Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ar-Rum 30:33–42
30:33Page 408
وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرّٞ دَعَوۡاْ رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنۡهُ رَحۡمَةً إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٣٣
And when adversity touches the people, they call upon their Lord, turning in repentance to Him. Then when He lets them taste mercy from Him, at once a party of them associate others with their Lord,
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾
لَمّا بَيَّنَ التَّوْحِيدَ بِالدَّلِيلِ وبِالمَثَلِ، بَيَّنَ أنَّ لَهم حالَةً يُعْرَفُونَ بِها، وإنْ كانُوا يُنْكِرُونَها في وقْتٍ، وهي حالَةُ الشِّدَّةِ، فَإنَّ عِنْدَ انْقِطاعِ رَجائِهِ عَنِ الكُلِّ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ، ويَجِدُ نَفْسَهُ مُحْتاجَةً إلى شَيْءٍ لَيْسَ كَهَذِهِ الأشْياءِ طالِبَةً بِهِ النَّجاةَ: ﴿ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ يَعْنِي إذا خَلَّصْناهُ يُشْرِكُ بِرَبِّهِ، ويَقُولُ تَخَلَّصْتُ بِسَبَبِ اتِّصالِ الكَوْكَبِ الفُلانِيِّ بِفُلانٍ، وبِسَبَبِ الصَّنَمِ الفُلانِيِّ، لا، بَلْ يَنْبَغِي أنْ لا يَعْتَقِدَ أنَّهُ تَخَلَّصَ بِسَبَبِ فُلانٍ إذا كانَ ظاهِرًا فَإنَّهُ شِرْكٌ خَفِيٌّ، مِثالُهُ رَجُلٌ في بَحْرٍ أدْرَكَهُ الغَرَقُ فَيُهَيِّئُ اللَّهُ لَهُ لَوْحًا يَسُوقُهُ إلَيْهِ رِيحٌ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ ويَنْجُو، فَيَقُولُ تَخَلَّصْتُ بِلَوْحٍ، أوْ رَجُلٍ أقْبَلَ عَلَيْهِ سَبْعٌ فَيُرْسِلُ اللَّهُ إلَيْهِ رَجُلًا فَيُعِينُهُ فَيَقُولُ خَلَّصَنِي زَيْدٌ، فَهَذا إذا كانَ عَنِ اعْتِقادٍ فَهو شِرْكٌ خَفِيٌّ، وإنْ كانَ بِمَعْنى أنَّ اللَّهَ خَلَّصَنِي عَلى يَدِ زَيْدٍ فَهو أخْفى، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أذاقَهُمْ﴾ فِيهِ لَطِيفَةٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الذَّوْقَ يُقالُ في القَلِيلِ، فَإنَّ العُرْفَ [ أنَّ ] مَن أكَلَ مَأْكُولًا كَثِيرًا لا يَقُولُ ذُقْتُ، ويُقالُ في النَّفْيِ ما ذُقْتُ في بَيْتِهِ طَعامًا نَفْيًا لِلْقَلِيلِ لِيَلْزَمَ نَفْيُ الكَثِيرِ بِالأوْلى، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ لَمّا كانَتْ خالِيَةً مُنْقَطِعَةً ولَمْ تَكُنْ مُسْتَمِرَّةً في الآخِرَةِ إذْ لَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ قالَ أذاقَهم
صفحة ١٠٧
ولِهَذا قالَ في العَذابِ: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨] ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٥] ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]؛ لِأنَّ عَذابَ اللَّهِ الواصِلَ إلى العَبْدِ بِالنِّسْبَةِ إلى الرَّحْمَةِ الواصِلَةِ إلى عَبِيدٍ آخَرِينَ في غايَةِ القِلَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنهُ﴾ أيْ مِنَ الضُّرِّ في هَذا التَّخْصِيصِ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الفائِدَةِ وهي أنَّ الرَّحْمَةَ غَيْرُ مُطْلَقَةٍ لَهم إنَّما هي عَنْ ذَلِكَ الضُّرِّ وحْدَهُ، وأمّا الضُّرُّ المُؤَخَّرُ فَلا يَذُوقُونَ مِنهُ رَحْمَةً.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هاهُنا ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ وقالَ في العَنْكَبُوتِ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] ولَمْ يَقُلْ: فَرِيقٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَذْكُورَ هُناكَ ضُرٌّ مُعَيَّنٌ، وهو ما يَكُونُ مِن هَوْلِ البَحْرِ، والمُتَخَلِّصُ مِنهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الخَلْقِ قَلِيلٌ، والَّذِي لا يُشْرِكُ بِهِ بَعْدَ الخَلاصِ فِرْقَةٌ مِنهم في غايَةِ القِلَّةِ فَلَمْ يَجْعَلِ المُشْرِكِينَ فَرِيقًا لِقِلَّةِ مَن خَرَجَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وأمّا المَذْكُورُ هاهُنا الضُّرُّ مُطْلَقًا فَيَتَناوَلُ ضُرَّ البَرِّ والبَحْرِ والأمْراضِ والأهْوالِ، والمُتَخَلِّصُ مِن أنْواعِ الضُّرِّ خَلْقٌ كَثِيرٌ، بَلْ جَمِيعُ النّاسِ يَكُونُونَ قَدْ وقَعُوا في ضُرٍّ ما وتَخَلَّصُوا مِنهُ، والَّذِي لا يَبْقى بَعْدَ الخَلاصِ مُشْرِكًا مِن جَمِيعِ الأنْواعِ إذا جُمِعَ فَهو خَلْقٌ عَظِيمٌ، وهو جَمِيعُ المُسْلِمِينَ فَإنَّهم تَخَلَّصُوا مِن ضُرٍّ ولَمْ يَبْقَوْا مُشْرِكِينَ، وأمّا المُسْلِمُونَ فَلَمْ يَتَخَلَّصُوا مِن ضُرِّ البَحْرِ بِأجْمَعِهِمْ، فَلَمّا كانَ النّاجِي مِنَ الضُّرِّ مِنَ المُؤْمِنِينَ جَمْعًا كَثِيرًا، جَعَلَ الباقِيَ فَرِيقًا.
30:34–35Page 408
لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣٤
So that they will deny what We have granted them.1 Then enjoy yourselves, for you are going to know.
أَمۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِۦ يُشۡرِكُونَ ٣٥
Or have We sent down to them an authority [i.e., a proof or scripture], and it speaks of what they have been associating with Him?
ثُمَّ قالَ [ تَعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾
قَوْلُهُ ] تَعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في العَنْكَبُوتِ، بَقِيَ بَيانُ فائِدَةِ الخِطابِ هاهُنا في قَوْلِهِ: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ وعَدَمُهُ هُناكَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ فَنَقُولُ لَمّا كانَ الضُّرُّ المَذْكُورُ هُناكَ ضُرًّا واحِدًا جازَ أنْ لا يَكُونَ في ذَلِكَ المَوْضِعِ مِنَ المُخَلَّصِينَ مِن ذَلِكَ الضُّرِّ أحَدٌ، فَلَمْ يُخاطَبْ، ولَمّا كانَ المَذْكُورُ هاهُنا مُطْلَقَ الضُّرِّ ولا يَخْلُو مَوْضِعٌ مِنَ المُخَلَّصِينَ عَنِ الضُّرِّ، فالحاضِرُ يَصِحُّ خِطابُهُ بِأنَّهُ مِنهم فَخاطَبَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ لَمّا سَبَقَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أهْواءَهُمْ﴾ [الروم: ٢٩] أيِ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ ما لا عِلْمَ لَهم بِهِ، بَلْ هم عالِمُونَ بِخِلافِهِ فَإنَّهم وقْتَ الضُّرِّ يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ، حَقَّقَ ذَلِكَ بِالِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ، أيْ ما أنْزَلْنا بِما يَقُولُونَ سُلْطانًا، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أمْ لِلِاسْتِفْهامِ ولا يَقَعُ إلّا مُتَوَسِّطًا، كَما قالَ قائِلُهم:
أيا ظَبْيَةَ الوَعْساءِ بَيْنَ جُلاجِلٍ وبَيْنَ النَّقا آأنْتِ أمْ أُمُّ سالِمٍ
صفحة ١٠٨
فَما الِاسْتِفْهامُ الَّذِي قَبْلَهُ ؟ فَنَقُولُ: تَقْدِيرُهُ إذا ظَهَرَتْ هَذِهِ الحُجَجُ عَلى عِنادِهِمْ فَماذا نَقُولُ، أهم يَتَّبِعُونَ الأهْواءَ مِن غَيْرِ عِلْمٍ ؟ أمْ لَهم دَلِيلٌ عَلى ما يَقُولُونَ ؟ ولَيْسَ الثّانِي فَيَتَعَيَّنُ الأوَّلُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ مَجازٌ كَما يُقالُ إنَّ كِتابَهُ لَيَنْطِقُ بِكَذا، وفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ وهو أنَّ المُتَكَلِّمَ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ كَأنَّهُ لا كَلامَ لَهُ؛ لِأنَّ الكَلامَ هو المَسْمُوعُ، وما لا يُقْبَلُ فَكَأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ، فَكَأنَّ المُتَكَلِّمَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ، وما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ لا يُقْبَلُ، فَإذا جازَ سَلْبُ الكَلامِ عَنِ المُتَكَلِّمِ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ وحَسُنَ جازَ إثْباتُ التَّكَلُّمِ لِلدَّلِيلِ وحَسُنَ.
30:36–37Page 408
وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ فَرِحُواْ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ إِذَا هُمۡ يَقۡنَطُونَ ٣٦
And when We let the people taste mercy, they rejoice therein, but if evil afflicts them for what their hands have put forth, immediately they despair.
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٣٧
Do they not see that Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]? Indeed in that are signs for a people who believe.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها﴾ لَمّا بَيَّنَ حالَ المُشْرِكِ الظّاهِرِ شِرْكُهُ بَيَّنَ حالَ المُشْرِكِ الَّذِي دُونَهُ وهو مَن تَكُونُ عِبادَتُهُ اللَّهَ لِلدُّنْيا، فَإذا آتاهُ رَضِيَ وإذا مَنَعَهُ سَخِطَ وقَنِطَ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ العَبْدُ كَذَلِكَ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ في الشِّدَّةِ والرَّخاءِ، فَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ في الشِّدَّةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الروم: ٣٣] ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُهُ إذا آتاهُ نِعْمَةً كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها﴾ والأوَّلُ كالَّذِي يَخْدِمُ مُكْرَهًا مَخافَةَ العَذابِ، والثّانِي كالَّذِي يَخْدِمُ أجِيرًا لِتَوَقُّعِ الأجْرِ، وكِلاهُما لا يَكُونُ مِنَ المُثْبَتِينَ في دِيوانِ المُرَتَّبِينَ في الجَرائِدِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ رِزْقَهم سَواءٌ كانَ هُناكَ شُغْلٌ أوْ لَمْ يَكُنْ، فَكَذَلِكَ القِسْمانِ لا يَكُونانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَهم رِزْقٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وفِيهِ مَسْألَةٌ: وهي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَرِحُوا بِها﴾ إشارَةٌ إلى دُنُوِّ هِمَّتِهِمْ وقُصُورِ نَظَرِهِمْ، فَإنَّ فَرَحَهم يَكُونُ بِما وصَلَ إلَيْهِمْ لا بِما وصَلَ مِنهُ إلَيْهِمْ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: الفَرَحُ بِالرَّحْمَةِ مَأْمُورٌ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] وهاهُنا ذَمَّهم عَلى الفَرَحِ بِالرَّحْمَةِ، فَكَيْفَ ذَلِكَ ؟ فَنَقُولُ هُناكَ قالَ: فَرِحُوا بِرَحْمَةِ اللَّهِ مِن حَيْثُ إنَّها مُضافَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى، وهاهُنا فَرِحُوا بِنَفْسِ الرَّحْمَةِ حَتّى لَوْ كانَ المَطَرُ مِن غَيْرِ اللَّهِ لَكانَ فَرَحُهم بِهِ مِثْلَ فَرَحِهِمْ بِما إذا كانَ مِنَ اللَّهِ، وهو كَما أنَّ المَلِكَ لَوْ حَطَّ عِنْدَ أمِيرٍ رَغِيفًا عَلى السِّماطِ أوْ أمَرَ الغِلْمانَ بِأنْ يَحُطُّوا عِنْدَهُ زُبْدِيَّةَ طَعامٍ يَفْرَحُ ذَلِكَ الأمِيرُ بِهِ، ولَوْ أعْطى المَلِكُ فَقِيرًا غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلَيْهِ رَغِيفًا أوْ زُبْدِيَّةَ طَعامٍ أيْضًا يَفْرَحُ، لَكِنَّ فَرَحَ الأمِيرِ بِكَوْنِ ذَلِكَ مِنَ المَلِكِ، وفَرَحُ الفَقِيرِ بِكَوْنِ ذَلِكَ رَغِيفًا وزُبْدِيَّةً.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ لَمْ يَذْكُرْ عِنْدَ النِّعْمَةِ سَبَبًا لَها لِتَفَضُّلِهِ بِها، وذَكَرَ عِنْدَ العَذابِ سَبَبًا؛ لِأنَّ الأوَّلَ يَزِيدُ في الإحْسانِ والثّانِي يُحَقِّقُ العَدْلَ. قَوْلُهُ ﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ إذا لِلْمُفاجَأةِ، أيْ لا يَصْبِرُونَ عَلى ذَلِكَ قَلِيلًا لَعَلَّ اللَّهَ يُفَرِّجُ عَنْهم وإنَّهُ يُذَكِّرُهم بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ، فالمُحَقِّقُ يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ نَظَرُهُ عَلى ما يُوجَدُ بَلْ إلى مَن يُوجِدُ وهو اللَّهُ، فَلا يَكُونُ
صفحة ١٠٩
لَهُ تَبَدُّلُ حالٍ، وإنَّما يَكُونُ عِنْدَهُ الفَرَحُ الدّائِمُ، ولَكِنَّ ذَلِكَ مَرْتَبَةُ المُؤْمِنِ المُوَحِّدِ المُحَقِّقِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
30:38Page 408
فَـَٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٣٨
So give the relative his right, as well as the needy and the traveler. That is best for those who desire the face [i.e., approval] of Allāh, and it is they who will be the successful.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾
وجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ العِبادَةَ لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ مَقْصُورَةً عَلى حالَةِ الشِّدَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الروم: ٣٣] ولا أنْ تَكُونَ مَقْصُورَةً عَلى حالَةِ أخْذِ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا كَما هو عادَةُ المُدَوْكَرِ المُتَسَلِّسِ يَعْبُدُ اللَّهَ إذا كانَ في الخَوانِقِ والرِّباطات لِلرَّغِيفِ والزُّبْدِيَّةِ، وإذا خَلا بِنَفْسِهِ لا يَذْكُرُ اللَّهَ، بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها﴾ وبَيَّنَ أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في حالَةِ بَسْطِ الرِّزْقِ وقَدْرِهِ عَلَيْهِ، نَظَرُهُ عَلى اللَّهِ الخالِقِ الرّازِقِ لِيَحْصُلَ الإرْشادُ إلى تَعْظِيمِ اللَّهِ. والإيمانُ قِسْمانِ: تَعْظِيمٌ لِأمْرِ اللَّهِ، وشَفَقَةٌ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَقالَ بَعْدَ ذَلِكَ فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ ويَقْدِرُ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَتَوَقَّفَ الإنْسانُ في الإحْسانِ، فَإنَّ اللَّهَ إذا بَسَطَ الرِّزْقَ لا يَنْقُصُ بِالإنْفاقِ، وإذا قَدَرَ لا يَزْدادُ بِالإمْساكِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَخْصِيصِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهِمْ، مَعَ أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ الأصْنافَ الثَّمانِيَةَ في الصَّدَقاتِ فَنَقُولُ: أرادَ هاهُنا بَيانَ مَن يَجِبِ الإحْسانُ إلَيْهِ عَلى كُلِّ مَن لَهُ مالٌ سَواءٌ كانَ زَكَوِيًّا أوْ لَمْ يَكُنْ، وسَواءٌ كانَ بَعْدَ الحَوْلِ أوْ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هاهُنا الشَّفَقَةُ العامَّةُ، وهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ يَجِبُ الإحْسانُ إلَيْهِمْ وإنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحْسِنِ مالٌ زائِدٌ، أمّا القَرِيبُ فَتَجِبُ نَفَقَتُهُ وإنْ كانَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ زَكاةٌ كَعَقارٍ أوْ مالٍ لَمْ يَحُلْ عَلَيْهِ الحَوْلُ.
والمِسْكِينُ كَذَلِكَ فَإنَّهُ مَن لا شَيْءَ لَهُ إذا بَقِيَ في ورْطَةِ الحاجَةِ حَتّى بَلَغَ الشِّدَّةَ يَجِبُ عَلى مَن لَهُ مَقْدِرَةٌ دَفْعُ حاجَتِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ زَكاةٌ، وكَذَلِكَ مَنِ انْقَطَعَ في مَفازَةٍ ومَعَ آخِرِ دابَّةٍ يُمْكِنُهُ بِها إيصالُهُ إلى مَأْمَنٍ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وإنْ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ زَكاةٌ، والفَقِيرُ داخِلٌ في المِسْكِينِ؛ لِأنَّ مَن أوْصى لِلْمَساكِينِ شَيْئًا يُصْرَفُ إلى الفُقَراءِ أيْضًا، وإذا نَظَرْتَ إلى الباقِينَ مِنَ الأصْنافِ رَأيْتَهم لا يَجِبُ صَرْفُ المالِ إلَيْهِمْ إلّا عَلى الَّذِينَ وجَبَتِ الزَّكاةُ عَلَيْهِمْ، واعْتُبِرَ ذَلِكَ في العامِلِ والمُكاتِبِ والمُؤَلَّفَةِ والمَدْيُونِ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ عَلى مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ حَيْثُ قالَ: المِسْكِينُ مَن لَهُ شَيْءٌ ما، فَنَقُولُ: وإنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكِنْ لا نِزاعَ في أنَّ إطْلاقَ المِسْكِينِ عَلى مَن لا شَيْءَ لَهُ جائِزٌ فَيَكُونُ الإطْلاقُ هاهُنا بِذَلِكَ الوَجْهِ، والفَقِيرُ يَدْخُلُ في ذَلِكَ بِالطَّرِيقِ الأوْلى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَقَدُّمِ البَعْضِ عَلى البَعْضِ: فَنَقُولُ لَمّا كانَ دَفْعُ حاجَةِ القَرِيبِ واجِبًا سَواءٌ كانَ في
صفحة ١١٠
شِدَّةٍ ومَخْمَصَةٍ، أوْ لَمْ يَكُنْ كانَ مُقَدَّمًا عَلى مَن لا يَجِبُ دَفْعُ حاجَتِهِ مِن غَيْرِ مالِ الزَّكاةِ إلّا إذا كانَ في شِدَّةٍ، ولَمّا كانَ المِسْكِينُ حاجَتُهُ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِمَوْضِعٍ كانَ مُقَدَّمًا عَلى مَن حاجَتُهُ مُخْتَصَّةٌ بِمَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ الأقارِبَ في جَمِيعِ المَواضِعِ كَذا اللَّفْظُ وهو ذَوُو القُرْبى، ولَمْ يَذْكُرِ المِسْكِينَ بِلَفْظِ ذِي المَسْكَنَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَرابَةَ لا تَتَجَدَّدُ فَهي شَيْءٌ ثابِتٌ، وذُو كَذا لا يُقالُ إلّا في الثّابِتِ، فَإنَّ مَن صَدَرَ مِنهُ رَأْيٌ صائِبٌ مَرَّةً أوْ حَصَلَ لَهُ جاهٌ يَوْمًا واحِدًا أوْ وُجِدَ مِنهُ فَضْلٌ في وقْتٍ يُقالُ ذُو رَأْيٍ وذُو جاهٍ وذُو فَضْلٍ، وإذا دامَ ذَلِكَ لَهُ أوْ وُجِدَ مِنهُ ذَلِكَ كَثِيرًا يُقالُ لَهُ ذُو الرَّأْيِ وذُو الفَضْلِ، فَقالَ ﴿ذا القُرْبى﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ هَذا حَقٌّ مُتَأكِّدٌ ثابِتٌ، وأمّا المَسْكَنَةُ فَتَطْرَأُ وتَزُولُ؛ ولِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] فَإنَّ المِسْكِينَ يَدُومُ لَهُ كَوْنُهُ ذا مَتْرَبَةٍ ما دامَتْ مَسْكَنَتُهُ، أوْ يَكُونُ كَذَلِكَ في أكْثَرِ الأمْرِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ: ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ ثُمَّ عَطَفَ المِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولَمْ يَقُلْ فَآتِ ذا القُرْبى والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ حَقَّهم؛ لِأنَّ العِبارَةَ الثّانِيَةَ لِكَوْنِ صُدُورِ الكَلامِ أوَّلًا لِلتَّشْرِيكِ والأوْلى لِكَوْنِ التَّشْرِيكُ وارِدًا عَلى الكَلامِ، كَأنَّهُ يَقُولُ أعْطِ ذا القُرْبى حَقَّهُ ثُمَّ يَذْكُرُ المِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ بِالتَّبَعِيَّةِ؛ ولِهَذا المَعْنى إذا قالَ المَلِكُ خَلِّ فُلانًا يَدْخُلْ، وفُلانًا أيْضًا، يَكُونُ في التَّعْظِيمِ فَوْقَ ما إذا قالَ خَلِّ فُلانًا وفُلانًا يَدْخُلا، وإلى هَذا أشارَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِقَوْلِهِ: ”«بِئْسَ خَطِيبُ القَوْمِ أنْتَ» “ حَيْثُ قالَ الرَّجُلُ مَن أطاعَ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدِ اهْتَدى، ومَن عَصاهُما فَقَدْ غَوى، ولَمْ يَقُلْ ومَن عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ ذَلِكَ خَيْرٌ مِن غَيْرِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ ذَلِكَ خَيْرٌ في نَفْسِهِ، وإنْ لَمْ يُقَسْ إلى غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] والثّانِي أوْلى لِعَدَمِ احْتِياجِهِ إلى إضْمارٍ، ولِكَوْنِهِ أكْثَرَ فائِدَةً؛ لِأنَّ الخَيْرَ مِنَ الغَيْرِ قَدْ يَكُونُ نازِلَ الدَّرَجَةِ، عِنْدَ نُزُولِ دَرَجَةٍ ما يُقاسُ إلَيْهِ، كَما يُقالُ: السُّكُوتُ خَيْرٌ مِنَ الكَذِبِ، وما هو خَيْرٌ في نَفْسِهِ فَهو حَسَنٌ يَنْفَعُ وفِعْلٌ صالِحٌ يَرْفَعُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الِاعْتِبارَ بِالقَصْدِ لا بِنَفْسِ الفِعْلِ، فَإنَّ مَن أنْفَقَ جَمِيعَ أمْوالِهِ رِياءَ النّاسِ لا يَنالُ دَرَجَةَ مَن يَتَصَدَّقُ بِرَغِيفٍ لِلَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وجْهَ اللَّهِ﴾ أيْ يَكُونُ عَطاؤُهُ لِلَّهِ لا غَيْرَ، فَمَن أعْطى لِلْجَنَّةِ لَمْ يُرِدْ بِهِ وجْهَ اللَّهِ، وإنَّما أرادَ مَخْلُوقَ اللَّهِ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: كَيْفَ قالَ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ مَعَ أنَّ لِلْإفْلاحِ شَرائِطَ أُخَرَ، وهي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] فَنَقُولُ: كُلُّ وصْفٍ مَذْكُورٍ هُناكَ يُفِيدُ الإفْلاحَ، فَقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ عَطْفٌ عَلى المُفْلِحِ، أيْ هَذا مُفْلِحٌ، وذاكَ مُفْلِحٌ، وذاكَ الآخَرُ مُفْلِحٌ، لا يُقالُ لا يَحْصُلُ الإفْلاحُ لِمَن يَتَصَدَّقُ ولا يُصَلِّي، فَنَقُولُ: هَذا كَقَوْلِ القائِلِ: العالِمُ مُكَرَّمٌ، أيْ نَظَرًا إلى عِلْمِهِ، ثُمَّ إذا حُدَّ في الزِّنا عَلى سَبِيلِ النَّكالِ، وقُطِعَتْ يَدُهُ في السَّرِقَةِ لا يَبْطُلُ ذَلِكَ القَوْلُ حَتّى يَقُولَ القائِلُ: إنَّما ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أتى بِالفِسْقِ، فَكَذَلِكَ إيتاءُ المالِ لِوَجْهِ اللَّهِ يُفِيدُ الإفْلاحَ، اللَّهُمَّ إلّا إذا وُجِدَ مانِعٌ مِنَ ارْتِكابٍ مَحْظُورٍ أوْ تَرْكِ واجِبٍ.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: لِمَ لَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ مِنَ الأفْعالِ كالصَّلاةِ وغَيْرِها ؟ فَنَقُولُ: الصَّلاةُ مَذْكُورَةٌ مِن قَبْلُ؛ لِأنَّ الخِطابَ هاهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿فَآتِ﴾ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وغَيْرُهُ تَبَعٌ، وقَدْ قالَ لَهُ مِن قَبْلُ ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ وقالَ:
صفحة ١١١
﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ واتَّقُوهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ .
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ يُفْهَمُ مِنهُ الحَصْرُ، وقَدْ قالَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ إشارَةٌ إلى مَن أقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ، وآمَنَ بِما أُنْزِلَ عَلى رَسُولِهِ، وبِما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ وبِالآخِرَةِ، فَلَوْ كانَ المُفْلِحُ مُنْحَصِرًا في أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ في سُورَةِ البَقَرَةِ فَهَذا خارِجٌ عَنْهم، فَكَيْفَ يَكُونُ مُفْلِحًا ؟ فَنَقُولُ: هَذا هو ذاكَ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ مُتَّصِلٌ بِهَذا الكَلامِ فَإذا أتى بِالصَّلاةِ وآتى المالَ وأرادَ وجْهَ اللَّهِ، فَقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ مُؤْمِنٌ مُقِيمٌ لِلصَّلاةِ مُؤْتٍ لِلزَّكاةِ مُعْتَرِفٌ بِالآخِرَةِ فَصارَ مِثْلَ المَذْكُورِ في البَقَرَةِ.
30:39Page 408
وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن رِّبٗا لِّيَرۡبُوَاْ فِيٓ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرۡبُواْ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن زَكَوٰةٖ تُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُضۡعِفُونَ ٣٩
And whatever you give for interest [i.e., advantage] to increase within the wealth of people1 will not increase with Allāh. But what you give in zakāh,2 desiring the face [i.e., approval] of Allāh - those are the multipliers.3
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾
ذَكَرَ هَذا تَحْرِيضًا، يَعْنِي أنَّكم إذا طُلِبَ مِنكم واحِدٌ بِاثْنَيْنِ تَرْغَبُونَ فِيهِ وتُؤْتُونَهُ، وذَلِكَ لا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ، والزَّكاةُ تَنْمُو عِنْدَ اللَّهِ كَما أخْبَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ في يَدِ الرَّحْمَنِ فَتَرْبُو حَتّى تَصِيرَ مِثْلَ الجَبَلِ» “ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إقْدامُكم عَلى الزَّكاةِ أكْثَرَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ أيْ أُولَئِكَ ذَوُو الأضْعافِ كالمُوسِرِ لِذِي اليَسارِ، وأقَلُّ مِن ذَلِكَ عَشَرَةُ أضْعافٍ، كُلٌّ مَثَلٌ لِما آتى في كَوْنِهِ حَسَنَةً لا في المِقْدارِ، فَلا يُفْهَمُ أنَّ مَن أعْطى رَغِيفًا يُعْطِيهِ اللَّهُ عَشَرَةَ أرْغِفَةٍ، بَلْ مَعْناهُ أنَّ ما يَقْتَضِيهِ فِعْلُهُ مِنَ الثَّوابِ عَلى وجْهِ الرَّحْمَةِ يُضاعِفُهُ اللَّهُ عَشَرَةَ مَرّاتٍ عَلى وجْهِ التَّفَضُّلِ، فَبِالرَّغِيفِ الواحِدِ يَكُونُ لَهُ قَصْرٌ في الجَنَّةِ فِيهِ مِن كُلِّ شَيْءٍ ثَوابًا نَظَرًا إلى الرَّحْمَةِ، وعَشْرُ قُصُورٍ مِثْلِهِ نَظَرًا إلى الفَضْلِ. مِثالُهُ في الشّاهِدِ: مَلِكٌ عَظِيمٌ قَبِلَ مِن عَبْدِهِ هَدِيَّةً قِيمَتُها دِرْهَمٌ، لَوْ عَوَّضَهُ بِعَشَرَةِ دَراهِمَ لا يَكُونُ كَرَمًا، بَلْ إذا جَرَتْ عادَتُهُ بِأنَّهُ يُعْطِي عَلى مِثْلِ ذَلِكَ ألْفًا، فَإذا أعْطى لَهُ عَشَرَةَ آلافٍ فَقَدْ ضاعَفَ لَهُ الثَّوابَ.
30:40Page 408
ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ ثُمَّ رَزَقَكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۖ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَفۡعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَيۡءٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٤٠
Allāh is the one who created you, then provided for you, then will cause you to die, and then will give you life. Are there any of your "partners" who does anything of that? Exalted is He and high above what they associate with Him.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أيْ أوْجَدَكم ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ أيْ أبْقاكم، فَإنَّ العَرَضَ مَخْلُوقٌ ولَيْسَ بِمُبَقًى: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ جَمَعَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ إثْباتِ
صفحة ١١٢
الأصْلَيْنِ الحَشْرِ والتَّوْحِيدِ، أمّا الحَشْرُ فَبِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ والدَّلِيلُ قُدْرَتُهُ عَلى الخَلْقِ ابْتِداءً، وأمّا التَّوْحِيدُ فَبِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ . ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فَقَوْلُهُ: ”سُبْحانَهُ“ أيْ سَبِّحُوهُ تَسْبِيحًا، أيْ نَزِّهُوهُ ولا تَصِفُوهُ بِالإشْراكِ، وقَوْلُهُ: ﴿وتَعالى﴾ أيْ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ وهَذا لِأنَّ مَن لا يَتَّصِفُ بِشَيْءٍ قَدْ يَجُوزُ عَلَيْهِ، فَإذا قالَ سَبِّحُوهُ أيْ لا تَصِفُوهُ بِالإشْراكِ، وإذا قالَ وتَعالى فَكَأنَّهُ قالَ ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
30:41Page 408
ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٤١
Corruption has appeared throughout the land and sea by [reason of] what the hands of people have earned so He [i.e., Allāh] may let them taste part of [the consequence of] what they have done that perhaps they will return [to righteousness].
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾
وجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّ الشِّرْكَ سَبَبُ الفَسادِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وإذا كانَ الشِّرْكُ سَبَبُهُ جَعْلُ اللَّهِ إظْهارَهُمُ الشِّرْكَ مُوَرِّثًا لِظُهُورِ الفَسادِ، ولَوْ فَعَلَ بِهِمْ ما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهم: ﴿لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ [المؤمنون: ٧١] كَما قالَ تَعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] وإلى هَذا أشارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ واخْتَلَفَتِ الأقْوالُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي البَرِّ والبَحْرِ﴾ فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ خَوْفُ الطُّوفانِ في البَرِّ والبَحْرِ، وقالَ بَعْضُهم: عَدَمُ إنْباتِ بَعْضِ الأراضِي ومُلُوحَةِ مِياهِ البِحارِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ مِنَ البَحْرِ المُدُنُ، فَإنَّ العَرَبَ تُسَمِّي المَدائِنَ بُحُورًا لِكَوْنِ مَبْنى عِمارَتِها عَلى الماءِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ ظُهُورَ الفَسادِ في البَحْرِ قِلَّةُ مِياهِ العُيُونِ فَإنَّها مِنَ البِحارِ، واعْلَمْ أنَّ كُلَّ فَسادٍ يَكُونُ فَهو بِسَبَبِ الشِّرْكِ، لَكِنَّ الشِّرْكَ قَدْ يَكُونُ في العَمَلِ دُونَ القَوْلِ والِاعْتِقادِ فَيُسَمّى فِسْقًا وعِصْيانًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَعْصِيَةَ فِعْلٌ لا يَكُونُ لِلَّهِ بَلْ يَكُونُ لِلنَّفْسِ، فالفاسِقُ مُشْرِكٌ بِاللَّهِ بِفِعْلِهِ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ الشِّرْكَ بِالفِعْلِ لا يُوجِبُ الخُلُودَ؛ لِأنَّ أصْلَ المَرْءِ قَلْبُهُ ولِسانُهُ، فَإذا لَمْ يُوجَدْ مِنهُما إلّا التَّوْحِيدُ يَزُولُ الشِّرْكُ البَدَنِيُّ بِسَبَبِهِما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ تَمامَ جَزائِهِمْ وكُلَّ مُوجِبِ افْتِرائِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ يَعْنِي كَما يَفْعَلُهُ المُتَوَقِّعُ رُجُوعَهم مَعَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّ مَن أضَلَّهُ لا يَرْجِعُ، لَكِنَّ النّاسَ يَظُنُّونَ أنَّهُ لَوْ فُعِلَ بِهِمْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لَكانَ يُوجَدُ مِنهُمُ الرُّجُوعُ، كَما أنَّ السَّيِّدَ إذا عَلِمَ مِن عَبْدِهِ أنَّهُ لا يَرْتَدِعُ بِالكَلامِ، فَيَقُولُ القائِلُ لِماذا لا تُؤَدِّبُهُ بِالكَلامِ ؟ فَإذا قالَ لا يَنْفَعُ، رُبَّما يَقَعُ في وهْمِهِ أنَّهُ لا يَبْعُدُ عَنْ نَفْعٍ، فَإذا زَجَرَهُ ولَمْ يَرْتَدِعْ يَظْهَرُ لَهُ صِدْقُ كَلامِ السَّيِّدِ ويَطْمَئِنُّ قَلْبُهُ.
30:42Page 409
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلُۚ كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّشۡرِكِينَ ٤٢
Say, [O Muḥammad], "Travel through the land and observe how was the end of those before. Most of them were associators [of others with Allāh].
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾
لَمّا بَيَّنَ حالَهم بِظُهُورِ الفَسادِ في أحْوالِهِمْ بِسَبَبِ فَسادِ أقْوالِهِمْ بَيَّنَ لَهم هَلاكَ أمْثالِهِمْ وأشْكالِهِمُ الَّذِينَ
صفحة ١١٣
كانَتْ أفْعالُهم كَأفْعالِهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ قَوْمَ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، وهَذا تَرْتِيبٌ في غايَةِ الحُسْنِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ في وقْتِ الِامْتِنانِ والإحْسانِ قالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ أيْ آتاكُمُ الوُجُودَ ثُمَّ البَقاءَ، ووَقْتَ الخِذْلانِ بِالطُّغْيانِ قالَ: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ قَلَّلَ رِزْقَكم، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ هو أعْدَمَكم كَما أعْدَمَ مَن قَبْلَكم، فَكَأنَّهُ قالَ أعْطاكُمُ الوُجُودَ والبَقاءَ، ويَسْلُبُ مِنكُمُ الوُجُودَ والبَقاءَ، وأمّا سَلْبُ البَقاءِ فَبِإظْهارِ الفَسادِ، وأمّا سَلْبُ الوُجُودِ فَبِالإهْلاكِ، وعِنْدَ الإعْطاءِ قَدَّمَ الوُجُودَ عَلى البَقاءِ؛ لِأنَّ الوُجُودَ أوَّلًا ثُمَّ البَقاءَ، وعِنْدَ السَّلْبِ قَدَّمَ البَقاءَ، وهو الِاسْتِمْرارُ ثُمَّ الوُجُودُ.
وقَوْلُهُ: ﴿كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا ثَلاثَةً:
أحَدُها: أنَّ الهَلاكَ في الأكْثَرِ كانَ بِسَبَبِ الشِّرْكِ الظّاهِرِ وإنْ كانَ بِغَيْرِهِ أيْضًا كالإهْلاكِ بِالفِسْقِ والمُخالَفَةِ كَما كانَ عَلى أصْحابِ السَّبْتِ.
الثّانِي: أنَّ كُلَّ كافِرٍ أُهْلِكَ لَمْ يَكُنْ مُشْرِكًا بَلْ مِنهم مَن كانَ مُعَطِّلًا نافِيًا لَكِنَّهم قَلِيلُونَ، وأكْثَرُ الكُفّارِ مُشْرِكُونَ.
الثّالِثُ: أنَّ العَذابَ العاجِلَ لَمْ يَخْتَصَّ بِالمُشْرِكِينَ حِينَ أتى، كَما قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] بَلْ كانَ عَلى الصِّغارِ والمَجانِينَ، ولَكِنَّ أكْثَرَهم كانُوا مُشْرِكِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences