Ar-RaziAli 'Imran · 3:191–197

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:191–197, continued

وثانِيها: أنَّ الشَّفِيعَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَشْفَعَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الشَّفِيعُ قادِرًا عَلى النُّصْرَةِ إلّا بَعْدَ الإذْنِ، وإذا حَصَلَ الإذْنُ لَمْ يَكُنْ في شَفاعَتِهِ فائِدَةٌ في الحَقِيقَةِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ أنَّ العَفْوَ إنَّما حَصَلَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وتِلْكَ الشَّفاعَةُ ما كانَ لَها تَأْثِيرٌ في نَفْسِ الأمْرِ، ولَيْسَ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ يُفِيدُ أنَّهُ لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ كَما قالَ: ﴿ألا لَهُ الحُكْمُ﴾ [الأنعام: ٦٢] وقالَ: ﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] لا يُقالُ: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَبْقى لِتَخْصِيصِ الظّالِمِينَ بِهَذا الحُكْمِ فائِدَةٌ، لِأنّا نَقُولُ: بَلْ فِيهِ فائِدَةٌ لِأنَّهُ وعَدَ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ في الدُّنْيا بِالفَوْزِ بِالثَّوابِ والنَّجاةِ مِنَ العِقابِ، فَلَهم يَوْمَ القِيامَةِ هَذِهِ الحُجَّةُ، أمّا الفُسّاقُ فَلَيْسَ لَهم ذَلِكَ، فَصَحَّ تَخْصِيصُهم بِنَفْيِ الأنْصارِ عَلى الإطْلاقِ. الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ عامَّةٌ ووارِدَةٌ بِثُبُوتِ الشَّفاعَةِ خاصَّةً والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُعْتَزِلَةُ تَمَسَّكُوا في أنَّ الفاسِقَ لا يَخْرُجُ مِنَ النّارِ، قالُوا: لَوْ خَرَجَ مِنَ النّارِ لَكانَ مَن أخْرَجَهُ مِنها ناصِرًا لَهُ، والآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا ناصِرَ لَهُ البَتَّةَ.

والجَوابُ: المُعارَضَةُ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى العَفْوِ كَما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

النَّوْعُ الثّالِثُ: مِن دَعَواتِهِمْ:

3:193Page 75

رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ١٩٣

Our Lord, indeed we have heard a caller [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] calling to faith, [saying], 'Believe in your Lord,' and we have believed. Our Lord, so forgive us our sins and remove from us our misdeeds and cause us to die among the righteous.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في المُنادِي قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ،

صفحة ١١٨

والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥] . ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦] . ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٨] .

والثّانِي: أنَّهُ هو القُرْآنُ، قالُوا إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ مُؤْمِنِي الإنْسِ ذَلِكَ كَما حَكى عَنْ مُؤْمِنِي الجِنِّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ﴾ [الجن: ١، ٢] قالُوا: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِهَذا الوَجْهِ أوْلى لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ أحَدٍ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ، أمّا القُرْآنُ فَكُلُّ أحَدٍ سَمِعَهُ وفَهِمَهُ، قالُوا: وهَذا وإنْ كانَ مَجازًا إلّا أنَّهُ مَجازٌ مُتَعارَفٌ، لِأنَّ القُرْآنَ لَمّا كانَ مُشْتَمِلًا عَلى الرُّشْدِ، وكانَ كُلُّ مَن تَأمَّلَهُ وصَلَ بِهِ إلى الهُدى إذا وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى لِذَلِكَ، فَصارَ كَأنَّهُ يَدْعُو إلى نَفْسِهِ ويُنادِي بِما فِيهِ مِن أنْواعِ الدَّلائِلِ، كَما قِيلَ في جَهَنَّمَ ﴿تَدْعُوا مَن أدْبَرَ وتَوَلّى﴾ [المعارج: ١٧] إذْ كانَ مَصِيرُهم إلَيْها، والفُصَحاءُ والشُّعَراءُ يَصِفُونَ الدَّهْرَ بِأنَّهُ يُنادِي ويَعِظُ، ومُرادُهم مِنها دَلالَةُ تَصارِيفِ الزَّمانِ، قالَ الشّاعِرُ:

يا واضِعَ المَيِّتَ في قَبْرِهِ خاطَبَكَ الدَّهْرُ فَلَمْ تَسْمَعْ

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿يُنادِي لِلْإيمانِ﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ اللّامَ بِمَعْنى ”إلى“ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٨] . ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣] . ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] ويُقالُ: دَعاهُ لِكَذا وإلى كَذا، ونَدَبَهُ لَهُ وإلَيْهِ، وناداهُ لَهُ وإلَيْهِ، وهَداهُ لِلطَّرِيقِ وإلَيْهِ، والسَّبَبُ في إقامَةِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ اللَّفْظَتَيْنِ مَقامَ الأُخْرى: أنَّ مَعْنى انْتِهاءِ الغايَةِ ومَعْنى الِاخْتِصاصِ حاصِلانِ جَمِيعًا.

الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ سَمِعْنا مُنادِيًا لِلْإيمانِ يُنادِي بِأنْ آمِنُوا، كَما يُقالُ: جاءَنا مُنادِي الأمِيرِ يُنادِي بِكَذا وكَذا.

والثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ اللّامَ لامُ الأجَلِ، والمَعْنى: سَمِعْنا مُنادِيًا كانَ نِداؤُهُ لِيُؤْمِنَ النّاسُ، أيْ كانَ المُنادِي يُنادِي لِهَذا الغَرَضِ، ألا تَراهُ قالَ: ﴿أنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ أيْ لِتُؤْمِنَ النّاسُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي﴾ نَظِيرُهُ قَوْلُكَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ كَذا، وسَمِعْتُ زَيْدًا يَتَكَلَّمُ، فَيُوقَعُ الفِعْلُ عَلى الرَّجُلِ ويُحْذَفُ المَسْمُوعُ، لِأنَّكَ وصَفْتَهُ بِما يَسْمَعُ وجَعَلْتَهُ حالًا عَنْهُ فَأغْناكَ عَنْ ذِكْرِهِ، ولِأنَّ الوَصْفَ أوِ الحالَ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنهُ، وأنَّهُ يُقالُ سَمِعْتُ كَلامَ فُلانٍ أوْ قَوْلَهُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَهُنا سُؤالٌ وهو أنْ يُقالَ: ما الفائِدَةُ في الجَمْعِ بَيْنَ المُنادِي ويُنادِي ؟

وجَوابُهُ: ذُكِرَ النِّداءُ مُطْلَقًا ثَمَّ مُقَيَّدًا بِالإيمانِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِ المُنادِي، لِأنَّهُ لا مُنادِيَ أعْظَمُ مِن مُنادٍ يُنادِي لِلْإيمانِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: مَرَرْتُ بِهادٍ يَهْدِي لِلْإسْلامِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُنادِيَ إذا أُطْلِقَ ذَهَبَ الوَهْمُ إلى مُنادٍ لِلْحَرْبِ، أوْ لِإطْفاءِ النّائِرَةِ، أوْ لِإغاثَةِ المَكْرُوبِ، أوِ الكِفايَةِ لِبَعْضِ النَّوازِلِ، وكَذَلِكَ الهادِي قَدْ يُطْلَقُ عَلى مَن يَهْدِي لِلطَّرِيقِ، ويَهْدِي لِسَدادِ الرَّأْيِ، فَإذا قُلْتَ يُنادِي لِلْإيمانِ ويَهْدِي لِلْإسْلامِ فَقَدْ رَفَعْتَ مِن شَأْنِ المُنادِي والهادِي وفَخَّمْتَهُ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ ﴿أنْ آمِنُوا﴾ فِيهِ حَذْفٌ أوْ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: آمِنُوا أوْ بِأنْ آمِنُوا. ثُمَّ حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهم طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى في هَذا الدُّعاءِ ثَلاثَةَ أشْياءَ: أوَّلُها: غُفْرانُ

صفحة ١١٩

الذُّنُوبِ.

وثانِيها: تَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ.

وثالِثُها: أنْ تَكُونَ وفاتُهم مَعَ الأبْرارِ. أمّا الغُفْرانُ فَهو السَّتْرُ والتَّغْطِيَةُ، والتَّكْفِيرُ أيْضًا هو التَّغْطِيَةُ، يُقالُ: رَجُلٌ مُكَفَّرٌ بِالسِّلاحِ، أيْ مُغَطًّى بِهِ، والكُفْرُ مِنهُ أيْضًا، وقالَ لَبِيدٌ:

فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ ظَلامُها

إذا عَرَفْتَ هَذا: فالمَغْفِرَةُ والتَّكْفِيرُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ مَعْناهُما شَيْءٌ واحِدٌ.

أمّا المُفَسِّرُونَ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِهِما شَيْءٌ واحِدٌ وإنَّما أُعِيدَ ذَلِكَ لِلتَّأْكِيدِ لِأنَّ الإلْحاحَ في الدُّعاءِ والمُبالَغَةَ فِيهِ مَندُوبٌ.

وثانِيها: المُرادُ بِالأوَّلِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الذُّنُوبِ، وبِالثّانِي المُسْتَأْنَفُ.

وثالِثُها: أنْ يُرِيدَ بِالغُفْرانِ ما يَزُولُ بِالتَّوْبَةِ، وبِالكُفْرانِ ما تُكَفِّرُهُ الطّاعَةُ العَظِيمَةُ.

ورابِعُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأوَّلِ ما أتى بِهِ الإنْسانُ مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ مَعْصِيَةً وذَنْبًا، وبِالثّانِي ما أتى بِهِ الإنْسانُ مَعَ جَهْلِهِ بِكَوْنِهِ مَعْصِيَةً وذَنْبًا.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:

الأوَّلُ: أنَّ الأبْرارَ جَمْعُ بَرٍّ أوْ بارٍّ، كَرَبٍّ وأرْبابٍ، وصاحِبٍ وأصْحابٍ.

الثّانِي: ذَكَرَ القَفّالُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ المَعِيَّةِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ وفاتَهم مَعَهم هي أنْ يَمُوتُوا عَلى مِثْلِ أعْمالِهِمْ حَتّى يَكُونُوا في دَرَجاتِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، قَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ أنا مَعَ الشّافِعِيِّ في هَذِهِ المَسْألَةِ، ويُرِيدُ بِهِ كَوْنَهُ مُساوِيًا لَهُ في ذَلِكَ الِاعْتِقادِ.

والثّانِي: يُقالُ: فُلانٌ في العَطاءِ مَعَ أصْحابِ الأُلُوفِ، أيْ هو مُشارِكٌ لَهم في أنَّهُ يُعْطِي ألْفًا.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ كَوْنَهم في جُمْلَةِ أتْباعِ الأبْرارِ وأشْياعِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى حُصُولِ العَفْوِ بِدُونِ التَّوْبَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ والِاسْتِدْلالُ بِهِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهم طَلَبُوا غُفْرانَ الذُّنُوبِ ولَمْ يَكُنْ لِلتَّوْبَةِ فِيهِ ذِكْرٌ، فَدَلَّ عَلى أنَّهم طَلَبُوا المَغْفِرَةَ مُطْلَقًا، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَهم إلَيْهِ لِأنَّهُ قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] وهَذا صَرِيحٌ في أنَّهُ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنِ الذَّنْبِ وإنْ لَمْ تُوجَدِ التَّوْبَةُ.

والثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم لَمّا أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم آمَنُوا، فَعِنْدَ هَذا قالُوا: فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاغْفِرْ﴾ فاءُ الجَزاءِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ الإيمانِ سَبَبٌ لِحُسْنِ طَلَبِ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَهم إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ الإيمانِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الغُفْرانِ، إمّا مِنَ الِابْتِداءِ وهو بِأنْ يَعْفُوَ عَنْهم ولا يُدْخِلَهُمُ النّارَ أوْ بِأنْ يُدْخِلَهُمُ النّارَ ويُعَذِّبَهم مُدَّةً ثُمَّ يَعْفُو عَنْهم ويُخْرِجُهم مِنَ النّارِ، فَثَبَتَ دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ عَلى حُصُولِ العَفْوِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ شَفاعَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ في حَقِّ أصْحابِ الكَبائِرِ مَقْبُولَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ غُفْرانَ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ أنْ قَيَّدُوا ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ، فَأجابَ اللَّهُ قَوْلَهم وأعْطاهم مَطْلُوبَهم فَإذا قَبِلَ شَفاعَةَ المُؤْمِنِينَ في العَفْوِ عَنِ الذَّنْبِ، فَلِأنْ يَقْبَلَ شَفاعَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فِيهِ كانَ أوْلى.

النَّوْعُ الرّابِعُ: مِن دُعائِهِمْ:

3:194Page 75

رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ١٩٤

Our Lord, and grant us what You promised us through Your messengers and do not disgrace us on the Day of Resurrection. Indeed, You do not fail in [Your] promise."

قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ فِيهِ حَذْفُ المُضافِ ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ.

وثانِيها: وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَذْكُورَةٌ عَقِيبَ ذِكْرِ المُنادِي لِلْإيمانِ وهو الرَّسُولُ وعَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿فَآمَنّا﴾ وهو التَّصْدِيقُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَهُنا سُؤالٌ: وهو أنَّ الخُلْفَ في وعْدِ اللَّهِ مُحالٌ، فَكَيْفَ طَلَبُوا بِالدُّعاءِ ما عَلِمُوا أنَّهُ لا مَحالَةَ واقِعٌ ؟

والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنَ الدُّعاءِ طَلَبَ الفِعْلِ، بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ إظْهارُ الخُضُوعِ والذِّلَّةِ والعُبُودِيَّةِ، وقَدْ أمَرَنا بِالدُّعاءِ في أشْياءَ نَعْلَمُ قَطْعًا أنَّها تُوجَدُ لا مَحالَةَ، كَقَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ احْكم ‎بِالحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] وقَوْلِهِ: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧] .

والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ وعْدَ اللَّهِ لا يَتَناوَلُ آحادَ الأُمَّةِ بِأعْيانِهِمْ، بَلْ إنَّما يَتَناوَلُهم بِحَسَبِ أوْصافِهِمْ، فَإنَّهُ تَعالى وعَدَ المُتَّقِينَ بِالثَّوابِ، ووَعَدَ الفُسّاقَ بِالعِقابِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا﴾ مَعْناهُ: وفِّقْنا لِلْأعْمالِ الَّتِي بِها نَصِيرُ أهْلًا لِوَعْدِكَ، واعْصِمْنا مِنَ الأعْمالِ الَّتِي نَصِيرُ بِها أهْلًا لِلْعِقابِ والخِزْيِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ طَلَبَ التَّوْفِيقِ لِلطّاعَةِ والعِصْمَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَنْصُرَهم في الدُّنْيا ويَقْهَرَ عَدُوَّهم، فَهم طَلَبُوا تَعْجِيلَ ذَلِكَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَزُولُ الإشْكالُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّهم إنَّما طَلَبُوا مَنافِعَ الآخِرَةِ بِحُكْمِ الوَعْدِ لا بِحُكْمِ الِاسْتِحْقاقِ لِأنَّهم قالُوا: رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ، وفي آخِرِ الكَلامِ قالُوا: ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُقْتَضِيَ لِحُصُولِ مَنافِعِ الآخِرَةِ هو الوَعْدُ لا الِاسْتِحْقاقُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَهُنا سُؤالٌ آخَرُ: وهو أنَّهُ مَتى حَصَلَ الثَّوابُ كانَ انْدِفاعُ العِقابِ لازِمًا لا مَحالَةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ طَلَبٌ لِلثَّوابِ، فَبَعْدَ طَلَبِ الثَّوابِ كَيْفَ طُلِبَ تَرْكُ العِقابِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بَلْ لَوْ طُلِبَ تَرْكُ العِقابِ أوَّلًا ثُمَّ طُلِبَ إيصالُ الثَّوابِ كانَ الكَلامُ مُسْتَقِيمًا ؟ .

والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الثَّوابَ شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ مَنفَعَةً مَقْرُونَةً بِالتَّعْظِيمِ والسُّرُورِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ المُرادُ مِنهُ المَنافِعُ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُخْزِنا﴾ المُرادُ مِنهُ التَّعْظِيمُ.

الثّانِي: أنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ طَلَبُ التَّوْفِيقِ عَلى الطّاعَةِ والعِصْمَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَحْسُنُ النَّظْمُ كَأنَّهُ قِيلَ: وفِّقْنا لِلطّاعاتِ، وإذا وفَّقْتَنا لَها فاعْصِمْنا عَمّا يُبْطِلُها ويُزِيلُها ويُوقِعُنا في الخِزْيِ والهَلاكِ، والحاصِلُ كَأنَّهُ قِيلَ: وفِّقْنا لِطاعَتِكَ فَإنّا لا نَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنَ الطّاعاتِ إلّا بِتَوْفِيقِكَ، وإذا

صفحة ١٢١

وفَّقْتَ لِفِعْلِها فَوَفِّقْنا لِاسْتِبْقائِها فَإنّا لا نَقْدِرُ عَلى اسْتِبْقائِها واسْتِدامَتِها إلّا بِتَوْفِيقِكَ، وهو إشارَةٌ إلى أنَّ العَبْدَ لا يُمْكِنُهُ عَمَلٌ مِنَ الأعْمالِ، ولا فِعْلٌ مِنَ الأفْعالِ، ولا لَمْحَةٌ ولا حَرَكَةٌ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ وتَوْفِيقِهِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] فَإنَّهُ رُبَّما ظَنَّ الإنْسانُ أنَّهُ عَلى الِاعْتِقادِ الحَقِّ والعَمَلِ الصّالِحِ، ثُمَّ إنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ يَظْهَرُ لَهُ أنَّ اعْتِقادَهُ كانَ ضَلالًا وعَمَلَهُ كانَ ذَنْبًا، فَهُناكَ تَحْصُلُ الخَجالَةُ العَظِيمَةُ والحَسْرَةُ الكامِلَةُ والأسَفُ الشَّدِيدُ، ثُمَّ قالَ حُكَماءُ الإسْلامِ: وذَلِكَ هو العَذابُ الرُّوحانِيُّ. قالُوا: وهَذا العَذابُ أشَدُّ مِنَ العَذابِ الجُسْمانِيِّ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى عَنْ هَؤُلاءِ العِبادِ المُؤْمِنِينَ أنَّهم طَلَبُوا في هَذا الدُّعاءِ أشْياءَ، فَأوَّلُ مَطالِبِهِمُ الِاحْتِرازُ عَنِ العَذابِ الجُسْمانِيِّ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ وآخِرُها الِاحْتِرازُ عَنِ العَذابِ الرُّوحانِيِّ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَذابَ الرُّوحانِيَّ أشَدُّ مِنَ العَذابِ الجُسْمانِيِّ.

3:195Page 76

فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَابِ ١٩٥

And their Lord responded to them, "Never will I allow to be lost the work of [any] worker among you, whether male or female; you are of one another. So those who emigrated or were evicted from their homes or were harmed in My cause or fought or were killed - I will surely remove from them their misdeeds, and I will surely admit them to gardens beneath which rivers flow as reward from Allāh, and Allāh has with Him the best reward."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فالَّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي وقاتَلُوا وقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم عَرَفُوا اللَّهَ بِالدَّلِيلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ ثُمَّ حَكى عَنْهم مُواظَبَتَهم عَلى الذِّكْرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا﴾ وعَلى التَّفَكُّرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ثُمَّ حَكى عَنْهم أنَّهم أثْنَوْا عَلى اللَّهِ تَعالى وهو قَوْلُهم: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ﴾ ثُمَّ حَكى عَنْهم أنَّهم بَعْدَ الثَّناءِ اشْتَغَلُوا بِالدُّعاءِ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ اسْتَجابَ دُعاءَهم فَقالَ: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ اسْتِجابَةَ الدُّعاءِ مَشْرُوطَةٌ بِهَذِهِ الأُمُورِ، فَلَمّا كانَ حُصُولُ هَذِهِ الشَّرائِطِ عَزِيزًا، لا جَرَمَ كانَ الشَّخْصُ الَّذِي يَكُونُ مُجابَ الدُّعاءِ عَزِيزًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: يُقالُ اسْتَجابَهُ واسْتَجابَ لَهُ، قالَ الشّاعِرُ:

وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النِّدا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ

وقالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤] .

صفحة ١٢٢

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنِّي لا أُضِيعُ: قُرِئَ بِالفَتْحِ، والتَّقْدِيرُ: بِأنِّي لا أُضِيعُ، وبِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، وقُرِئَ ”لا أُضَيِّعُ“ بِالتَّشْدِيدِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن ذَكَرٍ﴾ قِيلَ لِلتَّبْيِينِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] وقِيلَ: إنَّها مُؤَكِّدَةٌ لِلنَّفْيِ بِمَعْنى: عَمَلَ عامِلٍ مِنكم ذِكْرٍ أوْ أُنْثى.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنَّهُ لا يُضِيعُ نَفْسَ العَمَلِ، لِأنَّ العَمَلَ كُلَّما وُجِدَ تَلاشى وفَنِيَ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ لا يُضِيعُ ثَوابَ العَمَلِ، والإضاعَةُ عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِ الإثابَةِ، فَقَوْلُهُ ﴿لا أُضِيعُ﴾ نَفْيٌ لِلنَّفْيِ فَيَكُونُ إثْباتًا، فَيَصِيرُ المَعْنى: أنِّي أُوصِلُ ثَوابَ جَمِيعِ أعْمالِكم إلَيْكم، إذا ثَبَتَ ما قُلْنا فالآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ أحَدًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لا يَبْقى في النّارِ مُخَلَّدًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ بِإيمانِهِ اسْتَحَقَّ ثَوابًا، وبِمَعْصِيَتِهِ اسْتَحَقَّ عِقابًا، فَلا بُدَّ مِن وُصُولِهِما إلَيْهِ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ، فَإمّا أنْ يُقَدِّمَ الثَّوابَ ثُمَّ يَنْقُلُهُ إلى العِقابِ وهو باطِلٌ بِالإجْماعِ، أوْ يُقَدِّمَ العِقابَ ثُمَّ يَنْقُلُهُ إلى الثَّوابِ وهو المَطْلُوبُ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ فَسَّرُوا الآيَةَ بِأنَّ مَعْناها أنَّهُ تَعالى قَبِلَ مِنهم أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ وطاعاتِهِمْ ويُوصِلُ ثَوابَ تِلْكَ الأعْمالِ إلَيْهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: القَوْمُ أوَّلًا طَلَبُوا غُفْرانَ الذُّنُوبِ، وثانِيًا إعْطاءَ الثَّوابِ فَقَوْلُهُ: ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ إجابَةٌ لَهم في إعْطاءِ الثَّوابِ، فَأيْنَ الإجابَةُ في طَلَبِ غُفْرانِ الذُّنُوبِ ؟ .

قُلْنا: إنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن إسْقاطِ العَذابِ حُصُولُ الثَّوابِ، لَكِنْ يَلْزَمُ مِن حُصُولِ الثَّوابِ سُقُوطُ العِقابِ، فَصارَ قَوْلُهُ: ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ إجابَةً لِدُعائِهِمْ في المَطْلُوبِينَ. وعِنْدِي في الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ أنِّي لا أُضِيعُ دُعاءَكم، وعَدَمُ إضاعَةِ الدُّعاءِ عِبارَةٌ عَنْ إجابَةِ الدُّعاءِ، فَكانَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ حَصَلَتْ إجابَةُ دُعائِكم في كُلِّ ما طَلَبْتُمُوهُ وسَألْتُمُوهُ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ فالمَعْنى: أنَّهُ لا تَفاوُتَ في الإجابَةِ وفي الثَّوابِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى إذا كانا جَمِيعًا في التَّمَسُّكِ بِالطّاعَةِ عَلى السَّوِيَّةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الفَضْلَ في بابِ الدِّينِ بِالأعْمالِ، لا بِسائِرِ صِفاتِ العامِلِينَ، لِأنَّ كَوْنَ بَعْضِهِمْ ذَكَرًا أوْ أُنْثى، أوْ مِن نَسَبٍ خَسِيسٍ أوْ شَرِيفٍ لا تَأْثِيرَ لَهُ في هَذا البابِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] «ورُوِيَ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ اللَّهَ يَذْكُرُ الرِّجالَ في الهِجْرَةِ ولا يَذْكُرُ النِّساءَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحْسَنُها أنْ يُقالَ ”مِن“ بِمَعْنى الكافِ أيْ بَعْضُكم كَبَعْضٍ، ومِثْلُ بَعْضٍ في الثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ والعِقابِ عَلى المَعْصِيَةِ. قالَ القَفّالُ: هَذا مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ مِنِّي أيْ عَلى خُلُقِي وسِيرَتِي، قالَ تَعالى: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن غَشَّنا فَلَيْسَ مِنّا» “ وقالَ: ”«لَيْسَ مِنّا مَن حَمَلَ عَلَيْنا السِّلاحَ» “ فَقَوْلُهُ ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ أيْ بَعْضُكم شَبَهُ بَعْضٍ في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ والعِقابِ عَلى المَعْصِيَةِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ إدْخالُ التَّفاوُتِ فِيهِ ؟

* * *

صفحة ١٢٣

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فالَّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي وقاتَلُوا وقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ الَّذِينَ اخْتارُوا المُهاجَرَةَ مِن أوْطانِهِمْ في خِدْمَةِ الرَّسُولِ ﷺ، والمُرادُ مِن ﴿وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ الَّذِينَ ألْجَأهُمُ الكُفّارُ إلى الخُرُوجِ، ولا شَكَّ أنَّ رُتْبَةَ الأوَّلِينَ أفْضَلُ لِأنَّهُمُ اخْتارُوا خِدْمَةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ ومُلازَمَتَهُ عَلى الِاخْتِيارِ، فَكانُوا أفْضَلَ. وقَوْلُهُ: ﴿وأُوذُوا في سَبِيلِي﴾ أيْ مِن أجْلِهِ وسَبَبِهِ ﴿وقاتَلُوا وقُتِلُوا﴾ لِأنَّ المُقاتَلَةَ تَكُونُ قَبْلَ القِتالِ، قَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو ”وقاتَلُوا“ بِالألِفِ أوَّلًا ”وقُتِلُوا“ مُخَفَّفَةً، والمَعْنى أنَّهم قاتَلُوا مَعَهُ حَتّى قُتِلُوا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ”وقاتَلُوا“ أوَّلًا ”وقُتِّلُوا“ مُشَدَّدَةً، قِيلَ: التَّشْدِيدُ لِلْمُبالَغَةِ وتَكَرُّرِ القَتْلِ فِيهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠] وقِيلَ: قُطِعُوا؛ عَنِ الحَسَنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”وقُتِلُوا“ بِغَيْرِ ألِفٍ أوَّلًا ”وقاتَلُوا“ بِالألِفِ بَعْدَهُ، وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واسْجُدِي وارْكَعِي﴾ .

والثّانِي: عَلى قَوْلِهِمْ: قَتَلْنا ورَبِّ الكَعْبَةِ، إذا ظَهَرَتْ أماراتُ القَتْلِ، أوْ إذا قُتِلَ قَوْمُهُ وعَشائِرُهُ.

والثّالِثُ: بِإضْمارِ ”قَدْ“ أيْ قُتِّلُوا وقَدْ قاتَلُوا.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ مَن فَعَلَ هَذا بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ:

أوَّلُها: مَحْوُ السَّيِّئاتِ وغُفْرانُ الذُّنُوبِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ وذَلِكَ هو الَّذِي طَلَبُوهُ ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ .

وثانِيها إعْطاءُ الثَّوابِ العَظِيمِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وهو الَّذِي طَلَبُوهُ بِقَوْلِهِمْ: وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ.

وثالِثُها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الثَّوابُ ثَوابًا عَظِيمًا مَقْرُونًا بِالتَّعْظِيمِ والإجْلالِ وهو قَوْلُهُ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو الَّذِي قالُوهُ ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ هو العَظِيمُ الَّذِي لا نِهايَةَ لِعَظَمَتِهِ، وإذا قالَ السُّلْطانُ العَظِيمُ لِعَبْدِهِ: إنِّي أخْلَعُ عَلَيْكَ خِلْعَةً مِن عِنْدِي دَلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِ تِلْكَ الخِلْعَةِ في نِهايَةِ الشَّرَفِ. وقَوْلُهُ ﴿ثَوابًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، والتَّقْدِيرُ: لَأُثِيبَنَّهم ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، أيْ لَأُثِيبَنَّهم إثابَةً أوْ تَثْوِيبًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهم ولَأُدْخِلَنَّهم في مَعْنى لَأُثِيبَنَّهم. ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ وهو تَأْكِيدٌ لِيَكُونَ ذَلِكَ الثَّوابُ في غايَةِ الشَّرَفِ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، غَنِيًّا عَنِ الحاجاتِ، كانَ لا مَحالَةَ في غايَةِ الكَرَمِ والجُودِ والإحْسانِ، فَكانَ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ. رُوِيَ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ أنَّهُ قالَ: مَن حَزَبَهُ أمْرٌ فَقالَ خَمْسَ مَرّاتٍ: رَبَّنا، أنْجاهُ اللَّهُ مِمّا يَخافُ وأعْطاهُ ما أرادَ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، قالَ: لِأنَّ اللَّهَ حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا خَمْسَ مَرّاتٍ: رَبَّنا، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ اسْتَجابَ لَهم.

3:196–197Page 76

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ١٩٦

Be not deceived by the [uninhibited] movement of the disbelievers throughout the land.

مَتَٰعٞ قَلِيلٞ ثُمَّ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٩٧

[It is but] a small enjoyment; then their [final] refuge is Hell, and wretched is the resting place.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وعَدَ المُؤْمِنِينَ بِالثَّوابِ العَظِيمِ، وكانُوا في الدُّنْيا في نِهايَةِ الفَقْرِ والشِّدَّةِ، والكُفّارُ كانُوا في النِّعَمِ، ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ما يُسَلِّيهِمْ ويُصَبِّرُهم عَلى تِلْكَ الشِّدَّةِ، فَقالَ: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ١٢٤

المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الغُرُورَ مَصْدَرُ قَوْلِكَ: غَرَّرْتُ الرَّجُلَ بِما يَسْتَحْسِنُهُ في الظّاهِرِ ثُمَّ يَجِدُهُ عِنْدَ التَّفْتِيشِ عَلى خِلافِ ما يُحِبُّهُ، فَيَقُولُ: غَرَّنِي ظاهِرُهُ أيْ قَبِلْتُهُ عَلى غَفْلَةٍ عَنِ امْتِحانِهِ، وتَقُولُ العَرَبُ في الثَّوابِ إذا نُشِرَ ثُمَّ أُعِيدَ إلى طَيِّهِ: رَدَدْتُهُ عَلى غِرَّةٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُخاطَبُ في قَوْلِهِ ﴿لا يَغُرَّنَّكَ﴾ مَن هو ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ الرَّسُولُ ﷺ ولَكِنَّ المُرادَ هو الأُمَّةُ. قالَ قَتادَةُ: واللَّهِ ما غَرُّوا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَتّى قَبَضَهُ اللَّهُ، والخِطابُ وإنْ كانَ لَهُ إلّا أنَّ المُرادَ غَيْرُهُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: السَّبَبُ لِعَدَمِ إغْرارِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ هو تَواتُرُ هَذِهِ الآياتِ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤] فَسَقَطَ قَوْلُ قَتادَةَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ [هود: ٤٢] ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤] ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] .

والثّانِي: وهو أنَّ هَذا خِطابٌ لِكُلِّ مَن سَمِعَهُ مِنَ المُكَلَّفِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَغُرَّنَّكَ أيُّها السّامِعُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ، فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ كانُوا يَتْجُرُونَ ويَتَنَعَّمُونَ فَقالَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ: إنَّ أعْداءَ اللَّهِ فِيما نَرى مِنَ الخَيْرِ وقَدْ هَلَكْنا مِنَ الجُوعِ والجُهْدِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: كانَتِ اليَهُودُ تَضْرِبُ في الأرْضِ فَتُصِيبُ الأمْوالَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والمُرادُ بِتَقَلُّبِ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ، تَصَرُّفُهم في التِّجاراتِ والمَكاسِبِ، أيْ لا يَغُرَّنَّكم أمْنُهم عَلى أنْفُسِهِمْ وتَصَرُّفُهم في البِلادِ كَيْفَ شاءُوا، وأنْتُمْ مَعاشِرَ المُؤْمِنِينَ خائِفُونَ مَحْصُورُونَ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَبْقى إلّا مُدَّةً قَلِيلَةً ثُمَّ يَنْتَقِلُونَ إلى أشَدِّ العَذابِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ قِيلَ: أيْ تَقَلُّبُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ، وقالَ الفَرّاءُ: ذَلِكَ مَتاعٌ قَلِيلٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكَ الكَسْبُ والرِّبْحُ مَتاعٌ قَلِيلٌ، وإنَّما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِالقِلَّةِ لِأنَّ نَعِيمَ الدُّنْيا مَشُوبٌ بِالآفاتِ والحَسَراتِ، ثُمَّ إنَّهُ بِالعاقِبَةِ يَنْقَطِعُ ويَنْقَضِي، وكَيْفَ لا يَكُونُ قَلِيلًا وقَدْ كانَ مَعْدُومًا مِنَ الأزَلِ إلى الآنِ، وسَيَصِيرُ مَعْدُومًا مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ، فَإذا قابَلْتَ زَمانَ الوُجُودِ بِما مَضى وما يَأْتِي وهو الأزَلُ والأبَدُ، كانَ أقَلَّ مِن أنْ يَجُوزَ وصْفُهُ بِأنَّهُ قَلِيلٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ يَعْنِي أنَّهُ مَعَ قِلَّتِهِ يُسَبِّبُ الوُقُوعَ في نارِ جَهَنَّمَ أبَدَ الآبادِ، والنِّعْمَةُ القَلِيلَةُ إذا كانَتْ سَبَبًا لِلْمَضَرَّةِ العَظِيمَةِ لَمْ يُعَدَّ ذَلِكَ نِعْمَةً، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] وقَوْلِهِ: ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾ أيِ الفِراشُ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ بِئْسَ المِهادُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] فَهم بَيْنَ أطْباقِ النِّيرانِ، ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ يَأْكُلُونَ النّارَ ويَشْرَبُونَ النّارَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском