرْقٌ، فَيَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ. أمّا إذا قُلْنا بِأنَّ فِعْلَ العَبْدِ لَيْسَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ وقَضائِهِ، كانَ الفَرْقُ بَيْنَ المَوْتِ والقَتْلِ ظاهِرًا مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ، فَتُفْضِي إلى فَسادِ الدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ومَعْلُومٌ أنَّ المُفْضِيَ إلى ذَلِكَ يَكُونُ باطِلًا، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: (إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) يَعْنِي: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في كَوْنِكم مُشْتَغِلِينَ بِالحَذَرِ عَنِ المَكارِهِ، والوُصُولِ إلى المَطالِبِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences