Ar-RaziAli 'Imran · 3:176–178

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:176–178

3:176Page 73

وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٧٦

And do not be grieved, [O Muḥammad], by those who hasten into disbelief. Indeed, they will never harm Allāh at all. Allāh intends that He should give them no share in the Hereafter, and for them is a great punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ ألّا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ ”يُحْزِنْكَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، وكَذَلِكَ في جَمِيعِ ما في القُرْآنِ إلّا قَوْلَهُ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] في سُورَةِ الأنْبِياءِ، فَإنَّهُ فَتَحَ الياءَ وضَمَّ الزّايَ، والباقُونَ كُلُّهم بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: اللُّغَةُ الجَيِّدَةُ حَزَنَهُ يَحْزُنُهُ عَلى ما قَرَأ بِهِ أكْثَرُ القُرّاءِ، وحُجَّةُ نافِعٍ أنَّهُما لُغَتانِ يُقالُ: حَزَنَ يَحْزُنُ كَنَصَرَ يَنْصُرُ، وأحْزَنَ يُحْزِنُ كَأكْرَمَ يُكْرِمُ لُغَتانِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّها نَزَلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ، واللَّهُ تَعالى جَعَلَ رَسُولَهُ آمِنًا مِن شَرِّهِمْ، والمَعْنى: لا يَحْزُنْكَ مَن يُسارِعُ في الكُفْرِ بِأنْ يَقْصِدَ جَمْعَ العَساكِرِ لِمُحارَبَتِكَ، فَإنَّهم بِهَذا الصَّنِيعِ إنَّما يَضُرُّونَ أنْفُسَهم ولا يَضُرُّونَ اللَّهَ، ولا بُدَّ مِن حَمْلِ ذَلِكَ عَلى أنَّهم لَنْ يَضُرُّوا النَّبِيَّ وأصْحابَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ شَيْئًا، وإذا حُمِلَ عَلى ذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن حَمْلِهِ عَلى ضَرَرٍ مَخْصُوصٍ، لِأنَّ مِنَ المَشْهُورِ أنَّهم بَعْدَ ذَلِكَ ألْحَقُوا أنْواعًا مِنَ الضَّرَرِ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والأوْلى أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى أنَّ مَقْصُودَهم مِن جَمْعِ العَساكِرِ إبْطالُ هَذا الدِّينِ وإزالَةُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، وهَذا المَقْصُودُ لا يَحْصُلُ لَهم، بَلْ يَضْمَحِلُّ أمْرُهم وتَزُولُ شَوْكَتُهم، ويَعْظُمُ أمْرُكَ ويَعْلُو شَأْنُكَ.

الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، ومُسارَعَتُهم هي أنَّهم كانُوا يُخَوِّفُونَ المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ وقْعَةِ أُحُدٍ ويُؤَيِّسُونَهم مِنَ النُّصْرَةِ والظَّفَرِ، أوْ بِسَبَبِ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ إنَّ مُحَمَّدًا طالِبُ مُلْكٍ، فَتارَةً يَكُونُ الأمْرُ لَهُ، وتارَةً عَلَيْهِ، ولَوْ كانَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ ما غُلِبَ، وهَذا كانَ يُنَفِّرُ المُسْلِمِينَ عَنِ الإسْلامِ، فَكانَ الرَّسُولُ يَحْزَنُ بِسَبَبِهِ. قالَ بَعْضُهم: إنَّ قَوْمًا مِنَ الكُفّارِ أسْلَمُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا خَوْفًا مِن قُرَيْشٍ، فَوَقَعَ الغَمُّ في قَلْبِ الرَّسُولِ ﷺ بِذَلِكَ السَّبَبِ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ظَنَّ أنَّهم بِسَبَبِ تِلْكَ الرِّدَّةِ يُلْحِقُونَ بِهِ مَضَرَّةً، فَبَيَّنَ اللَّهُ أنَّ رِدَّتَهم لا تُؤَثِّرُ في لُحُوقِ ضَرَرٍ بِكَ. قالَ القاضِي: ويُمْكِنُ أنْ يَقْوى هَذا الوَجْهُ بِأُمُورٍ:

الأوَّلُ: أنَّ المُسْتَمِرَّ عَلى الكُفْرِ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ يُسارِعُ في الكُفْرِ، وإنَّما يُوصَفُ بِذَلِكَ مَن يَكْفُرُ بَعْدَ الإيمانِ.

الثّانِي: أنَّ إرادَتَهُ تَعالى أنْ لا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ لا يَلِيقُ إلّا بِمَن قَدْ آمَنَ، فاسْتَوْجَبَ ذَلِكَ، ثُمَّ أُحْبِطَ.

الثّالِثُ: أنَّ الحُزْنَ إنَّما يَكُونُ عَلى فَواتِ أمْرٍ مَقْصُودٍ، فَلَمّا قَدَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الِانْتِفاعَ بِإيمانِهِمْ، ثُمَّ كَفَرُوا حَزِنَ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ لِفَواتِ التَّكْثِيرِ بِهِمْ، فَآمَنُهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ وعَرَّفَهُ أنَّ وُجُودَ إيمانِهِمْ كَعَدَمِهِ في أنَّ أحْوالَهُ لا تَتَغَيَّرُ.

القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ المُرادَ رُؤَساءُ اليَهُودِ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وأصْحابُهُ الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ لِمَتاعِ

صفحة ٨٥

الدُّنْيا. قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ولا يَبْعُدُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ أصْنافِ الكُفّارِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ [المائدة: ٤١] فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ حُزْنَهُ كانَ حاصِلًا مِن كُلِّ هَؤُلاءِ الكُفّارِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ: وهو أنَّ الحُزْنَ عَلى كُفْرِ الكافِرِ ومَعْصِيَةِ العاصِي طاعَةٌ، فَكَيْفَ نَهى اللَّهُ عَنِ الطّاعَةِ ؟

والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ كانَ يُفَرِّطُ ويُسْرِفُ في الحُزْنِ عَلى كُفْرِ قَوْمِهِ حَتّى كادَ يُؤَدِّي ذَلِكَ إلى لُحُوقِ الضَّرَرِ بِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ تَعالى عَنِ الإسْرافِ فِيهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] .

الثّانِي: أنَّ المَعْنى لا يُحْزِنُوكَ بِخَوْفِ أنْ يَضُرُّوكَ ويُعِينُوا عَلَيْكَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ يَعْنِي أنَّهم لا يَضُرُّونَ بِمُسارَعَتِهِمْ في الكُفْرِ غَيْرَ أنْفُسِهِمْ، ولا يَعُودُ وبالُ ذَلِكَ عَلى غَيْرِهِمْ ألْبَتَّةَ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ والمَعْنى أنَّهم لَنْ يَضُرُّوا النَّبِيَّ وأصْحابَهُ شَيْئًا، وقالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ: لَنْ يَضُرُّوا أوْلِياءَ اللَّهِ شَيْئًا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ ألّا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ، وتَنْصِيصٌ عَلى أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَ القاضِي: المُرادُ أنَّهُ يُرِيدُ الإخْبارَ بِذَلِكَ والحُكْمَ بِهِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الجَوابَ ضَعِيفٌ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ.

والثّانِي: بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَما قالَ، لَكِنَّ الإتْيانَ بِضِدِّ ما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ وحَكَمَ بِهِ مُحالٌ فَيَعُودُ الإشْكالُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الإرادَةُ لا تَتَعَلَّقُ بِالعَدَمِ، وقالَ أصْحابُنا ذَلِكَ جائِزٌ، والآيَةُ دالَّةٌ عَلى قَوْلِ أصْحابِنا لِأنَّهُ قالَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ ألّا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ إرادَتَهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذا العَدَمِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى ما أرادَ ذَلِكَ كَما قالَ: ﴿ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] قُلْنا: هَذا عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ النَّكِرَةَ في مَوْضِعِ النَّفْيِ تَعُمُّ، إذْ لَوْ لَمْ يَحْصُلِ العُمُومُ لَمْ يَحْصُلْ تَهْدِيدُ الكُفّارِ بِهَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، والمَعْنى أنَّهُ كَما لا حَظَّ لَهُمُ البَتَّةَ مِن مَنافِعِ الآخِرَةِ فَلَهُمُ الحَظُّ العَظِيمُ مِن مَضارِّ الآخِرَةِ.

3:177Page 73

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٧

Indeed, those who purchase disbelief [in exchange] for faith - never will they harm Allāh at all, and for them is a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنّا لَوْ حَمَلْنا الآيَةَ الأُولى عَلى المُنافِقِينَ واليَهُودِ، وحَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى المُرْتَدِّينَ لا يَبْعُدُ أيْضًا حَمْلُ الآيَةِ الأُولى عَلى المُرْتَدِّينَ، وحَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى اليَهُودِ، ومَعْنى اشْتِراءِ الكُفْرِ بِالإيمانِ مِنهم، أنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ النَّبِيَّ ﷺ ويُؤْمِنُونَ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ويَسْتَنْصِرُونَ بِهِ عَلى أعْدائِهِمْ، فَلَمّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ وتَرَكُوا ما

صفحة ٨٦

كانُوا عَلَيْهِ، فَكَأنَّهم أعْطَوُا الإيمانَ وأخَذُوا الكُفْرَ بَدَلًا عَنْهُ كَما يَفْعَلُ المُشْتَرِي مِن إعْطاءِ شَيْءٍ وأخْذِ غَيْرِهِ بَدَلًا عَنْهُ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى المُنافِقِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهم مَتى كانُوا مَعَ المُؤْمِنِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ، فَإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ كَفَرُوا وتَرَكُوا الإيمانَ، فَكانَ ذَلِكَ كَأنَّهُمُ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: (الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكفر لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا) وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ والفائِدَةُ في هَذا التَّكْرارِ أُمُورٌ:

أحَدُها: أنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لا شَكَّ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ أوَّلًا، ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِاضْطِرابِ وضَعْفِ الرَّأْيِ وقِلَّةِ الثَّباتِ، ومِثْلُ هَذا الإنْسانِ لا خَوْفَ مِنهُ ولا هَيْبَةَ لَهُ ولا قُدْرَةَ لَهُ البَتَّةَ عَلى إلْحاقِ الضَّرَرِ بِالغَيْرِ.

وثانِيها: أنَّ أمْرَ الدِّينِ أهَمُّ الأُمُورِ وأعْظَمُها، ومِثْلُ هَذا مِمّا لا يُقْدِمُ الإنْسانُ فِيهِ عَلى الفِعْلِ أوْ عَلى التَّرْكِ إلّا بَعْدَ إمْعانِ النَّظَرِ وكَثْرَةِ الفِكْرِ، وهَؤُلاءِ يُقْدِمُونَ عَلى الفِعْلِ أوْ عَلى التَّرْكِ في مِثْلِ هَذا المُهِمِّ العَظِيمِ بِأهْوَنِ الأسْبابِ وأضْعَفِ المُوجِباتِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قِلَّةِ عَقْلِهِمْ وشِدَّةِ حَماقَتِهِمْ، فَأمْثالُ هَؤُلاءِ لا يَلْتَفِتُ العاقِلُ إلَيْهِمْ.

وثالِثُها: أنَّ أكْثَرَهم إنَّما يُنازِعُونَكَ في الدِّينِ، لا بِناءً عَلى الشُّبُهاتِ، بَلْ بِناءً عَلى الحَسَدِ والمُنازَعَةِ في مَنصِبِ الدُّنْيا، ومَن كانَ عَقْلُهُ هَذا القَدْرَ، وهو أنَّهُ يَبِيعُ بِالقَلِيلِ مِنَ الدُّنْيا السَّعادَةَ العَظِيمَةَ في الآخِرَةِ كانَ في غايَةِ الحَماقَةِ، ومِثْلُهُ لا يَقْدِرُ في إلْحاقِ الضَّرَرِ بِالغَيْرِ، فَهَذا هو الفائِدَةُ في إعادَةِ هَذِهِ الآيَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.

3:178Page 73

وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ خَيۡرٞ لِّأَنفُسِهِمۡۚ إِنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِثۡمٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٧٨

And let not those who disbelieve ever think that [because] We extend their time [of enjoyment] it is better for them. We only extend it for them so that they may increase in sin, and for them is a humiliating punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلى المَدِينَةِ لِتَثْبِيطِ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهم إنَّما ثَبَّطُوهم لِأنَّهم خَوَّفُوهم بِأنْ يُقْتَلُوا كَما قُتِلَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، واللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ أقْوالَ هَؤُلاءِ الشَّياطِينِ لا يَقْبَلُها المُؤْمِنُ ولا يَلْتَفِتُ إلَيْها، وإنَّما الواجِبُ عَلى المُؤْمِنِ أنْ يَعْتَمِدَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ بَقاءَ هَؤُلاءِ المُتَخَلِّفِينَ لَيْسَ خَيْرًا مِن قَتْلِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قُتِلُوا بِأُحُدٍ، لِأنَّ هَذا البَقاءَ صارَ وسِيلَةً إلى الخِزْيِ في الدُّنْيا والعِقابِ الدّائِمِ في القِيامَةِ، وقَتْلُ أُولَئِكَ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ صارَ وسِيلَةً إلى الثَّناءِ الجَمِيلِ في الدُّنْيا والثَّوابِ الجَزِيلِ في الآخِرَةِ، فَتَرْغِيبُ أُولَئِكَ المُثَبِّطِينَ في مِثْلِ هَذِهِ الحَياةِ وتَنْفِيرُهم عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ القَتْلِ لا يَقْبَلُهُ إلّا جاهِلٌ. فَهَذا بَيانُ وجْهِ النَّظْمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”ولا تَحْسَبُنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا. ولا تَحْسَبُنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ. لا تَحْسَبُنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ. فَلا تَحْسَبُنَّهم“ في الأرْبَعَةِ بِالتّاءِ وضَمَّ الباءِ في قَوْلِهِ (تَحْسَبُنَّهم) وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِالياءِ إلّا قَوْلَهُ: ”فَلا تَحْسَبَنَّهم“ [آل عمران: ١٨٨] فَإنَّهُ بِالتّاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ كُلَّها بِالتّاءِ، واخْتِلافُ القُرّاءِ في فَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها قَدَّمْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، أمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ:

صفحة ٨٧

فَقَوْلُهُ: (يَحْسَبَنَّ) فِعْلٌ، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فاعِلٌ يَقْتَضِي مَفْعُولَيْنِ أوْ مَفْعُولًا يَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْنِ نَحْوُ حَسِبْتُ، وقَوْلُهُ: حَسِبْتُ أنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ، وحَسِبْتُ أنْ يَقُومَ عَمْرٌو، فَقَوْلُهُ في الآيَةِ: ﴿أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ﴾ يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ﴾ [الفرقان: ٤٤] وأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ بِالتّاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ فَأحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ ما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، وهو أنَّ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نُصِبَ بِأنَّهُ المَفْعُولُ الأوَّلُ، و﴿أنَّما نُمْلِي لَهُمْ﴾ بَدَلٌ عَنْهُ. و﴿خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ﴾ هو المَفْعُولُ الثّانِي، والتَّقْدِيرُ: ولا تَحْسَبَنَّ يا مُحَمَّدُ إمْلاءَ الَّذِينَ كَفَرُوا خَيْرًا لَهم. ومِثْلُهُ مِمّا جَعَلَ ”أنَّ“ مَعَ الفِعْلِ بَدَلًا مِنَ المَفْعُولِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] فَقَوْلُهُ: (أنَّها لَكم) بَدَلٌ مِن إحْدى الطّائِفَتَيْنِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”ما“ في قَوْلِهِ: (أنَّما) يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى (الَّذِي) فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ الَّذِي نُمْلِيهِ خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ، وحَذَفَ الهاءَ مِن ”نُمْلِي“ لِأنَّهُ يَجُوزُ حَذْفُ الهاءِ مِن صِلَةِ الَّذِي كَقَوْلِكَ: الَّذِي رَأيْتُ زَيْدٌ.

والآخَرُ: أنْ يُقالَ: ”ما“ مَعَ ما بَعْدَها في تَقْدِيرِ المَصْدَرِ، والتَّقْدِيرُ: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ إمْلائِي لَهم خَيْرٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكانَ حَقُّها في قِياسِ عِلْمِ الخَطِّ أنْ تُكْتَبَ مَفْصُولَةً ولَكِنَّها وقَعَتْ في مُصْحَفِ عُثْمانَ مُتَّصِلَةً، واتِّباعُ خَطِّ المَصاحِفِ لِذَلِكَ المُصْحَفِ واجِبٌ، وأمّا في قَوْلِهِ: ﴿أنَّما نُمْلِي لَهُمْ﴾ فَهَهُنا يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً لِأنَّها كافَّةٌ بِخِلافِ الأُولى.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَعْنى ”نُمْلِي“ نُطِيلُ ونُؤَخِّرُ، والإمْلاءُ الإمْهالُ والتَّأْخِيرُ، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: واشْتِقاقُهُ مِنَ المَلْوَةِ وهي المُدَّةُ مِنَ الزَّمانِ، يُقالُ: مَلَوْتُ مِنَ الدَّهْرِ مَلْوَةً ومُلْوَةً ومِلاوَةً ومُلاوَةً بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: أمْلى عَلَيْهِ الزَّمانُ أيْ طالَ، وأمْلى لَهُ أيْ طَوَّلَ لَهُ وأمْهَلَهُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومِنهُ المَلا لِلْأرْضِ الواسِعَةِ الطَّوِيلَةِ والمَلَوانِ اللَّيْلُ والنَّهارُ.

* * *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا الإمْلاءَ عِبارَةٌ عَنْ إطالَةِ المُدَّةِ، وهي لا شَكَّ أنَّها مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، والآيَةُ نَصٌّ في بَيانِ أنَّ هَذا الإمْلاءَ لَيْسَ بِخَيْرٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ فاعِلُ الخَيْرِ والشَّرِّ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الإمْلاءِ هو أنْ يَزْدادُوا مِنَ الإثْمِ والبَغْيِ والعُدْوانِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ بِإرادَةِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أيْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولِيَكُونَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم لا خَيْرَ لَهم في هَذا الإمْلاءِ، وأنَّهم لا يَحْصُلُونَ إلّا عَلى ازْدِيادِ البَغْيِ والطُّغْيانِ، والإتْيانُ بِخِلافِ مُخْبَرِ اللَّهِ تَعالى مَعَ بَقاءِ ذَلِكَ الخَيْرِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وهو مُحالٌ، وإذا لَمْ يَكُونُوا قادِرِينَ مَعَ ذَلِكَ الإمْلاءِ عَلى الخَيْرِ والطّاعَةِ مَعَ أنَّهم مُكَلَّفُونَ بِذَلِكَ لَزِمَ في نَفْسِهِ بُطْلانُ مَذْهَبِ القَوْمِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ:

أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: فَلَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذا الإمْلاءَ لَيْسَ بِخَيْرٍ، إنَّما المُرادُ أنَّ هَذا الإمْلاءَ لَيْسَ خَيْرًا لَهم مِن أنْ يَمُوتُوا كَما ماتَ الشُّهَداءُ يَوْمَ أُحُدٍ، لِأنَّ كُلَّ هَذِهِ الآياتِ في شَأْنِ أُحُدٍ وفي تَثْبِيطِ المُنافِقِينَ المُؤْمِنِينَ عَنِ الجِهادِ عَلى ما تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ إبْقاءَ الكافِرِينَ في الدُّنْيا وإمْلاءَهُ لَهم لَيْسَ بِخَيْرٍ لَهم مِن أنْ يَمُوتُوا كَمَوْتِ الشُّهَداءِ، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ كَوْنِ هَذا الإمْلاءِ أكْثَرَ خَيْرِيَّةً مِن ذَلِكَ القَتْلِ، أنْ لا يَكُونَ هَذا الإمْلاءُ في نَفْسِهِ خَيْرًا.

صفحة ٨٨

وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: فَقَدْ قالُوا: لَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الغَرَضَ مِنَ الإمْلاءِ إقْدامُهم عَلى الكُفْرِ والفِسْقِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] بَلِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ وُجُوهًا مِنَ التَّأْوِيلِ:

أحَدُها: أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ اللّامُ عَلى لامِ العاقِبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [إبراهيم: ٣٠] وهم ما فَعَلُوا ذَلِكَ لِطَلَبِ الإضْلالِ، بَلْ لِطَلَبِ الِاهْتِداءِ، ويُقالُ: ما كانَتْ مَوْعِظَتِي لَكَ إلّا لِزِيادَةٍ في تَمادِيكَ في الفِسْقِ إذا كانَتْ عاقِبَةُ المَوْعِظَةِ ذَلِكَ.

وثانِيها: أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا إنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ.

وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمْهَلَهم مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم لا يَزْدادُونَ عِنْدَ هَذا الإمْهالِ إلّا تَمادِيًا في الغَيِّ والطُّغْيانِ، أشْبَهَ هَذا حالَ مَن فَعَلَ الإمْلاءَ لِهَذا الغَرَضِ، والمُشابَهَةُ أحَدُ أسْبابِ حُسْنِ المَجازِ.

ورابِعُها: وهو السُّؤالُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لِلْقَوْمِ وهو أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: (لِيَزْدادُوا إثْمًا) غَيْرُ مَحْمُولٍ عَلى الغَرَضِ بِإجْماعِ الأُمَّةِ، أمّا عَلى قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ فَلِأنَّهم يُحِيلُونَ تَعْلِيلَ أفْعالِ اللَّهِ بِالأغْراضِ، وأمّا عَلى قَوْلِنا فَلِأنّا لا نَقُولُ بِأنَّ فِعْلَ اللَّهِ مُعَلَّلٌ بِغَرَضِ التَّعَبِ والإيلامِ، بَلْ عِنْدَنا أنَّهُ تَعالى لَمْ يَفْعَلْ فِعْلًا إلّا لِغَرَضِ الإحْسانِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ الإجْماعُ عَلى أنَّ هَذِهِ اللّامَ غَيْرُ مَحْمُولَةٍ عَلى التَّعْلِيلِ والغَرَضِ، وعِنْدَ هَذا يَسْقُطُ ما ذَكَرْتُمْ مِنَ الِاسْتِدْلالِ، ثُمَّ بَعْدَ هَذا قَوْلُ القائِلِ: ما المُرادُ مِن هَذِهِ اللّامِ ؟ غَيْرَ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ، لِأنَّ المُسْتَدِلَّ إنَّما بَنى اسْتِدْلالَهُ عَلى أنَّ هَذِهِ اللّامَ لِلتَّعْلِيلِ، فَإذا بَطَلَ ذَلِكَ سَقَطَ اسْتِدْلالُهُ.

وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو الإخْبارُ والعِلْمُ فَهو مُعارَضٌ بِأنَّ هَذا لَوْ مَنَعَ العَبْدَ مِنَ الفِعْلِ لَمَنَعَ اللَّهُ مِنهُ، ويَلْزَمُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ مُوجِبًا لا مُخْتارًا، وهو بِالإجْماعِ باطِلٌ.

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ﴾ مَعْناهُ نَفْيُ الخَيْرِيَّةِ في نَفْسِ الأمْرِ، ولَيْسَ مَعْناهُ أنَّهُ لَيْسَ خَيْرًا مِن شَيْءٍ آخَرَ، لِأنَّ بِناءَ المُبالَغَةِ لا يَجُوزُ ذِكْرُهُ إلّا عِنْدَ ذِكْرِ الرّاجِحِ والمَرْجُوحِ، فَلَمّا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ هَهُنا إلّا أحَدَ الأمْرَيْنِ عَرَفْنا أنَّهُ لِنَفْيِ الخَيْرِيَّةِ لا لِنَفْيِ كَوْنِهِ خَيْرًا مِن شَيْءٍ آخَرَ.

وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: وهو تَمَسُّكُهم بِقَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ﴾ [النساء: ٦٤] .

فَجَوابُهُ: أنَّ الآيَةَ الَّتِي تَمَسَّكْنا بِها خاصٌّ، والآيَةَ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها عامٌّ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ.

وأمّا السُّؤالُ الثّالِثُ: وهو حَمْلُ اللّامِ عَلى لامِ العاقِبَةِ فَهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وأيْضًا فَإنَّ البُرْهانَ العَقْلِيَّ يُبْطِلُهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّهم لا بُدَّ وأنْ يَصِيرُوا مَوْصُوفِينَ بِازْدِيادِ الغَيِّ والطُّغْيانِ، كانَ ذَلِكَ واجِبَ الحُصُولِ لِأنَّ حُصُولَ مَعْلُومِ اللَّهِ واجِبٌ، وعَدَمُ حُصُولِهِ مُحالٌ، وإرادَةُ المُحالِ مُحالٌ، فَيَمْتَنِعُ أنْ يُرِيدَ مِنهُمُ الإيمانَ، ويَجِبُ أنْ يُرِيدَ مِنهُمُ ازْدِيادَ الغَيِّ والطُّغْيانِ، وحِينَئِذٍ ثَبَتَ أنَّ المَقْصُودَ هو التَّعْلِيلُ وأنَّهُ لا يَجُوزُ المَصِيرُ إلى لامِ العاقِبَةِ.

وأمّا السُّؤالُ الرّابِعُ: وهو التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ.

فالجَوابُ عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ.

وثانِيها: قالَ الواحِدِيُّ

صفحة ٨٩

- رَحِمَهُ اللَّهُ -: هَذا إنَّما يَحْسُنُ لَوْ جازَتْ قِراءَةُ ”إنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ“ بِكَسْرِ ”إنَّما“ وقِراءَةُ ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ " بِالفَتْحِ. ولَمْ تُوجَدْ هَذِهِ القِراءَةُ البَتَّةَ.

وثالِثُها: أنّا بَيَّنّا بِالبُرْهانِ القاطِعِ العَقْلِيِّ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُرادُ اللَّهِ مِن هَذا الإمْلاءِ حُصُولَ الطُّغْيانِ لا حُصُولَ الإيمانِ، فالقَوْلُ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ والتِزامٌ لِما هو عَلى خِلافِ البُرْهانِ القاطِعِ.

وأمّا السُّؤالُ الخامِسُ: وهو قَوْلُهُ: هَذِهِ اللّامُ لا يُمْكِنُ حَمْلُها عَلى التَّعْلِيلِ.

فَجَوابُهُ أنَّ عِنْدَنا يَمْتَنِعُ تَعْلِيلُ أفْعالِ اللَّهِ لِغَرَضٍ يَصْدُرُ مِنَ العِبادِ، فَأمّا أنْ يَفْعَلَ تَعالى فِعْلًا لِيَحْصُلَ مِنهُ شَيْءٌ آخَرُ فَهَذا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ تَنْصِيصٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا الإمْلاءِ إيصالَ الخَيْرِ لَهم والإحْسانَ إلَيْهِمْ، والقَوْمُ لا يَقُولُونَ بِذَلِكَ، فَتَصِيرُ الآيَةُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ مِن هَذا الوَجْهِ.

وأمّا السُّؤالُ السّادِسُ: وهو المُعارَضَةُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى.

فالجَوابُ: أنَّ تَأْثِيرَ قُدْرَةِ اللَّهِ في إيجادِ المُحْدَثاتِ مُتَقَدِّمٌ عَلى تَعَلُّقِ عِلْمِهِ بِعَدَمِهِ، فَلَمْ يُمْكِنْ أنْ يَكُونَ العِلْمُ مانِعًا عَنِ القُدْرَةِ. أمّا في حَقِّ العَبْدِ فَتَأْثِيرُ قُدْرَتِهِ في إيجادِ الفِعْلِ مُتَأخِّرٌ عَنْ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِعَدَمِهِ، فَصَلَحَ أنْ يَكُونَ هَذا العِلْمُ مانِعًا لِلْعَبْدِ عَنِ الفِعْلِ، فَهَذا تَمامُ المُناظَرَةِ في هَذِهِ الآيَةِ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اتَّفَقَ أصْحابُنا أنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ تَعالى في حَقِّ الكافِرِ شَيْءٌ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ، وهَلْ لَهُ في حَقِّهِ شَيْءٌ مِنَ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ، اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ أصْحابِنا، فالَّذِينَ قالُوا لَيْسَ لَهُ في حَقِّهِ شَيْءٌ مِنَ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ إطالَةَ العُمُرِ وإيصالَهُ إلى مُراداتِهِ في الدُّنْيا لَيْسَ شَيْءٌ مِنها نِعْمَةً، لِأنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى أنَّ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لَيْسَ بِخَيْرٍ، والعَقْلُ أيْضًا يُقَرِّرُهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن أطْعَمَ إنْسانًا خَبِيصًا مَسْمُومًا فَإنَّهُ لا يُعَدُّ ذَلِكَ الإطْعامُ إنْعامًا، فَإذا كانَ المَقْصُودُ مِن إعْطاءِ نِعَمِ الدُّنْيا عِقابَ الآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنها نِعْمَةً حَقِيقِيَّةً، وأمّا الآياتُ الوارِدَةُ في تَكْثِيرِ النِّعَمِ في حَقِّ الكُفّارِ فَهي مَحْمُولَةٌ عَلى ما يَكُونُ نِعَمًا في الظّاهِرِ، وأنَّهُ لا طَرِيقَ إلى التَّوْفِيقِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ تِلْكَ الآياتِ إلّا أنْ نَقُولَ: تِلْكَ النِّعَمُ نِعَمٌ في الظّاهِرِ ولَكِنَّها نِقَمٌ وآفاتٌ في الحَقِيقَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском