Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:19–22
3:19Page 52
إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٩
Indeed, the religion in the sight of Allāh is Islām. And those who were given the Scripture did not differ except after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. And whoever disbelieves in the verses of Allāh, then indeed, Allāh is swift in [taking] account.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى كَسْرِ ”إنَّ“ إلّا الكِسائِيَّ فَإنَّهُ فَتَحَ ”أنَّ“ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ ظاهِرَةٌ، لِأنَّ الكَلامَ الَّذِي قَبْلَهُ قَدْ تَمَّ، وأمّا قِراءَةُ الكِسائِيِّ فالنَّحْوِيُّونَ ذَكَرُوا فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّقْدِيرَ: شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وذَلِكَ لِأنَّ كَوْنَهُ تَعالى واحِدًا مُوجِبٌ أنْ يَكُونَ الدِّينُ الحَقُّ هو الإسْلامُ، لِأنَّ دِينَ الإسْلامِ هو المُشْتَمِلُ عَلى هَذِهِ الوَحْدانِيَّةِ.
والثّانِي: أنَّ التَّقْدِيرَ: شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، وأنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ.
الثّالِثُ: وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ أنْ يُجْعَلَ الثّانِي بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ، ثُمَّ إنْ قُلْنا بِأنَّ دِينَ الإسْلامِ مُشْتَمِلٌ عَلى التَّوْحِيدِ نَفْسِهِ كانَ هَذا مِن بابِ قَوْلِكَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا نَفْسَهُ، وإنْ قُلْنا: دِينُ الإسْلامِ مُشْتَمِلٌ عَلى التَّوْحِيدِ كانَ هَذا مِن بابِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ، كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأْسَهُ.
فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا الوَجْهِ وجَبَ أنْ لا يُحْسَبَ إعادَةُ اسْمِ اللَّهِ تَعالى كَما يُقالُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأْسَ زَيْدٍ.
قُلْنا: قَدْ يُظْهِرُونَ الِاسْمَ في مَوْضِعِ الكِتابَةِ، قالَ الشّاعِرُ:
صفحة ١٨١
لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ
وأمْثالُهُ كَثِيرَةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ مَن قَرَأ ”أنَّ الدِّينَ“ بِفَتْحِ ”أنَّ“ كانَ التَّقْدِيرُ: شَهِدَ اللَّهُ لِأجْلِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، فَإنَّ الإسْلامَ إذا كانَ هو الدِّينَ المُشْتَمِلَ عَلى التَّوْحِيدِ، واللَّهُ تَعالى شَهِدَ بِهَذِهِ الوَحْدانِيَّةِ كانَ اللّازِمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامَ، ومَن قَرَأ ”إنَّ الدِّينَ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فَوَجْهُ الِاتِّصالِ هو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ التَّوْحِيدَ أمْرٌ شَهِدَ اللَّهُ بِصِحَّتِهِ، وشَهِدَ بِهِ المَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ يُقالَ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أصْلُ الدِّينِ في اللُّغَةِ الجَزاءُ، ثُمَّ الطّاعَةُ تُسَمّى دِينًا لِأنَّها سَبَبُ الجَزاءِ، وأمّا الإسْلامُ فَفي مَعْناهُ في أصْلِ اللُّغَةِ أوْجُهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ أيْ في الِانْقِيادِ والمُتابَعَةِ، قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ [النساء: ٩٤] أيْ لِمَن صارَ مُنْقادًا لَكم ومُتابِعًا لَكم.
والثّانِي: مَن أسْلَمَ أيْ دَخَلَ في السَّلْمِ، كَقَوْلِهِمْ: أسْنى وأقْحَطَ وأصْلُ السَّلْمِ السَّلامَةُ.
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُسْلِمُ مَعْناهُ المُخْلِصُ لِلَّهِ عِبادَتَهُ مِن قَوْلِهِمْ: سَلِمَ الشَّيْءُ لِفُلانٍ، أيْ خَلُصَ لَهُ فالإسْلامُ مَعْناهُ إخْلاصُ الدِّينِ والعَقِيدَةِ لِلَّهِ تَعالى، هَذا ما يَتَعَلَّقُ بِتَفْسِيرِ لَفْظِ الإسْلامِ في أصْلِ اللُّغَةِ، أمّا في عُرْفِ الشَّرْعِ فالإسْلامُ هو الإيمانُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الدِّينُ المَقْبُولُ عِنْدَ اللَّهِ لَيْسَ إلّا الإسْلامَ، فَلَوْ كانَ الإيمانُ غَيْرَ الإسْلامِ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ الإيمانُ دِينًا مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ، ولا شَكَّ في أنَّهُ باطِلٌ.
الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] فَلَوْ كانَ الإيمانُ غَيْرَ الإسْلامِ لَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ الإيمانُ دِينًا مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ [الحجرات: ١٤] هَذا صَرِيحٌ في أنَّ الإسْلامَ مُغايِرٌ لِلْإيمانِ.
قُلْنا: الإسْلامُ عِبارَةٌ عَنْ الِانْقِيادِ في أصْلِ اللُّغَةِ عَلى ما بَيَّنّا، والمُنافِقُونَ انْقادُوا في الظّاهِرِ مِن خَوْفِ السَّيْفِ، فَلا جَرَمَ كانَ الإسْلامُ حاصِلًا في حُكْمِ الظّاهِرِ، والإيمانُ كانَ أيْضًا حاصِلًا في حُكْمِ الظّاهِرِ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] والإيمانُ الَّذِي يُمْكِنُ إدارَةُ الحُكْمِ عَلَيْهِ هو الإقْرارُ الظّاهِرُ، فَعَلى هَذا الإسْلامُ والإيمانُ تارَةً يُعْتَبَرانِ في الظّاهِرِ، وتارَةً في الحَقِيقَةِ، والمُنافِقُ حَصَلَ لَهُ الإسْلامُ الظّاهِرُ، ولَمْ يَحْصُلْ لَهُ الإسْلامُ الباطِنُ، لِأنَّ باطِنَهُ غَيْرُ مُنْقادٍ لِدِينِ اللَّهِ، فَكانَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: لَمْ تُسْلِمُوا في القَلْبِ والباطِنِ، ولَكِنْ قُولُوا: أسْلَمْنا في الظّاهِرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٨٢
المَسْألَةُ الأُولى: الغَرَضُ مِنَ الآيَةِ بَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْضَحَ الدَّلائِلَ، وأزالَ الشُّبُهاتِ والقَوْمُ ما كَفَرُوا إلّا لِأجْلِ التَّقْصِيرِ، فَقَوْلُهُ ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ، واخْتِلافُهم أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرُبَتْ وفاتُهُ سَلَّمَ التَّوْراةَ إلى سَبْعِينَ حَبْرًا، وجَعَلَهم أُمَناءَ عَلَيْها واسْتَخْلَفَ يُوشَعَ، فَلَمّا مَضى قَرْنٌ بَعْدَ قَرْنٍ اخْتَلَفَ أبْناءُ السَّبْعِينَ مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ في التَّوْراةِ بَغْيًا بَيْنَهم، وتَحاسَدُوا في طَلَبِ الدُّنْيا. والثّانِي: المُرادُ النَّصارى واخْتِلافُهم في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَما جاءَهُمُ العِلْمُ بِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ. والثّالِثُ: المُرادُ اليَهُودُ والنَّصارى واخْتِلافُهم هو أنَّهُ قالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وأنْكَرُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالُوا: نَحْنُ أحَقُّ بِالنُّبُوَّةِ مِن قُرَيْشٍ، لِأنَّهم أُمِّيُّونَ ونَحْنُ أهْلُ الكِتابِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ المُرادُ مِنهُ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الدَّلائِلُ الَّتِي لَوْ نَظَرُوا فِيها لَحَصَلَ لَهُمُ العِلْمُ، لِأنّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى العِلْمِ لَصارُوا مُعانِدِينَ، والعِنادُ عَلى الجَمْعِ العَظِيمِ لا يَصِحُّ، وهَذِهِ الآيَةُ ورَدَتْ في كُلِّ أهْلِ الكِتابِ وهم جَمْعٌ عَظِيمٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في انْتِصابِ قَوْلِهِ (بَغْيًا) وجْهانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُ الأخْفَشِ إنَّهُ انْتَصَبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ لِلْبَغْيِ كَقَوْلِكَ: جِئْتُكَ طَلَبَ الخَيْرِ ومَنعَ الشَّرِّ.
والثّانِي: قَوْلُ الزَّجّاجِ إنَّهُ انْتَصَبَ عَلى المَصْدَرِ مِن طَرِيقِ المَعْنى، فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ قائِمٌ مَقامَ قَوْلِهِ: وما بَغى الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ فَجَعَلَ (بَغْيًا) مَصْدَرًا، والفَرْقُ بَيْنَ المَفْعُولِ لَهُ وبَيْنَ المَصْدَرِ أنَّ المَفْعُولَ لَهُ غَرَضٌ لِلْفِعْلِ، وأمّا المَصْدَرُ فَهو المَفْعُولُ المُطْلَقُ الَّذِي أحْدَثَهُ الفاعِلُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الأخْفَشُ قَوْلُهُ ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ مِن صِلَةِ قَوْلِهِ (اخْتَلَفَ) والمَعْنى: وما اخْتَلَفُوا بَغِيًا بَيْنَهم إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم، وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى وما اخْتَلَفُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ إلّا لِلْبَغْيِ بَيْنَهم، فَيَكُونُ هَذا إخْبارًا عَنْ أنَّهم إنَّما اخْتَلَفُوا لِلْبَغْيِ، وقالَ القَفّالُ: وهَذا أجْوَدُ مِنَ الأوَّلِ، لِأنَّ الأوَّلَ يُوهِمُ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا بِسَبَبِ ما جاءَهم مِنَ العِلْمِ، والثّانِي يُفِيدُ أنَّهم إنَّما اخْتَلَفُوا لِأجْلِ الحَسَدِ والبَغْيِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ وهَذا تَهْدِيدٌ، وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المَعْنى فَإنَّهُ سَيَصِيرُ إلى اللَّهِ تَعالى سَرِيعًا فَيُحاسِبُهُ أيْ يَجْزِيهِ عَلى كُفْرِهِ.
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى سَيُعْلِمُهُ بِأعْمالِهِ ومَعاصِيهِ وأنْواعِ كُفْرِهِ بِإحْصاءٍ سَرِيعٍ مَعَ كَثْرَةِ الأعْمالِ.
3:20Page 52
فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠
So if they argue with you, say, "I have submitted myself to Allāh [in Islām], and [so have] those who follow me." And say to those who were given the Scripture and [to] the unlearned,1 "Have you submitted yourselves?" And if they submit [in Islām], they are rightly guided; but if they turn away - then upon you is only the [duty of] notification. And Allāh is Seeing of [His] servants.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ .
صفحة ١٨٣
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قَبْلُ أنَّ أهْلَ الكِتابِ اخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ، وأنَّهم أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ مَعَ ذَلِكَ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى لِلرَّسُولِ ﷺ ما يَقُولُهُ في مُحاجَّتِهِمْ، فَقالَ: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ وفي كَيْفِيَّةِ إيرادِ هَذا الكَلامِ طَرِيقانِ:
الطَّرِيقُ الأوَّلُ: أنَّ هَذا إعْراضٌ عَنِ المُحاجَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ﷺ كانَ قَدْ أظْهَرَ لَهُمُ الحُجَّةَ عَلى صِدْقِهِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مِرارًا وأطْوارًا، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ، وكانَ قَدْ أظْهَرَ لَهُمُ المُعْجِزاتِ بِالقُرْآنِ، ودُعاءِ الشَّجَرَةِ وكَلامِ الذِّئْبِ وغَيْرِها، وأيْضًا قَدْ ذَكَرَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ آياتٍ دالَّةً عَلى صِحَّةِ دِينِهِ، فَأوَّلُها أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الحُجَّةَ بِقَوْلِهِ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] عَلى فَسادِ قَوْلِ النَّصارى في إلَهِيَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبِقَوْلِهِ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ، وذَكَرَ شُبَهَ القَوْمِ، وأجابَ عَنْها بِأسْرِها عَلى ما قَرَّرْناهُ فِيما تَقَدَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهم مُعْجِزَةً أُخْرى، وهي المُعْجِزاتُ الَّتِي شاهَدُوها يَوْمَ بَدْرٍ عَلى ما بَيَّناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا﴾ [آل عمران: ١٣] ثُمَّ بَيَّنَ صِحَّةَ القَوْلِ بِالتَّوْحِيدِ، ونَفى الضِّدَّ والنِّدَّ والصّاحِبَةَ والوَلَدَ بِقَوْلِهِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَهابَ هَؤُلاءِ اليَهُودِ والنَّصارى عَنِ الحَقِّ، واخْتِلافَهم في الدِّينِ، إنَّما كانَ لِأجْلِ البَغْيِ والحَسَدِ، وذَلِكَ ما يَحْمِلُهم عَلى الِانْقِيادِ لِلْحَقِّ والتَّأمُّلِ في الدَّلائِلِ لَوْ كانُوا مُخْلِصِينَ، فَظَهَرَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن أسْبابِ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلى فِرَقِ الكُفّارِ شَيْءٌ إلّا وقَدْ حَصَلَ، فَبَعْدَ هَذا قالَ: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ يَعْنِي إنّا بالَغْنا في تَقْرِيرِ الدَّلائِلِ، وإيضاحِ البَيِّناتِ، فَإنْ تَرَكْتُمُ الأنَفَ والحَسَدَ، وتَمَسَّكْتُمْ بِها كُنْتُمْ أنْتُمُ المُهْتَدِينَ، وإنْ أعْرَضْتُمْ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى مِن وراءِ مُجازاتِكم، وهَذا التَّأْوِيلُ طَرِيقٌ مُعْتادٌ في الكَلامِ، فَإنَّ المُحِقَّ إذا ابْتُلِيَ بِالمُبْطِلِ اللَّجُوجِ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ الحُجَّةَ حالًا بَعْدَ حالٍ، فَقَدْ يَقُولُ في آخِرِ الأمْرِ: أمّا أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي فَمُنْقادُونَ لِلْحَقِّ مُسْتَسْلِمُونَ لَهُ مُقْبِلُونَ عَلى عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنْ وافَقْتُمْ واتَّبَعْتُمُ الحَقَّ الَّذِي أنا عَلَيْهِ بَعْدَ هَذِهِ الدَّلائِلِ الَّتِي ذَكَرْتُها فَقَدِ اهْتَدَيْتُمْ، وإنْ أعْرَضْتُمْ فَإنَّ اللَّهَ بِالمِرْصادِ، فَهَذا الطَّرِيقُ قَدْ يَذْكُرُهُ المُحْتَجُّ المُحِقُّ مَعَ المُبْطِلِ المُصِرِّ في آخِرِ كَلامِهِ.
الطَّرِيقُ الثّانِي: وهو أنْ نَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ مُحاجَّةٌ، وإظْهارٌ لِلدَّلِيلِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا مُقِرِّينَ بِوُجُودِ الصّانِعِ، وكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِلْقَوْمِ: هَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الكُلِّ فَأنا مُسْتَمْسِكٌ بِهَذا القَدْرِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ وداعٍ لِلْخَلْقِ إلَيْهِ، وإنَّما الخِلافُ في أُمُورٍ وراءَ ذَلِكَ وأنْتُمُ المُدَّعُونَ فَعَلَيْكُمُ الإثْباتُ، فَإنَّ اليَهُودَ يَدَّعُونَ التَّشْبِيهَ والجِسْمِيَّةَ، والنَّصارى يَدَّعُونَ إلَهِيَّةَ عِيسى، والمُشْرِكِينَ يَدَّعُونَ وُجُوبَ عِبادَةِ الأوْثانِ فَهَؤُلاءِ هُمُ المُدَّعُونَ لِهَذِهِ الأشْياءِ فَعَلَيْهِمْ إثْباتُها، وأمّا أنا فَلا أدَّعِي إلّا وُجُوبَ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وعُبُودِيَّتَهُ، وهَذا القَدْرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤] .
والوَجْهُ الثّانِي: في كَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلالِ: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ، وهو أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى وعَبَدَةَ الأوْثانِ كانُوا مُقِرِّينَ بِتَعْظِيمِ إبْراهِيمَ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، والإقْرارِ بِأنَّهُ كانَ مُحِقًّا في قَوْلِهِ صادِقًا في دِينِهِ، إلّا في زِياداتٍ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ يَتَّبِعَ مِلَّتَهُ فَقالَ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ﴾
صفحة ١٨٤
﴿اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ في هَذا المَوْضِعِ أنْ يَقُولَ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﷺ حَيْثُ قالَ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] فَقَوْلُ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ﴾ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩] أيْ أعْرَضْتُ عَنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، وقَصَدْتُهُ بِالعِبادَةِ وأخْلَصْتُ لَهُ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: فَإنْ نازَعُوكَ يا مُحَمَّدُ في هَذِهِ التَّفاصِيلِ فَقُلْ: أنا مُسْتَمْسِكٌ بِطَرِيقَةِ إبْراهِيمَ، وأنْتُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ طَرِيقَتَهُ حَقَّةٌ، بَعِيدَةٌ عَنْ كُلِّ شُبْهَةٍ وتُهْمَةٍ، فَكانَ هَذا مِن بابِ التَّمَسُّكِ بِالإلْزاماتِ، وداخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] .
والوَجْهُ الثّالِثُ: في كَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلالِ ما خَطَرَ بِبالِي عِنْدَ كَتْبَةِ هَذا المَوْضِعِ، وهو أنَّهُ ادَّعى قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ لا غَيْرَ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ﴾ يَعْنِي فَإنْ نازَعُوكَ في قَوْلِكَ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ فَقُلِ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنِّي أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الدِّينِ إنَّما هو الوَفاءُ بِلَوازِمِ الرُّبُوبِيَّةِ، فَإذا أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ فَلا أعْبُدُ غَيْرَهُ ولا أتَوَقَّعُ الخَيْرَ إلّا مِنهُ ولا أخافُ إلّا مِن قَهْرِهِ وسَطْوَتِهِ، ولا أُشْرِكُ بِهِ غَيْرَهُ، كانَ هَذا هو تَمامُ الوَفاءِ بِلَوازِمِ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، فَصَحَّ أنَّ الدِّينَ الكامِلَ هو الإسْلامُ، وهَذا الوَجْهُ يُناسِبُ الآيَةَ.
الوَجْهُ الرّابِعُ في كَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلالِ: ما خَطَرَ بِبالِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُناسِبَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٢٢] يَعْنِي لا تَجُوزُ العِبادَةُ إلّا لِمَن يَكُونُ نافِعًا ضارًّا، ويَكُونُ أمْرِي في يَدَيْهِ، وحُكْمِي في قَبْضَةِ قُدْرَتِهِ، فَإنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ يَعْلَمُ أنَّ عِيسى ما كانَ قادِرًا عَلى هَذِهِ الأشْياءِ، امْتَنَعَ في العَقْلِ أنْ أُسْلِمَ لَهُ، وأنْ أنْقادَ لَهُ، وإنَّما أُسْلِمُ وجْهِيَ لِلَّذِي مِنهُ الخَيْرُ، والشَّرُّ، والنَّفْعُ، والضُّرُّ، والتَّدْبِيرُ، والتَّقْدِيرُ.
الوَجْهُ الخامِسُ: يَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ إشارَةً إلى طَرِيقَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في قَوْلِهِ ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
أمّا قَوْلُهُ ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ أسَلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ، أيْ أخْلَصْتُ عَمَلِي لِلَّهِ يُقالُ أسَلَمْتُ الشَّيْءَ لِفُلانٍ أيْ أخْلَصْتُهُ لَهُ، ولَمْ يُشارِكْهُ غَيْرُهُ. قالَ: ويَعْنِي بِالوَجْهِ هاهُنا العَمَلَ كَقَوْلِهِ ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] أيْ عِبادَتَهُ، ويُقالُ: هَذا وجْهُ الأمْرِ أيْ خالِصُ الأمْرِ، وإذا قَصَدَ الرَّجُلُ غَيْرَهُ لِحاجَةٍ يَقُولُ: وجَّهْتُ وجْهِيَ إلَيْكَ، ويُقالُ لِلْمُنْهَمِكِ في الشَّيْءِ الَّذِي لا يَرْجِعُ عَنْهُ: مَرَّ عَلى وجْهِهِ. الثّانِي: أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ أيْ أسَلَمْتُ وجْهَ عَمَلِي لِلَّهِ، والمَعْنى أنَّ كُلَّ ما يَصْدُرُ مِنِّي مِنَ الأعْمالِ فالوَجْهُ في الإتْيانِ بِها هو عُبُودِيَّةُ اللَّهِ تَعالى والِانْقِيادُ لِإلَهِيَّتِهِ وحُكْمِهِ. الثّالِثُ: أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ أيْ أسْلَمْتُ نَفَسِي لِلَّهِ ولَيْسَ في العِبادَةِ مَقامٌ أعْلى مِن إسْلامِ النَّفْسِ لِلَّهِ فَيَصِيرُ كَأنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلى عِبادَتِهِ، عادِلٌ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: حَذَفَ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ الياءَ مِنِ ”اتَّبَعَنِ“ اجْتِزاءً بِالكَسْرِ واتِّباعًا لِلْمُصْحَفِ، وأثْبَتَهُ الآخَرُونَ عَلى الأصْلِ.
صفحة ١٨٥
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”مَن“ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَطْفًا عَلى التّاءِ في قَوْلِهِ (أسْلَمْتُ) أيْ ومَنِ اتَّبَعَنِي أسْلَمَ أيْضًا.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ أسْلَمْتُ ومَنِ اتَّبَعَنِ، ولَمْ يَقُلْ: أسْلَمْتُ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِ.
قُلْنا: إنَّ الكَلامَ طالَ بِقَوْلِهِ ﴿وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ فَصارَ عِوَضًا مِن تَأْكِيدِ الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ، ولَوْ قِيلَ: أسْلَمْتُ وزَيْدٌ، لَمْ يَحْسُنْ حَتّى يُقالَ: أسْلَمْتُ أنا وزَيْدٌ، ولَوْ قالَ أسْلَمْتُ اليَوْمَ بِانْشِراحِ صَدْرٍ، ومَن جاءَ مَعِي جازَ وحَسُنَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ مُتَناوِلَةٌ لِجَمِيعِ المُخالِفِينَ لِدِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ لِأنَّ مِنهم مَن كانَ مِن أهْلِ الكِتابِ، سَواءٌ كانَ مُحِقًّا في تِلْكَ الدَّعْوى كاليَهُودِ والنَّصارى، أوْ كانَ كاذِبًا فِيهِ كالمَجُوسِ، ومِنهم مَن لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ الكِتابِ وهم عَبَدَةُ الأوْثانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما وصَفَ مُشْرِكِي العَرَبِ بِأنَّهم أُمِّيُّونَ لِوَجْهَيْنِ
: الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا لَمْ يَدَّعُوا الكِتابَ الإلَهِيَّ وُصِفُوا بِأنَّهم أُمِّيُّونَ تَشْبِيهًا بِمَن لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم لَيْسُوا مِن أهْلِ القِراءَةِ والكِتابَةِ فَهَذِهِ كانَتْ صِفَةَ عامَّتِهِمْ وإنْ كانَ فِيهِمْ مَن يَكْتُبُ فَنادِرٌ مِن بَيْنِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنْ حاجُّوكَ﴾ عامٌّ في كُلِّ الكُفّارِ، لِأنَّهُ دَخَلَ كُلُّ مَن يَدَّعِي الكِتابَ تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ ودَخَلَ مَن لا كِتابَ لَهُ تَحْتَ قَوْلِهِ (الأُمِّيِّينَ) .
ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى (أأسْلَمْتُمْ) فَهو اسْتِفْهامٌ في مَعْرِضِ التَّقْرِيرِ، والمَقْصُودُ مِنهُ الأمْرُ قالَ النَّحْوِيُّونَ: إنَّما جاءَ بِالأمْرِ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ، لِأنَّهُ بِمَنزِلَتِهِ في طَلَبِ الفِعْلِ والِاسْتِدْعاءِ إلَيْهِ إلّا أنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْ مَعْنى الأمْرِ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ، وهي التَّعْبِيرُ بِكَوْنِ المُخاطَبِ مُعانِدًا بَعِيدًا عَنِ الإنْصافِ، لِأنَّ المُنْصِفَ إذا ظَهَرَتْ لَهُ الحُجَّةُ لَمْ يَتَوَقَّفْ بَلْ في الحالِ يَقْبَلُ ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ لِمَن لَخَّصْتَ لَهُ المَسْألَةَ في غايَةِ التَّلْخِيصِ والكَشْفِ والبَيانِ؛ هَلْ فَهِمْتَها ؟ فَإنَّ فِيهِ الإشارَةَ إلى كَوْنِ المُخاطَبِ بَلِيدًا قَلِيلَ الفَهْمِ. وقالَ اللَّهُ تَعالى في آيَةِ الخَمْرِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] وفِيهِ إشارَةٌ إلى التَّقاعُدِ عَنِ الِانْتِهاءِ والحِرْصِ الشَّدِيدِ عَلى تَعاطِي المَنهِيِّ عَنْهُ.
ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ هَذا الإسْلامَ تَمَسُّكٌ بِما هَدى إلَيْهِ، والمُتَمَسِّكُ بِهِدايَةِ اللَّهِ تَعالى يَكُونُ مُهْتَدِيًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَقَدِ اهْتَدَوْا لِلْفَوْزِ والنَّجاةِ في الآخِرَةِ إنْ ثَبَتُوا عَلَيْهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَنِ الإسْلامِ واتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ والغَرَضُ مِنهُ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ وتَعْرِيفُهُ أنَّ الَّذِي عَلَيْهِ لَيْسَ إلّا إبْلاغُ الأدِلَّةِ وإظْهارُ الحُجَّةِ فَإذا بَلَّغَ ما جاءَ بِهِ فَقَدْ أدّى ما عَلَيْهِ، ولَيْسَ عَلَيْهِ قَبُولُهم. ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ وذَلِكَ يُفِيدُ الوَعْدَ والوَعِيدَ، وهو ظاهِرٌ.
3:21–22Page 52
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢١
Those who disbelieve in the signs of Allāh and kill the prophets without right and kill those who order justice from among the people - give them tidings of a painful punishment.
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٢
They are the ones whose deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and for them there will be no helpers.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قَبْلُ حالَ مَن يُعْرِضُ ويَتَوَلّى بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ أرْدَفَهُ بِصِفَةِ هَذا المُتَوَلِّي فَذَكَرَ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي كَوْنَهم كافِرِينَ بِجَمِيعِ آياتِ اللَّهِ واليَهُودُ والنَّصارى ما كانُوا كَذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِالصّانِعِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ والمَعادِ.
قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ نَصْرِفَ آياتِ اللَّهِ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ وهو القُرْآنُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ .
الثّانِي: أنْ نَحْمِلَهُ عَلى العُمُومِ، ونَقُولَ إنَّ مَن كَذَّبَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَلْزَمُهُ أنْ يُكَذِّبَ بِجَمِيعِ آياتِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ مَن تَناقَضَ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ إذْ لَوْ كانَ مُؤْمِنًا بِشَيْءٍ مِنها لَآمَنَ بِالجَمِيعِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الحَسَنُ ”ويُقَتِّلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ“ وهو لِلْمُبالَغَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحَ أنَّهُ قالَ: «قَلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ النّاسِ أشَدُّ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالَ: رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا أوْ رَجُلًا أمَرَ بِالمَعْرُوفِ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: يا أبا عُبَيْدَةَ قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا مِن أوَّلِ النَّهارِ في ساعَةٍ واحِدَةٍ، فَقامَ مِائَةُ رَجُلٍ واثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن عُبّادِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأمَرُوا مَن قَتَلَهم بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ فَقُتِلُوا جَمِيعًا مِن آخِرِ النَّهارِ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى» . وأيْضًا القَوْمُ قَتَلُوا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، وزَعَمُوا أنَّهم قَتَلُوا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ فَعَلى قَوْلِهِمْ ثَبَتَ أنَّهم كانُوا يَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ.
* * *
وفِي الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: إذا كانَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ في حُكْمِ المُسْتَقْبَلِ، لِأنَّهُ وعِيدٌ لِمَن كانَ في زَمَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يَقَعْ مِنهم قَتْلُ الأنْبِياءِ ولا القائِمِينَ بِالقِسْطِ فَكَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ ؟
الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ لَمّا كانَتْ طَرِيقَةَ أسْلافِهِمْ صَحَّتْ هَذِهِ الإضافَةُ إلَيْهِمْ، إذْ كانُوا مُصَوِّبِينَ وبِطَرِيقَتِهِمْ راضِينَ، فَإنَّ صُنْعَ الأبِ قَدْ يُضافُ إلى الِابْنِ إذا كانَ راضِيًا بِهِ وجارِيًا عَلى طَرِيقَتِهِ. الثّانِي: أنَّ القَوْمَ كانُوا يُرِيدُونَ قَتْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَتْلَ والمُؤْمِنِينَ إلّا أنَّهُ تَعالى عَصَمَهُ مِنهم، فَلَمّا كانُوا في
صفحة ١٨٧
غايَةِ الرَّغْبَةِ في ذَلِكَ صَحَّ إطْلاقُ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَما يُقالُ: النّارُ مُحْرِقَةٌ، والسُّمُّ قاتِلٌ، أيْ ذَلِكَ مِن شَأْنِهِما إذا وُجِدَ القابِلُ، فَكَذا هاهُنا لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ إلّا كَذَلِكَ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وقَتْلُ الأنْبِياءِ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ ؟
والجَوابُ: ذَكَرْنا وُجُوهَ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ مِنهُ شَرْحُ عِظَمِ ذَنْبِهِمْ، وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم قَصَدُوا بِطَرِيقَةِ الظُّلْمِ في قَتْلِهِمْ طَرِيقَةَ العَدْلِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ ظاهِرُهُ مُشْعِرٌ بِأنَّهم قَتَلُوا الكُلَّ، ومَعْلُومٌ أنَّهم ما قَتَلُوا الكُلَّ ولا الأكْثَرَ ولا النِّصْفَ.
والجَوابُ: الألِفُ واللّامُ مَحْمُولانِ عَلى المَعْهُودِ لا عَلى الِاسْتِغْراقِ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ ”ويُقاتِلُونَ“ بِالألِفِ والباقُونَ ”ويَقْتُلُونَ“ وهُما سَواءٌ، لِأنَّهم قَدْ يُقاتِلُونَ فَيَقْتُلُونَ بِالقِتالِ، وقَدْ يَقْتُلُونَ ابْتِداءً مِن غَيْرِ قِتالٍ. وقَرَأ أُبَيٌّ ”ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ والَّذِينَ يَأْمُرُونَ“ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الحَسَنُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ القائِمَ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عِنْدَ الخَوْفِ، تَلِي مَنزِلَتُهُ في العِظَمِ مَنزِلَةَ الأنْبِياءِ، ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا قامَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أيُّ الجِهادِ أفْضَلُ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”أفْضَلُ الجِهادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطانٍ جائِرٍ“» .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما وصَفَهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ، فَقَدْ ذَكَرَ وعِيدَهم مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما دَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ (فَبَشِّرْهم) مَعَ أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، لِأنَّهُ في مَعْنى الجَزاءِ والتَّقْدِيرُ: مَن يَكْفُرْ فَبَشِّرْهم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا مَحْمُولٌ عَلى الِاسْتِعارَةِ، وهو أنَّ إنْذارَ هَؤُلاءِ بِالعَذابِ قائِمٌ مَقامَ بُشْرى المُحْسِنِينَ بِالنَّعِيمِ، والكَلامُ في حَقِيقَةِ البِشارَةِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] .
النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الوَعِيدِ: قَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِهَذا أنَّ مَحاسِنَ أعْمالِ الكُفّارِ مُحْبَطَةٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا الدُّنْيا فَبِإبْدالِ المَدْحِ بِالذَّمِّ والثَّناءِ بِاللَّعْنِ، ويَدْخُلُ فِيهِ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ، وأخْذِ الأمْوالِ مِنهم غَنِيمَةً، والِاسْتِرْقاقِ لَهم إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الذُّلِّ الظّاهِرِ فِيهِمْ، وأمّا حُبُوطُها في الآخِرَةِ فَبِإزالَةِ الثَّوابِ إلى العِقابِ.
النَّوْعُ الثّالِثُ مِن وعِيدِهِمْ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِالنَّوْعِ الأوَّلِ مِنَ الوَعِيدِ اجْتِماعَ أسْبابِ الآلامِ والمَكْرُوهاتِ في حَقِّهِمْ وبَيَّنَ بِالنَّوْعِ الثّانِي زَوالَ أسْبابِ المَنافِعِ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ وبَيَّنَ بِهَذا الوَجْهِ الثّالِثِ لُزُومَ ذَلِكَ في حَقِّهِمْ عَلى وجْهٍ لا يَكُونُ لَهم ناصِرٌ ولا دافِعٌ واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences