Ar-RaziLuqman · 31:13–20

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Luqman 31:13–20

31:13–14Page 412

وَإِذۡ قَالَ لُقۡمَٰنُ لِٱبۡنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ ١٣

And [mention, O Muḥammad], when Luqmān said to his son while he was instructing him, "O my son, do not associate [anything] with Allāh. Indeed, association [with Him] is great injustice."

وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ ١٤

And We have enjoined upon man [care] for his parents. His mother carried him, [increasing her] in weakness upon weakness, and his weaning is in two years. Be grateful to Me and to your parents; to Me is the [final] destination.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وهو يَعِظُهُ يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾

عَطْفٌ عَلى مَعْنى ما سَبَقَ وتَقْدِيرُهُ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ حِينَ جَعَلْناهُ شاكِرًا في نَفْسِهِ وحِينَ جَعَلْناهُ واعِظًا لِغَيْرِهِ وهَذا لِأنَّ عُلُوَّ مَرْتَبَةِ الإنْسانِ بِأنْ يَكُونَ كامِلًا في نَفْسِهِ ومُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنِ اشْكُرْ﴾ إشارَةٌ إلى الكَمالِ، وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وهو يَعِظُهُ﴾ إشارَةٌ إلى التَّكْمِيلِ، وفي هَذا لَطِيفَةٌ وهي أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ لُقْمانَ وشَكَرَ سَعْيَهُ حَيْثُ أرْشَدَ ابْنَهُ لِيُعْلَمَ مِنهُ فَضِيلَةُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّذِي أرْشَدَ الأجانِبَ أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ لُقْمانَ وشَكَرَ سَعْيَهُ حَيْثُ أرْشَدَ ابْنَهُ لِيُعْلَمَ مِنهُ فَضِيلَةُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي أرْشَدَ الأجانِبَ والأقارِبَ، فَإنَّ إرْشادَ الوَلَدِ أمْرٌ مُعْتادٌ، وأمّا تَحَمُّلُ المَشَقَّةِ في تَعْلِيمِ الأباعِدِ فَلا، ثُمَّ إنَّهُ في الوَعْظِ بَدَأ بِالأهَمِّ وهو المَنعُ مِنَ الإشْراكِ وقالَ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أمّا أنَّهُ ظُلْمٌ فَلِأنَّهُ وضْعٌ لِلنَّفْسِ الشَّرِيفِ المُكَرَّمُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] في عِبادَةِ الخَسِيسِ أوْ لِأنَّهُ وضْعُ العِبادَةِ في غَيْرِ مَوْضِعِها وهي غَيْرُ وجْهِ اللَّهِ وسَبِيلِهِ، وأمّا أنَّهُ عَظِيمٌ فَلِأنَّهُ وُضِعَ في مَوْضِعٍ لَيْسَ مَوْضِعَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعَهُ؛ وهَذا لِأنَّ مَن يَأْخُذُ مالَ زَيْدٍ ويُعْطِي عَمْرًا يَكُونُ ظُلْمًا مِن حَيْثُ إنَّهُ وضَعَ مالَ زَيْدٍ في يَدِ عَمْرٍو، ولَكِنْ جائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِلْكَ عَمْرٍو أوْ يَصِيرَ مِلْكَهُ بِبَيْعٍ سابِقٍ أوْ بِتَمْلِيكٍ لاحِقٍ، وأمّا الإشْراكُ فَوَضْعُ المَعْبُودِيَّةِ في غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مَعْبُودًا أصْلًا.

صفحة ١٢٩

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ وفِصالُهُ في عامَيْنِ أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ إلَيَّ المَصِيرُ﴾

لَمّا مَنَعَهُ مِنَ العِبادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ، والخِدْمَةُ قَرِيبَةٌ مِنها في الصُّورَةِ بَيَّنَ أنَّها غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ، بَلْ هي واجِبَةٌ لِغَيْرِ اللَّهِ في بَعْضِ الصُّوَرِ مِثْلُ خِدْمَةِ الأبَوَيْنِ، ثُمَّ بَيَّنَ السَّبَبَ فَقالَ: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ يَعْنِي لِلَّهِ عَلى العَبِيدِ نِعْمَةُ الإيجادِ ابْتِداءً بِالخَلْقِ، ونِعْمَةُ الإبْقاءِ بِالرِّزْقِ، وجَعَلَ بِفَضْلِهِ لِلْأُمِّ ما لَهُ صُورَةُ ذَلِكَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَها حَقِيقَةً، فَإنَّ الحَمْلَ بِهِ يَظْهَرُ الوُجُودُ، وبِالرَّضاعِ يَحْصُلُ التَّرْبِيَةُ والبَقاءُ فَقالَ: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ أيْ صارَتْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ سَبَبَ وُجُودِهِ. ﴿وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ أيْ صارَتْ بِقُدْرَتِهِ أيْضًا سَبَبَ بَقائِهِ، فَإذا كانَ مِنها ما لَهُ صُورَةُ الوُجُودِ والبَقاءِ، وجَبَ عَلَيْهِ ما لَهُ شِبْهُ العِبادَةِ مِنَ الخِدْمَةِ، فَإنَّ الخِدْمَةَ لَها صُورَةُ العِبادَةِ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: وصّى اللَّهُ بِالوالِدَيْنِ، وذَكَرَ السَّبَبَ في حَقِّ الأُمِّ فَنَقُولُ: خَصَّ الأُمَّ بِالذِّكْرِ وفي الأبِ ما وُجِدَ في الأُمِّ؛ فَإنَّ الأبَ حَمَلَهُ في صُلْبِهِ سِنِينَ، ورَبّاهُ بِكَسْبِهِ سِنِينَ، فَهو أبْلَغُ، وقَوْلُهُ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ لَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى بِفَضْلِهِ جَعَلَ مِنَ الوالِدَيْنِ صُورَةَ ما مَنَّ اللَّهُ، فَإنَّ الوُجُودَ في الحَقِيقَةِ مِنَ اللَّهِ، وفي الصُّورَةِ يَظْهَرُ مِنَ الوالِدَيْنِ - جَعَلَ الشُّكْرَ بَيْنَهُما، فَقالَ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾، ثُمَّ بَيَّنَ الفَرْقَ، وقالَ: ﴿إلَيَّ المَصِيرُ﴾ يَعْنِي نِعْمَتُهُما مُخْتَصَّةٌ بِالدُّنْيا ونِعْمَتِي في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ إلَيَّ المَصِيرَ، أوْ نَقُولُ: لَمّا أمَرَ بِالشُّكْرِ لِنَفْسِهِ ولِلْوالِدَيْنِ قالَ: الجَزاءُ عَلَيَّ وقْتَ المَصِيرِ إلَيَّ.

31:15–16Page 412

وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ وَٱتَّبِعۡ سَبِيلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَيَّۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٥

But if they endeavor to make you associate with Me that of which you have no knowledge,1 do not obey them but accompany them in [this] world with appropriate kindness and follow the way of those who turn back to Me [in repentance]. Then to Me will be your return, and I will inform you about what you used to do.

يَٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٖ فَتَكُن فِي صَخۡرَةٍ أَوۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَأۡتِ بِهَا ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٞ ١٦

[And Luqmān said], "O my son, indeed if it [i.e., a wrong] should be the weight of a mustard seed and should be within a rock or [anywhere] in the heavens or in the earth, Allāh will bring it forth. Indeed, Allāh is Subtle1 and Aware.

ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿يابُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ يَأْتِ بِها اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾

يَعْنِي أنَّ خِدْمَتَهُما واجِبَةٌ وطاعَتَهُما لازِمَةٌ ما لَمْ يَكُنْ فِيها تَرْكُ طاعَةِ اللَّهِ.

أمّا إذا أفْضى إلَيْهِ فَلا تُطِعْهُما، وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ الآيَةِ في العَنْكَبُوتِ، وقالَ هَهُنا: ﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ﴾، يَعْنِي صاحِبْهُما بِجِسْمِكَ فَإنَّ حَقَّهُما عَلى جِسْمِكَ، واتَّبِعْ سَبِيلَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعَقْلِكَ، فَإنَّهُ مُرَبِّي عَقْلِكَ، كَما أنَّ الوالِدَ مُرَبِّي جِسْمِكَ.

قالَ تَعالى: ﴿يابُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ يَأْتِ بِها اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾

لَمّا قالَ: ﴿فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقَعَ لِابْنِهِ أنَّ ما يَفْعَلُ في خُفْيَةٍ يَخْفى، فَقالَ: ﴿يابُنَيَّ إنَّها﴾ أيِ الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ إنْ كانَتْ في الصِّغَرِ مِثْلَ حَبَّةِ خَرْدَلٍ، وتَكُونُ مَعَ ذَلِكَ الصِّغَرِ في مَوْضِعٍ حَرِيزٍ كالصَّخْرَةِ لا تَخْفى عَلى اللَّهِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ١٣٠

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَتَكُنْ﴾ بِالفاءِ لِإفادَةِ الِاجْتِماعِ يَعْنِي إنْ كانَتْ صَغِيرَةً ومَعَ صِغَرِها تَكُونُ خَفِيَّةً في مَوْضِعٍ حَرِيزٍ كالصَّخْرَةِ لا تَخْفى عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّ الفاءَ لِلِاتِّصالِ بِالتَّعْقِيبِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَوْ قِيلَ الصَّخْرَةُ لا بُدَّ مِن أنْ تَكُونَ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِها ؟ ولِأنَّ القائِلَ لَوْ قالَ: هَذا رَجُلٌ أوِ امْرَأةٌ أوِ ابْنُ عَمْرٍو. لا يَصِحُّ هَذا الكَلامُ؛ لِكَوْنِ ابْنِ عَمْرٍو داخِلًا في أحَدِ القِسْمَيْنِ، فَكَيْفَ يُفْهَمُ هَذا ؟ فَنَقُولُ الجَوابَ عَنْهُ مِن أوْجُهٍ.

أحَدُها: ما قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وهو أنَّ المُرادَ بِالصَّخْرَةِ صَخْرَةٌ عَلَيْها الثَّوْرُ، وهي لا في الأرْضِ ولا في السَّماءِ.

والثّانِي ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو أنَّ فِيهِ إضْمارًا تَقْدِيرُهُ: فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في مَوْضِعٍ آخَرَ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ.

والثّالِثُ: أنْ نَقُولَ: تَقْدِيمُ الخاصِّ وتَأْخِيرُ العامِّ في مِثْلِ هَذا التَّقْسِيمِ جائِزٌ، وتَقْدِيمُ العامِّ وتَأْخِيرُ الخاصِّ غَيْرُ جائِزٍ.

أمّا الثّانِي: فَلَمّا بَيَّنْتُمْ أنَّ مَن قالَ هَذا في دارِ زَيْدٍ أوْ في غَيْرِها أوْ في دارِ عَمْرٍو لا يَصِحُّ لِكَوْنِ دارِ عَمْرٍو داخِلَةً في قَوْلِهِ أوْ في غَيْرِها، وأمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: هَذا في دارِ زَيْدٍ أوْ في دارِ عَمْرٍو أوْ في غَيْرِها صَحِيحٌ غَيْرُ قَبِيحٍ، فَكَذَلِكَ هَهُنا قَدَّمَ الأخَصَّ أوْ نَقُولُ: خَفاءُ الشَّيْءِ يَكُونُ بِطُرُقٍ؛ مِنها أنْ يَكُونَ في غايَةِ الصِّغَرِ ومِنها أنْ يَكُونَ بَعِيدًا، ومِنها أنْ يَكُونَ في ظُلْمَةٍ، ومِنها أنْ يَكُونَ مِن وراءِ حِجابٍ، فَإنِ انْتَفَتِ الأُمُورُ بِأسْرِها بِأنْ يَكُونَ كَبِيرًا قَرِيبًا في ضَوْءٍ مِن غَيْرِ حِجابٍ، فَلا يَخْفى في العِبادَةِ، فَأثْبَتَ اللَّهُ الرُّؤْيَةَ والعِلْمَ مَعَ انْتِفاءِ الشَّرائِطِ.

فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ إشارَةٌ إلى الصِّغَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ﴾ إشارَةٌ إلى الحِجابِ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ في السَّماواتِ﴾ إشارَةٌ إلى البُعْدِ فَإنَّها أبْعَدُ الأبْعادِ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ في الأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى الظُّلُماتِ فَإنَّ جَوْفَ الأرْضِ أظْلَمُ الأماكِنِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ أبْلَغُ مِن قَوْلِ القائِلِ: يَعْلَمُها اللَّهُ؛ لِأنَّ مَن يَظْهَرُ لَهُ الشَّيْءُ ولا يَقْدِرُ عَلى إظْهارِهِ لِغَيْرِهِ يَكُونُ حالُهُ في العِلْمِ دُونَ حالِ مَن يَظْهَرُ لَهُ الشَّيْءَ، ويُظْهِرُهُ لِغَيْرِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ أيْ يُظْهِرُها اللَّهُ لِلْإشْهادِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ أيْ نافِذُ القُدْرَةِ، ﴿خَبِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ بِبَواطِنِ الأُمُورِ.

31:17Page 412

يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ١٧

O my son, establish prayer, enjoin what is right, forbid what is wrong, and be patient over what befalls you. Indeed, [all] that is of the matters [requiring] resolve.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾

لَمّا مَنَعَهُ مِنَ الشِّرْكِ وخَوَّفَهُ بِعِلْمِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، أمَرَهُ بِما يَلْزَمُهُ مِنَ التَّوْحِيدِ وهو الصَّلاةُ وهي العِبادَةُ لِوَجْهِ اللَّهِ مُخْلِصًا، وبِهَذا يَعْلَمُ أنَّ الصَّلاةَ كانَتْ في سائِرِ المِلَلِ، غَيْرَ أنَّ هَيْئَتَها اخْتَلَفَتْ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ أيْ إذا كَمُلْتَ أنْتَ في نَفْسِكَ بِعِبادَةِ اللَّهِ فَكَمِّلْ غَيْرَكَ، فَإنَّ شُغْلَ الأنْبِياءِ ووَرَثَتِهِمْ مِنَ العُلَماءِ هو أنْ يَكْمُلُوا في أنْفُسِهِمْ ويُكْمِلُوا غَيْرَهم، فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ قَدَّمَ في وصِيَّتِهِ لِابْنِهِ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ عَلى النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وقَبْلُ قَدَّمَ النَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ عَلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ فَإنَّهُ أوَّلَ ما قالَ ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿يابُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ﴾ ؟ فَنَقُولُ: هو كانَ يَعْلَمُ مِنَ ابْنِهِ أنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِوُجُودِ اللَّهِ فَما أمَرَهُ بِهَذا المَعْرُوفِ ونَهاهُ عَنِ المُنْكَرِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلى هَذا المَعْرُوفِ، فَإنَّ المُشْرِكَ بِاللَّهِ لا يَكُونُ نافِيًا لِلَّهِ في الِاعْتِقادِ، وإنْ كانَ يَلْزَمُهُ نَفْيُهُ بِالدَّلِيلِ، فَكانَ كُلُّ مَعْرُوفٍ في مُقابَلَتِهِ مُنْكَرٌ، والمَعْرُوفُ في

صفحة ١٣١

مَعْرِفَةِ اللَّهِ اعْتِقادُ وُجُودِهِ، والمُنْكَرُ اعْتِقادُ وُجُودِ غَيْرِهِ مَعَهُ، فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِذَلِكَ المَعْرُوفِ لِحُصُولِهِ، ونَهاهُ عَنِ المُنْكَرِ لِأنَّهُ ورَدَ في التَّفْسِيرِ أنَّ ابْنَهُ كانَ مُشْرِكًا فَوَعَظَهُ ولَمْ يَزَلْ يَعِظُهُ حَتّى أسْلَمَ، وأمّا هَهُنا فَأمَرَ أمْرًا مُطْلَقًا، والمَعْرُوفُ مُقَدَّمٌ عَلى المُنْكَرِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ﴾ يَعْنِي أنَّ مَن يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ يُؤْذى؛ فَأمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ مِنَ الأُمُورِ الواجِبَةِ المَعْزُومَةِ، أيِ المَقْطُوعَةِ، ويَكُونُ المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ، كَما تَقُولُ أكْلِي في النَّهارِ رَغِيفُ خُبْزٍ، أيْ مَأْكُولِي.

31:18Page 412

وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٖ ١٨

And do not turn your cheek [in contempt] toward people1 and do not walk through the earth exultantly. Indeed, Allāh does not like everyone self-deluded and boastful.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾

لَمّا أمَرَهُ بِأنْ يَكُونَ كامِلًا في نَفْسِهِ، مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، وكانَ يَخْشى بَعْدَهُما مِن أمْرَيْنِ؛ أحَدُهُما: التَّكَبُّرُ عَلى الغَيْرِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لَهُ، والثّانِي: التَّبَخْتُرُ في النَّفْسِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ كامِلًا في نَفْسِهِ؛ فَقالَ: ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ تَكَبُّرًا ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ تَبَخْتُرًا؛ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ﴾ يَعْنِي مَن يَكُونُ بِهِ خُيَلاءُ، وهو الَّذِي يَرى النّاسُ عَظَمَةَ نَفْسِهِ، وهو التَّكَبُّرُ؛ ﴿فَخُورٍ﴾ يَعْنِي مَن يَكُونُ مُفْتَخِرًا بِنَفْسِهِ، وهو الَّذِي يَرى عَظَمَةً لِنَفْسِهِ في عَيْنِهِ، وفي الآيَةِ لَطِيفَةٌ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّمَ الكَمالَ عَلى التَّكْمِيلِ، حَيْثُ قالَ ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ﴾، وفي النَّهْيِ قَدَّمَ ما يُورِثُهُ التَّكْمِيلُ عَلى ما يُورِثُهُ الكَمالُ، حَيْثُ قالَ: ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾؛ لِأنَّ في طَرَفِ الإثْباتِ مَن لا يَكُونُ كامِلًا لا يُمْكِنُ أنْ يَصِيرَ مُكَمِّلًا، فَقَدَّمَ الكَمالَ، وفي طَرَفِ النَّفْيِ مَن يَكُونُ مُتَكَبِّرًا عَلى غَيْرِهِ مُتَبَخْتِرًا؛ لِأنَّهُ لا يَتَكَبَّرُ عَلى الغَيْرِ إلّا عِنْدَ اعْتِقادِهِ أنَّهُ أكْبَرُ مِنهُ مِن وجْهٍ، وأمّا مَن يَكُونُ مُتَبَخْتِرًا في نَفْسِهِ لا يَتَكَبَّرُ، ويَتَوَهَّمُ أنَّهُ يَتَواضَعُ لِلنّاسِ، فَقَدَّمَ نَفْيَ التَّكَبُّرِ ثُمَّ نَفْيَ التَّبَخْتُرِ؛ لِأنَّهُ لَوْ قَدْ نَفى التَّبَخْتُرَ لَلَزِمَ مِنهُ نَفْيُ التَّكَبُّرِ، فَلا يَحْتاجُ إلى النَّهْيِ عَنْهُ. ومِثالُهُ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: لا تُفْطِرْ ولا تَأْكُلْ؛ لِأنَّ مَن لا يُفْطِرُ لا يَأْكُلُ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: لا تَأْكُلْ ولا تُفْطِرْ؛ لِأنَّ مَن لا يَأْكُلُ قَدْ يُفْطِرُ بِغَيْرِ الأكْلِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ مِثْلَ هَذا الكَلامِ يَكُونُ لِلتَّفْسِيرِ فَيَقُولُ: لا تُفْطِرْ ولا تَأْكُلْ، أيْ لا تُفْطِرْ بِأنْ تَأْكُلَ، ولا يَكُونُ نَهْيَيْنِ بَلْ واحِدًا.

31:19Page 412

وَٱقۡصِدۡ فِي مَشۡيِكَ وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِكَۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلۡأَصۡوَٰتِ لَصَوۡتُ ٱلۡحَمِيرِ ١٩

And be moderate in your pace and lower your voice; indeed, the most disagreeable of sounds is the voice of donkeys."

لَمّا قالَ: ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ وعَدَمُ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِضِدِّهِ وهو الَّذِي يُخالِفُ غايَةَ الِاخْتِلافِ، وهو مَشْيُ المُتَماوِتِ الَّذِي يَرى مِن نَفْسِهِ الضَّعْفَ تَزَهُّدًا، فَقالَ: ﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ أيْ كُنْ وسَطًا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ المَذْمُومَيْنِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَلْ لِلْأمْرِ بِالغَضِّ مِنَ الصَّوْتِ مُناسَبَةٌ مَعَ الأمْرِ بِالقَصْدِ في المَشْيِ ؟ فَنَقُولُ: نَعَمْ. سَواءٌ عَلِمْناها نَحْنُ أوْ لَمْ نَعْلَمْها، وفي كَلامِ اللَّهِ مِنَ الفَوائِدِ ما لا يَحْصُرُهُ حَدٌّ ولا يُصِيبُهُ عَدٌّ، ولا يَعْلَمُهُ أحَدٌ، والَّذِي يَظْهَرُ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: هو أنَّ الإنْسانَ لَمّا كانَ شَرِيفًا تَكُونُ مَطالِبُهُ شَرِيفَةً، فَيَكُونُ فَواتُها خَطَرًا، فَأقْدَرَ اللَّهُ

صفحة ١٣٢

الإنْسانَ عَلى تَحْصِيلِها بِالمَشْيِ، فَإنْ عَجَزَ عَنْ إدْراكِ مَقْصُودِهِ، يُنادِي مَطْلُوبَهُ فَيَقِفُ لَهُ أوْ يَأْتِيهُ مَشْيًا إلَيْهِ، فَإنْ عَجَزَ عَنْ إبْلاغِ كَلامِهِ إلَيْهِ، وبَعْضُ الحَيَواناتِ يُشارِكُ الإنْسانَ في تَحْصِيلِ المَطْلُوبِ بِالصَّوْتِ، كَما أنَّ الغَنَمَ تَطْلُبُ السَّخْلَةَ، والبَقَرَةَ العِجْلَ، والنّاقَةَ الفَصِيلَ بِالثُّغاءِ والخُوارِ والرُّغاءِ، ولَكِنْ لا تَتَعَدّى إلى غَيْرِها، والإنْسانُ يُمَيِّزُ البَعْضَ عَنِ البَعْضِ، فَإذا كانَ المَشْيُ والصَّوْتُ مُفْضِيَيْنِ إلى مَقْصُودٍ واحِدٍ لَمّا أرْشَدَهُ إلى أحَدِهِما أرْشَدَهُ إلى الآخَرِ.

الثّانِي: هو أنَّ الإنْسانَ لَهُ ثَلاثَةُ أشْياءَ؛ عَمَلٌ بِالجَوارِحِ يُشارِكُهُ فِيهِ الحَيَواناتُ، فَإنَّهُ حَرَكَةٌ وسُكُونٌ، وقَوْلٌ بِاللِّسانِ ولا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وعَزْمٌ بِالقَلْبِ وهو لا اطِّلاعَ عَلَيْهِ إلّا لِلَّهِ، وقَدْ أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ أيْ أصْلِحْ ضَمِيرَكَ فَإنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ، بَقِيَ الأمْرانِ، فَقالَ: ﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ إشارَةً إلى التَّوَسُّطِ في الأفْعالِ والأقْوالِ.

الثّالِثُ: هو أنَّ لُقْمانَ أرادَ إرْشادَ ابْنِهِ إلى السَّدادِ في الأوْصافِ الإنْسانِيَّةِ، والأوْصافِ الَّتِي هي لِلْمَلَكِ الَّذِي هو أعْلى مَرْتَبَةً مِنهُ، والأوْصافِ الَّتِي لِلْحَيَوانِ الَّذِي هو أدْنى مَرْتَبَةً مِنهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ إشارَةٌ إلى المَكارِمِ المُخْتَصَّةِ بِالإنْسانِ، فَإنَّ المَلَكَ لا يَأْمُرُ مَلَكًا آخَرَ بِشَيْءٍ ولا يَنْهاهُ عَنْ شَيْءٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ الَّذِي هو إشارَةٌ إلى عَدَمِ التَّكَبُّرِ والتَّبَخْتُرِ إشارَةٌ إلى المَكارِمِ الَّتِي هي صِفَةُ المَلائِكَةِ، فَإنَّ عَدَمَ التَّكَبُّرِ والتَّبَخْتُرِ صِفَتُهم. وقَوْلُهُ: ﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَكارِمِ الَّتِي هي صِفَةُ الحَيَوانِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لِمَ ذَكَرَ المانِعَ مَن رَفْعِ الصَّوْتِ ولَمْ يُذْكَرِ المانِعَ مِن سُرْعَةِ المَشْيِ، نَقُولُ: أمّا عَلى قَوْلِنا: إنَّ المَشْيَ والصَّوْتَ كِلاهُما مُوَصِّلانِ إلى شَخْصٍ مَطْلُوبٍ إنْ أدْرَكَهُ بِالمَشْيِ إلَيْهِ فَذاكَ، وإلّا فَيُوقِفُهُ بِالنِّداءِ، فَنَقُولُ: رَفْعُ الصَّوْتِ يُؤْذِي السّامِعَ ويَقْرَعُ الصِّماخَ بِقُوَّةٍ، ورُبَّما يَخْرُقُ الغِشاءَ الَّذِي داخِلَ الأُذُنِ. وأمّا السُّرْعَةُ في المَشْيِ فَلا تُؤْذِي أوْ إنْ كانَتْ تُؤْذِي فَلا تُؤْذِي غَيْرَ مَن في طَرِيقِهِ، والصَّوْتُ يَبْلُغُ مَن عَلى اليَمِينِ واليَسارِ؛ ولِأنَّ المَشْيَ يُؤْذِي آلَةَ المَشْيِ، والصَّوْتَ يُؤْذِي آلَةَ السَّمْعِ، وآلَةُ السَّمْعِ عَلى بابِ القَلْبِ، فَإنَّ الكَلامَ يَنْتَقِلُ مِنَ السَّمْعِ إلى القَلْبِ، ولا كَذَلِكَ المَشْيُ. وأمّا عَلى قَوْلِنا: الإشارَةُ بِالشَّيْءِ والصَّوْتِ إلى الأفْعالِ والأقْوالِ؛ فَلِأنَّ القَوْلَ قَبِيحُهُ أقْبَحُ مِن قَبِيحِ الفِعْلِ، وحَسَنُهُ أحْسَنُ؛ لِأنَّ اللِّسانَ تُرْجُمانُ القَلْبِ، والِاعْتِبارُ يُصَحِّحُ الدَّعْوى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَيْفَ يُفْهَمُ كَوْنُهُ أنْكَرَ مَعَ أنَّ مَسَّ المِنشارِ بِالمِبْرَدِ وحَتَّ النُّحاسِ بِالحَدِيدِ أشَدُّ تَنْفِيرًا ؟ نَقُولُ الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ أنَّ أنْكَرَ أصْواتِ الحَيَواناتِ صَوْتُ الحَمِيرِ فَلا يَرُدُّ ما ذَكَرْتُمْ، وما ذَكَرْتُمْ في أكْثَرِ الأمْرِ لِمَصْلَحَةٍ وعِمارَةٍ فَلا يُنْكَرُ، بِخِلافِ صَوْتِ الحَمِيرِ وهَذا، وهو الجَوابُ الثّانِي.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنْكَرُ هو أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، فَمِن أيِّ بابٍ هو ؟ نَقُولُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ أطْوَعَ لَهُ مِن بَنانِهِ، بِمَعْنى أشَدِّها طاعَةً، فَإنَّ أفْعَلَ لا يَجِيءُ في مَفْعَلٍ ولا في مَفْعُولٍ ولا في بابِ العُيُوبِ إلّا ما شَذَّ، كَقَوْلِهِمْ: أطْوَعُ مِن كَذا لِلتَّفْضِيلِ عَلى المُطِيعِ، وأشْغَلُ مِن ذاتِ النِّحْيَيْنِ لِلتَّفْضِيلِ عَلى المَشْغُولِ، وأحْمَقُ مِن فُلانٍ مِن بابِ العُيُوبِ، وعَلى هَذا فَهو في بابِ أفْعَلَ كَأشْغَلَ في بابِ مَفْعُولٍ، فَيَكُونُ لِلتَّفْضِيلِ عَلى المُنْكَرِ، أوْ نَقُولُ: هو مِن بابِ أشْغَلَ مَأْخُوذًا مَن نَكِرَ الشَّيْءَ فَهو مُنْكَرٌ، وهَذا أنْكَرُ مِنهُ، وعَلى هَذا فَلَهُ مَعْنًى لَطِيفٌ، وهو أنَّ كُلَّ حَيَوانٍ قَدْ يُفْهَمُ مِن صَوْتِهِ بِأنَّهُ يَصِيحُ مِن ثِقَلٍ أوْ تَعَبٍ كالبَعِيرِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، والحِمارُ لَوْ ماتَ تَحْتَ الحِمْلِ لا يَصِيحُ، ولَوْ قُتِلَ لا يَصِيحُ، وفي بَعْضِ أوْقاتِ عَدَمِ الحاجَةِ يَصِيحُ ويَنْهَقُ، فَصَوْتُهُ مَنكُورٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: هو مِن نَكِيرٍ، كَأجْدَرَ مِن جَدِيرٍ.

31:20Page 413

أَلَمۡ تَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَسۡبَغَ عَلَيۡكُمۡ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةٗ وَبَاطِنَةٗۗ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ ٢٠

Do you not see that Allāh has made subject to you whatever is in the heavens and whatever is in the earth and amply bestowed upon you His favors, [both] apparent and unapparent? But of the people is he who disputes about Allāh without knowledge or guidance or an enlightening Book [from Him].

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾

لَمّا اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [لقمان: ١٠] عَلى الوَحْدانِيَّةِ، وبَيَّنَ بِحِكايَةِ لُقْمانَ أنَّ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِالنُّبُوَّةِ بَلْ ذَلِكَ مُوافِقٌ لِلْحِكْمَةِ، وما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التَّوْحِيدِ والصَّلاةِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ كُلُّها حِكْمَةٌ بالِغَةٌ، ولَوْ كانَ تَعَبُّدًا مَحْضًا لَلَزِمَ قَبُولُهُ، فَضْلًا عَنْ أنَّهُ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ، اسْتَدَلَّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ بِالنِّعْمَةِ، لِأنّا بَيَّنّا مِرارًا أنَّ المَلِكَ يُخْدَمُ لِعَظَمَتِهِ وإنْ لَمْ يُنْعِمْ، ويُخْدَمُ لِنِعْمَتِهِ أيْضًا، فَلَمّا بَيَّنَ أنَّهُ المَعْبُودُ لِعَظَمَتِهِ بِخَلْقِهِ السَّماواتِ بِلا عَمَدٍ، وإلْقائِهِ في الأرْضِ الرَّواسِيَ، وذَكَرَ بَعْضَ النِّعَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [المؤمنون: ١٨] ذَكَرَ بَعْدَهُ عامَّةَ النِّعَمِ فَقالَ: ﴿سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ﴾ أيْ سَخَّرَ لِأجْلِكم ما في السَّماواتِ، فَإنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِ اللَّهِ، وفِيها فَوائِدُ لِعِبادِهِ، وسَخَّرَ ما في الأرْضِ لِأجْلِ عِبادِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً﴾ وهي ما في الأعْضاءِ مِنَ السَّلامَةِ ﴿وباطِنَةً﴾ وهي ما في القُوى، فَإنَّ العُضْوَ ظاهِرٌ، وفِيهِ قُوَّةٌ باطِنَةٌ، ألا تَرى أنَّ العَيْنَ والأُذُنَ شَحْمٌ وغُضْرُوفٌ ظاهِرٌ، واللِّسانَ والأنْفَ لَحْمٌ وعَظْمٌ ظاهِرٌ، وفي كُلِّ واحِدٍ مَعْنًى باطِنٌ مِنَ الإبْصارِ والسَّمْعِ والذَّوْقِ والشَّمِّ، وكَذَلِكَ كَلُّ عُضْوٍ، وقَدْ تَبْطُلُ القُوَّةُ ويَبْقى العُضْوُ قائِمًا، وهَذا أحْسَنُ مِمّا قِيلَ، فَإنَّ عَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ الِاسْتِدْلالُ بِنِعْمَةِ الآفاقِ وبِنِعْمَةِ الأنْفُسِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ يَكُونُ إشارَةً إلى النِّعَمِ الآفاقِيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ يَكُونُ إشارَةً إلى النِّعَمِ الأنْفُسِيَّةِ، وفِيهِما أقْوالٌ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ في جَمِيعِ كُتُبِ التَّفاسِيرِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ما ذَكَرْناهُ مَقُولًا مَنقُولًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ فَلا يَخْرُجُ مِن أنْ يَكُونَ سائِغًا مَعْقُولًا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ يَعْنِي لَمّا ثَبَتَ الوَحْدانِيَّةُ بِالخَلْقِ والإنْعامِ فَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ ويُثْبِتُ غَيْرَهُ، إمّا إلَهًا أوْ مُنْعِمًا، ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ هَذِهِ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ: مَرْتَبَةُ العِلْمِ، والهُدى، والكِتابِ. والعِلْمُ أعْلى مِنَ الهُدى، والهُدى مِنَ الكِتابِ، وبَيانُهُ هو أنَّ العِلْمَ تَدْخُلُ فِيهِ الأشْياءُ الواضِحَةُ اللّائِحَةُ الَّتِي تُعْلَمُ مِن غَيْرِ هِدايَةِ هادٍ، ثُمَّ الهُدى يَدْخُلُ فِيهِ الَّذِي يَكُونُ في كِتابٍ، والَّذِي يَكُونُ مِن إلْهامٍ ووَحْيٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿يُجادِلُ﴾ ذَلِكَ المُجادِلُ لا مِن عِلْمٍ واضِحٍ، ولا مَن هَدًى أتاهُ مِن هادٍ، ولا مِن كِتابٍ، وكَأنَّ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى مَن أُوتِيَ مِن لَدُنْهُ عِلْمًا كَما قالَ تَعالى: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣] .

والثّانِي: إشارَةٌ إلى مَرْتَبَةِ مَن هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ بِواسِطَةٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] . والثّالِثُ: إشارَةٌ إلى مَرْتَبَةِ مَنِ اهْتَدى بِواسِطَتَيْنِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١ - ٢] وقالَ في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣] وقالَ في السَّجْدَةِ: ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الإسراء: ٢] فالكِتابُ هَدًى لِقَوْمِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، والنَّبِيُّ هُداهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ واسِطَةٍ أوْ بِواسِطَةِ الرُّوحِ الأمِينِ، فَقالَ تَعالى: يُجادِلُ مَن يُجادِلُ لا بِعِلْمٍ آتَيْناهُ مَن لَدُنّا كَشْفًا، ولا بِهُدًى أرْسَلْناهُ إلَيْهِ وحْيًا، ولا بِكِتابٍ يُتْلى عَلَيْهِ وعْظًا.

ثُمَّ فِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى، وهو أنَّهُ

صفحة ١٣٤

تَعالى قالَ في الكِتابِ: ﴿ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾؛ لِأنَّ المُجادِلَ مِنهُ مَن كانَ يُجادِلُ مِن كِتابٍ ولَكِنَّهُ مُحَرَّفٌ مِثْلُ التَّوْراةِ بَعْدَ التَّحْرِيفِ، فَلَوْ قالَ: ولا كِتابٍ لَكانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا يُجادِلُ مِن غَيْرِ كِتابٍ، فَإنَّ بَعْضَ ما يَقُولُونَ فَهو في كِتابِهِمْ؛ ولِأنَّ المَجُوسَ والنَّصارى يَقُولُونَ بِالتَّثْنِيَةِ والتَّثْلِيثِ عَنْ كِتابِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ الكِتابَ مُظْلِمٌ، ولَمّا لَمْ يَحْتَمِلْ في المَرْتَبَةِ الأُولى والثّانِيَةِ التَّحْرِيفَ والتَّبْدِيلَ لَمْ يَقُلْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى مُنِيرٍ أوْ حَقٍّ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском