Ar-RaziAli 'Imran · 3:49–51

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:49–51

3:49Page 56

وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنِّي قَدۡ جِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ أَنِّيٓ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ وَأُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأۡكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٤٩

And [make him] a messenger to the Children of Israel, [who will say], 'Indeed I have come to you with a sign from your Lord in that I design for you from clay [that which is] like the form of a bird, then I breathe into it and it becomes a bird by permission of Allāh. And I cure the blind [from birth] and the leper, and I give life to the dead - by permission of Allāh. And I inform you of what you eat and what you store in your houses. Indeed in that is a sign for you, if you are believers.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ورَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ونُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ ونَبْعَثُهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، قائِلًا: أنّى قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم، والحَذْفُ حَسَنٌ إذا لَمْ يُفْضِ إلى الِاشْتِباهِ.

الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: الِاخْتِيارُ عِنْدِي أنَّ تَقْدِيرَهُ: ويُكَلِّمُ النّاسَ رَسُولًا، وإنَّما أضْمَرْنا ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ والمَعْنى: ويُكَلِّمُهم رَسُولًا بِأنِّي قَدْ جِئْتُكم، الثّالِثُ: قالَ الأخْفَشُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الواوَ زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، قائِلًا: أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ رَسُولًا إلى كُلِّ بَنِي إسْرائِيلَ بِخِلافِ قَوْلِ بَعْضِ اليَهُودِ إنَّهُ كانَ مَبْعُوثًا إلى قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ مِنهم.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ بِالآيَةِ الجِنْسُ لا الفَرْدُ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَدَّدَ هاهُنا أنْواعًا مِنَ الآياتِ، وهي إحْياءُ المَوْتى، وإبْراءُ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، والإخْبارُ عَنِ المُغَيَّباتِ فَكانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ الجِنْسَ لا الفَرْدَ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى هاهُنا خَمْسَةَ أنْواعٍ مِن مُعْجِزاتِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -:

النَّوْعُ الأوَّلُ

ما ذَكَرَهُ هاهُنا في هَذِهِ الآيَةِ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ”أنِّي“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فَمَن فَتَحَ ”أنِّي“ فَقَدْ جَعَلَها بَدَلًا

صفحة ٤٩

مِن ”آيَةٍ“ كَأنَّهُ قالَ: وجِئْتُكم بِأنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ، ومَن كَسَرَ فَلَهُ وجْهانِ:

أحَدُهُما: الِاسْتِئْنافُ وقَطْعُ الكَلامِ مِمّا قَبْلَهُ.

والثّانِي: أنَّهُ فَسَّرَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكُمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُفَسِّرَ الجُمْلَةَ المُتَقَدِّمَةَ بِما يَكُونُ عَلى وجْهِ الِابْتِداءِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [ المائِدَة: ٩ ] ثُمَّ فَسَّرَ المَوْعُودَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ [ المائِدَة: ٩ ] وقالَ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] ثُمَّ فَسَّرَ المَثَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] وهَذا الوَجْهُ أحْسَنُ؛ لِأنَّهُ في المَعْنى كَقِراءَةِ مَن فَتَحَ ”أنِّي“ عَلى جَعْلِهِ بَدَلًا مِن ”آيَةٍ“ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ﴾ أيْ أُقَدِّرُ وأُصَوِّرُ وقَدْ بَيَّنّا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] أنَّ الخَلْقَ هو التَّقْدِيرُ ولا بَأْسَ بِأنْ نَذْكُرَهُ هاهُنا أيْضًا فَنَقُولُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ والشِّعْرُ والِاسْتِشْهادُ: أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ: أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] أيِ المُقَدِّرِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ العَبْدَ لا يَكُونُ خالِقًا بِمَعْنى التَّكْوِينِ والإبْداعِ فَوَجَبَ تَفْسِيرُ كَوْنِهِ خالِقًا بِالتَّقْدِيرِ والتَّسْوِيَةِ.

وثانِيها: أنَّ لَفْظَ الخَلْقِ يُطْلَقُ عَلى الكَذِبِ قالَ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] وفي العَنْكَبُوتِ ﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] وفي سُورَةِ ص ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص: ٧] والكاذِبُ إنَّما سُمِّيَ خالِقًا لِأنَّهُ يُقَدِّرُ الكَذِبَ في خاطِرِهِ ويُصَوِّرُهُ.

وثالِثُها: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها وهي قَوْلُهُ: ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ﴾ أيْ أُصَوِّرُ وأُقَدِّرُ وقالَ تَعالى في المائِدَةِ: ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [المائدة: ١١٠] وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَلْقَ هو التَّصْوِيرُ والتَّقْدِيرُ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وقَوْلُهُ: (خَلَقَ) إشارَةٌ إلى الماضِي، فَلَوْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: (خَلَقَ) عَلى الإيجادِ والإبْداعِ، لَكانَ المَعْنى: أنَّ كُلَّ ما في الأرْضِ فَهو تَعالى قَدْ أوْجَدَهُ في الزَّمانِ الماضِي، وذَلِكَ باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ، فَإذَنْ وجَبَ حَمْلُ الخَلْقِ عَلى التَّقْدِيرِ حَتّى يَصِحَّ الكَلامُ وهو أنَّهُ تَعالى قَدَّرَ في الماضِي كُلَّ ما وُجِدَ الآنَ في الأرْضِ، وأمّا الشِّعْرُ فَقَوْلُهُ:

ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

وقَوْلُهُ:

ولا يُعْطِي بِأيْدِي الخالِقِ ولا ∗∗∗ أيْدِي الخَوالِقِ إلّا جَيِّدُ الأُدُمِ

وأمّا الِاسْتِشْهادُ: فَهو أنَّهُ يُقالُ: خَلَقَ النَّعْلَ إذا قَدَّرَها وسَوّاها بِالقِياسِ، والخَلاقُ المِقْدارُ مِنَ الخَيْرِ، وفُلانٌ خَلِيقٌ بِكَذا، أيْ لَهُ هَذا المِقْدارُ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، والصَّخْرَةُ الخَلْقاءُ المَلْساءُ، لِأنَّ المَلاسَةَ اسْتِواءٌ، وفي الخُشُونَةِ اخْتِلافٌ، فَثَبَتَ أنَّ الخَلْقَ عِبارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ والتَّسْوِيَةِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في لَفْظِ ”الخالِقِ“ قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ البَصْرِيُّ: إنَّهُ لا يَجُوزُ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ والتَّسْوِيَةَ عِبارَةٌ عَنِ الظَّنِّ والحُسْبانِ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وقالَ أصْحابُنا: الخالِقُ، لَيْسَ إلّا اللَّهُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] ومِنهم مَنِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ﴾ [فاطر: ٣] وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ﴾ [فاطر: ٣] فالمَعْنى هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ مَوْصُوفٌ بِوَصْفِ كَوْنِهِ رازِقًا مِنَ السَّماءِ، ولا يَلْزَمُ مِن صِدْقِ قَوْلِنا: الخالِقُ الَّذِي يَكُونُ هَذا شَأْنَهُ، لَيْسَ إلّا اللَّهُ، صِدْقُ قَوْلِنا إنَّهُ لا خالِقَ إلّا اللَّهُ.

صفحة ٥٠

وأجابُوا عَنْ كَلامِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ بِأنَّ التَّقْدِيرَ والتَّسْوِيَةَ عِبارَةٌ عَنِ العِلْمِ والظَّنِّ لَكِنَّ الظَّنَّ وإنْ كانَ مُحالًا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى فالعِلْمُ ثابِتٌ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ﴾ مَعْناهُ: أُصَوِّرُ وأُقَدِّرُ وقَوْلُهُ: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ فالهَيْئَةُ: الصُّورَةُ المُهَيَّئَةُ مِن قَوْلِهِمْ: هَيَّأْتُ الشَّيْءَ إذْ قَدَّرْتَهُ، وقَوْلُهُ: (فَأنْفُخُ فِيهِ) أيْ في ذَلِكَ الطِّينِ المُصَوَّرِ.

* * *

وقَوْلُهُ: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ ”فَيَكُونُ طائِرًا“ بِالألِفِ عَلى الواحِدِ، والباقُونَ ”طَيْرًا“ عَلى الجَمْعِ، وكَذَلِكَ في المائِدَةِ، والطَّيْرُ: اسْمُ الجِنْسِ يَقَعُ عَلى الواحِدِ وعَلى الجَمْعِ.

يُرْوى أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا ادَّعى النُّبُوَّةَ، وأظْهَرَ المُعْجِزاتِ، أخَذُوا يَتَعَنَّتُونَ عَلَيْهِ وطالَبُوهُ بِخَلْقِ خُفّاشٍ، فَأخَذَ طِينًا وصَوَّرَهُ، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ، فَإذا هو يَطِيرُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، قالَ وهْبٌ: كانَ يَطِيرُ ما دامَ النّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَإذا غابَ عَنْ أعْيُنِهِمْ سَقَطَ مَيِّتًا، ثُمَّ اخْتَلَفَ النّاسُ فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ غَيْرَ الخُفّاشِ، وكانَتْ قِراءَةُ نافِعٍ عَلَيْهِ.

وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ خَلَقَ أنْواعًا مِنَ الطَّيْرِ وكانَتْ قِراءَةُ الباقِينَ عَلَيْهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ رَقِيقٌ كالرِّيحِ، ولِذَلِكَ وصَفَها بِالفَتْحِ، ثُمَّ هاهُنا بَحْثٌ، وهو أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى أوْدَعَ في نَفْسِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - خاصِّيَّةً، بِحَيْثُ مَتى نَفَخَ في شَيْءٍ كانَ نَفْخُهُ فِيهِ مُوجِبًا لِصَيْرُورَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ حَيًّا، أوْ يُقالُ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلِ اللَّهُ تَعالى كانَ يَخْلُقُ الحَياةَ في ذَلِكَ الجِسْمِ بِقُدْرَتِهِ عِنْدَ نَفْخَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيهِ عَلى سَبِيلِ إظْهارِ المُعْجِزاتِ، وهَذا الثّانِي هو الحَقُّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] وحُكِيَ عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ في مُناظَرَتِهِ مَعَ المَلِكِ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فَلَوْ حَصَلَ لِغَيْرِهِ هَذِهِ الصِّفَةُ لَبَطَلَ ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: القُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما تَوَلَّدَ مِن نَفْخِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في مَرْيَمَ، وجِبْرِيلُ ﷺ رُوحٌ مَحْضٌ ورُوحانِيٌّ مَحْضٌ فَلا جَرَمَ كانَتْ نَفْخَةُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْحَياةِ والرُّوحِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: (بِإذْنِ اللَّهِ) مَعْناهُ بِتَكْوِينِ اللَّهِ تَعالى وتَخْلِيقِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥] أيْ إلّا بِأنْ يُوجِدَ اللَّهُ المَوْتَ، وإنَّما ذَكَرَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا القَيْدَ إزالَةً لِلشُّبْهَةِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنِّي أعْمَلُ هَذا التَّصْوِيرَ، فَأمّا خَلْقُ الحَياةِ فَهو مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ إظْهارِ المُعْجِزاتِ عَلى يَدِ الرُّسُلِ.

* * *

وأمّا النَّوْعُ الثّانِي والثّالِثُ والرّابِعُ مِنَ المُعْجِزاتِ

﴿وأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ﴾

فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ﴾ .

صفحة ٥١

ذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ إلى أنَّ الأكْمَهَ هو الَّذِي وُلِدَ أعْمى، وقالَ الخَلِيلُ وغَيْرُهُ هو الَّذِي عَمِيَ بَعْدَ أنْ كانَ بَصِيرًا، وعَنْ مُجاهِدٍ هو الَّذِي لا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ، ويُقالُ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في هَذِهِ الأُمَّةِ أكْمَهُ غَيْرَ قَتادَةَ بْنِ دِعامَةَ السَّدُوسَيِّ صاحِبِ التَّفْسِيرِ، ورُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - رُبَّما اجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَمْسُونَ ألْفًا مِنَ المَرْضى مَن أطاقَ مِنهم أتاهُ، ومَن لَمْ يُطِقْ أتاهُ عِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وما كانَتْ مُداواتُهُ إلّا بِالدُّعاءِ وحْدَهُ، قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُحْيِي الأمْواتَ بِيا حَيُّ يا قَيُّومُ.

وأحْيا عازِرَ وكانَ صَدِيقًا لَهُ، ودَعا سامَ بْنَ نُوحٍ مِن قَبْرِهِ، فَخَرَجَ حَيًّا، ومَرَّ عَلى ابْنٍ مَيِّتٍ لِعَجُوزٍ فَدَعا اللَّهَ، فَنَزَلَ عَنْ سَرِيرِهِ حَيًّا، ورَجَعَ إلى أهْلِهِ ووُلِدَ لَهُ، وقَوْلُهُ: (بِإذْنِ اللَّهِ) رَفْعٌ لِتَوَهُّمِ مَنِ اعْتَقَدَ فِيهِ الإلَهِيَّةَ.

* * *

وأمّا النَّوْعُ الخامِسُ

﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾

مِنَ المُعْجِزاتِ إخْبارُهُ عَنِ الغُيُوبِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مِن أوَّلِ مَرَّةٍ يُخْبِرُ عَنِ الغُيُوبِ، رَوى السُّدِّيُّ: أنَّهُ كانَ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيانِ، ثُمَّ يُخْبِرُهم بِأفْعالِ آبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ، وكانَ يُخْبِرُ الصَّبِيَّ بِأنَّ أُمَّكَ قَدْ خَبَأتْ لَكَ كَذا فَيَرْجِعُ الصَّبِيُّ إلى أهْلِهِ ويَبْكِي إلى أنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ الشَّيْءَ ثُمَّ قالُوا لِصِبْيانِهِمْ: لا تَلْعَبُوا مَعَ هَذا السّاحِرِ، وجَمَعُوهم في بَيْتٍ، فَجاءَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَطْلُبُهم، فَقالُوا لَهُ: لَيْسُوا في البَيْتِ، فَقالَ: فَمَن في هَذا البَيْتِ، قالُوا: خَنازِيرُ قالَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَذَلِكَ يَكُونُونَ فَإذا هم خَنازِيرُ.

والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ الإخْبارَ عَنِ الغُيُوبِ إنَّما ظَهَرَ وقْتَ نُزُولِ المائِدَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ نُهُوا عَنِ الِادِّخارِ، فَكانُوا يُخَزِّنُونَ ويَدَّخِرُونَ، فَكانَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُخْبِرُهم بِذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ عَلى هَذا الوَجْهِ مُعْجِزَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ المُنَجِّمِينَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ اسْتِخْراجَ الخَبَرِ لا يُمْكِنُهم ذَلِكَ إلّا عَنْ سُؤالٍ يَتَقَدَّمُ ثُمَّ يَسْتَعِينُونَ عِنْدَ ذَلِكَ بِآلَةٍ ويَتَوَصَّلُونَ بِها إلى مَعْرِفَةِ أحْوالِ الكَواكِبِ، ثُمَّ يَعْتَرِفُونَ بِأنَّهم يَغْلَطُونَ كَثِيرًا، فَأمّا الإخْبارُ عَنِ الغَيْبِ مِن غَيْرِ اسْتِعانَةٍ بِآلَةٍ، ولا تَقَدُّمِ مَسْألَةٍ لا يَكُونُ إلّا بِالوَحْيِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

* ثُمَّ إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَتَمَ كَلامَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .

والمَعْنى إنَّ في هَذِهِ الخَمْسَةِ لَمُعْجِزَةً قاهِرَةً قَوِيَّةً دالَّةً عَلى صِدْقِ المُدَّعِي لِكُلِّ مَن آمَنَ بِدَلائِلَ

صفحة ٥٢

المُعْجِزَةِ في الحَمْلِ عَلى الصِّدْقِ، بَلْ مَن أنْكَرَ دَلالَةَ أصْلِ المُعْجِزِ عَلى صِدْقِ المُدَّعِي، وهُمُ البَراهِمَةُ، فَإنَّهُ لا يَكْفِيهِ ظُهُورُ هَذِهِ الآياتِ، أمّا مَن آمَنَ بِدَلالَةِ المُعْجِزِ عَلى الصِّدْقِ لا يَبْقى لَهُ في هَذِهِ المُعْجِزاتِ كَلامٌ البَتَّةَ.

3:50–51Page 56

وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٥٠

And [I have come] confirming what was before me of the Torah and to make lawful for you some of what was forbidden to you. And I have come to you with a sign from your Lord, so fear Allāh and obey me.

إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٥١

Indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. That is the straight path.'"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا بَيَّنَ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ كَوْنَهُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ بِماذا أُرْسِلَ وهو أمْرانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ .

وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا في قَوْلِهِ: ﴿ورَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ﴾ أنَّ تَقْدِيرَهُ وأبْعَثُهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ قائِلًا: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ﴾ فَقَوْلُهُ: (ومُصَدِّقًا) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ والتَّقْدِيرُ: وأبْعَثُهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ قائِلًا: ”أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ“، وإنِّي بُعِثْتُ ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ وإنَّما حَسُنَ حَذْفُ هَذِهِ الألْفاظِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ نَبِيٍّ أنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا لِجَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، لِأنَّ الطَّرِيقَ إلى ثُبُوتِ نُبُوَّتِهِمْ هو المُعْجِزَةُ، فَكُلُّ مَن حَصَلَ لَهُ المُعْجِزُ، وجَبَ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّتِهِ، فَلِهَذا قُلْنا: بِأنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا لِمُوسى بِالتَّوْراةِ، ولَعَلَّ مِن جُمْلَةِ الأغْراضِ في بَعْثَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِمْ تَقْرِيرُ التَّوْراةِ وإزالَةُ شُبُهاتِ المُنْكِرِينَ وتَحْرِيفاتِ الجاهِلِينَ.

وأمّا المَقْصُودُ الثّانِي: مِن بَعْثَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْلُهُ: ﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ .

وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّهُ يُقالُ: هَذِهِ الآيَةُ الأخِيرَةُ مُناقِضَةٌ لِما قَبْلَها؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ الأخِيرَةَ صَرِيحَةٌ في أنَّهُ جاءَ لِيُحِلَّ بَعْضَ الَّذِي كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ في التَّوْراةِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ بِخِلافِ حُكْمِ التَّوْراةِ، وهَذا يُناقِضُ قَوْلَهُ: ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ .

والجَوابُ: إنَّهُ لا تَناقُضَ بَيْنَ الكَلامِ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّصْدِيقَ بِالتَّوْراةِ لا مَعْنى لَهُ إلّا اعْتِقادُ أنَّ كُلَّ ما فِيها فَهو حَقٌّ وصَوابٌ، وإذا لَمْ يَكُنِ الثّانِي مَذْكُورًا في التَّوْراةِ لَمْ يَكُنْ حُكْمُ عِيسى بِتَحْلِيلِ ما كانَ مُحَرَّمًا فِيها

صفحة ٥٣

مُناقِضًا لِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا بِالتَّوْراةِ، وأيْضًا إذا كانَتِ البِشارَةُ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَوْجُودَةً في التَّوْراةِ لَمْ يَكُنْ مَجِيءُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وشَرْعِهِ مُناقِضًا لِلتَّوْراةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما غَيَّرَ شَيْئًا مِن أحْكامِ التَّوْراةِ، قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ عَلى شَرِيعَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يُقَرِّرُ السَّبْتَ ويَسْتَقْبِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ، ثُمَّ إنَّهُ فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ بِأمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ الأحْبارَ كانُوا قَدْ وضَعُوا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ شَرائِعَ باطِلَةً ونَسَبُوها إلى مُوسى، فَجاءَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ورَفَعَها وأبْطَلَها وأعادَ الأمْرَ إلى ما كانَ في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قَدْ حَرَّمَ بَعْضَ الأشْياءِ عَلى اليَهُودِ عُقُوبَةً لَهم عَلى بَعْضِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الجِناياتِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] ثُمَّ بَقِيَ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ مُسْتَمِرًّا عَلى اليَهُودِ فَجاءَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ورَفَعَ تِلْكَ التَّشْدِيداتِ عَنْهم، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَفَعَ كَثِيرًا مِن أحْكامِ التَّوْراةِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قادِحًا في كَوْنِهِ مُصَدِّقًا بِالتَّوْراةِ عَلى ما بَيَّنّاهُ، ورَفَعَ السَّبْتَ ووَضَعَ الأحَدَ قائِمًا مَقامَهُ وكانَ مُحِقًّا في كُلِّ ما عَمِلَ لِما بَيَّنّا أنَّ النّاسِخَ والمَنسُوخَ كِلاهُما حَقٌّ وصِدْقٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ وإنَّما أعادَهُ؛ لِأنَّ إخْراجَ الإنْسانِ عَنِ المَأْلُوفِ المُعْتادِ مِن قَدِيمِ الزَّمانِ عَسِرٌ، فَأعادَ ذِكْرَ المُعْجِزاتِ لِيَصِيرَ كَلامُهُ ناجِعًا في قُلُوبِهِمْ ومُؤَثِّرًا في طِباعِهِمْ، ثُمَّ خَوَّفَهم فَقالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ لِأنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ مِن لَوازِمِ تَقْوى اللَّهِ تَعالى فَبَيَّنَ أنَّهُ إذا لَزِمَكم أنْ تَتَّقُوا اللَّهَ لَزِمَكم أنْ تُطِيعُونِي فِيما آمُرُكم بِهِ عَنْ رَبِّي، ثُمَّ إنَّهُ خَتَمَ كَلامَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ ومَقْصُودُهُ إظْهارُ الخُضُوعِ والِاعْتِرافِ بِالعُبُودِيَّةِ لِكَيْلا يَتَقَوَّلُوا عَلَيْهِ الباطِلَ فَيَقُولُونَ: إنَّهُ إلَهٌ وابْنُ إلَهٍ؛ لِأنَّ إقْرارَهُ لِلَّهِ بِالعُبُودِيَّةِ يَمْنَعُ ما تَدَّعِيهِ جُهّالُ النَّصارى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: (فاعْبُدُوهُ) والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ رَبَّ الخَلائِقِ بِأسْرِهِمْ وجَبَ عَلى الكُلِّ أنْ يَعْبُدُوهُ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском