Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:7, continued
وقالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّ هَذا يَعُمُّ جَمِيعَ المُبْطِلِينَ، وكُلَّ مَنِ احْتَجَّ لِباطِلِهِ بِالمُتَشابِهِ، لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، وخُصُوصُ السَّبَبِ لا يَمْنَعُ عُمُومَ اللَّفْظِ ويَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما فِيهِ لَبْسٌ واشْتِباهٌ ومِن جُمْلَتِهِ ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ الرَّسُولَ مِنَ النُّصْرَةِ وما أوْعَدَ الكُفّارَ مِنَ النِّقْمَةِ ويَقُولُونَ ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩] و﴿لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ [سبأ: ٣] و﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ [الحجر: ٧] فَمَوَّهُوا الأمْرَ عَلى الضَّعَفَةِ، ويَدْخُلُ في هَذا البابِ اسْتِدْلالُ المُشَبِّهَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] فَإنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِصَرِيحِ العَقْلِ أنَّ كُلَّ ما كانَ مُخْتَصًّا بِالحَيِّزِ فَإمّا أنْ يَكُونَ في الصِّغَرِ كالجُزْءِ الَّذِي لا يَتَجَزَّأُ وهو باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ وإمّا أنْ يَكُونَ أكْبَرَ فَيَكُونُ مُنْقَسِمًا مُرَكَّبًا وكُلُّ مُرَكَّبٍ فَإنَّهُ مُمْكِنٌ ومُحْدَثٌ، فَبِهَذا الدَّلِيلِ الظّاهِرِ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الإلَهُ في مَكانٍ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ مُتَشابِهًا، فَمَن تَمَسَّكَ بِهِ كانَ مُتَمَسِّكًا بِالمُتَشابِهاتِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِالظَّواهِرِ الدّالَّةِ عَلى تَفْوِيضِ الفِعْلِ بِالكُلِّيَّةِ إلى العَبْدِ، فَإنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ أنَّ صُدُورَ الفِعْلِ يَتَوَقَّفُ عَلى حُصُولِ الدّاعِي، وثَبَتَ أنَّ حُصُولَ ذَلِكَ الدّاعِي مِنَ اللَّهِ تَعالى، وثَبَتَ أنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ حُصُولُ الفِعْلِ عِنْدَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ واجِبًا، وعَدَمُهُ عِنْدَ عَدَمِ هَذِهِ الدّاعِيَةِ واجِبًا، فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ ذَلِكَ التَّفْوِيضُ، وثَبَتَ أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ ومَشِيئَتِهِ، فَيَصِيرُ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِتِلْكَ الظَّواهِرِ وإنْ كَثُرَتِ اسْتِدْلالًا بِالمُتَشابِهاتِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في كُلِّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُعْرِضُونَ عَنِ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ ويَقْتَصِرُونَ عَلى الظَّواهِرِ المُوهِمَةِ أنَّهم يَتَمَسَّكُونَ بِالمُتَشابِهاتِ لِأجْلِ أنَّ في قُلُوبِهِمْ زَيْغًا عَنِ الحَقِّ وطَلَبًا لِتَقْرِيرِ الباطِلِ.
واعْلَمْ أنَّكَ لا تَرى طائِفَةً في الدُّنْيا إلّا وتُسَمِّي الآياتِ المُطابِقَةَ لِمَذْهَبِهِمْ مُحْكَمَةً، والآياتِ المُطابِقَةَ لِمَذْهَبِ خَصْمِهِمْ مُتَشابِهَةً ثُمَّ هو الأمْرُ في ذَلِكَ، ألا تَرى إلى الجُبّائِيِّ فَإنَّهُ يَقُولُ: المُجْبِرَةُ الَّذِينَ يُضِيفُونَ الظُّلْمَ والكَذِبَ وتَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ إلى اللَّهِ تَعالى هُمُ المُتَمَسِّكُونَ بِالمُتَشابِهاتِ.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: الزّائِغُ الطّالِبُ لِلْفِتْنَةِ هو مَن يَتَعَلَّقُ بِآياتِ الضَّلالِ، ولا يَتَأوَّلُهُ عَلى المُحْكَمِ الَّذِي بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ ﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥] ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] وفَسَّرُوا أيْضًا قَوْلَهُ ﴿وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها﴾ [الإسراء: ١٦] عَلى أنَّهُ تَعالى أهْلَكَهم وأرادَ فِسْقَهم، وأنَّ اللَّهَ تَعالى يَطْلُبُ العِلَلَ عَلى خَلْقِهِ لِيُهْلِكَهم مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] وتَأوَّلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَهم يَعْمَهُونَ﴾ [النمل: ٤] عَلى أنَّهُ تَعالى زَيَّنَ لَهُمُ النِّعْمَةَ ونَقَضُوا بِذَلِكَ ما في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] ﴿وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ [القصص: ٦٠] وقالَ: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] وقالَ: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [يونس: ١٠٨] وقالَ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧] فَكَيْفَ يُزَيِّنُ النِّعْمَةَ ؟ فَهَذا ما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، ولَيْتَ شِعْرِي لِمَ حَكَمَ عَلى الآياتِ المُوافِقَةِ لِمَذْهَبِهِ بِأنَّها مُحْكَماتٌ، وعَلى الآياتِ المُخالِفَةِ لِمَذْهَبِهِ بِأنَّها مُتَشابِهاتٌ ؟ ولِمَ أوْجَبَ في تِلْكَ الآياتِ المُطابِقَةِ لِمَذْهَبِهِ إجْراءَها عَلى الظّاهِرِ، وفي الآياتِ المُخالِفَةِ لِمَذْهَبِهِ صَرْفَها عَنِ الظّاهِرِ ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِالرُّجُوعِ إلى الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ الباهِرَةِ، فَإذا دَلَّ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ الأدِلَّةُ العَقْلِيَّةُ، فَإنَّ مَذْهَبَهم لا يَتِمُّ إلّا إذا قُلْنا بِأنَّهُ صَدَرَ عَنْ أحَدِ الفِعْلَيْنِ دُونَ الثّانِي مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِنَفْيِ الصّانِعِ، ولا يَتِمُّ إلّا إذا
صفحة ١٥٢
قُلْنا بِأنَّ صُدُورَ الفِعْلِ المُحْكَمِ المُتْقَنِ عَنِ العَبْدِ لا يَدُلُّ عَلى عِلْمِ فاعِلِهِ بِهِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَدْ تَخَصَّصَ ذَلِكَ العَدَدُ بِالوُقُوعِ دُونَ الأزْيَدِ والأنْقَصِ لا لِمُخَصَّصٍ، وذَلِكَ نَفْيٌ لِلصّانِعِ، ولَزِمَ مِنهُ أيْضًا أنْ لا يَدُلَّ صُدُورُ الفِعْلِ المُحْكَمِ عَلى كَوْنِ الفاعِلِ عالِمًا وحِينَئِذٍ يَنْسَدُّ بابُ الِاسْتِدْلالِ بِأحْكامِ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى عَلى كَوْنِ فاعِلِها عالِمًا، ولَوْ أنَّ أهْلَ السَّماواتِ والأرْضِ اجْتَمَعُوا عَلى هَذِهِ الدَّلائِلِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى دَفْعِها، فَإذا لاحَتْ هَذِهِ الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ الباهِرَةُ فَكَيْفَ يَجُوزُ لِعاقِلٍ أنْ يُسَمِّيَ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى القَضاءِ والقَدَرَ بِالمُتَشابِهَةِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْناهُ أنَّ القانُونَ المُسْتَمِرَّ عِنْدَ جُمْهُورِ النّاسِ أنَّ كُلَّ آيَةٍ تُوافِقُ مَذْهَبَهم فَهي المُحْكَمَةُ وكُلَّ آيَةٍ تُخالِفُهم فَهي المُتَشابِهَةُ.
وأمّا المُحَقِّقُ المُنْصِفُ، فَإنَّهُ يَحْمِلُ الأمْرَ في الآياتِ عَلى أقْسامٍ ثَلاثَةٍ:
أحَدُها: ما يَتَأكَّدُ ظاهِرُها بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، فَذاكَ هو المُحْكَمُ حَقًّا.
وثانِيها: الَّذِي قامَتِ الدَّلائِلُ القاطِعَةُ عَلى امْتِناعِ ظَواهِرِها، فَذاكَ هو الَّذِي يُحْكَمُ فِيهِ بِأنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ ظاهِرِهِ.
وثالِثُها: الَّذِي لا يُوجَدُ مِثْلُ هَذِهِ الدَّلائِلِ عَلى طَرَفَيْ ثُبُوتِهِ وانْتِفائِهِ، فَيَكُونُ مِن حَقِّهِ التَّوَقُّفُ فِيهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ مُتَشابِهًا بِمَعْنى أنَّ الأمْرَ اشْتَبَهَ فِيهِ، ولَمْ يَتَمَيَّزْ أحَدُ الجانِبَيْنِ عَنِ الآخَرِ، إلّا أنَّ الظَّنَّ الرّاجِحَ حاصِلٌ في إجْرائِها عَلى ظَواهِرِها. فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا البابِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الزّائِغِينَ يَتَّبِعُونَ المُتَشابِهَ، بَيَّنَ أنَّ لَهم فِيهِ غَرَضَيْنِ، فالأوَّلُ: هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ﴾ والثّانِي: هو قَوْلُهُ ﴿وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ .
فَأمّا الأوَّلُ: فاعْلَمْ أنَّ الفِتْنَةَ في اللُّغَةِ الِاسْتِهْتارُ بِالشَّيْءِ والغُلُوُّ فِيهِ، يُقالُ: فُلانٌ مَفْتُونٌ بِطَلَبِ الدُّنْيا، أيْ قَدْ غَلا في طَلَبِها وتَجاوَزَ القَدْرَ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الفِتْنَةِ وُجُوهًا:
أوَّلُها: قالَ الأصَمُّ: إنَّهم مَتى أوْقَعُوا تِلْكَ المُتَشابِهاتِ في الدِّينِ، صارَ بَعْضُهم مُخالِفًا لِلْبَعْضِ في الدِّينِ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى التَّقاتُلِ والهَرْجِ والمَرْجِ فَذاكَ هو الفِتْنَةُ.
وثانِيها: أنَّ التَّمَسُّكَ بِذَلِكَ المُتَشابِهِ يُقَرِّرُ البِدْعَةَ والباطِلَ في قَلْبِهِ فَيَصِيرُ مَفْتُونًا بِذَلِكَ الباطِلِ عاكِفًا عَلَيْهِ لا يَنْقَلِعُ عَنْهُ بِحِيلَةٍ البَتَّةَ.
وثالِثُها: أنَّ الفِتْنَةَ في الدِّينِ هو الضَّلالُ عَنْهُ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا فِتْنَةَ ولا فَسادَ أعْظَمُ مِنَ الفِتْنَةِ في الدِّينِ والفَسادِ فِيهِ.
وأمّا الغَرَضُ الثّانِي لَهم: وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ التَّأْوِيلَ هو التَّفْسِيرُ وأصْلُهُ في اللُّغَةِ المَرْجِعُ والمَصِيرُ، مِن قَوْلِكَ آلَ الأمْرُ إلى كَذا إذا صارَ إلَيْهِ، وأوَّلْتُهُ تَأْوِيلًا إذا صَيَّرْتَهُ إلَيْهِ، هَذا مَعْنى التَّأْوِيلِ في اللُّغَةِ، ثُمَّ يُسَمّى التَّفْسِيرُ تَأْوِيلًا، قالَ تَعالى: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨] وقالَ تَعالى: ﴿وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] وذَلِكَ أنَّهُ إخْبارٌ عَمّا يَرْجِعُ إلَيْهِ اللَّفْظُ مِنَ المَعْنى، واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهم يَطْلُبُونَ التَّأْوِيلَ الَّذِي لَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ولا بَيانٌ، مِثْلُ طَلَبِهِمْ أنَّ السّاعَةَ مَتى تَقُومُ ؟ وأنَّ مَقادِيرَ الثَّوابِ والعِقابِ لِكُلِّ مُطِيعٍ وعاصٍ كَمْ تَكُونُ ؟
قالَ القاضِي: هَؤُلاءِ الزّائِغُونَ قَدِ ابْتَغَوُا المُتَشابِهَ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَحْمِلُوهُ عَلى غَيْرِ الحَقِّ: وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ﴾ .
والثّانِي: أنْ يَحْكُمُوا بِحُكْمٍ في المَوْضِعِ الَّذِي لا دَلِيلَ فِيهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما يَكُونُ زِيادَةً في ذَمِّ طَرِيقَةِ هَؤُلاءِ الزّائِغِينَ فَقالَ: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ﴾ واخْتَلَفَ النّاسُ في هَذا المَوْضِعِ، فَمِنهم مَن قالَ: تَمَّ الكَلامُ هاهُنا، ثُمَّ الواوُ في قَوْلِهِ ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ واوُ الِابْتِداءِ، وعَلى هَذا القَوْلِ: لا يَعْلَمُ المُتَشابِهَ
صفحة ١٥٣
إلّا اللَّهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ ومالِكِ بْنِ أنَسٍ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ، ومِنَ المُعْتَزِلَةِ قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ وهو المُخْتارُ عِنْدَنا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الكَلامَ إنَّما يَتِمُّ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ العِلْمُ بِالمُتَشابِهِ حاصِلًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وعِنْدَ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ وهَذا القَوْلُ أيْضًا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ وأكْثَرِ المُتَكَلِّمِينَ والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ وُجُوهٌ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ اللَّفْظَ إذا كانَ لَهُ مَعْنًى راجِحٌ، ثُمَّ دَلَّ دَلِيلٌ أقْوى مِنهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ الظّاهِرَ غَيْرُ مُرادٍ، عَلِمْنا أنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى بَعْضُ مَجازاتِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ، وفي المَجازاتِ كَثْرَةٌ، وتَرْجِيحُ البَعْضِ عَلى البَعْضِ لا يَكُونُ إلّا بِالتَّرْجِيحاتِ اللُّغَوِيَّةِ، والتَّرْجِيحاتُ اللُّغَوِيَّةُ لا تُفِيدُ إلّا الظَّنَّ الضَّعِيفَ، فَإذا كانَتِ المَسْألَةُ قَطْعِيَّةً يَقِينِيَّةً، كانَ القَوْلُ فِيها بِالدَّلائِلِ الظَّنِّيَّةِ الضَّعِيفَةِ غَيْرُ جائِزٍ، مِثالُهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] ثُمَّ قامَ الدَّلِيلُ القاطِعُ عَلى أنَّ مِثْلَ هَذا التَّكْلِيفِ قَدْ وُجِدَ عَلى ما بَيَّنّا في البَراهِينِ الخَمْسَةِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ فَعَلِمْنا أنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ، فَلا بُدَّ مِن صَرْفِ اللَّفْظِ إلى بَعْضِ المَجازاتِ، وفي المَجازاتِ كَثْرَةٌ وتَرْجِيحُ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ لا يَكُونُ إلّا بِالتَّرْجِيحاتِ اللُّغَوِيَّةِ، وأنَّها لا تُفِيدُ إلّا الظَّنَّ الضَّعِيفَ، وهَذِهِ المَسْألَةُ لَيْسَتْ مِنَ المَسائِلِ الظَّنِّيَّةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ فِيها بِالدَّلائِلِ الظَّنِّيَّةِ باطِلًا، وأيْضًا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الإلَهُ في المَكانِ، فَعَرَفْنا أنَّهُ لَيْسَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِن هَذِهِ الآيَةِ ما أشْعَرَ بِهِ ظاهِرُها، إلّا أنَّ في مَجازاتِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ كَثْرَةٌ فَصَرْفُ اللَّفْظِ إلى البَعْضِ دُونَ البَعْضِ لا يَكُونُ إلّا بِالتَّرْجِيحاتِ اللُّغَوِيَّةِ الظَّنِّيَّةِ، والقَوْلُ بِالظَّنِّ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ غَيْرُ جائِزٍ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، وهَذِهِ حُجَّةٌ قاطِعَةٌ في المَسْألَةِ، والقَلْبُ الخالِي عَنِ التَّعَصُّبِ يَمِيلُ إلَيْهِ، والفِطْرَةُ الأصْلِيَّةُ تَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: وهو أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ طَلَبَ تَأْوِيلِ المُتَشابِهِ مَذْمُومٌ، حَيْثُ قالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ولَوْ كانَ طَلَبُ تَأْوِيلِ المُتَشابِهِ جائِزًا لَما ذَمَّ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ طَلَبَ وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] وأيْضًا طَلَبَ مَقادِيرِ الثَّوابِ والعِقابِ، وطَلَبَ ظُهُورِ الفَتْحِ والنُّصْرَةِ كَما قالُوا ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ [الحجر: ٧] .
قُلْنا: إنَّهُ تَعالى لَمّا قَسَّمَ الكِتابَ إلى قِسْمَيْنِ مُحْكَمٍ ومُتَشابِهٍ، ودَلَّ العَقْلُ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ القِسْمَةِ مِن حَيْثُ إنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى مَعْناهُ الرّاجِحِ هو المُحْكَمُ، وحَمْلَهُ عَلى مَعْناهُ الَّذِي لَيْسَ بِراجِحٍ هو المُتَشابِهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَمَّ طَرِيقَةَ مَن طَلَبَ تَأْوِيلَ المُتَشابِهِ كانَ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِبَعْضِ المُتَشابِهاتِ دُونَ البَعْضِ تَرْكًا لِلظّاهِرِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ مَدَحَ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ بِأنَّهم يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ، وقالَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦] فَهَؤُلاءِ الرّاسِخُونَ لَوْ كانُوا عالِمِينَ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ
صفحة ١٥٤
المُتَشابِهِ عَلى التَّفْصِيلِ لِما كانَ لَهم في الإيمانِ بِهِ مَدْحٌ، لِأنَّ كُلَّ مَن عَرَفَ شَيْئًا عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يُؤْمِنَ بِهِ، إنَّما الرّاسِخُونَ في العِلْمِ هُمُ الَّذِينَ عَلِمُوا بِالدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى عالِمٌ بِالمَعْلُوماتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها، وعَلِمُوا أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، وعَلِمُوا أنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ بِالباطِلِ والعَبَثِ، فَإذا سَمِعُوا آيَةً ودَلَّتِ الدَّلائِلُ القَطْعِيَّةُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظاهِرُها مُرادَ اللَّهِ تَعالى، بَلْ مُرادُهُ مِنهُ غَيْرُ ذَلِكَ الظّاهِرِ، ثُمَّ فَوَّضُوا تَعْيِينَ ذَلِكَ المُرادِ إلى عِلْمِهِ، وقَطَعُوا بِأنَّ ذَلِكَ المَعْنى أيَّ شَيْءٍ كانَ فَهو الحَقُّ والصَّوابُ، فَهَؤُلاءِ هُمُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ بِاللَّهِ حَيْثُ لَمْ يُزَعْزِعْهم قَطْعُهم بِتَرْكِ الظّاهِرِ، ولا عَدَمُ عِلْمِهِمْ بِالمُرادِ عَلى التَّعْيِينِ عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ والجَزْمِ بِصِحَّةِ القُرْآنِ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: لَوْ كانَ قَوْلُهُ ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ (إلّا اللَّهُ) لَصارَ قَوْلُهُ ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ ابْتِداءً، وأنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ ذَوْقِ الفَصاحَةِ، بَلْ كانَ الأوْلى أنْ يُقالَ: وهم يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ، أوْ يُقالَ: ويَقُولُونَ آمَنّا بِهِ.
فَإنْ قِيلَ: في تَصْحِيحِهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ (يَقُولُونَ) كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، والتَّقْدِيرُ: هَؤُلاءِ العالِمُونَ بِالتَّأْوِيلِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ (يَقُولُونَ) حالًا مِنَ الرّاسِخِينَ.
قُلْنا: أمّا الأوَّلُ فَمَدْفُوعٌ، لِأنَّ تَفْسِيرَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى بِما لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى الإضْمارِ أوْلى مِن تَفْسِيرِهِ بِما يَحْتاجُ مَعَهُ إلى الإضْمارِ. والثّانِي: أنَّ ذا الحالِ هو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهاهُنا قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى وذِكْرُ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ فَوَجَبَ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ حالًا مِنَ الرّاسِخِينَ لا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَرْكًا لِلظّاهِرِ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ المَذْهَبَ لا يَتِمُّ إلّا بِالعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ ومَذْهَبُنا لا يَحْتاجُ إلَيْهِ، فَكانَ هَذا القَوْلُ أوْلى.
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ يَعْنِي أنَّهم آمَنُوا بِما عَرَفُوهُ عَلى التَّفْصِيلِ، وبِما لَمْ يَعْرِفُوا تَفْصِيلَهُ وتَأْوِيلَهُ، فَلَوْ كانُوا عالِمِينَ بِالتَّفْصِيلِ في الكُلِّ لَمْ يَبْقَ لِهَذا الكَلامِ فائِدَةٌ.
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: تَفْسِيرُ القُرْآنِ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: تَفْسِيرٌ لا يَسَعُ أحَدًا جَهْلُهُ، وتَفْسِيرٌ تَعْرِفُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها، وتَفْسِيرٌ تَعْلَمُهُ العُلَماءُ، وتَفْسِيرٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى.
وسُئِلَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنِ الِاسْتِواءِ، فَقالَ: الِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ، والكَيْفِيَّةُ مَجْهُولَةٌ، والإيمانُ بِهِ واجِبٌ، والسُّؤالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ. وقَدْ ذَكَرْنا بَعْضَ هَذِهِ المَسْألَةِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَإذا ضُمَّ ما ذَكَرْناهُ هاهُنا إلى ما ذَكَرْنا هُناكَ تَمَّ الكَلامُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الرُّسُوخُ في اللُّغَةِ الثُّبُوتُ في الشَّيْءِ.
واعْلَمْ أنَّ الرّاسِخَ في العِلْمِ هو الَّذِي عَرَفَ ذاتَ اللَّهِ وصِفاتِهِ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ القَطْعِيَّةِ، وعَرَفَ أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ، فَإذا رَأى شَيْئًا مُتَشابِهًا، ودَلَّ القَطْعِيُّ عَلى أنَّ الظّاهِرَ لَيْسَ مُرادَ اللَّهِ تَعالى، عَلِمَ حِينَئِذٍ قَطْعًا أنَّ مُرادَ اللَّهِ شَيْءٌ آخَرُ سِوى ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُهُ، وأنَّ ذَلِكَ المُرادَ حَقٌّ، ولا يَصِيرُ كَوْنُ ظاهِرِهِ مَرْدُودًا شُبْهَةً في الطَّعْنِ في صِحَّةِ القُرْآنِ.
صفحة ١٥٥
ثُمَّ حَكى عَنْهم أيْضًا أنَّهم يَقُولُونَ ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ والمَعْنى: أنْ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ مِن عِنْدِ رَبِّنا، وفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لَوْ قالَ: كُلٌّ مِن رَبِّنا كانَ صَحِيحًا، فَما الفائِدَةُ في لَفْظِ (عِنْدِ) ؟
الجَوابُ؛ الإيمانُ بِالمُتَشابِهِ يُحْتاجُ فِيهِ إلى مَزِيدِ التَّأْكِيدِ، فَذَكَرَ كَلِمَةَ (عِنْدِ) لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ جازَ حَذْفُ المُضافِ إلَيْهِ مِن (كُلٌّ) ؟
الجَوابُ: لِأنَّ دَلالَةَ المُضافِ عَلَيْهِ قَوِيَّةٌ، فَبَعْدَ الحَذْفِ الأمْنُ مِنَ اللَّبْسِ حاصِلٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ وهَذا ثَناءٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِهِ ومَعْناهُ: ما يَتَّعِظُ بِما في القُرْآنِ إلّا ذَوُو العُقُولِ الكامِلَةِ، فَصارَ هَذا اللَّفْظُ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهم يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم في فَهْمِ القُرْآنِ، فَيَعْلَمُونَ الَّذِي يُطابِقُ ظاهِرُهُ دَلائِلَ العُقُولِ فَيَكُونُ مُحْكَمًا، وأمّا الَّذِي يُخالِفُ ظاهِرُهُ دَلائِلَ العُقُولِ فَيَكُونُ مُتَشابِهًا، ثُمَّ يَعْلَمُونَ أنَّ الكُلَّ كَلامُ مَن لا يَجُوزُ في كَلامِهِ التَّناقُضُ والباطِلُ، فَيَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ المُتَشابِهَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى عُلُوِّ شَأْنِ المُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ يَبْحَثُونَ عَنِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، ويَتَوَسَّلُونَ بِها إلى مَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، ولا يُفَسِّرُونَ القُرْآنَ إلّا بِما يُطابِقُ دَلائِلَ العُقُولِ، ويُوافِقُ اللُّغَةَ والإعْرابَ.
واعْلَمْ أنَّ الشَّيْءَ كُلَّما كانَ أشْرَفَ كانَ ضِدُّهُ أخَسَّ، فَكَذَلِكَ مُفَسِّرُ القُرْآنِ مَتى كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ كانَتْ دَرَجَتُهُ هَذِهِ الدَّرَجَةَ العُظْمى الَّتِي عَظَّمَ اللَّهُ الثَّناءَ عَلَيْهِ، ومَتى تَكَلَّمَ في القُرْآنِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مُتَبَحِّرًا في عِلْمِ الأُصُولِ، وفي عِلْمِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ كانَ في غايَةِ البُعْدِ عَنِ اللَّهِ، ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«مَن فَسَّرَ القُرْآنَ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» “ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences