Ar-RaziAli 'Imran · 3:72–74

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:72–74

3:72Page 59

وَقَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجۡهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكۡفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٧٢

And a faction of the People of the Scripture say [to each other], "Believe in that which was revealed to the believers at the beginning of the day and reject it at its end that perhaps they will return [i.e., abandon their religion],

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم يَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ أرْدَفَ ذَلِكَ بِأنْ حَكى عَنْهم نَوْعًا واحِدًا مِن أنْواعِ تَلْبِيساتِهِمْ، وهو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ وهاهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كُلَّ ما أُنْزِلَ وأنْ يَكُونَ المُرادُ بَعْضَ ما أُنْزِلَ.

أمّا الِاحْتِمالُ الأوَّلُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى اسْتَخْرَجُوا حِيلَةً في تَشْكِيكِ ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ في صِحَّةِ الإسْلامِ، وهو أنْ يُظْهِرُوا تَصْدِيقَ ما يَنْزِلُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الشَّرائِعِ في بَعْضِ الأوْقاتِ، ثُمَّ يُظْهِرُوا بَعْدَ ذَلِكَ تَكْذِيبَهُ، فَإنَّ النّاسَ مَتى شاهَدُوا هَذا التَّكْذِيبَ، قالُوا: هَذا التَّكْذِيبُ لَيْسَ لِأجْلِ الحَسَدِ والعِنادِ، وإلّا لَما آمَنُوا بِهِ في أوَّلِ الأمْرِ، وإذا لَمْ يَكُنْ هَذا التَّكْذِيبُ لِأجْلِ الحَسَدِ والعِنادِ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهم أهْلُ الكِتابِ، وقَدْ تَفَكَّرُوا في أمْرِهِ واسْتَقْصَوْا في البَحْثِ عَنْ دَلائِلِ نُبُوَّتِهِ فَلاحَ لَهم بَعْدَ التَّأمُّلِ التّامِّ والبَحْثِ الوافِي أنَّهُ كَذّابٌ، فَيَصِيرُ هَذا الطَّرِيقُ شُبْهَةً لِضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ في صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وقِيلَ: تَواطَأ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن أحْبارِ يَهُودِ خَيْبَرَ عَلى هَذا الطَّرِيقِ.

وقَوْلُهُ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ مَعْناهُ أنّا مَتى ألْقَيْنا هَذِهِ الشُّبْهَةَ فَلَعَلَّ أصْحابَهُ يَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِ.

الوَجْهُ الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ أنَّ رُؤَساءَ اليَهُودِ والنَّصارى قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: نافِقُوا وأظْهِرُوا الوِفاقَ لِلْمُؤْمِنِينَ، ولَكِنْ بِشَرْطِ أنْ تَثْبُتُوا عَلى دِينِكم إذا خَلَوْتُمْ بِإخْوانِكم مِن أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّ أمْرَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ في اضْطِرابٍ فَزُجُّوا الأيّامَ مَعَهم بِالنِّفاقِ فَرُبَّما ضَعُفَ أمْرُهم واضْمَحَلَّ دِينُهم ويَرْجِعُوا إلى دِينِكم، وهَذا قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٣٧] أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾ [النساء: ١٣٨]، وهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] .

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أتْبَعَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم نَهَوْا عَنْ غَيْرِ دِينِهِمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، فَكانَ قَوْلُهم ﴿آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ﴾ أمْرٌ بِالنِّفاقِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ الأصَمُّ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنْ كَذَّبْتُمُوهُ في جَمِيعِ ما جاءَ بِهِ فَإنَّ عَوامَّكم يَعْلَمُونَ كَذِبَكم؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِمّا جاءَ بِهِ حَقٌّ، ولَكِنْ صَدِّقُوهُ في بَعْضٍ وكَذِّبُوهُ في بَعْضٍ حَتّى يَحْمِلَ النّاسُ تَكْذِيبَكم لَهُ عَلى الإنْصافِ لا عَلى العِنادِ فَيَقْبَلُوا قَوْلَكم.

صفحة ٨٤

الِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ بَعْضَ ما أنْزَلَ اللَّهُ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ حَمَلُوهُ عَلى أمْرِ القِبْلَةِ وذَكَرُوا فِيهِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجْهُ النَّهارِ أوَّلُهُ، وهو صَلاةُ الصُّبْحِ، واكْفُرُوا آخِرَهُ: يَعْنِي صَلاةَ الظُّهْرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ ﷺ كانَ يُصَلِّي إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ أنْ قَدِمَ المَدِينَةَ فَفَرِحَ اليَهُودُ بِذَلِكَ وطَمِعُوا أنْ يَكُونَ مِنهم، فَلَمّا حَوَّلَهُ اللَّهُ إلى الكَعْبَةِ وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ صَلاةِ الظُّهْرِ قالَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وغَيْرُهُ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ﴾ يَعْنِي آمِنُوا بِالقِبْلَةِ الَّتِي صَلّى إلَيْها صَلاةَ الصُّبْحِ فَهي الحَقُّ، واكْفُرُوا بِالقِبْلَةِ الَّتِي صَلّى إلَيْها صَلاةَ الظُّهْرِ، وهي آخِرُ النَّهارِ، وهي الكُفْرُ.

الثّانِي: أنَّهُ لَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ إلى الكَعْبَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: صَلُّوا إلى الكَعْبَةِ في أوَّلِ النَّهارِ، ثُمَّ اكْفُرُوا بِهَذِهِ القِبْلَةِ في آخِرِ النَّهارِ وصَلُّوا إلى الصَّخْرَةِ لَعَلَّهم يَقُولُونَ إنَّ أهْلَ الكِتابِ أصْحابُ العِلْمِ، فَلَوْلا أنَّهم عَرَفُوا بُطْلانَ هَذِهِ القِبْلَةِ لَما تَرَكُوها، فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُونَ عَنْ هَذِهِ القِبْلَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفائِدَةُ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى عَنْ تَواضُعِهِمْ عَلى هَذِهِ الحِيلَةِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الحِيلَةَ كانَتْ مَخْفِيَّةً فِيما بَيْنَهم، وما أطْلَعُوا عَلَيْها أحَدًا مِنَ الأجانِبِ، فَلَمّا أخْبَرَ الرَّسُولُ عَنْها كانَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، فَيَكُونُ مُعْجِزًا.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْلَعَ المُؤْمِنِينَ عَلى تَواطُئِهِمْ عَلى هَذِهِ الحِيلَةِ لَمْ يَحْصُلْ لِهَذِهِ الحِيلَةِ أثَرٌ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، ولَوْلا هَذا الإعْلانُ لَكانَ رُبَّما أثَّرَتْ هَذِهِ الحِيلَةُ في قَلْبِ بَعْضِ مَن كانَ في إيمانِهِ ضَعْفٌ.

الثّالِثُ: أنَّ القَوْمَ لَمّا افْتَضَحُوا في هَذِهِ الحِيلَةِ صارَ ذَلِكَ رادِعًا لَهم عَنِ الإقْدامِ عَلى أمْثالِها مِنَ الحِيَلِ والتَّلْبِيسِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: وجْهُ النَّهارِ هو أوَّلُهُ، والوَجْهُ في اللُّغَةِ هو مُسْتَقْبَلُ كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يُواجَهُ مِنهُ، كَما يُقالُ لِأوَّلِ الثَّوْبِ وجْهُ الثَّوْبِ، رَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: أتَيْتُهُ بِوَجْهِ نَهارٍ وصَدْرِ نَهارٍ، وشَبابِ نَهارٍ، أيْ أوَّلَ النَّهارِ، وأنْشَدَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيادٍ فَقالَ:

مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مالِكٍ فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنا بِوَجْهِ نَهارِ

3:73–74Page 59

وَلَا تُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمۡ قُلۡ إِنَّ ٱلۡهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤۡتَىٰٓ أَحَدٞ مِّثۡلَ مَآ أُوتِيتُمۡ أَوۡ يُحَآجُّوكُمۡ عِندَ رَبِّكُمۡۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٧٣

And do not trust except those who follow your religion." Say, "Indeed, the [true] guidance is the guidance of Allāh. [Do you fear] lest someone be given [knowledge] like you were given or that they would [thereby] argue with you before your Lord?" Say, "Indeed, [all] bounty is in the hand1 of Allāh - He grants it to whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Wise."

يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٤

He selects for His mercy whom He wills. And Allāh is the possessor of great bounty.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾

اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا بَقِيَّةُ كَلامِ اليَهُودِ، وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: المَعْنى: ولا تُصَدِّقُوا إلّا نَبِيًّا يُقَرِّرُ

صفحة ٨٥

شَرائِعَ التَّوْراةِ، فَأمّا مَن جاءَ بِتَغْيِيرِ شَيْءٍ مِن أحْكامِ التَّوْراةِ فَلا تُصَدِّقُوهُ، وهَذا هو مَذْهَبُ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ تَكُونُ ”اللّامُ“ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِمَن تَبِعَ﴾ صِلَةً زائِدَةً، فَإنَّهُ يُقالُ: صَدَّقْتُ فُلانًا، ولا يُقالُ صَدَّقْتُ لِفُلانٍ، وكَوْنُ هَذِهِ اللّامِ صِلَةً زائِدَةً جائِزٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢]، والمُرادُ رَدِفَكم.

والثّانِي: أنَّهُ ذَكَرَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾، ثُمَّ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أيْ لا تَأْتُوا بِذَلِكَ الإيمانِ إلّا لِأجْلِ مَن تَبِعَ دِينَكم، كَأنَّهم قالُوا: لَيْسَ الغَرَضُ مِنَ الإتْيانِ بِذَلِكَ التَّلْبِيسِ إلّا بَقاءَ أتْباعِكم عَلى دِينِكم، فالمَعْنى: ولا تَأْتُوا بِذَلِكَ الإيمانِ إلّا لِأجْلِ مَن تَبِعَ دِينَكم، فَإنَّ مَقْصُودَ كُلِّ واحِدٍ حِفْظُ أتْباعِهِ وأشْياعِهِ عَلى مُتابَعَتِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ما مَعْناهُ: الدِّينُ دِينُ اللَّهِ، ومِثْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ [البقرة: ١٢٠] .

واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن بَيانِ أنَّهُ كَيْفَ صارَ هَذا الكَلامُ جَوابًا عَمّا حَكاهُ عَنْهم ؟ فَنَقُولُ: أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وهو قَوْلُهم: لا دِينَ إلّا ما هم عَلَيْهِ، فَهَذا الكَلامُ إنَّما صَلَحَ جَوابًا عَنْهُ مِن حَيْثُ إنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ إنَّما ثَبَتَ دِينًا مِن جِهَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ بِهِ وأرْشَدَ إلَيْهِ وأوْجَبَ الِانْقِيادَ لَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَمَتى أمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ وأرْشَدَ إلى غَيْرِهِ، وأوْجَبَ الِانْقِيادَ إلى غَيْرِهِ كانَ نَبِيًّا يَجِبُ أنْ يُتَّبَعَ، وإنْ كانَ مُخالِفًا لِما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ الدِّينَ إنَّما صارَ دِينًا بِحُكْمِهِ وهِدايَتِهِ، فَحَيْثُما كانَ حُكْمُهُ وجَبَتْ مُتابَعَتُهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى جَوابًا لَهم عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢] يَعْنِي: الجِهاتُ كُلُّها لِلَّهِ، فَلَهُ أنْ يُحَوِّلَ القِبْلَةَ إلى أيِّ جِهَةٍ شاءَ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فالمَعْنى أنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ، وقَدْ جِئْتُكم بِهِ فَلَنْ يَنْفَعَكم في دَفْعِهِ هَذا الكَيْدُ الضَّعِيفُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ المُشْكِلاتِ الصَّعْبَةِ، فَنَقُولُ هَذا إمّا أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى أوْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ كَلامِ اليَهُودِ، ومِن تَتِمَّةِ قَوْلِهِمْ: ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم، وقَدْ ذَهَبَ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ:

أمّا الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”أنْ يُؤْتى“ بِمَدِّ الألِفِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، والباقُونَ بِفَتْحِ الألِفِ مِن غَيْرِ مَدٍّ ولا اسْتِفْهامٍ، فَإنْ أخَذْنا بِقِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، فالوَجْهُ ظاهِرٌ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّوْبِيخِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٤،١٥]، والمَعْنى أمِن أجْلِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ شَرائِعَ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الشَّرائِعِ يُنْكِرُونَ اتِّباعَهُ ؟ ثُمَّ حُذِفَ الجَوابُ لِلِاخْتِصارِ، وهَذا الحَذْفُ كَثِيرٌ، يَقُولُ الرَّجُلُ بَعْدَ طُولِ العِتابِ لِصاحِبِهِ، وتَعْدِيدِهِ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ بَعْدَ كَثْرَةِ إحْسانِهِ إلَيْهِ: أمِن قِلَّةِ إحْسانِي إلَيْكَ ؟ أمِن إهانَتِي لَكَ ؟ والمَعْنى أمِن أجْلِ هَذا فَعَلْتَ ما فَعَلْتَ ؟ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]، وهَذا الوَجْهُ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ وعِيسى بْنِ عُمَرَ، أمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ بِقَصْرِ الألِفِ مِن (أنْ) فَقَدْ يُمْكِنُ أيْضًا حَمْلُها عَلى مَعْنى الِاسْتِفْهامِ كَما قُرِئَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦] بِالمَدِّ والقَصْرِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] قُرِئَ بِالمَدِّ والقَصْرِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

صفحة ٨٦

تَرُوحُ مِنَ الحَيِّ أمْ تَبْتَكِرْ ؟ وماذا عَلَيْكَ ولَمْ تَنْتَظِرْ

أرادَ أتَرُوحُ مِنَ الحَيِّ ؟ فَحَذَفَ ألِفَ الِاسْتِفْهامِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ مُحْتَمِلَةٌ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ كانَ التَّقْدِيرُ ما شَرَحْناهُ في القِراءَةِ الأُولى.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ أُولَئِكَ لَمّا قالُوا لِأتْباعِهِمْ: لا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ فَلا تُنْكِرُوا ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ﴾ سِواكم مِنَ الهُدى ﴿مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ و﴿أوْ يُحاجُّوكُمْ﴾ يَعْنِي هَؤُلاءِ المُسْلِمِينَ بِذَلِكَ ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ إنْ لَمْ تَقْبَلُوا ذَلِكَ مِنهم، أقْصى ما في البابِ أنَّهُ يَفْتَقِرُ في هَذا التَّأْوِيلِ إلى إضْمارِ قَوْلِهِ: فَلا تُنْكِرُوا؛ لِأنَّ عَلَيْهِ دَلِيلًا وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾، فَإنَّهُ لَمّا كانَ الهُدى هُدى اللَّهِ كانَ لَهُ تَعالى أنْ يُؤْتِيَهُ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ لَزِمَ تَرْكُ الإنْكارِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الهُدى اسْمٌ لِلْبَيانِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧]، فَقَوْلُهُ ﴿إنَّ الهُدى﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿هُدى اللَّهِ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ خَبَرٌ بِإضْمارِ حَرْفِ لا، والتَّقْدِيرُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لا شَكَّ أنَّ بَيانَ اللَّهِ هو أنْ لا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، وهو دِينُ الإسْلامِ الَّذِي هو أفْضَلُ الأدْيانِ، وأنْ لا يُحاجُّوكم يَعْنِي هَؤُلاءِ اليَهُودَ عِنْدَ رَبِّكم في الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ يُظْهِرُ لَهم في الآخِرَةِ أنَّكم مُحِقُّونَ وأنَّهم مُضِلُّونَ، وهَذا التَّأْوِيلُ لَيْسَ فِيهِ إلّا أنَّهُ لا بُدَّ مِن إضْمارِ حَرْفِ (لا)، وهو جائِزٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَضِلُّوا﴾ أيْ أنْ لا تَضِلُّوا.

الوَجْهُ الرّابِعُ: ”الهُدى“ اسْمٌ و﴿هُدى اللَّهِ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، و﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ﴾ خَبَرُهُ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ هُدى اللَّهِ هو أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ فَقَوْلُهُ: ﴿أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ لا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ، والتَّقْدِيرُ: أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم فَيُقْضى لَكم عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: أنَّ الهُدى هو ما هَدَيْتُكم بِهِ مِن دِينِ الإسْلامِ الَّذِي مَن حاجَّكم بِهِ عِنْدِي قَضَيْتُ لَكم عَلَيْهِ، وفي قَوْلِهِ ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ ما يَدُلُّ عَلى هَذا الإضْمارِ؛ ولِأنَّ حُكْمَهُ بِكَوْنِهِ رَبًّا لَهم يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ راضِيًا عَنْهم، وذَلِكَ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ يَحْكُمُ لَهم ولا يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ.

والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ اليَهُودِ، وفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم، قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ، وإنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ.

قالُوا: والمَعْنى لا تُظْهِرُوا إيمانَكم بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ إلّا لِأهْلِ دِينِكم، وأسِرُّوا تَصْدِيقَكم بِأنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ أُوتُوا مِن كُتُبِ اللَّهِ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، ولا تُفْشُوهُ إلّا إلى أشْياعِكم وحْدَهم دُونَ المُسْلِمِينَ؛ لِئَلّا يَزِيدَهم ثَباتًا ودُونَ المُشْرِكِينَ لِئَلّا يَدْعُوَهم ذَلِكَ إلى الإسْلامِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ فَهو عَطْفٌ عَلى ”أنْ يُؤْتى“، والضَّمِيرُ في يُحاجُّوكم لِأحَدٍ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ بِمَعْنى ولا تُؤْمِنُوا لِغَيْرِ أتْباعِكم، إنَّ المُسْلِمِينَ يُحاجُّونَكم يَوْمَ القِيامَةِ بِالحَقِّ ويُغالِبُونَكم عِنْدَ اللَّهِ بِالحُجَّةِ، وعِنْدِي أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ ضَعِيفٌ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ جِدَّ القَوْمِ في حِفْظِ أتْباعِهِمْ عَنْ قَبُولِ دِينِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ أعْظَمَ مِن جِدِّهِمْ في حِفْظِ غَيْرِ أتْباعِهِمْ وأشْياعِهِمْ عَنْهُ، فَكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يُوصِيَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالإقْرارِ بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ عِنْدَ أتْباعِهِمْ وأشْياعِهِمْ، وأنْ يَمْتَنِعُوا مِن ذَلِكَ عِنْدَ الأجانِبِ ؟ هَذا في غايَةِ البُعْدِ.

الثّانِي: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَخْتَلُّ النَّظْمُ ويَقَعُ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ لا يَلِيقُ بِكَلامِ الفُصَحاءِ.

والثّالِثُ: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا بُدَّ مِنَ الحَذْفِ، فَإنَّ التَّقْدِيرَ: قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ وإنَّ الفَضْلَ

صفحة ٨٧

بِيَدِ اللَّهِ، ولا بُدَّ مِن حَذْفِ ”قُلْ“ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ .

الرّابِعُ: أنَّهُ كَيْفَ وقَعَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ فِيما بَيْنَ جُزْأيْ كَلامٍ واحِدٍ ؟ فَإنَّ هَذا في غايَةِ البُعْدِ عَنِ الكَلامِ المُسْتَقِيمِ، قالَ القَفّالُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ كَلامًا أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَهُ عِنْدَ انْتِهاءِ الحِكايَةِ عَنِ اليَهُودِ إلى هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّهُ لَمّا حَكى عَنْهم في هَذا المَوْضِعِ قَوْلًا باطِلًا لا جَرَمَ أدَّبَ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يُقابِلَهُ بِقَوْلٍ حَقٍّ، ثُمَّ يَعُودُ إلى حِكايَةِ تَمامِ كَلامِهِمْ كَما إذا حَكى المُسْلِمُ عَنْ بَعْضِ الكُفّارِ قَوْلًا فِيهِ كُفْرٌ، فَيَقُولُ عِنْدَ بُلُوغِهِ إلى تِلْكَ الكَلِمَةِ: آمَنتُ بِاللَّهِ، أوْ يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أوْ يَقُولُ: تَعالى اللَّهُ، ثُمَّ يَعُودُ إلى تَمامِ الحِكايَةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ مِن هَذا البابِ، ثُمَّ أتى بَعْدَهُ بِتَمامِ قَوْلِ اليَهُودِ إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ ثُمَّ أمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِمُحاجَّتِهِمْ في هَذا وتَنْبِيهِهِمْ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.

الإشْكالُ الخامِسُ في هَذِهِ الوُجُوهِ:

أنَّ الإيمانَ إذا كانَ بِمَعْنى التَّصْدِيقِ لا يَتَعَدّى إلى المُصَدِّقِ بِحَرْفِ اللّامِ، لا يُقالُ صَدَّقْتُ لِزَيْدٍ، بَلْ يُقالُ: صَدَّقْتُ زَيْدًا، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: ولا تُؤْمِنُوا إلّا مَن تَبِعَ دِينَكم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَحْتاجُ إلى حَذْفِ اللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ ويَحْتاجُ إلى إضْمارِ الباءِ أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُؤْتى﴾ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: ولا تُصَدِّقُوا إلّا مَن تَبِعَ دِينَكم بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، فَقَدِ اجْتَمَعَ في هَذا التَّفْسِيرِ الحَذْفُ والإضْمارُ وسُوءُ النَّظْمِ وفَسادُ المَعْنى، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لا يَبْعُدُ أنْ يُحْمَلَ الإيمانُ عَلى الإقْرارِ فَيَكُونَ المَعْنى: ولا تُقِرُّوا بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا تَكُونُ اللّامُ زائِدَةً، لَكِنْ لا بُدَّ مِن إضْمارِ حَرْفِ الباءِ أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ عَلى كُلِّ حالٍ، فَهَذا مُحَصِّلُ ما قِيلَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ اليَهُودِ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُؤْمِنُوا وجْهَ النَّهارِ ويَكْفُرُوا آخِرَهُ، لِيَصِيرَ ذَلِكَ شُبْهَةً لِلْمُسْلِمِينَ في صِحَّةِ الإسْلامِ.

فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾، والمَعْنى: أنَّ مَعَ كَمالِ هِدايَةِ اللَّهِ وقُوَّةِ بَيانِهِ لا يَكُونُ لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الرَّكِيكَةِ قُوَّةٌ ولا أثَرٌ.

والثّانِي: أنَّهُ حَكى عَنْهم أنَّهُمُ اسْتَنْكَرُوا أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتُوا مِنَ الكِتابِ والحُكْمِ والنُّبُوَّةِ.

فَأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾، والمُرادُ بِالفَضْلِ الرِّسالَةُ، وهو في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الزِّيادَةِ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في زِيادَةِ الإحْسانِ، والفاضِلِ الزّائِدِ عَلى غَيْرِهِ في خِصالِ الخَيْرِ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُ الفَضْلِ لِكُلِّ نَفْعٍ قَصَدَ بِهِ فاعِلُهُ الإحْسانَ إلى الغَيْرِ، وقَوْلُهُ ﴿بِيَدِ اللَّهِ﴾ أيْ إنَّهُ مالِكٌ لَهُ قادِرٌ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ هو تَفَضُّلٌ مَوْقُوفٌ عَلى مَشِيئَتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النُّبُوَّةَ تَحْصُلُ بِالتَّفَضُّلِ لا بِالِاسْتِحْقاقِ؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَها مِن بابِ الفَضْلِ الَّذِي لِفاعِلِهِ أنْ يَفْعَلَهُ وأنْ لا يَفْعَلَهُ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ في المُسْتَحِقِّ إلّا عَلى وجْهِ المَجازِ، وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ مُؤَكِّدٌ لِهَذا المَعْنى؛ لِأنَّ كَوْنَهُ واسِعًا، يَدُلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وكَوْنَهُ عَلِيمًا عَلى كَمالِ العِلْمِ، فَيَصِحُّ مِنهُ لِمَكانِ القُدْرَةِ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلى أيِّ عَبْدٍ شاءَ بِأيِّ تَفَضُّلٍ شاءَ، ويَصِحُّ مِنهُ لِمَكانِ كَمالِ العِلْمِ أنْ لا يَكُونَ شَيْءٌ مِن أفْعالِهِ إلّا عَلى وجْهِ الحِكْمَةِ والصَّوابِ.

صفحة ٨٨

ثُمَّ قالَ: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ وهَذا كالتَّأْكِيدِ لِما تَقَدَّمَ، والفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها أنَّ الفَضْلَ عِبارَةٌ عَنِ الزِّيادَةِ، ثُمَّ إنَّ الزِّيادَةَ مِن جِنْسِ المَزِيدِ عَلَيْهِ، فَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُؤْتِيَ بَعْضَ عِبادِهِ مِثْلَ ما آتاهم مِنَ المَناصِبِ العالِيَةِ ويَزِيدَ عَلَيْها مِن جِنْسِها، ثُمَّ قالَ: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ والرَّحْمَةُ المُضافَةُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أمْرٌ أعْلى مِن ذَلِكَ الفَضْلِ، فَإنَّ هَذِهِ الرَّحْمَةَ رُبَّما بَلَغَتْ في الشَّرَفِ وعُلُوِّ الرُّتْبَةِ إلى أنْ لا تَكُونَ مِن جِنْسِ ما آتاهم، بَلْ تَكُونُ أعْلى وأجَلَّ مِن أنْ تُقاسَ إلى ما آتاهم، ويَحْصُلُ مِن مَجْمُوعِ الآيَتَيْنِ أنَّهُ لا نِهايَةَ لِمَراتِبِ إعْزازِ اللَّهِ وإكْرامِهِ لِعِبادِهِ، وأنَّ قَصْرَ إنْعامِهِ وإكْرامِهِ عَلى مَراتِبَ مُعَيَّنَةٍ، وعَلى أشْخاصٍ مُعَيَّنِينَ جَهْلٌ بِكَمالِ اللَّهِ في القُدْرَةِ والحِكْمَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском