Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:181–184
3:181–182Page 74
لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ١٨١
Allāh has certainly heard the statement of those [Jews] who said, "Indeed, Allāh is poor, while we are rich." We will record what they said and their killing of the prophets without right and will say, "Taste the punishment of the Burning Fire.
ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّامٖ لِّلۡعَبِيدِ ١٨٢
That is for what your hands have put forth and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."
قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُكَلَّفِينَ في هَذِهِ الآياتِ بِبَذْلِ النَّفْسِ
صفحة ٩٥
وبَذْلِ المالِ في سَبِيلِ اللَّهِ وبالَغَ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ، شَرَعَ بَعْدَ ذَلِكَ في حِكايَةِ شُبُهاتِ القَوْمِ في الطَّعْنِ في نُبُوَّتِهِ.
فالشُّبْهَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِإنْفاقِ الأمْوالِ في سَبِيلِهِ قالَتِ الكُفّارُ: إنَّهُ تَعالى لَوْ طَلَبَ الإنْفاقَ في تَحْصِيلِ مَطْلُوبِهِ لَكانَ فَقِيرًا عاجِزًا، لَأنَّ الَّذِي يَطْلُبُ المالَ مِن غَيْرِهِ يَكُونُ فَقِيرًا، ولَمّا كانَ الفَقْرُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالًا، كانَ كَوْنُهُ طالِبًا لِلْمالِ مِن عَبِيدِهِ مُحالًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا كاذِبٌ في إسْنادِ هَذا الطَّلَبِ إلى اللَّهِ تَعالى.
الوَجْهُ الثّانِي في طَرِيقِ النَّظْمِ: أنَّ أُمَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا إذا أرادُوا التَّقَرُّبَ بِأمْوالِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَتْ تَجِيءُ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتُحْرِقُها، فالنَّبِيُّ ﷺ لَمّا طَلَبَ مِنهم بَذْلَ الأمْوالِ في سَبِيلِ اللَّهِ قالُوا لَهُ لَوْ كُنْتَ نَبِيًّا لَما طَلَبْتَ الأمْوالَ لِهَذا الغَرَضِ، فَإنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِفَقِيرٍ حَتّى يَحْتاجَ في إصْلاحِ دِينِهِ إلى أمْوالِنا، بَلْ لَوْ كُنْتَ نَبِيًّا لَكُنْتَ تَطْلُبُ أمْوالَنا لِأجْلِ أنْ تَجِيئَها نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتُحْرِقُها، فَلَمّا لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ عَرَفْنا أنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ، فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ يَبْعُدُ مِنَ العاقِلِ أنْ يَقُولَ إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ، بَلِ الإنْسانُ إنَّما يَذْكُرُ ذَلِكَ إمّا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ أوْ عَلى سَبِيلِ الإلْزامِ، وأكْثَرُ الرِّواياتِ أنَّ هَذا القَوْلَ إنَّما صَدَرَ عَنِ اليَهُودِ. رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ كَتَبَ مَعَ أبِي بَكْرٍ إلى يَهُودِ بَنِي قَيْنُقاعَ يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ وإلى إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وأنْ يُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا، فَقالَ فِنْحاصُ اليَهُودِيُّ: إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ حَتّى سَألَنا القَرْضَ، فَلَطَمَهُ أبُو بَكْرٍ في وجْهِهِ وقالَ: لَوْلا الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَكم مِنَ العَهْدِ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ، فَشَكاهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجَحَدَ ما قالَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ» . وقالَ آخَرُونَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] قالَتِ اليَهُودُ: نَرى إلَهَ مُحَمَّدٍ يَسْتَقْرِضُ مِنّا، فَنَحْنُ إذَنْ أغْنِياءُ وهو فَقِيرٌ، وهو يَنْهانا عَنِ الرِّبا ثُمَّ يُعْطِينا الرِّبا، وأرادُوا قَوْلَهُ: ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ تَعْيِينُ هَذا القائِلِ، إلّا أنَّ العُلَماءَ نَسَبُوا هَذا القَوْلَ إلى اليَهُودِ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: إنَّ يَدَ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ؛ يَعْنُونَ أنَّهُ بَخِيلٌ بِالعَطاءِ، وذَلِكَ الجَهْلُ مُناسِبٌ لِلْجَهْلِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ.
وثانِيها: ما رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّهم تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ عَلى ما رَوَيْناهُ في قِصَّةِ أبِي بَكْرٍ.
وثالِثُها: أنَّ القَوْلَ بِالتَّشْبِيهِ غالِبٌ عَلى اليَهُودِ، ومَن قالَ بِالتَّشْبِيهِ لا يُمْكِنُهُ إثْباتَ كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، وإذا عَجَزَ عَنْ إثْباتِ هَذا الأصْلِ عَجَزَ عَنْ بَيانِ أنَّهُ غَنِيٌّ ولَيْسَ بِفَقِيرٍ.
والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا طَلَبَ مِنهم أنْ يُوافِقُوهُ في مُجاهَدَةِ الأعْداءِ قالُوا: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ . فَمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طَلَبَ مِنهُمُ الجِهادَ بِالنَّفْسِ قالُوا: لَمّا كانَ الإلَهُ قادِرًا فَأيُّ حاجَةٍ بِهِ إلى جِهادِنا، وكَذا هَهُنا أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا طَلَبَ مِنهُمُ الجِهادَ بِبَذْلِ المالِ قالُوا: لَمّا كانَ الإلَهُ غَنِيًّا فَأيُّ حاجَةٍ بِهِ إلى أمْوالِنا. فَكانَ إسْنادُهم هَذِهِ الشُّبْهَةَ إلى اليَهُودِ لائِقًا مِن هَذا الوَجْهِ، وإنْ كانَ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ غَيْرُهم مِنَ الجُهّالِ قَدْ قالَ ذَلِكَ. والأظْهَرُ أنَّهم قالُوهُ عَلى سَبِيلِ الطَّعْنِ في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، يَعْنِي لَوْ صَدَقَ مُحَمَّدٌ في أنَّ الإلَهَ يَطْلُبُ المالَ مِن عَبِيدِهِ لَكانَ
صفحة ٩٦
فَقِيرًا، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُحالًا ثَبَتَ أنَّهُ كاذِبٌ في هَذا الإخْبارِ، أوْ ذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، فَأمّا أنْ يَقُولَ العاقِلُ مِثْلَ هَذا الكَلامِ عَنِ اعْتِقادٍ فَهو بَعِيدٌ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى سَمِيعٌ لِلْأقْوالِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ﴾ [المجادلة: ١] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ كانُوا جَماعَةً، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ”﴿الَّذِينَ قالُوا﴾“ وظاهِرُ هَذا القَوْلِ يُفِيدُ الجَمْعَ. وأمّا ما رُوِيَ أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلَ هو فِنْحاصُ اليَهُودِيُّ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، فَلَمّا شَهِدَ الكِتابُ أنَّ القائِلِينَ كانُوا جَماعَةً وجَبَ القَطْعُ بِذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ”سَيُكْتَبُ“ بِالياءِ وضَمِّها عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ”وقَتْلُهُمُ الأنْبِياءِ“ بِرَفْعِ اللّامِ عَلى مَعْنى سَيُكْتَبُ قَتْلُهم، والباقُونَ بِالنُّونِ وفَتْحِ اللّامِ إضافَةً إلَيْهِ تَعالى. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ ”سَيَكْتُبُ“ بِالياءِ وتَسْمِيَةِ الفاعِلِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا وعِيدٌ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ وهو يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن كَتْبِهِ عَلَيْهِمْ إثْباتَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وأنْ لا يُلْغى ولا يُطْرَحَ، وذَلِكَ لِأنَّ النّاسَ إذا أرادُوا إثْباتَ الشَّيْءِ عَلى وجْهٍ لا يَزُولُ ولا يُنْسى ولا يَتَغَيَّرُ كَتَبُوهُ، واللَّهُ تَعالى جَعَلَ الكَتْبَةَ مَجازًا عَنْ إثْباتِ حُكْمِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
الثّانِي: سَنَكْتُبُ ما قالُوا في الكُتُبِ الَّتِي تُكْتَبُ فِيها أعْمالُهم لِيَقْرَأُوا ذَلِكَ في جَرائِدِ أعْمالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
والثّالِثُ: عِنْدِي فِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ، وهو أنَّ المُرادَ: سَنَكْتُبُ عَنْهم هَذا الجَهْلَ في القُرْآنِ حَتّى يَعْلَمَ الخَلْقُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ شِدَّةَ تَعَنُّتِ هَؤُلاءِ وجَهْلَهم وجُهْدَهم في الطَّعْنِ في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِكُلِّ ما قَدَرُوا عَلَيْهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أيْ ونَكْتُبُ قَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الفائِدَةُ في ضَمِّ أنَّهم قَتَلُوا الأنْبِياءَ إلى أنَّهم وصَفُوا اللَّهَ تَعالى بِالفَقْرِ، هي بَيانُ أنَّ جَهْلَ هَؤُلاءِ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِهَذا الوَقْتِ، بَلْ هم مُنْذُ كانُوا، مُصِرُّونَ عَلى الجَهالاتِ والحَماقاتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في إضافَةِ قَتْلِ الأنْبِياءِ إلى هَؤُلاءِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: سَنَكْتُبُ ما قالَ هَؤُلاءِ ونَكْتُبُ ما فَعَلَهُ أسْلافُهم فَنُجازِي الفَرِيقَيْنِ بِما هو أهْلُهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢] أيْ قَتَلَها أسْلافُكم ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩] . ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠] والفاعِلُ لِهَذِهِ الأشْياءِ هو أسْلافُهم، والمَعْنى أنَّهُ سَيَحْفَظُ عَلى الفَرِيقَيْنِ مَعًا أقْوالَهم وأفْعالَهم.
والوَجْهُ الثّانِي: سَنَكْتُبُ عَلى هَؤُلاءِ ما قالُوا بِأنْفُسِهِمْ، ونَكْتُبُ عَلَيْهِمْ رِضاهم بِقَتْلِ آبائِهِمُ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. وعَنِ الشَّعْبِيِّ أنْ رَجُلًا ذَكَرَ عِنْدَهُ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وحَسَّنَ قَتْلَهُ، فَقالَ الشَّعْبِيُّ: صِرْتَ شَرِيكًا في دَمِهِ، ثُمَّ قَرَأ الشَّعْبِيُّ ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣] فَنَسَبَ لِهَؤُلاءِ قَتْلَهم وكانَ بَيْنَهُما قَرِيبٌ مِن سَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٩٧
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ”سَيُكْتَبُ“ عَلى لَفْظِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ”وقَتْلُهُمُ الأنْبِياءَ“ بِرَفْعِ اللّامِ ”ويَقُولُ ذُوقُوا“ بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ، والباقُونَ ”سَنَكْتُبُ ونَقُولُ“ بِالنُّونِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى يَنْتَقِمُ مِن هَذا القائِلِ بِأنْ يَقُولَ لَهُ ذُقْ عَذابَ الحَرِيقِ، كَما أذَقْتَ المُسْلِمِينَ الغُصَصَ، والحَرِيقُ هو المُحْرِقُ، كالألِيمِ بِمَعْنى المُؤْلِمِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ لَهُ هَذا القَوْلُ عِنْدَ المَوْتِ أوْ عِنْدَ الحَشْرِ أوْ عِنْدَ قِراءَةِ الكِتابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا كِنايَةً عَنْ حُصُولِ الوَعِيدِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَوْلٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهم أوْرَدُوا سُؤالًا وهو أنَّ مَن يَطْلُبُ المالَ مِن غَيْرِهِ كانَ فَقِيرًا مُحْتاجًا، فَلَوْ طَلَبَ اللَّهُ المالَ مِن عَبِيدِهِ لَكانَ فَقِيرًا وذَلِكَ مُحالٌ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمْ يَطْلُبِ المالَ مِن عَبِيدِهِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صادِقًا في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، فَهَذا هو شُبْهَةُ القَوْمِ فَأيْنَ الجَوابُ عَنْها ؟ وكَيْفَ يَحْسُنُ ذِكْرُ الوَعِيدِ عَلى ذِكْرِها قَبْلَ ذِكْرِ الجَوابِ عَنْها ؟
فَنَقُولُ: إذا فَرَّعْنا عَلى قَوْلِ أصْحابِنا مِن أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ قُلْنا: يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ تَعالى عَبِيدَهُ بِبَذْلِ الأمْوالِ مَعَ كَوْنِهِ تَعالى أغْنى الأغْنِياءِ.
وإنْ فَرَّعْنا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ في أنَّهُ تَعالى يُراعِي المَصالِحَ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَكُونَ في هَذا التَّكْلِيفِ أنْواعٌ مِنَ المَصالِحِ العائِدَةِ إلى العِبادِ:
مِنها: أنَّ إنْفاقَ المالِ يُوجِبُ زَوالَ حُبِّ المالِ عَنِ القَلْبِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ المَنافِعِ، فَإنَّهُ إذا ماتَ فَلَوْ بَقِيَ في قَلْبِهِ حُبُّ المالِ مَعَ أنَّهُ تَرَكَ المالَ لَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَألُّمِ رُوحِهِ بِتِلْكَ المُفارَقَةِ.
ومِنها: أنْ يَتَوَسَّلَ بِذَلِكَ الإنْفاقِ إلى الثَّوابِ المُخَلَّدِ المُؤَبَّدِ.
ومِنها: أنَّ بِسَبَبِ الإنْفاقِ يَصِيرُ القَلْبُ فارِغًا عَنْ حُبِّ ما سِوى اللَّهِ، وبِقَدْرِ ما يَزُولُ عَنِ القَلْبِ حُبُّ غَيْرِ اللَّهِ فَإنَّهُ يَقْوى في حُبِّ اللَّهِ، وذَلِكَ رَأْسُ السَّعاداتِ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ قَدْ ذَكَرَها اللَّهُ في القُرْآنِ وبَيَّنَها مِرارًا وأطْوارًا، كَما قالَ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾ [الكهف: ٤٦] وقالَ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] وقالَ: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] وقالَ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] فَلَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى الِاسْتِقْصاءِ كانَ إيرادُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بَعْدَ تَقَدُّمِ هَذِهِ البَيِّناتِ مَحْضَ التَّعَنُّتِ، فَلِهَذا اقْتَصَرَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ ذِكْرِها عَلى مُجَرَّدِ الوَعِيدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ ذَكَرَ سَبَبَهُ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ هَذا العَذابُ المُحْرِقُ جَزاءُ فِعْلِكم حَيْثُ وصَفْتُمُ اللَّهَ وأقْدَمْتُمْ عَلى قَتْلِ الأنْبِياءِ، فَيَكُونُ هَذا العِقابُ عَدْلًا لا جَوْرًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العِقابِ بِهِمْ كانَ يَكُونُ ظُلْمًا بِتَقْدِيرِ أنْ لا يَقَعَ مِنهم تِلْكَ الذُّنُوبُ، وفِيهِ بُطْلانُ قَوْلِ المُجَبِّرَةِ، إنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الأطْفالَ بِغَيْرِ جُرْمٍ، ويَجُوزُ أنْ يُعَذِّبَ البالِغِينَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ويَدُلُّ عَلى كَوْنِ العَبْدِ فاعِلًا، وإلّا لَكانَ الظُّلْمُ حاصِلًا.
والجَوابُ: أنَّ ما ذَكَرْتُمْ مُعارَضٌ بِمَسْألَةِ الدّاعِي ومَسْألَةِ العِلْمِ عَلى ما شَرَحْناهُ مِرارًا وأطْوارًا.
صفحة ٩٨
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] يُفِيدُ نَفْيَ كَوْنِهِ ظَلّامًا، ونَفْيُ الصِّفَةِ يُوهِمُ بَقاءَ الأصْلِ، فَهَذا يَقْتَضِي ثُبُوتَ أصْلِ الظُّلْمِ.
أجابَ القاضِي عَنْهُ بِأنَّ العَذابَ الَّذِي تَوَعَّدَ بِأنْ يَفْعَلَهُ بِهِمْ لَوْ كانَ ظُلْمًا لَكانَ عَظِيمًا، فَنَفاهُ عَلى حَدِّ عِظَمِهِ لَوْ كانَ ثابِتًا، وهَذا يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْنا أنَّ إيصالَ العِقابِ إلَيْهِمْ يَكُونُ ظُلْمًا لَوْ لَمْ يَكُونُوا مُذْنِبِينَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ الأيْدِي عَلى سَبِيلِ المَجازِ، لِأنَّ الفاعِلَ هو الإنْسانُ لا اليَدُ، إلّا أنَّ اليَدَ لَمّا كانَتْ آلَةَ الفِعْلِ حَسُنَ إسْنادُ الفِعْلِ إلَيْها عَلى سَبِيلِ المَجازِ، ثُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَ اليَدَ بِلَفْظِ الجَمْعِ فَقالَ: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ وفي آيَةٍ أُخْرى ذُكِرَ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ [الحج: ١٠] والكُلُّ حَسَنٌ مُتَعارَفٌ في اللُّغَةِ.
3:183Page 74
ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيۡنَآ أَلَّا نُؤۡمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأۡتِيَنَا بِقُرۡبَانٖ تَأۡكُلُهُ ٱلنَّارُۗ قُلۡ قَدۡ جَآءَكُمۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِي بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِي قُلۡتُمۡ فَلِمَ قَتَلۡتُمُوهُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٨٣
[They are] those who said, "Indeed, Allāh has taken our promise not to believe any messenger until he brings us an offering which fire [from heaven] will consume." Say, "There have already come to you messengers before me with clear proofs and [even] that of which you speak. So why did you kill them, if you should be truthful?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ألّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ هي الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ لِلْكُفّارِ في الطَّعْنِ في نُبُوَّتِهِ ﷺ، وتَقْرِيرُها أنَّهم قالُوا: ﴿قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ألّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾، وأنْتَ يا مُحَمَّدُ ما فَعَلْتَ ذَلِكَ؛ فَوَجَبَ أنْ لا تَكُونَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَهَذا بَيانُ وجْهِ النَّظْمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وكَعْبِ بْنِ أسَدٍ، ومالِكِ بْنِ الصَّيْفِ، ووَهْبِ بْنِ يَهُوذا، وزَيْدِ بْنِ التّابُوتِ، وفِنْحاصَ بْنِ عازُوراءَ وغَيْرِهِمْ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وأنَّهُ تَعالى أنْزَلَ عَلَيْكَ كِتابًا، وقَدْ عَهِدَ إلَيْنا في التَّوْراةِ أنْ لا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ، ويَكُونُ لَها دَوِيٌّ خَفِيفٌ، تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، فَإنْ جِئْتَنا بِهَذا صَدَّقْناكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ عَطاءٌ: كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ يَذْبَحُونَ لِلَّهِ، فَيَأْخُذُونَ الثُّرُوبَ وأطايِبَ اللَّحْمِ فَيَضَعُونَها في وسَطِ بَيْتٍ والسَّقْفُ مَكْشُوفٌ، فَيَقُومُ النَّبِيُّ في البَيْتِ ويُناجِي رَبَّهُ، وبَنُو إسْرائِيلَ خارِجُونَ واقِفُونَ حَوْلَ البَيْتِ فَتَنْزِلُ نارٌ بَيْضاءُ لَها دَوِيٌّ خَفِيفٌ ولا دُخانَ لَها فَتَأْكُلُ كُلَّ ذَلِكَ القُرْبانِ.
واعْلَمْ أنَّ لِلْعُلَماءِ فِيما ادَّعاهُ اليَهُودُ قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ: أنَّ هَذا الشَّرْطَ جاءَ في التَّوْراةِ ولَكِنَّهُ مَعَ شَرْطٍ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى قالَ في التَّوْراةِ: مَن جاءَكم يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ فَلا تُصَدِّقُوهُ حَتّى يَأْتِيَكم بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ إلّا المَسِيحَ ومُحَمَّدًا عَلَيْهِما السَّلامُ. فَإنَّهُما إذا أتَيا فَآمِنُوا بِهِما فَإنَّهُما يَأْتِيانِ بِغَيْرِ قُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ. قالَ: وكانَتْ هَذِهِ العادَةُ باقِيَةً إلى مَبْعَثِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ المَسِيحَ ارْتَفَعَتْ وزالَتْ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ ادِّعاءَ هَذا الشَّرْطِ كَذِبٌ عَلى التَّوْراةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ
صفحة ٩٩
حَقًّا لَكانَتْ مُعْجِزاتُ كُلِّ الأنْبِياءِ هَذا القُرْبانَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ ما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّ مُعْجِزاتِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ فِرْعَوْنَ كانَتْ أشْياءَ سِوى هَذا القُرْبانِ.
وثانِيها: أنَّ نُزُولَ هَذِهِ النّارِ وأكْلَها لِلْقُرْبانِ مُعْجِزَةٌ فَكانَتْ هي وسائِرُ المُعْجِزاتِ عَلى السَّواءِ، فَلَمْ يَكُنْ في تَعْيِينِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ وتَخْصِيصِها فائِدَةٌ، بَلْ لَمّا ظَهَرَتِ المُعْجِزَةُ القاهِرَةُ عَلى يَدِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَبَ القَطْعُ بِنُبُوَّتِهِ سَواءٌ ظَهَرَتْ هَذِهِ المُعْجِزَةُ أوْ لَمْ تَظْهَرْ.
وثالِثُها: أنَّهُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ جاءَ في التَّوْراةِ أنَّ مُدَّعِيَ النُّبُوَّةِ وإنْ جاءَ بِجَمِيعِ المُعْجِزاتِ فَلا تَقْبَلُوا قَوْلَهُ إلّا أنْ يَجِيءَ بِهَذِهِ المُعْجِزَةِ المُعَيَّنَةِ، أوْ يُقالَ: جاءَ في التَّوْراةِ أنَّ مُدَّعِيَ النُّبُوَّةِ يُطالِبُ بِالمُعْجِزَةِ سَواءٌ كانَتِ المُعْجِزَةُ هي مَجِيءَ النّارِ، أوْ شَيْءٌ آخَرُ، والأوَّلُ باطِلٌ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَكُنِ الإتْيانُ بِسائِرِ المُعْجِزاتِ دالًّا عَلى الصِّدْقِ، وإذا جازَ الطَّعْنُ في سائِرِ المُعْجِزاتِ جازَ الطَّعْنُ أيْضًا في هَذِهِ المُعْجِزَةِ المُعَيَّنَةِ.
وأمّا الثّانِي: فَإنَّهُ يَقْتَضِي تَوْقِيتَ الصِّدْقِ عَلى ظُهُورِ مُطْلَقِ المُعْجِزَةِ، لا عَلى ظُهُورِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ المُعَيَّنَةِ، فَكانَ اعْتِبارُ هَذِهِ المُعْجِزَةِ عَبَثًا ولَغْوًا، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا سُقُوطُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِالكُلِّيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في مَحَلِّ ”الَّذِينَ“ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ الزَّجّاجُّ: الجَرُّ، وهَذا نَعْتُ العَبِيدِ، والتَّقْدِيرُ: وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ الَّذِينَ قالُوا كَذا وكَذا.
وثانِيها: أنَّ التَّقْدِيرَ: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ، وقَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ والتَّقْدِيرُ: هُمُ الَّذِينَ قالُوا ذَلِكَ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: القُرْبانُ البِرُّ الَّذِي يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ، وأصْلُهُ المَصْدَرُ مِن قَوْلِكَ قَرُبَ قُرْبانًا، كالكُفْرانِ والرُّجْحانِ والخُسْرانِ، ثُمَّ سَمّى بِهِ نَفْسَ المُتَقَرَّبِ بِهِ، ومِنهُ «قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: ”يا كَعْبُ الصَّوْمُ جُنَّةٌ والصَّلاةُ قُرْبانٌ“» أيْ بِها يُتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ ويُسْتَشْفَعُ في الحاجَةِ لَدَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ فَقالَ: ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ أنَّهم يَطْلُبُونَ هَذِهِ المُعْجِزَةَ لا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِرْشادِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، وذَلِكَ لِأنَّ أسْلافَ هَؤُلاءِ اليَهُودِ طَلَبُوا هَذا المُعْجِزَ مِنَ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ مِثْلِ زَكَرِيّا وعِيسى ويَحْيى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهم أظْهَرُوا هَذا المُعْجِزَ، ثُمَّ إنَّ اليَهُودَ سَعَوْا في قَتْلِ زَكَرِيّا ويَحْيى، ويَزْعُمُونَ أنَّهم قَتَلُوا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أُولَئِكَ القَوْمَ إنَّما طَلَبُوا هَذا المُعْجِزَ مِن أُولَئِكَ الأنْبِياءِ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَما سَعَوْا في قَتْلِهِمْ، ثُمَّ إنَّ المُتَأخِّرِينَ راضُونَ بِأفْعالِ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ ومُصَوِّبُونَ لَهم في كُلِّ ما فَعَلُوهُ، وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ هَؤُلاءِ في طَلَبِ هَذا المُعْجِزِ مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُتَعَنِّتِينَ، وإذا ثَبَتَ أنَّ طَلَبَهم لِهَذا المُعْجِزِ وقَعَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ لا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِرْشادِ، لَمْ يَجِبْ في حِكْمَةِ اللَّهِ إسْعافُهم بِذَلِكَ، لا سِيَّما وقَدْ تَقَدَّمَتِ المُعْجِزاتُ الكَثِيرَةُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا الجَوابُ شافٍ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ.
صفحة ١٠٠
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما قالَ: ﴿قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي﴾ ولَمْ يَقُلْ جاءَتْكم رُسُلٌ لِأنَّ فِعْلَ المُؤَنَّثِ يُذَكَّرُ إذا تَقَدَّمَهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ هو ما طَلَبُوهُ مِنهُ، وهو القُرْبانُ الَّذِي تَأْكُلُهُ النّارُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالَّذِي قُلْتُمْ، بَلْ قالَ: ﴿قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ والفائِدَةُ: أنَّ القَوْمَ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى وقَّفَ التَّصْدِيقَ بِالنُّبُوَّةِ عَلى ظُهُورِ القُرْبانِ الَّذِي تَأْكُلُهُ النّارُ، فَلَوْ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لَهم: إنَّ الأنْبِياءَ المُتَقَدِّمِينَ أتَوْا بِهَذا القُرْبانِ، لَمْ يَلْزَمْ مِن هَذا القَدْرِ وُجُوبُ الِاعْتِرافِ بِنُبُوَّتِهِمْ، لِاحْتِمالِ أنَّ الإتْيانَ بِهَذا القُرْبانِ شَرْطٌ لِلنُّبُوَّةِ لا مُوجِبٌ لَها، والشَّرْطُ هو الَّذِي يَلْزَمُ عِنْدَ عَدَمِهِ عَدَمُ المَشْرُوطِ، لَكِنْ لا يَلْزَمُ عِنْدَ وُجُودِهِ وُجُودُ المَشْرُوطِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَوِ اكْتَفى بِهَذا القَدْرِ لَما كانَ الإلْزامُ وارِدًا، أمّا لَمّا قالَ: ﴿قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ كانَ الإلْزامُ وارِدًا، لِأنَّهم لَمّا أتَوْا بِالبَيِّناتِ فَقَدْ أتَوْا بِالمُوجِبِ لِلتَّصْدِيقِ، ولَمّا أتَوْا بِهَذا القُرْبانِ فَقَدْ أتَوْا بِالشَّرْطِ، وعِنْدَ الإتْيانِ بِهِما كانَ الإقْرارُ بِالنُّبُوَّةِ واجِبًا، فَثَبَتَ أنَّهُ لَوْلا قَوْلُهُ: (جاءَكم بِالبَيِّناتِ) لَمْ يَكُنِ الإلْزامُ وارِدًا عَلى القَوْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
3:184Page 74
فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ جَآءُو بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ ١٨٤
Then if they deny you, [O Muḥammad] - so were messengers denied before you, who brought clear proofs and written ordinances and the enlightening Scripture.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ جاءُوا بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ .
فِي قَوْلِهِ: (فَإنْ كَذَّبُوكَ) وُجُوهٌ:
أحَدُها: فَإنْ كَذَّبُوكَ في قَوْلِكَ إنَّ الأنْبِياءَ المُتَقَدِّمِينَ جاءُوا إلى هَؤُلاءِ اليَهُودِ بِالقُرْبانِ الَّذِي تَأْكُلُهُ النّارُ فَكَذَّبُوهم وقَتَلُوهم، فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ: نُوحٌ وهُودٌ وصالِحٌ وإبْراهِيمُ وشُعَيْبٌ وغَيْرُهم.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ: إنْ كَذَّبُوكَ في أصْلِ النُّبُوَّةِ والشَّرِيعَةِ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ، ولَعَلَّ هَذا الوَجْهَ أوْجَهُ، لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُخَصِّصْ، ولِأنَّ تَكْذِيبَهم في أصْلِ النُّبُوَّةِ أعْظَمُ، ولِأنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَهُ التَّكْذِيبُ في ذَلِكَ الحِجاجِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَسْلِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبَيانُ أنَّ هَذا التَّكْذِيبَ لَيْسَ أمْرًا مُخْتَصًّا بِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ الأنْبِياءِ، بَلْ شَأْنُ جَمِيعِ الكُفّارِ تَكْذِيبُ جَمِيعِ الأنْبِياءِ والطَّعْنُ فِيهِمْ، مَعَ أنَّ حالَهم في ظُهُورِ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِمْ وفي نُزُولِ الكُتُبِ إلَيْهِمْ كَحالِكَ، ومَعَ هَذا فَإنَّهم صَبَرُوا عَلى ما نالَهم مِن أُولَئِكَ الأُمَمِ واحْتَمَلُوا إيذاءَهم في جَنْبِ تَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ، فَكُنْ مُتَأسِّيًا بِهِمْ سالِكًا مِثْلَ طَرِيقَتِهِمْ في هَذا المَعْنى، وإنَّما صارَ ذَلِكَ تَسْلِيَةً لِأنَّ المُصِيبَةَ إذا عَمَّتْ طابَتْ وخَفَّتْ، فَأمّا البَيِّناتُ فَهي الحُجَجُ والمُعْجِزاتُ، وأمّا الزُّبُرُ فَهي الكُتُبُ، وهي جَمْعُ زَبُورٍ، والزَّبُورُ الكِتابُ، بِمَعْنى المَزْبُورِ أيِ المَكْتُوبَ، يُقالُ زَبَرْتُ الكِتابَ أيْ كَتَبْتُهُ، وكُلُّ كِتابٍ زَبُورٌ. قالَ الزَّجّاجُ: الزَّبُورُ كُلُّ كِتابٍ ذِي حِكْمَةٍ، وعَلى هَذا:
صفحة ١٠١
الأشْبَهُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الزَّبُورِ مِنَ الزَّبْرِ الَّذِي هو الزَّجْرُ، يُقالُ: زَبَرْتُ الرَّجُلَ إذا زَجَرْتَهُ عَنِ الباطِلِ، وسُمِّيَ الكِتابُ زَبُورًا لِما فِيهِ مِنَ الزَّبْرِ عَنْ خِلافِ الحَقِّ، وبِهِ سُمِّيَ زَبُورُ داوُدَ لِكَثْرَةِ ما فِيهِ مِنَ الزَّواجِرِ والمَواعِظِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ”وبِالزُّبُرِ“ أعادَ الباءَ لِلتَّأْكِيدِ، وأمّا ”المُنِيرِ“ فَهو مِن قَوْلِكَ أنَرْتُ الشَّيْءَ أيْ أوْضَحْتُهُ، وفي الآيَةِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِنَ البَيِّناتِ المُعْجِزاتُ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْها الزُّبُرَ والكِتابَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يُقالَ إنَّ مُعْجِزاتِهِمْ كانَتْ مُغايِرَةً لِكُتُبِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدًا مِنَ الأنْبِياءِ ما كانَتْ كُتُبُهم مُعْجِزَةً لَهم، فالتَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ والصُّحُفُ ما كانَ شَيْءٌ مِنها مُعْجِزَةً، وأمّا القُرْآنُ فَهو وحْدَهُ كِتابٌ ومُعْجِزَةٌ، وهَذا أحَدُ خَواصِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عَطْفُ ”الكِتابِ المُنِيرِ“ عَلى ”الزُّبُرِ“ مَعَ أنَّ الكِتابَ المُنِيرَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِنَ الزُّبُرِ، وإنَّما حَسُنَ هَذا العَطْفُ لِأنَّ الكِتابَ المُنِيرَ أشْرَفُ الكُتُبِ وأحْسَنُ الزُّبُرِ، فَحَسُنَ العَطْفُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] وقالَ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] ووَجْهُ زِيادَةِ الشَّرَفِ فِيهِ إمّا كَوْنُهُ مُشْتَمِلًا عَلى جَمِيعِ الشَّرِيعَةِ، أوْ كَوْنُهُ باقِيًا عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالزُّبُرِ: الصُّحُفَ، وبِالكِتابِ المُنِيرِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والزَّبُورَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences