Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:98–101
3:98–99Page 62
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعۡمَلُونَ ٩٨
Say, "O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allāh while Allāh is Witness over what you do?"
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ تَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَأَنتُمۡ شُهَدَآءُۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٩٩
Say, "O People of the Scripture, why do you avert from the way of Allāh those who believe, seeking to make it [seem] deviant, while you are witnesses [to the truth]? And Allāh is not unaware of what you do."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: وهو الأوْفَقُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْرَدَ الدَّلائِلَ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا ورَدَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِنَ البِشارَةِ بِمَقْدِمِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَ ذَلِكَ شُبُهاتِ القَوْمِ.
فالشُّبْهَةُ الأُولى: ما يَتَعَلَّقُ بِإنْكارِ النَّسْخِ.
صفحة ١٣٧
وأجابَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣] .
والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالكَعْبَةِ ووُجُوبِ اسْتِقْبالِها في الصَّلاةِ ووُجُوبِ حَجِّها.
وأجابَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ إلى آخِرِها، فَعِنْدَ هَذا تَمَّتْ وظِيفَةُ الِاسْتِدْلالِ وكَمُلَ الجَوابُ عَنْ شُبُهاتِ أرْبابِ الضَّلالِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ خاطَبَهم بِالكَلامِ اللَّيِّنِ وقالَ: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ بَعْدَ ظُهُورِ البَيِّناتِ وزَوالِ الشُّبُهاتِ، وهَذا هو الغايَةُ القُصْوى في تَرْتِيبِ الكَلامِ وحُسْنِ نَظْمِهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فَضائِلَ الكَعْبَةِ ووُجُوبَ الحَجِّ، والقَوْمُ كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ هَذا هو الدِّينُ الحَقُّ والمِلَّةُ الصَّحِيحَةُ قالَ لَهم: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ بَعْدَ أنْ عَلِمْتُمْ كَوْنَها حَقَّةً صَحِيحَةً.
واعْلَمْ أنَّ المُبْطِلَ إمّا أنْ يَكُونَ ضالًّا فَقَطْ، وإمّا أنْ يَكُونَ مَعَ كَوْنِهِ ضالًّا يَكُونُ مُضِلًّا، والقَوْمُ كانُوا مَوْصُوفِينَ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا فَبَدَأ تَعالى بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ في الصِّفَةِ الأُولى عَلى سَبِيلِ الرِّفْقِ واللُّطْفِ.
* * *
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ واخْتَلَفُوا فِيمَنِ المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ، فَقالَ الحَسَنُ: هم عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ عَلِمُوا صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ كُلُّ أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهم وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا فالحُجَّةُ قائِمَةٌ عَلَيْهِمْ فَكَأنَّهم بِتَرْكِ الِاسْتِدْلالِ والعُدُولِ إلى التَّقْلِيدِ بِمَنزِلَةِ مَن عَلِمَ ثُمَّ أنْكَرَ.
فَإنْ قِيلَ: ولِمَ خُصَّ أهْلُ الكِتابِ بِالذِّكْرِ دُونَ سائِرِ الكُفّارِ ؟
قُلْنا: لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنّا بَيَّنّا أنَّهُ تَعالى أوْرَدَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ أجابَ عَنْ شُبَهِهِمْ في ذَلِكَ، ثُمَّ لَمّا تَمَّ ذَلِكَ خاطَبَهم فَقالَ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾ فَهَذا التَّرْتِيبُ الصَّحِيحُ. الثّانِي: أنَّ مَعْرِفَتَهم بِآياتِ اللَّهِ أقْوى لِتَقَدُّمِ اعْتِرافِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ وأصْلِ النُّبُوَّةِ، ولِمَعْرِفَتِهِمْ بِما في كُتُبِهِمْ مِنَ الشَّهادَةِ بِصِدْقِ الرَّسُولِ والبِشارَةِ بِنُبُوَّتِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الكُفْرَ مِن قِبَلِهِمْ حَتّى يَصِحَّ هَذا التَّوْبِيخُ، وكَذَلِكَ لا يَصِحُّ تَوْبِيخُهم عَلى طَوْلِهِمْ وصِحَّتِهِمْ ومَرَضِهِمْ.
والجَوابُ عَنْهُ: المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ والدّاعِي.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ (مِن آياتِ اللَّهِ) الآياتُ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ تَعالى عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمُرادُ بِكُفْرِهِمْ بِها كُفْرُهم بِدَلالَتِها عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ الواوُ لِلْحالِ والمَعْنى: لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ الَّتِي دَلَّتْكم عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والحالُ أنَّ اللَّهَ شَهِيدٌ عَلى أعْمالِكم ومُجازِيكم عَلَيْها وهَذِهِ الحالُ تُوجِبُ أنْ لا تَجْتَرِءُوا عَلى الكُفْرِ بِآياتِهِ.
صفحة ١٣٨
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ في ضَلالِهِمْ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ في إضْلالِهِمْ لِضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ فَقالَ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ صَدَدْتُهُ أصُدُّهُ صَدًّا وأصْدَدْتُهُ إصْدادًا، وقَرَأ الحَسَنُ (تُصِدُّونَ) بِضَمِّ التّاءِ مِن أصَدَّهُ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ صَدُّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِإلْقاءِ الشُّبَهِ والشُّكُوكِ في قُلُوبِ الضَّعَفَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ وكانُوا يُنْكِرُونَ كَوْنَ صِفَتِهِ ﷺ في كِتابِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿تَبْغُونَها عِوَجًا﴾ العِوَجُ بِكَسْرِ العَيْنِ المَيْلُ عَنْ الِاسْتِواءِ في كُلِّ ما لا يُرى، وهو الدِّينُ والقَوْلُ، فَأمّا الشَّيْءُ الَّذِي يُرى فَيُقالُ فِيهِ: عَوَجٌ بِفَتْحِ العَيْنِ كالحائِطِ والقَناةِ والشَّجَرَةِ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: البَغْيُ يُقْتَصَرُ لَهُ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ اللّامُ كَقَوْلِكَ: بَغَيْتُ المالَ والأجْرَ والثَّوابَ، وأُرِيدَ هاهُنا: تَبْغُونَ لَها عِوَجًا، ثُمَّ أُسْقِطَتِ اللّامُ كَما قالُوا: وهَبْتُكَ دِرْهَمًا أيْ وهَبْتُ لَكَ دِرْهَمًا، ومِثْلُهُ صِدْتُ لَكَ ظَبْيًا وأنْشَدَ:
فَتَوَلّى غُلامُهم ثُمَّ نادى أظَلِيمًا أصِيدُكم أمْ حِمارًا
أرادَ أصِيدُ لَكم والهاءُ في ﴿تَبْغُونَها﴾ عائِدَةٌ إلى (السَّبِيلِ) لِأنَّ السَّبِيلَ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ و(العِوَجُ) يَعْنِي بِهِ الزَّيْغَ والتَّحْرِيفَ، أيْ تَلْتَمِسُونَ لِسَبِيلِهِ الزَّيْغَ والتَّحْرِيفَ بِالشُّبَهِ الَّتِي تُورِدُونَها عَلى الضَّعَفَةِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: النَّسْخُ يَدُلُّ عَلى البَداءِ، وقَوْلُهم: إنَّهُ ورَدَ في التَّوْراةِ أنَّ شَرِيعَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ باقِيَةٌ إلى الأبَدِ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ (عِوَجًا) في مَوْضِعِ الحالِ والمَعْنى: تَبْغُونَها ضالِّينَ وذَلِكَ أنَّهم كَأنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم عَلى دِينِ اللَّهِ وسَبِيلِهِ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: إنَّكم تَبْغُونَ سَبِيلَ اللَّهِ ضالِّينَ وعَلى هَذا القَوْلِ لا يُحْتاجُ إلى إضْمارِ اللّامِ في تَبْغُونَها.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يَعْنِي أنْتُمْ شُهَداءُ أنَّ في التَّوْراةِ أنَّ دِينَ اللَّهِ الَّذِي لا يُقْبَلُ غَيْرُهُ هو الإسْلامُ. الثّانِي: وأنْتُمْ شُهَداءُ عَلى ظُهُورِ المُعْجِزاتِ عَلى نُبُوَّتِهِ ﷺ . الثّالِثُ: وأنْتُمْ شُهَداءُ أنَّهُ لا يَجُوزُ الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. الرّابِعُ: وأنْتُمْ شُهَداءُ بَيْنَ أهْلِ دِينِكم عُدُولٌ يَثِقُونَ بِأقْوالِكم ويُعَوِّلُونَ عَلى شَهادَتِكم في عِظامِ الأُمُورِ وهُمُ الأحْبارُ. والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ الإصْرارُ عَلى الباطِلِ والكَذِبِ والضَّلالِ والإضْلالِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ والمُرادُ التَّهْدِيدُ، وهو كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِعَبْدِهِ، وقَدْ أنْكَرَ طَرِيقَهُ لا يَخْفى عَلَيَّ ما أنْتَ عَلَيْهِ ولَسْتُ غافِلًا عَنْ أمْرِكَ وإنَّما خَتَمَ الآيَةَ الأُولى بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ﴾ وهَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ الكُفْرَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وما كانُوا يُظْهِرُونَ إلْقاءَ الشُّبَهِ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، بَلْ كانُوا يَحْتالُونَ في ذَلِكَ بِوُجُوهِ الحِيَلِ فَلا جَرَمَ قالَ فِيما أظْهَرُوهُ ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ﴾ وفِيما أضْمَرُوهُ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وإنَّما كَرَّرَ في الآيَتَيْنِ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ﴾ لِأنَّ المَقْصُودَ التَّوْبِيخُ عَلى ألْطَفِ الوُجُوهِ، وتَكْرِيرُ هَذا الخِطابِ اللَّطِيفِ أقْرَبُ إلى التَّلَطُّفِ في صَرْفِهِمْ عَنْ طَرِيقَتِهِمْ في الضَّلالِ والإضْلالِ وأدَلُّ عَلى النُّصْحِ لَهم في الدِّينِ والإشْفاقِ.
3:100–101Page 62
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ كَٰفِرِينَ ١٠٠
O you who have believed, if you obey a party of those who were given the Scripture, they would turn you back, after your belief, [to being] unbelievers.
وَكَيۡفَ تَكۡفُرُونَ وَأَنتُمۡ تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمۡ رَسُولُهُۥۗ وَمَن يَعۡتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدۡ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٠١
And how could you disbelieve while to you are being recited the verses of Allāh and among you is His Messenger? And whoever holds firmly to Allāh1 has [indeed] been guided to a straight path.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَذَّرَ الفَرِيقَ مِن أهْلِ الكِتابِ في الآيَةِ الأُولى عَنِ الإغْواءِ والإضْلالِ حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ ومَنعِهِمْ عَنْ الِالتِفاتِ إلى قَوْلِهِمْ، رُوِيَ «أنْ شاسَ بْنَ قَيْسٍ اليَهُودِيَّ كانَ عَظِيمَ الكُفْرِ شَدِيدَ الطَّعْنِ عَلى المُسْلِمِينَ شَدِيدَ الحَسَدِ، فاتُّفِقَ أنَّهُ مَرَّ عَلى نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ فَرَآهم في مَجْلِسٍ لَهم يَتَحَدَّثُونَ، وكانَ قَدْ زالَ ما كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ مِنَ العَداوَةِ بِبَرَكَةِ الإسْلامِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى اليَهُودِيِّ فَجَلَسَ إلَيْهِمْ وذَكَّرَهم ما كانَ بَيْنَهم مِنَ الحُرُوبِ قَبْلَ ذَلِكَ وقَرَأ عَلَيْهِمْ بَعْضَ ما قِيلَ في تِلْكَ الحُرُوبِ مِنَ الأشْعارِ فَتَنازَعَ القَوْمُ وتَغاضَبُوا وقالُوا: السِّلاحَ السِّلاحَ، فَوَصَلَ الخَبَرُ إلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَن مَعَهُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وقالَ: أتَرْجِعُونَ إلى أحْوالِ الجاهِلِيَّةِ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم، وقَدْ أكْرَمَكُمُ اللَّهُ بِالإسْلامِ وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَعَرَفَ القَوْمُ أنَّ ذَلِكَ كانَ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، ومِن كَيْدِ ذَلِكَ اليَهُودِيِّ، فَألْقَوُا السِّلاحَ وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًا، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَما كانَ يَوْمٌ أقْبَحَ أوَّلًا وأحْسَنَ آخِرًا مِن ذَلِكَ اليَوْمِ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هَذِهِ الواقِعَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ جَمِيعَ ما يُحاوِلُونَهُ مِن أنْواعِ الإضْلالِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ المُؤْمِنِينَ إنْ لانُوا وقَبِلُوا مِنهم قَوْلَهم أدّى ذَلِكَ حالًا بَعْدَ حالٍ إلى أنْ يَعُودُوا كُفّارًا، والكُفْرُ يُوجِبُ الهَلاكَ في الدُّنْيا والدِّينِ، أمّا في الدُّنْيا فَبِوُقُوعِ العَداوَةِ والبَغْضاءِ وهَيَجانِ الفِتْنَةِ وثَوَرانِ المُحارَبَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى سَفْكِ الدِّماءِ، وأمّا في الدِّينِ فَظاهِرٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ﴾ وكَلِمَةُ (كَيْفَ) تَعَجُّبٌ، والتَّعَجُّبُ إنَّما يَلِيقُ بِمَن لا يَعْلَمُ السَّبَبَ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، والمُرادُ مِنهُ المَنعُ والتَّغْلِيظُ وذَلِكَ لِأنَّ تِلاوَةَ آياتِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ حالًا بَعْدَ حالٍ مَعَ كَوْنِ الرَّسُولِ فِيهِمُ، الَّذِي يُزِيلُ كُلَّ شُبْهَةٍ ويُقَرِّرُ كُلَّ حُجَّةٍ، كالمانِعِ مِن وُقُوعِهِمْ في الكُفْرِ، فَكانَ صُدُورُ الكُفْرِ عَلى الَّذِينَ كانُوا بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ أبْعَدَ مِن هَذا الوَجْهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَقْصِدَ الأقْصى لِهَؤُلاءِ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ أنْ يَرُدُّوا المُسْلِمِينَ عَنِ الإسْلامِ ثُمَّ أرْشَدَ المُسْلِمِينَ إلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ لا يَلْتَفِتُوا إلى قَوْلِهِمْ، بَلِ الواجِبُ أنْ يَرْجِعُوا عِنْدَ كُلِّ شُبْهَةٍ يَسْمَعُونَها مِن هَؤُلاءِ اليَهُودِ إلى الرَّسُولِ ﷺ، حَتّى يَكْشِفَ عَنْها ويُزِيلَ وجْهَ الشُّبْهَةِ فِيها.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ والمَقْصُودُ: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ أرْدَفَهُ بِهَذا
صفحة ١٤٠
الوَعْدِ، والمَعْنى: ومَن يَتَمَسَّكْ بِدِينِ اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَثًّا لَهم عَلى الِالتِجاءِ إلَيْهِ في دَفْعِ شُرُورِ الكُفّارِ. والِاعْتِصامُ في اللُّغَةِ الِاسْتِمْساكُ بِالشَّيْءِ وأصْلُهُ مِنَ العِصْمَةِ، والعِصْمَةُ المَنعُ في كَلامِ العَرَبِ، والعاصِمُ المانِعُ، واعْتَصَمَ فُلانٌ بِالشَّيْءِ إذا تَمَسَّكَ بِالشَّيْءِ في مَنعِ نَفْسِهِ مِنَ الوُقُوعِ في آفَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢] قالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ في الآيَةِ أمْرَيْنِ يَمْنَعانِ عَنِ الوُقُوعِ في الكُفْرِ. أحَدُهُما: تِلاوَةُ كِتابِ اللَّهِ. والثّانِي: كَوْنُ الرَّسُولِ فِيهِمْ، أمّا الرَّسُولُ ﷺ فَقَدْ مَضى إلى رَحْمَةِ اللَّهِ، وأمّا الكِتابُ فَباقٍ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَقَدِ احْتَجَّ بِهِ أصْحابُنا عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، قالُوا: لِأنَّهُ جَعَلَ اعْتِصامَهم هِدايَةً مِنَ اللَّهِ، فَلَمّا جُعِلَ ذَلِكَ الِاعْتِصامُ فِعْلًا لَهم وهِدايَةً مِنَ اللَّهِ ثَبَتَ ما قُلْناهُ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا. الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الهِدايَةِ الزِّيادَةُ في الألْطافِ المُرَتَّبَةِ عَلى أداءِ الطّاعاتِ كَما قالَ تَعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة: ١٦] وهَذا اخْتارَهُ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ. والثّانِي: أنَّ التَّقْدِيرَ مَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَنِعْمَ ما فَعَلَ فَإنَّهُ إنَّما هُدِيَ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ. الثّالِثُ: أنَّ مَن يَعْتَصِمُ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ. والرّابِعُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿فَقَدْ هُدِيَ﴾ أيْ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الهُدى لا مَحالَةَ، كَما تَقُولُ: إذا جِئْتَ فُلانًا فَقَدْ أفْلَحْتَ، كَأنَّ الهُدى قَدْ حَصَلَ فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ حاصِلًا وذَلِكَ لِأنَّ المُعْتَصِمَ بِاللَّهِ مُتَوَقِّعٌ لِلْهُدى كَما أنَّ قاصِدَ الكَرِيمِ مُتَوَقِّعٌ لِلْفَلاحِ عِنْدَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences