Ar-RaziAli 'Imran · 3:64–71

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:64–71

3:64Page 58

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ ٦٤

Say, "O People of the Scripture, come to a word that is equitable between us and you - that we will not worship except Allāh and not associate anything with Him and not take one another as lords instead of Allāh."1 But if they turn away, then say, "Bear witness that we are Muslims [submitting to Him]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾

صفحة ٧٦

واعْلَمْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا أوْرَدَ عَلى نَصارى نَجْرانَ أنْواعَ الدَّلائِلِ وانْقَطَعُوا، ثُمَّ دَعاهم إلى المُباهَلَةِ فَخافُوا وما شَرَعُوا فِيها وقَبِلُوا الصَّغارَ بِأداءِ الجِزْيَةِ، وقَدْ كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَرِيصًا عَلى إيمانِهِمْ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: يا مُحَمَّدُ اتْرُكْ ذَلِكَ المَنهَجَ مِنَ الكَلامِ واعْدِلْ إلى مَنهَجٍ آخَرَ يَشْهَدُ كُلُّ عَقْلٍ سَلِيمٍ وطَبْعٍ مُسْتَقِيمٍ أنَّهُ كَلامٌ مَبْنِيٌّ عَلى الإنْصافِ وتَرْكِ الجِدالِ، و﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ أيْ هَلُمُّوا إلى كَلِمَةٍ فِيها إنْصافٌ مِن بَعْضِنا لِبَعْضٍ، ولا مَيْلَ فِيهِ لِأحَدٍ عَلى صاحِبِهِ، وهي ﴿ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ هَذا هو المُرادُ مِنَ الكَلامِ، ولْنَذْكُرِ الآنَ تَفْسِيرَ الألْفاظِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: المُرادُ نَصارى نَجْرانَ.

والثّانِي: المُرادُ يَهُودُ المَدِينَةِ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في الفَرِيقَيْنِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ يَتَناوَلُهُما.

والثّانِي: رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ، أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما نُرِيدُ إلّا أنْ نَتَّخِذَكَ رَبًّا كَما اتَّخَذَتِ النَّصارى عِيسى، وقالَتِ النَّصارى: يا مُحَمَّدُ ما تُرِيدُ إلّا أنْ نَقُولَ فِيكَ ما قالَتِ اليَهُودُ في عُزَيْرٍ ! فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وعِنْدِي أنَّ الأقْرَبَ حَمْلُهُ عَلى النَّصارى، لِما بَيَّنّا أنَّهُ لَمّا أوْرَدَ الدَّلائِلَ عَلَيْهِمْ أوَّلًا، ثُمَّ باهَلَهم ثانِيًا، فَعَدَلَ في هَذا المَقامِ إلى الكَلامِ المَبْنِيِّ عَلى رِعايَةِ الإنْصافِ، وتَرْكِ المُجادَلَةِ، وطَلَبِ الإفْحامِ والإلْزامِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ خاطَبَهم هاهُنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾، وهَذا الِاسْمُ مِن أحْسَنِ الأسْماءِ وأكْمَلِ الألْقابِ حَيْثُ جَعَلَهم أهْلًا لِكِتابِ اللَّهِ، ونَظِيرُهُ ما يُقالُ لِحافِظِ القُرْآنِ يا حامِلَ كِتابِ اللَّهِ، ولِلْمُفَسِّرِ يا مُفَسِّرَ كَلامِ اللَّهِ، فَإنَّ هَذا اللَّقَبَ يَدُلُّ عَلى أنَّ قائِلَهُ أرادَ المُبالَغَةَ في تَعْظِيمِ المُخاطَبِ وفي تَطْيِيبِ قَلْبِهِ، وذَلِكَ إنَّما يُقالُ عِنْدَ عُدُولِ الإنْسانِ مَعَ خَصْمِهِ عَنْ طَرِيقَةِ اللَّجاجِ والنِّزاعِ إلى طَرِيقَةِ طَلَبِ الإنْصافِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (تَعالَوْا)، فالمُرادُ تَعْيِينُ ما دَعَوْا إلَيْهِ والتَّوَجُّهُ إلى النَّظَرِ فِيهِ وإنْ لَمْ يَكُنِ انْتِقالًا مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ؛ لِأنَّ أصْلَ اللَّفْظِ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّعالِي وهو الِارْتِفاعُ مِن مَوْضِعٍ هابِطٍ إلى مَكانٍ عالٍ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَتّى صارَ دالًّا عَلى طَلَبِ التَّوَجُّهِ إلى حَيْثُ يُدْعى إلَيْهِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا﴾ فالمَعْنى هَلُمُّوا إلى كَلِمَةٍ فِيها إنْصافٌ مِن بَعْضِنا لِبَعْضٍ، لا مَيْلَ فِيهِ لِأحَدٍ عَلى صاحِبِهِ، والسَّواءُ هو العَدْلُ والإنْصافُ، وذَلِكَ لِأنَّ حَقِيقَةَ الإنْصافِ إعْطاءُ النُّصْفِ، فَإنَّ الواجِبَ في العُقُولِ تَرْكُ الظُّلْمِ عَلى النَّفْسِ وعَلى الغَيْرِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِإعْطاءِ النُّصْفِ، فَإذا أنْصَفَ وتَرَكَ ظُلْمَهُ أعْطاهُ النُّصْفَ فَقَدْ سَوّى بَيْنَ نَفْسِهِ وبَيْنَ غَيْرِهِ وحَصَلَ الِاعْتِدالُ، وإذا ظَلَمَ وأخَذَ أكَثَرَ مِمّا أعْطى زالَ الِاعْتِدالُ، فَلَمّا كانَ مِن لَوازِمِ العَدْلِ والإنْصافِ التَّسْوِيَةُ جُعِلَ لَفْظُ التَّسْوِيَةِ عِبارَةً عَنِ العَدْلِ.

ثُمَّ قالَ الزَّجّاجُ: ”سَواءٍ“ نَعْتٌ لِلْكَلِمَةِ يُرِيدُ: ذاتِ سَواءٍ، فَعَلى هَذا قَوْلُهُ ﴿كَلِمَةٍ سَواءٍ﴾ أيْ: كَلِمَةٍ عادِلَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ مُسْتَوِيَةٍ، فَإذا آمَنّا بِها نَحْنُ وأنْتُمْ كُنّا عَلى السَّواءِ والِاسْتِقامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ﴾، وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: مَحَلُّ ”أنْ“ في قَوْلِهِ أنْ لا نَعْبُدَ، فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ رُفِعَ بِإضْمارِ ”هي“ كَأنَّ قائِلًا قالَ: ما تِلْكَ الكَلِمَةُ ؟ فَقِيلَ هي أنْ لا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ.

والثّانِي: خُفِضَ عَلى البَدَلِ مِن: كَلِمَةٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ثَلاثَةَ أشْياءَ: أوَّلُها: ﴿ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ﴾ .

وثانِيها: أنْ ﴿ولا نُشْرِكَ بِهِ﴾

صفحة ٧٧

(شَيْئًا)

وثالِثُها: أنْ ﴿ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾، وإنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الثَّلاثَةَ لِأنَّ النَّصارى جَمَعُوا بَيْنَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ فَيَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ وهو المَسِيحُ، ويُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ وذَلِكَ لِأنَّهم يَقُولُونَ إنَّهُ [ ثالِثُ ] ثَلاثَةٍ: أبٍ وابْنٍ ورُوحِ القُدُسِ، فَأثْبَتُوا ذَواتًا ثَلاثَةً قَدِيمَةً سَواءً، وإنَّما قُلْنا: إنَّهم أثْبَتُوا ذَواتًا ثَلاثَةً قَدِيمَةً؛ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ أُقْنُومَ الكَلِمَةِ تَدَرَّعَتْ بِناسُوتِ المَسِيحِ، وأُقْنُومَ رُوحِ القُدُسِ تَدَرَّعَتْ بِناسُوتِ مَرْيَمَ، ولَوْلا كَوْنُ هَذَيْنِ الأُقْنُومَيْنِ ذاتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ وإلّا لَما جازَتْ عَلَيْهِما مُفارَقَةُ ذاتِ الأبِ والتَّدَرُّعُ بِناسُوتِ عِيسى ومَرْيَمَ، ولَمّا أثْبَتُوا ذَواتًا ثَلاثَةً مُسْتَقِلَّةً فَقَدْ أشْرَكُوا، وأمّا أنَّهُمُ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهم كانُوا يُطِيعُونَهم في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَسْجُدُونَ لِأحْبارِهِمْ.

والثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: مِن مَذْهَبِهِمْ أنَّ مَن صارَ كامِلًا في الرِّياضَةِ والمُجاهَدَةِ يَظْهَرُ فِيهِ أثَرُ حُلُولِ اللّاهُوتِ، فَيَقْدِرُ عَلى إحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، فَهم وإنْ لَمْ يُطْلِقُوا عَلَيْهِ لَفْظَ الرَّبِّ إلّا أنَّهم أثْبَتُوا في حَقِّهِ مَعْنى الرُّبُوبِيَّةِ.

والرّابِعُ: هو أنَّهم كانُوا يُطِيعُونَ أحْبارَهم في المَعاصِي، ولا مَعْنى لِلرُّبُوبِيَّةِ إلّا ذَلِكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] فَثَبَتَ أنَّ النَّصارى جَمَعُوا بَيْنَ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، وكانَ القَوْلُ بِبُطْلانِ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ كالأمْرِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيْنَ جُمْهُورِ العُقَلاءِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَبْلَ المَسِيحِ ما كانَ المَعْبُودُ إلّا اللَّهَ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى الأمْرُ بَعْدَ ظُهُورِ المَسِيحِ عَلى هَذا الوَجْهِ، وأيْضًا القَوْلُ بِالشَّرِكَةِ باطِلٌ بِاتِّفاقِ الكُلِّ، وأيْضًا إذا كانَ الخالِقُ والمُنْعِمُ بِجَمِيعِ النِّعَمِ هو اللَّهَ، وجَبَ أنْ لا يُرْجَعَ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ والِانْقِيادِ والطّاعَةِ إلّا إلَيْهِ، دُونَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ، فَهَذا هو شَرْحُ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾، والمَعْنى إنْ أبَوْا إلّا الإصْرارَ، فَقُولُوا إنّا مُسْلِمُونَ، يَعْنِي أظْهِرُوا أنَّكم عَلى هَذا الدِّينِ، ولا تَكُونُوا في قَيْدِ أنْ تَحْمِلُوا غَيْرَكم عَلَيْهِ.

3:65Page 58

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوۡرَىٰةُ وَٱلۡإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٥

O People of the Scripture, why do you argue about Abraham while the Torah and the Gospel were not revealed until after him? Then will you not reason?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ إبْراهِيمَ كانَ عَلى دِينِنا، والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ: كانَ إبْراهِيمُ عَلى دِينِنا، فَأبْطَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ ما أُنْزِلا إلّا مِن بَعْدِهِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا ؟

فَإنْ قِيلَ: فَهَذا أيْضًا لازِمٌ عَلَيْكم لِأنَّكم تَقُولُونَ: إنَّ إبْراهِيمَ كانَ عَلى دِينِ الإسْلامِ، والإسْلامُ إنَّما أُنْزِلَ بَعْدَهُ بِزَمانٍ طَوِيلٍ، فَإنْ قُلْتُمْ: إنَّ المُرادَ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ في أُصُولِ الدِّينِ عَلى المَذْهَبِ الَّذِي عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ الآنَ، فَنَقُولُ: فَلِمَ لا يَجُوزُ أيْضًا أنْ تَقُولَ اليَهُودُ: إنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلى الدِّينِ الَّذِي عَلَيْهِ

صفحة ٧٨

اليَهُودُ، وتَقُولُ النَّصارى إنَّ إبْراهِيمَ كانَ نَصْرانِيًّا بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلى الدِّينِ الَّذِي عَلَيْهِ النَّصارى، فَكَوْنُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ نازِلَيْنِ بَعْدَ إبْراهِيمَ لا يُنافِي كَوْنَهُ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا بِهَذا التَّفْسِيرِ، كَما أنَّ كَوْنَ القُرْآنِ نازِلًا بَعْدَهُ لا يُنافِي كَوْنَهُ مُسْلِمًا.

والجَوابُ: أنَّ القُرْآنَ أخْبَرَ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، ولَيْسَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا، فَظَهَرَ الفَرْقُ، ثُمَّ نَقُولُ: أمّا أنَّ النَّصارى لَيْسُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ المَسِيحَ ما كانَ مَوْجُودًا في زَمَنِ إبْراهِيمَ، فَما كانَتْ عِبادَتُهُ مَشْرُوعَةً في زَمَنِ إبْراهِيمَ لا مَحالَةَ، فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ المَسِيحِ مُخالِفَةً لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ لا مَحالَةَ، وأمّا أنَّ اليَهُودَ لَيْسُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَذَلِكَ لِأنَّهُ لا شَكَّ أنَّهُ كانَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكالِيفُ عَلى الخَلْقِ قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا شَكَّ أنَّ المُوَصِّلَ لِتِلْكَ التَّكالِيفِ إلى الخَلْقِ واحِدٌ مِنَ البَشَرِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ قَدْ كانَ مُؤَيَّدًا بِالمُعْجِزاتِ، وإلّا لَمْ يَجِبْ عَلى الخَلْقِ قَبُولُ تِلْكَ التَّكالِيفِ مِنهُ فَإذَنْ قَدْ كانَ قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى أنْبِياءُ، وكانَتْ لَهم شَرائِعُ مُعَيَّنَةٌ، فَإذا جاءَ مُوسى فَإمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ جاءَ بِتَقْرِيرِ تِلْكَ الشَّرائِعِ أوْ بِغَيْرِهِما، فَإنْ جاءَ بِتَقْرِيرِها لَمْ يَكُنْ مُوسى صاحِبَ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ، بَلْ كانَ كالفَقِيهِ المُقَرِّرِ لِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ، واليَهُودُ لا يَرْضَوْنَ بِذَلِكَ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ بِشَرْعٍ آخَرَ سِوى شَرْعِ مَن تَقَدَّمَهُ فَقَدْ قالَ بِالنَّسْخِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ دِينُ كُلِّ الأنْبِياءِ جَوازَ القَوْلِ بِالنَّسْخِ واليَهُودُ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ اليَهُودَ لَيْسُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَبَطَلَ قَوْلُ اليَهُودِ والنَّصارى بِأنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ الآيَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.

3:66–68Page 58

هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ حَٰجَجۡتُمۡ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٦٦

Here you are - those who have argued about that of which you have [some] knowledge, but why do you argue about that of which you have no knowledge? And Allāh knows, while you know not.

مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٦٧

Abraham was neither a Jew nor a Christian, but he was one inclining toward truth, a Muslim [submitting to Allāh]. And he was not of the polytheists.1

إِنَّ أَوۡلَى ٱلنَّاسِ بِإِبۡرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۗ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٨

Indeed, the most worthy of Abraham among the people are those who followed him [in submission to Allāh] and this prophet [i.e., Muḥammad (ﷺ)] and those who believe [in his message]. And Allāh is the Ally1 of the believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”ها أنْتُمْ“ بِالمَدِّ والهَمْزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ هَمْزٍ ولا مَدٍّ، إلّا بِقَدْرِ خُرُوجِ الألِفِ السّاكِنَةِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالهَمْزِ والقَصْرِ عَلى وزْنِ ”صَنَعْتُمْ“، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالمَدِّ دُونَ الهَمْزِ، فَمَن حَقَّقَ فَعَلى الأصْلِ؛ لِأنَّهُما حَرْفانِ ”ها“ و”أنْتُمْ“ ومَن لَمْ يَمُدَّ ولَمْ يَهْمِزْ فَلِلتَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ إخْلالٍ.

صفحة ٧٩

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أصْلِ (ها أنْتُمْ) فَقِيلَ: ”ها“ تَنْبِيهٌ والأصْلُ ”أنْتُمْ“ وقِيلَ أصْلُهُ: ”أأنْتُمْ“ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ الأُولى هاءً، كَقَوْلِهِمْ: هَرَقْتُ الماءَ وأرَقْتُ و”هَؤُلاءِ“ مَبْنِيٌّ عَلى الكَسْرِ وأصْلُهُ أُولاءِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ ”ها“ التَّنْبِيهِ، وفِيهِ لُغَتانِ: القَصْرُ والمَدُّ، فَإنْ قِيلَ: أيْنَ خَبَرُ أنْتُمْ في قَوْلِهِ: ها أنْتُمْ ؟ قُلْنا في ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

(الأوَّلُ): قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ”ها“ لِلتَّنْبِيهِ و”أنْتُمْ“ مُبْتَدَأٌ و(هَؤُلاءِ) خَبَرُهُ و(حاجَجْتُمْ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى بِمَعْنى: أنْتُمْ هَؤُلاءِ الأشْخاصُ الحَمْقى وبَيانُ حَماقَتِكم وقِلَّةِ عُقُولِكم أنَّكم وإنْ جادَلْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ ؟

(والثّانِي): أنْ يَكُونَ ”أنْتُمْ“ مُبْتَدَأً، وخَبَرُ ”هَؤُلاءِ“ بِمَعْنى أُولاءِ عَلى مَعْنى الَّذِي وما بَعْدَهُ صِلَةٌ لَهُ.

(الثّالِثُ): أنْ يَكُونَ ”أنْتُمْ“ مُبْتَدَأً ”وهَؤُلاءِ“ عَطْفَ بَيانٍ ”وحاجَجْتُمْ“ خَبَرَهُ، وتَقْدِيرُهُ: أنْتُمْ يا هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ هو أنَّهم زَعَمُوا أنَّ شَرِيعَةَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مُخالِفَةٌ لِشَرِيعَةِ القُرْآنِ فَكَيْفَ تُحاجُّونَ فِيما لا عِلْمَ لَكم بِهِ، وهو ادِّعاؤُكم أنَّ شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ كانَتْ مُخالِفَةً لِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ .

ثُمَّ يُحْتَمَلُ في قَوْلِهِ: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ أنَّهُ لَمْ يَصِفْهم في العِلْمِ حَقِيقَةً، وإنَّما أرادَ أنَّكم تَسْتَجِيزُونَ مُحاجَّتَهُ فِيما تَدَّعُونَ عِلْمَهُ، فَكَيْفَ تُحاجُّونَهُ فِيما لا عِلْمَ لَكم بِهِ البَتَّةَ ؟ .

ثُمَّ حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ كَيْفَ كانَتْ حالُ هَذِهِ الشَّرائِعِ في المُخالَفَةِ والمُوافَقَةِ: ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ كَيْفِيَّةَ تِلْكَ الأحْوالِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ مُفَصَّلًا فَقالَ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ فَكَذَّبَهم فِيما ادَّعَوْهُ مِن مُوافَقَةٍ لَهُما.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ الحَنِيفِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهو تَعْرِيضٌ بِكَوْنِ النَّصارى مُشْرِكِينَ في قَوْلِهِمْ بِإلَهِيَّةِ المَسِيحِ وبِكَوْنِ اليَهُودِ مُشْرِكِينَ في قَوْلِهِمْ بِالتَّشْبِيهِ.

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُكم: إبْراهِيمُ عَلى دِينِ الإسْلامِ أتُرِيدُونَ بِهِ المُوافَقَةَ في الأُصُولِ أوْ في الفُرُوعِ ؟ فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا بِدِينِ الإسْلامِ، بَلْ نَقْطَعُ بِأنَّ إبْراهِيمَ أيْضًا عَلى دِينِ اليَهُودِ، أعْنِي ذَلِكَ الدِّينَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى، فَكانَ أيْضًا عَلى دِينِ النَّصارى، أعْنِي تِلْكَ النَّصْرانِيَّةَ الَّتِي جاءَ بِها عِيسى فَإنَّ أدْيانَ الأنْبِياءِ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُخْتَلِفَةً في الأُصُولِ، وإنْ أرَدْتُمْ بِهِ المُوافَقَةَ في الفُرُوعِ، فَلَزِمَ أنْ لا يَكُونَ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - صاحِبَ الشَّرْعِ البَتَّةَ، بَلْ كانَ كالمُقَرِّرِ لِدِينِ غَيْرِهِ، وأيْضًا مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ التَّعَبُّدَ بِالقُرْآنِ ما كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَتِلاوَةُ القُرْآنِ مَشْرُوعَةٌ في صَلاتِنا غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ في صَلاتِهِمْ، قُلْنا: جازَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ المُوافَقَةَ في الأُصُولِ، والغَرَضُ مِنهُ بَيانُ أنَّهُ ما كانَ مُوافِقًا في أُصُولِ الدِّينِ لِمَذْهَبِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى في زَمانِنا هَذا، وجازَ أيْضًا أنْ يُقالَ المُرادُ بِهِ الفُرُوعُ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ نَسَخَ تِلْكَ الفُرُوعَ بِشَرْعِ

صفحة ٨٠

مُوسى، ثُمَّ في زَمَنِ مُحَمَّدٍ ﷺ نَسَخَ شَرْعُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الشَّرِيعَةَ الَّتِي كانَتْ ثابِتَةً في زَمَنِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - صاحِبَ الشَّرِيعَةِ، ثُمَّ لَمّا كانَ غالِبُ شَرْعِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُوافِقًا لِشَرْعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَوْ وقَعَتِ المُخالَفَةُ في القَلِيلِ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ في حُصُولِ المُوافَقَةِ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى: ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ﴾ فَرِيقانِ:

(أحَدُهُما): مَنِ اتَّبَعَهُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ.

(والآخَرُ): النَّبِيُّ وسائِرُ المُؤْمِنِينَ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ بِالنُّصْرَةِ والمَعُونَةِ والتَّوْفِيقِ والإعْظامِ والإكْرامِ.

3:69Page 58

وَدَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يُضِلُّونَكُمۡ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٦٩

A faction of the People of the Scripture wish they could mislead you. But they do not mislead except themselves, and they perceive [it] not.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكم وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ مِن طَرِيقَةِ أهْلِ الكِتابِ العُدُولَ عَنِ الحَقِّ والإعْراضَ عَنْ قَبُولِ الحُجَّةِ، بَيَّنَ أنَّهم لا يَقْتَصِرُونَ عَلى هَذا القَدْرِ، بَلْ يَجْتَهِدُونَ في إضْلالِ مَن آمَنَ بِالرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِإلْقاءِ الشُّبُهاتِ كَقَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُقِرٌّ بِمُوسى وعِيسى ويَدَّعِي لِنَفْسِهِ النُّبُوَّةَ، وأيْضًا إنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أخْبَرَ في التَّوْراةِ بِأنَّ شَرْعَهُ لا يَزُولُ، وأيْضًا القَوْلُ بِالنَّسْخِ يُفْضِي إلى البَداءِ، والغَرَضُ مِنهُ تَنْبِيهُ المُؤْمِنِينَ عَلى أنْ لا يَغْتَرُّوا بِكَلامِ اليَهُودِ، ونَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقَوْلُهُ ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ [النساء: ٨٩] .

واعْلَمْ أنَّ ”مِن“ هاهُنا لِلتَّبْعِيضِ وإنَّما ذَكَرَ بَعْضَهم ولَمْ يَعُمَّهم؛ لِأنَّ مِنهم مَن آمَنَ، وأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: ٦٦]، ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣]، وقِيلَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مُعاذٍ وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وحُذَيْفَةَ دَعاهُمُ اليَهُودُ إلى دِينِهِمْ، وإنَّما قالَ: ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ أنْ يُضِلُّوكم؛ لِأنَّ ”لَوْ“ لِلتَّمَنِّي فَإنَّ قَوْلَكَ: لَوْ كانَ كَذا يُفِيدُ التَّمَنِّيَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ وهو يَحْتَمِلُ وُجُوهًا مِنها: إهْلاكُهم أنْفُسَهم بِاسْتِحْقاقِ العِقابِ عَلى قَصْدِهِمْ إضْلالَ الغَيْرِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]، وقَوْلِهِ: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]، ومِنها إخْراجُهم أنْفُسَهم عَنْ مَعْرِفَةِ الهُدى والحَقِّ لِأنَّ الذّاهِبَ عَنِ الِاهْتِداءِ يُوصَفُ بِأنَّهُ ضالٌّ، ومِنها أنَّهم لَمّا اجْتَهَدُوا في إضْلالِ المُؤْمِنِينَ ثُمَّ إنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِمْ فَهم قَدْ صارُوا خائِبِينَ خاسِرِينَ حَيْثُ اعْتَقَدُوا شَيْئًا ولاحَ لَهم أنَّ الأمْرَ بِخِلافِ ما تَصَوَّرُوهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ وما يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا يَضُرُّهم ولا يَضُرُّ المُؤْمِنِينَ.

3:70Page 58

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ ٧٠

O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allāh1 while you witness [to their truth]?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ الطّائِفَةِ الَّتِي لا تَشْعُرُ بِما في التَّوْراةِ مِن دَلالَةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، بَيَّنَ أيْضًا حالَ الطّائِفَةِ العارِفَةِ بِذَلِكَ مِن أحْبارِهِمْ.

فَقالَ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: (لِمَ) أصْلُها لِما، لِأنَّها: ما الَّتِي لِلِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلَيْها اللّامُ فَحُذِفَتِ الألِفُ لِطَلَبِ الخِفَّةِ؛ ولِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ صارَ كالعِوَضِ عَنْها؛ ولِأنَّها وقَعَتْ طَرَفًا ويَدُلُّ عَلَيْها الفَتْحَةُ، وعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبأ: ١]، و﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَي﴾ [الحجر: ٥٤] والوَقْفُ عَلى هَذِهِ الحُرُوفِ يَكُونُ بِالهاءِ، نَحْوَ: فَبِمَهْ، ولِمَهْ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنها الآياتُ الوارِدَةُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: ما في هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ مِنَ البِشارَةِ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنها ما في هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، ومِنها أنَّ فِيهِما أنَّ الدِّينَ هو الإسْلامُ.

واعْلَمْ أنَّ عَلى هَذا القَوْلِ المُحْتَمِلِ لِهَذِهِ الوُجُوهِ نَقُولُ: إنَّ الكُفْرَ بِالآياتِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهم ما كانُوا كافِرِينَ بِالتَّوْراةِ، بَلْ كانُوا كافِرِينَ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّوْراةُ، فَأطْلَقَ اسْمَ الدَّلِيلِ عَلى المَدْلُولِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا كافِرِينَ بِنَفْسِ التَّوْراةِ لِأنَّهم كانُوا يُحَرِّفُونَها وكانُوا يُنْكِرُونَ وُجُودَ تِلْكَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ فالمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ أنَّهم عِنْدَ حُضُورِ المُسْلِمِينَ، وعِنْدَ حُضُورِ عَوامِّهِمْ، كانُوا يُنْكِرُونَ اشْتِمالَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ إذا خَلا بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ شَهِدُوا بِصِحَّتِها، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ [آل عمران: ٩٩] .

واعْلَمْ أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِهَذا القَوْلِ يَدُلُّ عَلى اشْتِمالِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أخْبَرَهم بِما يَكْتُمُونَهُ في أنْفُسِهِمْ، ويُظْهِرُونَ غَيْرَهُ، ولا شَكَّ أنَّ الإخْبارَ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزٌ.

القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ آياتِ اللَّهِ: أنَّها هي القُرْآنُ، وقَوْلُهُ ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ يَعْنِي أنَّكم تُنْكِرُونَ عِنْدَ العَوامِّ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا ثُمَّ تَشْهَدُونَ بِقُلُوبِكم وعُقُولِكم كَوْنَهُ مُعْجِزًا.

القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِآياتِ اللَّهِ جُمْلَةُ المُعْجِزاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدِ النَّبِيِّ ﷺ وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ مَعْناهُ أنَّكم إنَّما اعْتَرَفْتُمْ بِدَلالَةِ المُعْجِزاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ، مِن حَيْثُ إنَّ المُعْجِزَ قائِمٌ مَقامَ التَّصْدِيقِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَإذا شَهِدْتُمْ بِأنَّ المُعْجِزَ إنَّما دَلَّ عَلى صِدْقِ سائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن هَذا الوَجْهِ، وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ حُصُولَ هَذا الوَجْهِ في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ إصْرارُكم عَلى إنْكارِ نُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ مُناقِضًا لِما شَهِدْتُمْ بِحَقِّيَّتِهِ مِن دَلالَةِ مُعْجِزاتِ سائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى صِدْقِهِمْ.

3:71Page 59

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَلۡبِسُونَ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٧١

O People of the Scripture, why do you mix [i.e., confuse] the truth with falsehood and conceal the truth while you know [it]?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ عُلَماءَ اليَهُودِ والنَّصارى كانَتْ لَهم حِرْفَتانِ إحْداهُما: أنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ أنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ بِقُلُوبِهِمْ أنَّهُ رَسُولُ حَقٍّ مِن عِنْدِ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى نَهاهم عَنْ هَذِهِ الحِرْفَةِ في الآيَةِ الأُولى.

وثانِيَتُهُما: أنَّهم كانُوا يَجْتَهِدُونَ في إلْقاءِ الشُّبُهاتِ، وفي إخْفاءِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، واللَّهُ تَعالى نَهاهم عَنْ هَذِهِ الحِرْفَةِ في هَذِهِ الآيَةِ الثّانِيَةِ، فالمَقامُ الأوَّلُ مَقامُ الغِوايَةِ والضَّلالَةِ، والمَقامُ الثّانِي مَقامُ الإغْواءِ والإضْلالِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ ”تُلَبِّسُونَ“ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ”تَلْبَسُونَ“ بِفَتْحِ الباءِ، أيْ تَلْبَسُونَ الحَقَّ مَعَ الباطِلِ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ» “ وقَوْلِهِ:

إذا هو بِالمَجْدِ ارْتَدى وتَأزَّرا

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ السّاعِيَ في إخْفاءِ الحَقِّ لا سَبِيلَ لَهُ إلى ذَلِكَ إلّا مِن أحَدِ وجْهَيْنِ:

إمّا بِإلْقاءِ شُبْهَةٍ تَدُلُّ عَلى الباطِلِ، وإمّا بِإخْفاءِ الدَّلِيلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلى الحَقِّ، فَقَوْلُهُ: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ إشارَةٌ إلى المَقامِ الأوَّلِ، وقَوْلُهُ: ﴿وتَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ إشارَةٌ إلى المَقامِ الثّانِي، أمّا لَبْسُ الحَقِّ بِالباطِلِ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ هاهُنا وُجُوهًا:

أحَدُها: تَحْرِيفُ التَّوْراةِ، فَيَخْلِطُونَ المُنَزَّلَ بِالمُحَرَّفِ، عَنِ الحَسَنِ وابْنِ زَيْدٍ.

وثانِيها: أنَّهم تَواضَعُوا عَلى إظْهارِ الإسْلامِ أوَّلَ النَّهارِ، ثُمَّ الرُّجُوعِ عَنْهُ في آخِرِ النَّهارِ، تَشْكِيكًا لِلنّاسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.

وثالِثُها: أنْ يَكُونَ في التَّوْراةِ ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِ ﷺ مِنَ البِشارَةِ والنَّعْتِ والصِّفَةِ ويَكُونُ في التَّوْراةِ أيْضًا ما يُوهِمُ خِلافَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ كالمُحْكَمِ والمُتَشابِهِ فَيُلَبِّسُونَ عَلى الضُّعَفاءِ أحَدَ الأمْرَيْنِ بِالآخَرِ كَما يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ المُشَبِّهَةِ، وهَذا قَوْلُ القاضِي.

ورابِعُها: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ مُحَمَّدٌ مُعْتَرِفٌ بِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَقٌّ، ثُمَّ إنَّ التَّوْراةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ شَرْعَ - مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ - لا يُنْسَخُ وكُلُّ ذَلِكَ إلْقاءٌ لِلشُّبُهاتِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾، فالمُرادُ أنَّ الآياتِ المَوْجُودَةَ في التَّوْراةِ الدّالَّةَ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ الِاسْتِدْلالُ بِها مُفْتَقِرًا إلى التَّفَكُّرِ والتَّأمُّلِ، والقَوْمُ كانُوا يَجْتَهِدُونَ في إخْفاءِ تِلْكَ الألْفاظِ الَّتِي كانَ بِمَجْمُوعِها يَتِمُّ هَذا الِاسْتِدْلالُ مِثْلَ ما أنَّ أهْلَ البِدْعَةِ في زَمانِنا يَسْعَوْنَ في أنْ لا يَصِلَ إلى عَوامِّهِمْ دَلائِلُ المُحَقِّقِينَ.

أمّا قَوْلُهُ ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّكم تَعْلَمُونَ أنَّكم إنَّما تَفْعَلُونَ ذَلِكَ عِنادًا وحَسَدًا.

وثانِيها: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ أنْتُمْ أرْبابُ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ لا أرْبابُ الجَهْلِ والخُرافَةِ.

وثالِثُها: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنَّ عِقابَ مَن يَفْعَلُ مِثْلَ هَذِهِ الأفْعالِ عَظِيمٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾، و﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ دالٌّ عَلى أنَّ ذَلِكَ فِعْلُهم؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَهُ فِيهِمْ، ثُمَّ يَقُولَ: لِمَ فَعَلْتُمْ ؟

وجَوابُهُ: أنَّ الفِعْلَ يَتَوَقَّفُ عَلى الدّاعِيَةِ، فَتِلْكَ الدّاعِيَةُ إنْ حَدَثَتْ لا لِمُحْدِثٍ لَزِمَ نَفْيُ الصّانِعِ، وإنْ كانَ مُحْدِثُها هو العَبْدَ افْتَقَرَ إلى إرادَةٍ أُخْرى وإنْ كانَ مُحْدِثُها هو اللَّهَ تَعالى لَزِمَكم ما ألْزَمْتُمُوهُ عَلَيْنا واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском