Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:42–44
3:42–43Page 55
وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٢
And [mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allāh has chosen you and purified you and chosen you above the women of the worlds.
يَٰمَرۡيَمُ ٱقۡنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسۡجُدِي وَٱرۡكَعِي مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣
O Mary, be devoutly obedient to your Lord and prostrate and bow with those who bow [in prayer]."
القِصَّةُ الثّالِثَةُ
وصْفُهُ طَهارَةَ مَرْيَمَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْها
﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يامَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٣٨
المَسْألَةُ الأُولى: عامِلُ الإعْرابِ هاهُنا في ”إذْ“ هو ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ﴾ [آل عمران: ٣٥] مِن قَوْلِهِ: (سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ واذْكُرْ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا المُرادُ بِالمَلائِكَةِ هاهُنا جِبْرِيلُ وحْدَهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ [النحل: ٢] يَعْنِي جِبْرِيلَ، وهَذا وإنْ كانَ عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ إلّا أنَّهُ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ سُورَةَ مَرْيَمَ دَلَّتْ عَلى أنَّ المُتَكَلِّمَ مَعَ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - هو جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - ما كانَتْ مِنَ الأنْبِياءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ [يوسف: ١٠٩] وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ إرْسالُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْها إمّا أنْ يَكُونَ كَرامَةً لَها، وهو مَذْهَبُ مَن يُجَوِّزُ كَراماتِ الأوْلِياءِ، أوْ إرْهاصًا لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَلِكَ جائِزٌ عِنْدَنا، وعِنْدَ الكَعْبِيِّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، أوْ مُعْجِزَةً لِزَكَرِيّاءُ -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُعْتَزِلَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ عَلى سَبِيلِ النَّفْثِ في الرُّوعِ والإلْهامِ والإلْقاءِ في القَلْبِ، كَما كانَ في حَقِّ أُمِّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ [القصص: ٧] .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ أوَّلًا: هو الِاصْطِفاءُ، وثانِيًا: التَّطْهِيرُ، وثالِثًا: الِاصْطِفاءُ عَلى نِساءِ العالَمِينَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاصْطِفاءُ أوَّلًا مِن الِاصْطِفاءِ الثّانِي، لَمّا أنَّ التَّصْرِيحَ بِالتَّكْرِيرِ غَيْرُ لائِقٍ، فَلا بُدَّ مِن صَرْفِ الِاصْطِفاءِ الأوَّلِ إلى ما اتَّفَقَ لَها مِنَ الأُمُورِ الحَسَنَةِ في أوَّلِ عُمُرِها، والِاصْطِفاءُ الثّانِي إلى ما اتَّفَقَ لَها في آخِرِ عُمُرِها.
النَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ الِاصْطِفاءِ: فَهو أُمُورٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قَبِلَ تَحْرِيرَها مَعَ أنَّها كانَتْ أُنْثى ولَمْ يَحْصُلْ مِثْلُ هَذا المَعْنى لِغَيْرِها مِنَ الإناثِ.
وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: إنَّ أُمَّها لَمّا وضَعَتْها ما غَذَّتْها طَرْفَةَ عَيْنٍ، بَلْ ألْقَتْها إلى زَكَرِيّا، وكانَ رِزْقُها يَأْتِيها مِنَ الجَنَّةِ.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى فَرَّغَها لِعِبادَتِهِ، وخَصَّها في هَذا المَعْنى بِأنْواعِ اللُّطْفِ والهِدايَةِ والعِصْمَةِ.
ورابِعُها: أنَّهُ كَفاها أمْرَ مَعِيشَتِها، فَكانَ يَأْتِيها رِزْقُها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ .
وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى أسْمَعَها كَلامَ المَلائِكَةِ شِفاهًا، ولَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ لِأُنْثى غَيْرِها، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ الِاصْطِفاءِ الأوَّلِ.
وأمّا التَّطْهِيرُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى طَهَّرَها عَنِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى في أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] .
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى طَهَّرَها عَنْ مَسِيسِ الرِّجالِ.
وثالِثُها: طَهَّرَها عَنِ الحَيْضِ، قالُوا: كانَتْ مَرْيَمُ لا تَحِيضُ.
ورابِعُها: وطَهَّرَكِ مِنَ الأفْعالِ الذَّمِيمَةِ، والعاداتِ القَبِيحَةِ.
وخامِسُها: وطَهَّرَكِ عَنْ مَقالَةِ اليَهُودِ وتُهْمَتِهِمْ وكَذِبِهِمْ.
وأمّا الِاصْطِفاءُ الثّانِي: فالمُرادُ أنَّهُ تَعالى وهَبَ لَها عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن غَيْرِ أبٍ، وأنْطَقَ عِيسى حالَ انْفِصالِهِ مِنها حَتّى شَهِدَ بِما يَدُلُّ عَلى بَراءَتِها عَنِ التُّهْمَةِ، وجَعَلَها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ، فَهَذا هو المُرادُ مِن هَذِهِ الألْفاظِ الثَّلاثَةِ.
صفحة ٣٩
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«حَسْبُكَ مِن نِساءِ العالَمِينَ أرْبَعٌ: مَرْيَمُ وآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وخَدِيجَةُ، وفاطِمَةُ عَلَيْهِنَّ السَّلامُ» “ فَقِيلَ هَذا الحَدِيثُ دَلَّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الأرْبَعَ أفْضَلُ مِنَ النِّساءِ، وهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - أفْضَلُ مِنَ الكُلِّ، وقَوْلُ مَن قالَ المُرادُ إنَّها مُصْطَفاةٌ عَلى عالَمِي زَمانِها، فَهَذا تَرَكَ الظّاهِرَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ القُنُوتِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وبِالجُمْلَةِ فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّها مَخْصُوصَةٌ بِمَزِيدِ المَواهِبِ والعَطايا مِنَ اللَّهِ، أوْجَبَ عَلَيْها مَزِيدَ الطّاعاتِ، شُكْرًا لِتِلْكَ النِّعَمِ السَّنِيَّةِ، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قُدِّمَ ذِكْرُ السُّجُودِ عَلى ذِكْرِ الرُّكُوعِ ؟ .
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الواوَ تُفِيدُ الِاشْتِراكَ ولا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ.
الثّانِي: أنَّ غايَةَ قُرْبِ العَبْدِ مِنَ اللَّهِ أنْ يَكُونَ ساجِدًا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ إذا سَجَدَ» “ فَلَمّا كانَ السُّجُودُ مُخْتَصًّا بِهَذا النَّوْعِ مِنَ الرُّتْبَةِ والفَضِيلَةِ لا جَرَمَ قَدَّمَهُ عَلى سائِرِ الطّاعاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ وهو إشارَةٌ إلى الأمْرِ بِالصَّلاةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَأْمُرُها بِالمُواظَبَةِ عَلى السُّجُودِ في أكْثَرِ الأوْقاتِ، وأمّا الصَّلاةُ فَإنَّها تَأْتِي بِها في أوْقاتِها المُعَيَّنَةِ لَها.
والثّالِثُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قَوْلُهُ تَعالى: (اقْنُتِي) أمْرٌ بِالعِبادَةِ عَلى العُمُومِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿واسْجُدِي وارْكَعِي﴾ يَعْنِي اسْتَعْمِلِي السُّجُودَ في وقْتِهِ اللّائِقِ بِهِ، واسْتَعْمِلِي الرُّكُوعَ في وقْتِهِ اللّائِقِ بِهِ، ولَيْسَ المُرادُ أنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُما، ثُمَّ يُقَدَّمُ السُّجُودُ عَلى الرُّكُوعِ واللَّهُ أعْلَمُ.
الرّابِعُ: أنَّ الصَّلاةَ تُسَمّى سُجُودًا كَما قِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠] وفي الحَدِيثِ: ”«إذا دَخَلَ أحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» “ وأيْضًا المَسْجِدُ سُمِّيَ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ مِنَ السُّجُودِ، والمُرادُ مِنهُ مَوْضِعُ الصَّلاةِ، وأيْضًا أشْرَفُ أجْزاءِ الصَّلاةِ السُّجُودُ، وتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ باسْمِ أشْرَفِ أجْزائِهِ نَوْعٌ مَشْهُورٌ في المَجازِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ قَوْلُهُ: ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي﴾ مَعْناهُ: يا مَرْيَمُ قُومِي، وقَوْلُهُ: (واسْجُدِي) أيْ صَلِّي فَكانَ المُرادُ مِن هَذا السُّجُودِ الصَّلاةَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ أمْرًا لَها بِالصَّلاةِ بِالجَماعَةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (واسْجُدِي) أمْرًا بِالصَّلاةِ حالَ الِانْفِرادِ، وقَوْلُهُ: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أمْرًا بِالصَّلاةِ في الجَماعَةِ، أوْ يَكُونُ المُرادُ مِنَ الرُّكُوعِ التَّواضُعَ ويَكُونُ قَوْلُهُ: (واسْجُدِي) أمْرًا ظاهِرًا بِالصَّلاةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أمْرًا بِالخُضُوعِ والخُشُوعِ بِالقَلْبِ.
الوَجْهُ الخامِسُ في الجَوابِ: لَعَلَّهُ كانَ السُّجُودُ في ذَلِكَ الدِّينِ مُتَقَدِّمًا عَلى الرُّكُوعِ.
السُّؤالُ الثّانِي: أمّا المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ .
والجَوابُ: قِيلَ مَعْناهُ: افْعَلِي كَفِعْلِهِمْ، وقِيلَ المُرادُ بِهِ الصَّلاةُ في الجَماعَةِ كانَتْ مَأْمُورَةً بِأنْ تُصَلِّيَ في بَيْتِ المَقْدِسِ مَعَ المُجاوِرِينَ فِيهِ، وإنْ كانَتْ لا تَخْتَلِطُ بِهِمْ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعاتِ ؟
والجَوابُ لِأنَّ الِاقْتِداءَ بِالرِّجالِ حالَ الِاخْتِفاءِ مِنَ الرِّجالِ أفْضَلُ مِنَ الِاقْتِداءِ بِالنِّساءِ.
صفحة ٤٠
واعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ قالُوا: لَمّا ذَكَرَتِ المَلائِكَةُ هَذِهِ الكَلِماتِ مَعَ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - شِفاهًا، قامَتْ مَرْيَمُ في الصَّلاةِ حَتّى ورِمَتْ قَدَماها وسالَ الدَّمُ والقَيْحُ مِن قَدَمَيْها.
3:44Page 55
ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ ٤٤
That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muḥammad]. And you were not with them when they cast their pens1 as to which of them should be responsible for Mary. Nor were you with them when they disputed.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”ذَلِكَ“ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ، والمَعْنى أنَّ الَّذِي مَضى ذِكْرُهُ مِن حَدِيثِ حَنَّةَ وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى بْنِ مَرْيَمَ، إنَّما هو مِن إخْبارِ الغَيْبِ فَلا يُمْكِنُكَ أنْ تَعْلَمَهُ إلّا بِالوَحْيِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ نُفِيَتْ هَذِهِ المُشاهَدَةُ، وانْتِفاؤُها مَعْلُومٌ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ، وتُرِكَ نَفْيُ اسْتِماعِ هَذِهِ الأشْياءِ مِن حُفّاظِها وهو مَوْهُومٌ ؟ .
قُلْنا: كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم عِلْمًا يَقِينِيًّا أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ السَّماعِ والقِراءَةِ، وكانُوا مُنْكِرِينَ لِلْوَحْيِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا المُشاهَدَةُ، وهي وإنْ كانَتْ في غايَةِ الِاسْتِبْعادِ إلّا أنَّها نُفِيَتْ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِالمُنْكِرِينَ لِلْوَحْيِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ لا سَماعٌ ولا قِراءَةٌ، ونَظِيرُهُ ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ﴾ [القصص: ٤٦] ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ [يوسف: ١٠٢] ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا﴾ [هود: ٤٩] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الإنْباءُ: الإخْبارُ عَمّا غابَ عَنْكَ، وأمّا الإيحاءُ فَقَدْ ورَدَ الكِتابُ بِهِ عَلى مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ، يَجْمَعُها تَعْرِيفُ المُوحى إلَيْهِ بِأمْرٍ خَفِيٍّ مِن إشارَةٍ أوْ كِتابَةٍ أوْ غَيْرِهِما، وبِهَذا التَّفْسِيرِ يُعَدُّ الإلْهامُ وحْيًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] وقالَ في الشَّياطِينِ يُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ، وقالَ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] فَلَمّا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ألْقى هَذِهِ الأشْياءَ إلى الرَّسُولِ ﷺ بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِحَيْثُ يَخْفى ذَلِكَ عَلى غَيْرِهِ سَمّاهُ وحْيًا.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تِلْكَ الأقْلامِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: المُرادُ بِالأقْلامِ الَّتِي كانُوا يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ وسائِرَ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ القِراعُ عَلى أنَّ كُلَّ مَن جَرى قَلَمُهُ عَلى عَكْسِ جَرْيِ الماءِ فالحَقُّ مَعَهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ صارَ قَلَمُ زَكَرِيّا كَذَلِكَ فَسَلَّمُوا الأمْرَ لَهُ وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
والثّانِي: أنَّهم لَمّا ألْقَوْا عِصِيَّهم في الماءِ الجارِي جَرَتْ عَصا زَكَرِيّا عَلى ضِدِّ جَرْيَةِ الماءِ فَغَلَبَهم، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ.
والثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْنى يُلْقُونَ أقْلامَهم: مِمّا كانَتِ الأُمَمُ تَفْعَلُهُ مِنَ المُساهَمَةِ عِنْدَ التَّنازُعِ فَيَطْرَحُونَ مِنها ما يَكْتُبُونَ عَلَيْها أسْماءَهم، فَمَن خَرَجَ لَهُ السَّهْمُ سُلِّمَ لَهُ الأمْرُ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] وهو شَبِيهٌ
صفحة ٤١
بِأمْرِ القِداحِ الَّتِي تَتَقاسَمُ بِها العَرَبُ لَحْمَ الجَزُورِ، وإنَّما سُمِّيَتْ هَذِهِ السِّهامُ أقْلامًا لِأنَّها تُقَلَّمُ وتُبْرى، وكُلُّ ما قَطَعْتَ مِنهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَقَدْ قَلَّمْتَهُ، ولِهَذا السَّبَبِ يُسَمّى ما يُكْتَبُ بِهِ قَلَمًا.
قالَ القاضِي: وُقُوعُ لَفْظِ القَلَمِ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ وإنْ كانَ صَحِيحًا نَظَرًا إلى أصْلِ الِاشْتِقاقِ، إلّا أنَّ العُرْفَ أوْجَبَ اخْتِصاصَ القَلَمِ بِهَذا الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، فَوَجَبَ حَمْلُ لَفْظِ القَلَمِ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يُلْقُونَ أقْلامَهم في شَيْءٍ عَلى وجْهٍ يَظْهَرُ بِهِ امْتِيازُ بَعْضِهِمْ عَنِ البَعْضِ في اسْتِحْقاقِ ذَلِكَ المَطْلُوبِ، وإمّا لَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ الإلْقاءِ، إلّا أنَّهُ رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّهم كانُوا يُلْقُونَها في الماءِ بِشَرْطِ أنَّ مَن جَرى قَلَمُهُ عَلى خِلافِ جَرْيِ الماءِ فاليَدُ لَهُ، ثُمَّ إنَّهُ حَصَلَ هَذا المَعْنى لِزَكَرِيّا -عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَلا جَرَمَ صارَ هو أوْلى بِكَفالَتِها واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ رَغِبُوا في كَفالَتِها حَتّى أدَّتْهم تِلْكَ الرَّغْبَةُ إلى المُنازَعَةِ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّ عِمْرانَ أباها كانَ رَئِيسًا لَهم ومُقَدَّمًا عَلَيْهِمْ، فَلِأجْلِ حَقِّ أبِيها رَغِبُوا في كَفالَتِها، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ أُمَّها حَرَّرَتْها لِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى ولِخِدْمَةِ بَيْتِ اللَّهِ تَعالى، ولِأجْلِ ذَلِكَ حَرَصُوا عَلى التَّكَفُّلِ بِها، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ لِأنَّ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ كانَ بَيانُ أمْرِها وأمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حاصِلًا فَتَقَرَّبُوا لِهَذا السَّبَبِ حَتّى اخْتَصَمُوا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ أُولَئِكَ المُخْتَصِمِينَ مَن كانُوا ؟ فَمِنهم مَن قالَ: كانُوا هم خَدَمَةَ البَيْتِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ العُلَماءُ والأحْبارُ وكُتّابُ الوَحْيِ، ولا شُبْهَةَ في أنَّهم كانُوا مِنَ الخَواصِّ وأهْلِ الفَضْلِ في الدِّينِ والرَّغْبَةِ في الطَّرِيقِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ فَفِيهِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ: يُلْقُونَ أقْلامَهم لِيَنْظُرُوا أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وإنَّما حَسُنَ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ فالمَعْنى وما كُنْتَ هُناكَ إذْ يَتَقارَعُونَ عَلى التَّكَفُّلِ بِها وإذْ يَخْتَصِمُونَ بِسَبَبِها فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا الِاخْتِصامِ ما كانَ قَبْلَ الإقْراعِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اخْتِصامًا آخَرَ حَصَلَ بَعْدَ الإقْراعِ، وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ شِدَّةُ رَغْبَتِهِمْ في التَّكَفُّلِ بِشَأْنِها، والقِيامِ بِإصْلاحِ مُهِمّاتِها، وما ذاكَ إلّا لِدُعاءِ أُمِّها حَيْثُ قالَتْ: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٣٥] وقالَتْ: ﴿إنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences