Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ar-Rum 30:20–23
30:20Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٞ تَنتَشِرُونَ ٢٠
And of His signs is that He created you from dust; then, suddenly you were human beings dispersing [throughout the earth].
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾
لَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ عَنِ الأسْواءِ وذَكَرَ أنَّ الحَمْدَ لَهُ عَلى خَلْقِ جَمِيعِ الأشْياءِ وبَيَّنَ قُدْرَتَهُ عَلى الإماتَةِ والإحْياءِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ذَكَرَ ما هو حُجَّةٌ ظاهِرَةٌ وآيَةٌ باهِرَةٌ عَلى ذَلِكَ ومِن جُمْلَتِها خَلْقُ الإنْسانِ مِن تُرابٍ، وتَقْرِيرُهُ هو أنَّ التُّرابَ أبْعَدُ الأشْياءِ عَنْ دَرَجَةِ الأحْياءِ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ كَيْفِيَّتُهُ، فَإنَّهُ بارِدٌ يابِسٌ والحَياةُ بِالحَرارَةِ والرُّطُوبَةِ، ومِن حَيْثُ لَوْنُهُ فَإنَّهُ كَدِرٌ والرُّوحُ نَيْرٌ، ومِن حَيْثُ فِعْلُهُ فَإنَّهُ ثَقِيلٌ والأرْواحُ الَّتِي بِها الحَياةُ خَفِيفَةٌ، ومِن حَيْثُ السُّكُونُ فَإنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ الحَرَكَةِ، والحَيَوانُ يَتَحَرَّكُ يُمْنَةً ويُسْرَةً وإلى خَلْفٍ وإلى قُدّامٍ وإلى فَوْقٍ وإلى أسْفَلَ، وفي الجُمْلَةِ فالتُّرابُ أبْعَدُ مِن قَبُولِ الحَياةِ عَنْ سائِرِ الأجْسامِ؛ لِأنَّ العَناصِرَ أبْعَدُ مِنَ المُرَكَّباتِ؛ لِأنَّ المُرَكَّبَ بِالتَّرْكِيبِ أقْرَبُ دَرَجَةً مِنَ الحَيَوانِ، والعَناصِرُ أبْعَدُها التُّرابُ؛ لِأنَّ الماءَ فِيهِ الصَّفاءُ والرُّطُوبَةُ والحَرَكَةُ وكُلُّها عَلى طَبْعِ الأرْواحِ والنّارِ أقْرَبُ؛ لِأنَّها كالحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ مُنْضَجَةٌ جامِعَةٌ مُفَرَّقَةٌ ثُمَّ المُرَكَّباتُ وأوَّلُ مَراتِبِها المَعْدِنُ فَإنَّهُ مُمْتَزِجٌ، ولَهُ مَراتِبُ أعْلاها الذَّهَبُ وهو قَرِيبٌ مِن أدْنى مَراتِبِ النَّباتِ وهي مَرْتَبَةُ النَّباتِ الَّذِي يَنْبُتُ في الأرْضِ، ولا يَبْرُزُ ولا يَرْتَفِعُ، ثُمَّ النَّباتاتُ وأعْلى مَراتِبِها وهي مَرْتَبَةُ الأشْجارِ الَّتِي تَقْبَلُ التَّعْظِيمَ، ويَكُونُ لِثَمَرِها حَبٌّ يُؤْخَذُ مِنهُ مِثْلُ تِلْكَ الشَّجَرَةِ كالبَيْضَةِ مِنَ الدَّجاجَةِ، والدَّجاجَةُ مِنَ البَيْضَةِ قَرِيبَةٌ مِن أدْنى مَراتِبِ الحَيَواناتِ وهي مَرْتَبَةُ الحَشَراتِ الَّتِي لَيْسَ لَها دَمٌ سائِلٌ، ولا هي إلى المَنافِعِ الجَلِيلَةِ وسائِلُ كالنَّباتاتِ، ثُمَّ الحَيَوانُ وأعْلى مَراتِبِها قَرِيبَةٌ مِن مَرْتَبَةِ الإنْسانِ، فَإنَّ الأنْعامَ ولا سِيَّما الفَرَسُ تُشْبِهُ العَتّالَ والحَمّالَ والسّاعِيَ، ثُمَّ الإنْسانُ، وأعْلى مَراتِبِ الإنْسانِ قَرِيبَةٌ مِن مَرْتَبَةِ المَلائِكَةِ المُسَبِّحِينَ لِلَّهِ الحامِدِينَ لَهُ، فاللَّهُ الَّذِي خَلَقَ مِن أبْعَدِ الأشْياءِ عَنْ مَرْتَبَةِ الأحْياءِ حَيًّا هو في أعْلى المَراتِبِ لا يَكُونُ إلّا مُنَزَّهًا عَنِ العَجْزِ والجَهْلِ، ويَكُونُ لَهُ الحَمْدُ عَلى إنْعامِ الحَياةِ، ويَكُونُ لَهُ كَمالُ القُدْرَةِ ونُفُوذُ الإرادَةِ فَيَجُوزُ مِنهُ الإبْداءُ والإعادَةُ، وفي الآيَةِ لَطِيفَتانِ:
إحْداهُما: قَوْلُهُ: ﴿إذا﴾ وهي لِلْمُفاجَأةِ، يُقالُ خَرَجْتُ فَإذا أسَدٌ بِالبابِ وهو إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهُ مِن تُرابٍ بِكُنْ فَكانَ لا أنَّهُ صارَ مَعْدِنًا ثُمَّ نَباتًا ثُمَّ حَيَوانًا ثُمَّ إنْسانًا وهَذا إشارَةٌ إلى مَسْألَةٍ حُكْمِيَّةٍ، وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ أوَّلًا إنْسانًا فَيُنَبِّهُهُ أنَّهُ يَحْيا حَيَوانًا ونامِيًا وغَيْرُ ذَلِكَ لا أنَّهُ خُلِقَ أوَّلًا حَيَوانًا، ثُمَّ يَجْعَلُهُ إنْسانًا، فَخَلْقُ الأنْواعِ هو المُرادُ الأوَّلُ، ثُمَّ تَكُونُ الأنْواعُ فِيها الأجْناسُ بِتِلْكَ الإرادَةِ الأُولى، فاللَّهُ تَعالى جَعَلَ المَرْتَبَةَ الأخِيرَةَ في الشَّيْءِ البَعِيدِ عَنْها غايَةً مِن غَيْرِ انْتِقالٍ مِن مَرْتَبَةٍ إلى مَرْتَبَةٍ مِنَ المَراتِبِ الَّتِي ذَكَرْناها.
(اللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ): قَوْلُهُ: ﴿بَشَرٌ﴾ إشارَةٌ إلى القُوَّةِ المُدْرِكَةِ؛ لِأنَّ البَشَرَ بَشَرٌ لا بِحَرَكَتِهِ، فَإنَّ غَيْرَهُ مِنَ الحَيَواناتِ أيْضًا كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ إلى القُوَّةِ المُحَرِّكَةِ وكِلاهُما مِنَ التُّرابِ عَجِيبٌ، أمّا الإدْراكُ فَلِكَثافَتِهِ وجُمُودِهِ، وأمّا الحَرَكَةُ فَلِثِقَلِهِ وخُمُودِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ العَجِيبَةَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ
صفحة ٩٦
بِخَلْقِ الإنْسانِ مِنَ التُّرابِ بَلْ خَلْقُ الحَيَوانِ المُنْتَشِرِ مِنَ التُّرابِ السّاكِنِ عَجِيبٌ فَضْلًا عَنْ خَلْقِ البَشَرِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: وهي أنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِن تُرابٍ وخَلَقَنا مِنهُ فَكَيْفَ قالَ: ﴿خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ما قِيلَ إنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أنَّهُ خَلَقَ أصْلَكم.
والثّانِي: أنْ نَقُولَ: إنَّ كُلَّ بَشَرٍ مَخْلُوقٍ مِنَ التُّرابِ، أمّا آدَمُ فَظاهِرٌ، وأمّا نَحْنُ فَلِأنّا خُلِقْنا مِن نُطْفَةٍ، والنُّطْفَةُ مِن صالِحِ الغِذاءِ الَّذِي هو بِالقُوَّةِ بَعْضٌ مِنَ الأعْضاءِ، والغِذاءُ إمّا مِن لُحُومِ الحَيَواناتِ وألْبانِها وأسْمانِها، وإمّا مِنَ النَّباتِ، والحَيَوانُ أيْضًا لَهُ غِذاءٌ هو النَّباتُ، لَكِنِ النَّباتُ مِنَ التُّرابِ، فَإنَّ الحَبَّةَ مِنَ الحِنْطَةِ، والنَّواةُ مِنَ الثَّمَرَةِ لا تَصِيرُ شَجَرَةً إلّا بِالتُّرابِ ويَنْضَمُّ إلَيْها أجْزاءٌ مائِيَّةٌ لِيَصِيرَ ذَلِكَ النَّباتُ بِحَيْثُ يَغْذُو.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] وقالَ: ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] وهاهُنا قالَ: ﴿مِن تُرابٍ﴾ فَكَيْفَ الجَمْعُ ؟ قُلْنا: أمّا عَلى الجَوابِ الأوَّلِ: فالسُّؤالُ زائِلٌ، فَإنَّ المُرادَ مِنهُ آدَمُ.
وأمّا عَلى الثّانِي: فَنَقُولُ هاهُنا قالَ ما هو أصْلٌ أوَّلٌ، وفي ذَلِكَ المَوْضِعِ قالَ ما هو أصْلٌ ثانٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التُّرابَ الَّذِي صارَ غِذاءً يَصِيرُ مائِعًا وهو المَنِيُّ، ثُمَّ يَنْعَقِدُ ويَتَكَوَّنُ بِخَلْقِ اللَّهِ مِنهُ إنْسانًا، أوْ نَقُولُ: الإنْسانُ لَهُ أصْلانِ ظاهِرانِ الماءُ والتُّرابُ، فَإنَّ التُّرابَ لا يُنْبِتُ إلّا بِالماءِ، فَفي النَّباتِ الَّذِي هو أصْلُ غِذاءِ الإنْسانِ تُرابٌ وماءٌ، فَإنْ جُعِلَ التُّرابُ أصْلًا والماءُ لِجَمْعِ أجْزائِهِ المُتَفَتِّتَةِ فالأمْرُ كَذَلِكَ، وإنْ جُعِلَ الأصْلُ هو الماءُ والتُّرابُ لِتَثْبِيتِ أجْزائِهِ الرَّطْبَةِ مِنَ السَّيَلانِ فالأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: اللَّهُ تَعالى يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ فَهو يَعْلَمُ أنَّ الأصْلَ ماذا هو مِنهُما، وإنَّما الأمْرُ عِنْدَنا مُشْتَبَهٌ يَجُوزُ هَذا وذاكَ، فَإنْ كانَ الأصْلُ هو التُّرابُ فَكَيْفَ قالَ: ﴿مِنَ الماءِ بَشَرًا﴾ وإنْ كانَ الماءُ فَكَيْفَ قالَ: ﴿خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ وإنْ كانا هُما أصْلَيْنِ فَلِمَ لَمْ يَقُلْ خَلَقُكم مِنهُما، فَنَقُولُ: فِيهِ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ كَوْنَ التُّرابِ أصْلًا والماءِ أصْلًا، والماءُ لَيْسَ لِذاتَيْهِما، وإنَّما هو بِجَعْلِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ اللَّهَ نَظَرًا إلى قُدْرَتِهِ كانَ لَهُ أنْ يَخْلُقَ أوَّلَ ما يَخْلُقُ الإنْسانَ ثُمَّ يُفْنِيهِ ويَحْصُلُ مِنهُ التُّرابُ ثُمَّ يُذَوِّبُهُ ويَحْصُلُ مِنهُ الماءُ، لَكِنِ الحِكْمَةُ اقْتَضَتْ أنْ يَكُونَ النّاقِصُ وسِيلَةً إلى الكامِلِ، لا الكامِلُ يَكُونُ وسِيلَةً إلى النّاقِصِ، فَخَلَقَ التُّرابَ والماءَ أوَّلًا، وجَعَلَهُما أصْلَيْنِ لِمَن هو أكْمَلُ مِنهُما بَلْ لِلَّذِي هو أكْمَلُ مِن كُلِّ كائِنٍ وهو الإنْسانُ، فَإنْ كانَ كَوْنُهُما أصْلَيْنِ لَيْسَ أمْرًا ذاتِيًّا لَهُما بَلْ بِجَعْلِ جاعِلٍ، فَتارَةً جَعَلَ الأصْلَ التُّرابَ وتارَةً الماءَ لِيُعْلَمَ أنَّهُ بِإرادَتِهِ واخْتِيارِهِ، فَإنْ شاءَ جَعَلَ هَذا أصْلًا، وإنْ شاءَ جَعَلَ ذَلِكَ أصْلًا، وإنْ شاءَ جَعَلَهُما أصْلَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الحُكَماءُ: إنَّ الإنْسانَ مُرَكَّبٌ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ وهي التُّرابُ والماءُ والهَواءُ والنّارُ، وقالُوا: التُّرابُ فِيهِ لِثَباتِهِ، والماءُ لِاسْتِمْساكِهِ، فَإنَّ التُّرابَ يَتَفَتَّتُ بِسُرْعَةٍ، والهَواءُ لِاسْتِقْلالِهِ كالزِّقِّ المَنفُوخِ يَقُومُ بِالهَواءِ، ولَوْلاهُ لَما كانَ فِيهِ اسْتِقْلالٌ ولا انْتِصابٌ، والنّارُ لِلنُّضْجِ والِالتِئامِ بَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ، فَهَلْ هَذا صَحِيحٌ أمْ لا ؟ فَإنْ كانَ صَحِيحًا فَكَيْفَ اعْتَبَرَ الأمْرَيْنِ فَحَسْبُ ولَمْ يَقُلْ في مَوْضِعٍ آخَرَ إنَّهُ خَلَقَكم مِن نارٍ ولا مِن رِيحٍ ؟ فَنَقُولُ أمّا قَوْلُهم فَلا مَفْسَدَةَ فِيهِ مِن حَيْثُ الشَّرْعِ، فَلا نُنازِعُهم فِيهِ إلّا إذا قالُوا بِأنَّهُ بِالطَّبِيعَةِ كَذَلِكَ، وأمّا إنْ قالُوا بِأنَّ اللَّهَ بِحِكْمَتِهِ خَلَقَ الإنْسانَ مِن هَذِهِ الأشْياءِ فَلا نُنازِعُهم فِيهِ، وأمّا الآياتُ فَنَقُولُ ما ذَكَرْتُمْ لا يُخالِفُ هَذا؛ لِأنَّ الهَواءَ جَعَلْتُمُوهُ لِلِاسْتِقْلالِ والنّارَ لِلنُّضْجِ فَهُما يَكُونانِ بَعْدَ امْتِزاجِ الماءِ بِالتُّرابِ، فالأصْلُ المَوْجُودُ أُولاهُما لا غَيْرَ فَلِذَلِكَ خَصَّهُما، ولِأنَّ المَحْسُوسَ مِنَ العَناصِرِ في الغالِبِ هو التُّرابُ والماءُ ولا سِيَّما كَوْنُهُما في الإنْسانِ ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ فَخَصَّ الظّاهِرَ المَحْسُوسَ بِالذِّكْرِ.
30:21Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢١
And of His signs is that He created for you from yourselves mates that you may find tranquility in them; and He placed between you affection and mercy. Indeed in that are signs for a people who give thought.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ خَلْقَ الإنْسانِ بَيَّنَ أنَّهُ لَمّا خَلَقَ الإنْسانَ، ولَمْ يَكُنْ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَبْقى وتَدُومُ سِنِينَ مُتَطاوِلَةً أبْقى نَوْعَهُ بِالأشْخاصِ وجَعَلَهُ بِحَيْثُ يَتَوالَدُ، فَإذا ماتَ الأبُ يَقُومُ الِابْنُ مَقامَهُ لِئَلّا يُوجِبَ فَقْدُ الواحِدِ ثُلْمَةً في العِمارَةِ لا تَنْسَدُّ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النِّساءَ خُلِقْنَ كَخَلْقِ الدَّوابِّ والنَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٩] وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا تَكُونَ مَخْلُوقَةً لِلْعِبادَةِ والتَّكْلِيفِ، فَنَقُولُ: خَلْقُ النِّساءِ مِنَ النِّعَمِ عَلَيْنا وخَلْقُهُنَّ لَنا وتَكْلِيفُهُنَّ لِإتْمامِ النِّعْمَةِ عَلَيْنا لا لِتَوْجِيهِ التَّكْلِيفِ نَحْوَهُنَّ مِثْلُ تَوْجِيهِهِ إلَيْنا وذَلِكَ مِن حَيْثُ النَّقْلِ والحُكْمِ والمَعْنى، أمّا النَّقْلُ فَهَذا وغَيْرُهُ، وأمّا الحُكْمُ فَلِأنَّ المَرْأةَ لَمْ تُكَلَّفْ بِتَكالِيفٍ كَثِيرَةٍ كَما كُلِّفَ الرَّجُلُ بِها، وأمّا المَعْنى فَلِأنَّ المَرْأةَ ضَعِيفَةُ الخَلْقِ سَخِيفَةٌ فَشابَهَتِ الصَّبِيَّ، لَكِنَّ الصَّبِيَّ لَمْ يُكَلَّفْ فَكانَ يُناسِبُ أنْ لا تُؤَهَّلَ المَرْأةُ لِلتَّكْلِيفِ، لَكِنَّ النِّعْمَةَ عَلَيْنا ما كانَتْ تَتِمُّ إلّا بِتَكْلِيفِهِنَّ لِتَخافَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ العَذابَ فَتَنْقادُ لِلزَّوْجِ وتَمْتَنِعُ عَنِ المُحَرَّمِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَظَهَرَ الفَسادُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ بَعْضُهم قالَ: المُرادُ مِنهُ أنَّ حَوّاءَ خُلِقَتْ مِن جِسْمِ آدَمَ، والصَّحِيحُ أنَّ المُرادَ مِنهُ مِن جِنْسِكم كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لِتَسْكُنُوا إلَيْها﴾ يَعْنِي أنَّ الجِنْسَيْنِ الحَيَّيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ لا يَسْكُنُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ أيْ لا تَثْبُتُ نَفْسُهُ مَعَهُ ولا يَمِيلُ قَلْبُهُ إلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُقالُ سَكَنَ إلَيْهِ لِلسُّكُونِ القَلْبِيِّ، ويُقالُ سَكَنَ عِنْدَهُ لِلسُّكُونِ الجُسْمانِيِّ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ عِنْدَ جاءَتْ لِظَرْفِ المَكانِ، وذَلِكَ لِلْأجْسامِ وإلى لِلْغايَةِ وهي لِلْقُلُوبِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ فِيهِ أقْوالٌ، قالَ بَعْضُهم: مَوَدَّةٌ بِالمُجامَعَةِ ورَحْمَةٌ بِالوَلَدِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ [مريم: ٢] وقالَ بَعْضُهم: مَحَبَّةً حالَةَ حاجَةِ نَفْسِهِ، ورَحْمَةً حالَةَ حاجَةِ صاحِبِهِ إلَيْهِ، وهَذا لِأنَّ الإنْسانَ يُحِبُّ مَثَلًا ولَدَهُ، فَإذا رَأى عَدُوَّهُ في شِدَّةِ مِن جُوعٍ وألَمٍ قَدْ يَأْخُذُ مِن ولَدِهِ ويُصْلِحُ بِهِ حالَ ذَلِكَ، وما ذَلِكَ لِسَبَبِ المَحَبَّةِ، وإنَّما هو لِسَبَبِ الرَّحْمَةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ ذَكَرَ مِن قَبْلُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: كَوْنُ الزَّوْجُ مِن جِنْسِهِ.
والثّانِي: ما تُفْضِي إلَيْهِ الجِنْسِيَّةُ وهو السُّكُونُ إلَيْهِ، فالجِنْسِيَّةُ تُوجِبُ السُّكُونَ، وذَكَرَ هاهُنا أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: يُفْضِي إلى الآخَرِ، فالمَوَدَّةُ تَكُونُ أوَّلًا ثُمَّ إنَّها تُفْضِي إلى الرَّحْمَةِ، ولِهَذا فَإنَّ الزَّوْجَةَ قَدْ تَخْرُجُ عَنْ مَحَلِّ الشَّهْوَةِ بِكِبَرٍ أوْ مَرَضٍ ويَبْقى قِيامُ الزَّوْجِ بِها وبِالعَكْسِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ إنَّ في خَلْقِ الأزْواجِ لَآياتٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ في جَعْلِ المَوَدَّةِ بَيْنَهم آياتٌ.
أمّا الأوَّلُ: فَلا بُدَّ لَهُ مِن فِكْرٍ؛ لِأنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مِنَ الوالِدَيْنِ يَدُلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ ونُفُوذِ الإرادَةِ وشُمُولِ العِلْمِ لِمَن
صفحة ٩٨
يَتَفَكَّرُ ولَوْ في خُرُوجِ الوَلَدِ مِن بَطْنِ الأُمِّ، فَإنَّ دُونَ ذَلِكَ لَوْ كانَ مِن غَيْرِ اللَّهِ لَأفْضى إلى هَلاكِ الأُمِّ وهَلاكِ الوَلَدِ أيْضًا؛ لَأنَّ الوَلَدَ لَوْ سُلَّ مِن مَوْضِعٍ ضَيِّقٍ بِغَيْرِ إعانَةِ اللَّهِ لَماتَ.
وأمّا الثّانِي: فَكَذَلِكَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ يَجِدُ بَيْنَ القَرِينَيْنِ مِنَ التَّراحُمِ ما لا يَجِدُهُ بَيْنَ ذَوِي الأرْحامِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ فَإنَّها قَدْ تَنْتَفِي وتَبْقى الرَّحْمَةُ، فَهو مِنَ اللَّهِ ولَوْ كانَ بَيْنَهُما مُجَرَّدُ الشَّهْوَةِ، والغَضَبُ كَثِيرُ الوُقُوعِ وهو مُبْطِلٌ لِلشَّهْوَةِ، والشَّهْوَةُ غَيْرُ دائِمَةٍ في نَفْسِها لَكانَ كُلَّ ساعَةٍ بَيْنَهُما فِراقٌ وطَلاقٌ، فالرَّحْمَةُ الَّتِي بِها يَدْفَعُ الإنْسانُ المَكارِهَ عَنْ حَرِيمِ حَرَمِهِ هي مِن عِنْدِ اللَّهِ ولا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلّا بِفِكْرٍ.
30:22Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ ٢٢
And of His signs is the creation of the heavens and the earth and the diversity of your languages and your colors. Indeed in that are signs for those of knowledge.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾
لَمّا بَيَّنَ دَلائِلَ الأنْفُسِ ذَكَرَ دَلائِلَ الآفاقِ، وأظْهَرُها خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، فَإنَّ بَعْضَ الكُفّارِ يَقُولُ في خَلْقِ البَشَرِ وغَيْرِهِ مِنَ المُرَكَّباتِ إنَّهُ بِسَبَبِ ما في العَناصِرِ مِنَ الكَيْفِيّاتِ وما في السَّماواتِ مِنَ الحَرَكاتِ، وما فِيها مِن الِاتِّصالاتِ، فَإذا قِيلَ لَهُ: فالسَّماءُ والأرْضُ لَمْ تَكُنْ لِامْتِزاجِ العَناصِرِ واتِّصالاتِ الكَواكِبِ، فَلا يَجِدُ بُدًّا مِن أنْ يَقُولَ ذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ، ثُمَّ لَمّا أشارَ إلى دَلائِلِ الأنْفُسِ والآفاقِ ذَكَرَ ما هو مِن صِفاتِ الأنْفُسِ بِالِاخْتِلافِ الَّذِي بَيْنَ ألْوانِ الإنْسانِ فَإنَّ واحِدًا مِنهم مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، وصِغَرِ حَجْمِ خُدُودِهِمْ وقُدُودِهِمْ لا يَشْتَبِهُ بِغَيْرِهِ، والسَّماواتُ مَعَ كِبَرِها وقِلَّةِ عَدَدِها مُشْتَبِهاتٌ في الصُّورَةِ.
والثّانِي: اخْتِلافُ كَلامِهِمْ فَإنَّ عَرَبِيَّيْنِ هُما أخَوانِ إذا تَكَلَّما بِلُغَةٍ واحِدَةٍ يُعْرَفُ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ حَتّى أنَّ مَن يَكُونُ مَحْجُوبًا عَنْهُما لا يُبْصِرُهُما يَقُولُ هَذا صَوْتُ فُلانٍ وهَذا صَوْتُ فُلانٍ الآخَرِ، وفِيهِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ يَحْتاجُ إلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الأشْخاصِ لِيَعْرِفَ صاحِبَ الحَقِّ مِن غَيْرِهِ والعَدُوَّ مِنَ الصَّدِيقِ؛ لِيَحْتَرِزَ قَبْلَ وُصُولِ العَدُوِّ إلَيْهِ، ولِيُقْبِلَ عَلى الصَّدِيقِ قَبْلَ أنْ يَفُوتَهُ الإقْبالُ عَلَيْهِ، وذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِالبَصَرِ فَخَلَقَ اخْتِلافَ الصُّوَرِ، وقَدْ يَكُونُ بِالسَّمْعِ فَخَلَقَ اخْتِلافَ الأصْواتِ، وأمّا اللَّمْسُ والشَّمُّ والذَّوْقُ فَلا يُفِيدُ فائِدَةً في مَعْرِفَةِ العَدُوِّ والصَّدِيقِ فَلا يَقَعُ بِها التَّمْيِيزُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ اخْتِلافُ اللُّغَةِ كالعَرَبِيَّةِ والفارِسِيَّةِ والرُّومِيَّةِ وغَيْرِها، والأوَّلُ أصَحُّ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ لَمّا كانَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ لَمْ يَحْتَمِلِ الِاحْتِمالاتِ البَعِيدَةَ الَّتِي يَقُولُها أصْحابُ الطَّبائِعِ واخْتِلافُ الألْوانِ كَذَلِكَ واخْتِلافُ الأصْواتِ كَذَلِكَ قالَ: ﴿لِلْعالِمِينَ﴾ لِعُمُومِ العِلْمِ بِذَلِكَ.
30:23Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبۡتِغَآؤُكُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٢٣
And of His signs is your sleep by night and day and your seeking of His bounty. Indeed in that are signs for a people who listen.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾
صفحة ٩٩
لَمّا ذَكَرَ بَعْضَ العَرَضِيّاتِ اللّازِمَةِ وهو اخْتِلافُ ذِكْرِ الأعْراضِ المُفارِقَةِ ومِن جُمْلَتِها النَّوْمُ بِاللَّيْلِ، والحَرَكَةُ طَلَبًا لِلرِّزْقِ بِالنَّهارِ، فَذَكَرَ مِنَ اللَّوازِمِ أمْرَيْنِ، ومِنَ المُفارَقَةِ أمْرَيْنِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ قِيلَ أرادَ بِهِ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ والنَّوْمَ بِالنَّهارِ وهي القَيْلُولَةُ: ثُمَّ قالَ: ﴿وابْتِغاؤُكُمْ﴾ أيْ فِيهِما فَإنَّ كَثِيرًا ما يَكْتَسِبُ الإنْسانُ بِاللَّيْلِ، وقِيلَ أرادَ: مَنامُكم بِاللَّيْلِ وابْتِغاؤُكم بِالنَّهارِ، فَلَفَّ البَعْضَ بِالبَعْضِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ. مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا﴾ [الإسراء: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ ﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ [ النَّبَأِ: ١٠ - ١١] ويَكُونُ التَّقْدِيرُ هَكَذا: ومِن آياتِهِ مَنامُكم وابْتِغاؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِن فَضْلِهِ، فَأخَّرَ الِابْتِغاءَ وقَرَنَهُ في اللَّفْظِ بِالفِعْلِ إشارَةً إلى أنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ لا يَرى الرِّزْقَ مِن كَسْبِهِ وبِحِذْقِهِ، بَلْ يَرى كُلَّ ذَلِكَ مِن فَضْلِ رَبِّهِ، ولِهَذا قَرَنَ الِابْتِغاءَ بِالفَضْلِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] وقَوْلُهُ: ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [النحل: ١٤] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وقالَ: ﴿لِلْعالِمِينَ﴾ فَنَقُولُ: المَنامُ بِاللَّيْلِ والِابْتِغاءُ مِن فَضْلِهِ يَظُنُّ الجاهِلُ أوِ الغافِلُ أنَّهُما مِمّا يَقْتَضِيهِ طَبْعُ الحَيَوانِ، فَلا يَظْهَرُ لِكُلِّ أحَدٍ كَوْنُهُما مِن نِعَمِ اللَّهِ، فَلَمْ يَقُلْ: آياتٌ لِلْعالَمِينَ، ولِأنَّ الأمْرَيْنِ الأوَّلَيْنِ وهو اخْتِلافُ الألْسِنَةِ والألْوانِ مِنَ اللَّوازِمِ، والمَنامُ والِابْتِغاءُ مِنَ الأُمُورِ المُفارِقَةِ، فالنَّظَرُ إلَيْهِما لا يَدُومُ لِزَوالِهِما في بَعْضِ الأوْقاتِ ولا كَذَلِكَ اخْتِلافُ الألْسِنَةِ والألْوانِ؛ فَإنَّهُما يَدُومانِ بِدَوامِ الإنْسانِ، فَجَعَلَهُما آياتٍ عامَّةً، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ مِنَ الأشْياءِ ما يَعْلَمُ مِن غَيْرِ تَفَكُّرٍ، ومِنها ما يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ الفِكْرَةِ، ومِنها ما لا يَخْرُجُ بِالفِكْرِ بَلْ يَحْتاجُ إلى مَوْقِفٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ ومُرْشِدٍ يُرْشِدُ إلَيْهِ، فَيُفْهِمُهُ إذا سَمِعَهُ مِن ذَلِكَ المُرْشِدِ، ومِنها ما يَحْتاجُ إلى بَعْضِ النّاسِ في تَفَهُّمِهِ إلى أمْثِلَةٍ حِسِّيَّةٍ كالأشْكالِ الهَنْدَسِيَّةِ، لَكِنَّ خَلْقَ الأزْواجِ لا يَقَعُ لِأحَدٍ أنَّهُ بِالطَّبْعِ، إلّا إذا كانَ جامِدَ الفِكْرِ، خامِدَ الذِّكْرِ، فَإذا تَفَكَّرَ عَلِمَ كَوْنَ ذَلِكَ الخَلْقِ آيَةً، وأمّا المَنامُ والِابْتِغاءُ فَقَدْ يَقَعُ لِكَثِيرٍ أنَّهُما مِن أفْعالِ العِبادِ، وقَدْ يَحْتاجُ إلى مُرْشِدٍ بِغَيْرِ فِكْرَةٍ، فَقالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ ويَجْعَلُونَ بالَهم إلى كَلامِ المُرْشِدِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences