Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:198–200
3:198Page 76
لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَارِ ١٩٨
But those who feared their Lord will have gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein, as accommodation from Allāh. And that which is with Allāh is best for the righteous.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ﴾
صفحة ١٢٥
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ أتْبَعَهُ بِالوَعْدِ بِالنُّزُلِ، والنُّزُلُ ما يُهَيَّأُ لِلضَّيْفِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الطّاعاتِ، لِأنَّهُ يَدْخُلُ في التَّقْوى الِاحْتِرازُ عَنِ المَنهِيّاتِ، وعَنْ تَرْكِ المَأْمُوراتِ. واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى الرُّؤْيَةِ لِأنَّهُ لَمّا كانَتِ الجَنَّةُ بِكُلِّيَّتِها نُزُلًا، فَلا بُدَّ مِنَ الرُّؤْيَةِ لِتَكُونَ خِلْعَةً، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٧] وقَوْلُهُ ﴿نُزُلًا﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن ”جَنّاتٍ“ لِتَخْصِيصِها بِالوَصْفِ، والعامِلُ اللّامُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَصْدَرٍ مُؤَكَّدٍ، لِأنَّ خُلُودَهم فِيها إنْزالُهم فِيها أوْ نُزُولُهم، وقالَ الفَرّاءُ: هو نُصِبَ عَلى التَّفْسِيرِ كَما تَقُولُ: هو لَكَ هِبَةً وبَيْعًا وصَدَقَةً. ثُمَّ قالَ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِنَ الكَثِيرِ الدّائِمِ ﴿خَيْرٌ لِلْأبْرارِ﴾ مِمّا يَتَقَلَّبُ فِيهِ الفُجّارُ مِنَ القَلِيلِ الزّائِلِ، وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ والأعْمَشُ (نُزْلًا) بِسُكُونِ الزّايِ، وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ ”لَكِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا“ بِالتَّشْدِيدِ.
3:199Page 76
وَإِنَّ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَمَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِمۡ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشۡتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٩٩
And indeed, among the People of the Scripture are those who believe in Allāh and what was revealed to you and what was revealed to them, [being] humbly submissive to Allāh. They do not exchange the verses of Allāh for a small price. Those will have their reward with their Lord. Indeed, Allāh is swift in account.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ وكانَ قَدْ ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ مِن قَبْلُ، بِأنَّ مَصِيرَهم إلى النّارِ بَيِّنٌ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن آمَنَ مِنهم كانَ داخِلًا في صِفَةِ الَّذِينَ اتَّقَوْا فَقالَ: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ واخْتَلَفُوا في نُزُولِها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجابِرٌ وقَتادَةُ: نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ حِينَ ماتَ وصَلّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَقالَ المُنافِقُونَ: إنَّهُ يُصَلِّي عَلى نَصْرانِيٍّ لَمْ يَرَهُ قَطُّ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في أرْبَعِينَ مِن أهْلِ نَجْرانَ، واثْنَيْنِ وثَلاثِينَ مِنَ الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةٍ مِنَ الرُّومِ كانُوا عَلى دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأسْلَمُوا. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ كُلِّهِمْ، وهَذا هو الأوْلى لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الكُفّارَ بِأنَّ مَصِيرَهم إلى العِقابِ، بَيَّنَ فِيمَن آمَنَ مِنهم بِأنَّ مَصِيرَهم إلى الثَّوابِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِصِفاتٍ:
أوَّلُها: الإيمانُ بِاللَّهِ.
وثانِيها: الإيمانُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ .
وثالِثُها: الإيمانُ بِما أُنْزِلَ عَلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ورابِعُها: كَوْنُهم خاشِعِينَ لِلَّهِ وهو حالٌ مِن فاعِلِ ”يُؤْمِنُ“ لِأنَّ ”مَن يُؤْمِنُ“ في مَعْنى الجَمْعِ.
وخامِسُها: أنَّهم لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ الكِتابِ مِمَّنْ كانَ يَكْتُمُ أمْرَ الرَّسُولِ وصِحَّةَ نُبُوَّتِهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى في صِفَتِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ والفائِدَةُ في كَوْنِهِ
صفحة ١٢٦
سَرِيعَ الحِسابِ كَوْنُهُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَيَعْلَمُ ما لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ.
3:200Page 76
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٢٠٠
O you who have believed, persevere1 and endure2 and remain stationed3 and fear Allāh that you may be successful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِن عُلُومِ الأُصُولِ والفُرُوعِ، أمّا الأُصُولُ فَفِيما يَتَعَلَّقُ بِتَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، وأمّا الفُرُوعُ فَفِيما يَتَعَلَّقُ بِالتَّكالِيفِ والأحْكامِ نَحْوُ الحَجِّ والجِهادِ وغَيْرِهِما، خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى جَمِيعِ الآدابِ، وذَلِكَ لِأنَّ أحْوالَ الإنْسانِ قِسْمانِ: مِنها ما يَتَعَلَّقُ بِهِ وحْدَهُ، ومِنها ما يَكُونُ مُشْتَرِكًا بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، أمّا القِسْمُ الأوَّلُ فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ الصَّبْرِ، وأمّا القِسْمُ الثّانِي فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ المُصابَرَةِ.
أمّا الصَّبْرُ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ أنْواعٌ:
أوَّلُها: أنْ يَصْبِرَ عَلى مَشَقَّةِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ في مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، وعَلى مَشَقَّةِ اسْتِنْباطِ الجَوابِ عَنْ شُبُهاتِ المُخالِفِينَ.
وثانِيها: أنْ يَصْبِرَ عَلى مَشَقَّةِ أداءِ الواجِباتِ والمَندُوباتِ.
وثالِثُها: أنْ يَصْبِرَ عَلى مَشَقَّةِ الِاحْتِرازِ عَنِ المَنهِيّاتِ.
ورابِعُها: الصَّبْرُ عَلى شَدائِدِ الدُّنْيا وآفاتِها مِنَ المَرَضِ والفَقْرِ والقَحْطِ والخَوْفِ، فَقَوْلُهُ ﴿اصْبِرُوا﴾ يَدْخُلُ تَحْتَهُ هَذِهِ الأقْسامُ، وتَحْتَ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ أنْواعٌ لا نِهايَةَ لَها، وأمّا المُصابَرَةُ فَهي عِبارَةٌ عَنْ تَحَمُّلِ المَكارِهِ الواقِعَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الغَيْرِ، ويَدْخُلُ فِيهِ تَحَمُّلُ الأخْلاقِ الرَّدِيَّةِ مِن أهْلِ البَيْتِ والجِيرانِ والأقارِبِ، ويَدْخُلُ فِيهِ تَرْكُ الِانْتِقامِ مِمَّنْ أساءَ إلَيْكَ كَما قالَ: ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وقالَ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] ويَدْخُلُ فِيهِ الإيثارُ عَلى الغَيْرِ كَما قالَ: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] ويَدْخُلُ فِيهِ العَفْوُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ كَما قالَ: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] ويَدْخُلُ فِيهِ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، فَإنَّ المُقْدِمَ عَلَيْهِ رُبَّما وصَلَ إلَيْهِ بِسَبَبِهِ ضَرَرٌ، ويَدْخُلُ فِيهِ الجِهادُ فَإنَّهُ تَعْرِيضُ النَّفْسِ لِلْهَلاكِ، ويَدْخُلُ فِيهِ المُصابَرَةُ مَعَ المُبْطِلِينَ، وحَلُّ شُكُوكِهِمْ والجَوابُ عَنْ شُبَهِهِمْ، والِاحْتِيالُ في إزالَةِ تِلْكَ الأباطِيلِ عَنْ قُلُوبِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿اصْبِرُوا﴾ تَناوَلَ كُلَّ ما تَعَلَّقَ بِهِ وحْدَهُ ﴿وصابِرُوا﴾ تَناوَلَ كُلَّ ما كانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ.
واعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ وإنْ تَكَلَّفَ الصَّبْرَ والمُصابَرَةَ إلّا أنَّ فِيهِ أخْلاقًا ذَمِيمَةً تُحْمَلُ عَلى أضْدادِها وهي الشَّهْوَةُ والغَضَبُ والحِرْصُ، والإنْسانُ ما لَمْ يَكُنْ مُشْتَغِلًا طُولَ عُمُرِهِ بِمُجاهَدَتِها وقَهْرِها لا يُمْكِنُهُ الإتْيانُ بِالصَّبْرِ والمُصابَرَةِ، فَلِهَذا قالَ ﴿ورابِطُوا﴾ ولَمّا كانَتْ هَذِهِ المُجاهَدَةُ فِعْلًا مِنَ الأفْعالِ ولا بُدَّ لِلْإنْسانِ في كُلِّ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ مِن داعِيَةٍ وغَرَضٍ، وجَبَ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ في هَذِهِ المُجاهَدَةِ غَرَضٌ وباعِثٌ، وذَلِكَ هو تَقْوى اللَّهِ لِنَيْلِ الفَلاحِ والنَّجاحِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ وتَمامُ التَّحْقِيقِ فِيهِ أنَّ الأفْعالَ مَصْدَرُها هو القُوى، فَهو تَعالى أمَرَ بِالصَّبْرِ والمُصابَرَةِ، وذَلِكَ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِالأفْعالِ الحَسَنَةِ، والِاحْتِرازُ عَنِ الأفْعالِ الذَّمِيمَةِ، ولَمّا كانَتِ الأفْعالُ صادِرَةً عَنِ القُوى أمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُجاهَدَةِ القُوى الَّتِي هي مَصادِرُ الأفْعالِ الذَّمِيمَةِ، وذَلِكَ هو المُرادُ بِالمُرابَطَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما بِهِ يَحْصُلُ دَفْعُ هَذِهِ القُوى الدّاعِيَةِ إلى القَبائِحِ والمُنْكَراتِ، وذَلِكَ هو تَقْوى اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما لِأجْلِهِ وجَبَ تَرْجِيحُ تَقْوى اللَّهِ عَلى سائِرِ القُوى والأخْلاقِ، وهو الفَلاحُ، فَظَهَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي هي خاتِمَةٌ لِهَذِهِ السُّورَةِ مُشْتَمِلَةٌ عَلى كُنُوزِ الحِكَمِ والأسْرارِ الرُّوحانِيَّةِ، وأنَّها عَلى اخْتِصارِها كالمُتَمِّمِ لِكُلِّ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن عُلُومِ الأُصُولِ والفُرُوعِ، فَهَذا ما عِنْدِي فِيهِ.
صفحة ١٢٧
ولْنَذْكُرْ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ: قالَ الحَسَنُ: اصْبِرُوا عَلى دِينِكم ولا تَتْرُكُوهُ بِسَبَبِ الفَقْرِ والجُوعِ، وصابِرُوا عَلى عَدُوِّكم ولا تَفْشَلُوا بِسَبَبِ وُقُوعِ الهَزِيمَةِ يَوْمَ أُحُدٍ، وقالَ الفَرّاءُ: اصْبِرُوا مَعَ نَبِيِّكم وصابِرُوا عَدُوَّكم فَلا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أصْبَرَ مِنكم، وقالَ الأصَمُّ: لَمّا كَثُرَتْ تَكالِيفُ اللَّهِ في هَذِهِ السُّورَةِ أمَرَهم بِالصَّبْرِ عَلَيْها، ولَمّا كَثُرَ تَرْغِيبُ اللَّهِ تَعالى في الجِهادِ في هَذِهِ السُّورَةِ أمَرَهم بِمُصابَرَةِ الأعْداءِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿ورابِطُوا﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَرْبِطَ هَؤُلاءِ خَيْلَهم في الثُّغُورِ ويَرْبِطَ أُولَئِكَ خَيْلَهم أيْضًا، بِحَيْثُ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ مُسْتَعِدًّا لِقِتالِ الآخَرِ، قالَ تَعالى: ﴿ومِن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«مَن رابَطَ يَوْمًا ولَيْلَةً في سَبِيلِ اللَّهِ كانَ مِثْلَ صِيامِ شَهْرٍ وقِيامِهِ لا يُفْطِرُ ولا يَنْتَقِلُ عَنْ صَلاتِهِ إلّا لِحاجَةٍ» “ .
الثّانِي: أنَّ مَعْنى المُرابَطَةِ انْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: ما رُوِيَ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَكُنْ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوٌ يُرابَطُ فِيهِ، وإنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في انْتِظارِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ.
الثّانِي: ما رُوِيَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ حِينَ ذَكَرَ انْتِظارَ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ ثُمَّ قالَ: ”«فَذَلِكُمُ الرِّباطُ» “ ثَلاثَ مَرّاتٍ.
واعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الكُلِّ، وأصْلُ الرِّباطِ مِنَ الرَّبْطِ وهو الشَّدُّ، يُقالُ لِكُلِّ مَن صَبَرَ عَلى أمْرٍ: رَبَطَ قَلْبَهُ عَلَيْهِ، وقالَ آخَرُونَ: الرِّباطُ هو اللُّزُومُ والثَّباتُ، وهَذا المَعْنى أيْضًا راجِعٌ إلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ الصَّبْرِ ورَبْطِ النَّفْسِ، ثُمَّ هَذا الثَّباتُ والدَّوامُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى الجِهادِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى الصَّلاةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
قالَ الإمامُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ بِفَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ يَوْمَ الخَمِيسِ أوَّلَ رَبِيعٍ الآخِرِ سَنَةَ خَمْسٍ وتِسْعِينَ وخَمْسِمِائَةٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences