Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Luqman 31:30–34
31:30Page 414
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ ٣٠
That is because Allāh is the True Reality, and that what they call upon1 other than Him is falsehood, and because Allāh is the Most High, the Grand.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أوْصافَ الكَمالِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ وأشارَ إلى الإرادَةِ والكَمالِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ وعَلى الجُمْلَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الغَنِيُّ﴾ إشارَةٌ إلى كُلِّ صِفَةٍ سَلْبِيَّةٍ فَإنَّهُ إذا كانَ غَنِيًّا لا يَكُونُ عَرَضًا مُحْتاجًا إلى الجَوْهَرِ في القَوامِ، ولا جِسْمًا مُحْتاجًا إلى الحَيِّزِ في الدَّوامِ، ولا شَيْئًا مِنَ المُمْكِناتِ المُحْتاجَةِ إلى
صفحة ١٤١
المُوجِدِ، وذَكَرَ بَعْدَهُ جَمِيعَ الأوْصافِ الثُّبُوتِيَّةِ صَرِيحًا وتَضَمُّنًا، فَإنَّ الحَياةَ في ضِمْنِ العِلْمِ والقُدْرَةِ، قالَ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ أيْ ذَلِكَ الِاتِّصافُ بِأنَّهُ هو الحَقُّ، والحَقُّ هو الثُّبُوتُ والثّابِتُ اللَّهُ، وهو الثّابِتُ المُطْلَقُ الَّذِي لا زَوالَ لَهُ وهو الثُّبُوتُ، فَإنَّ المَذْهَبَ الصَّحِيحَ أنَّ وُجُودَهُ غَيْرُ حَقِيقَتِهِ فَكُلُّ ما عَداهُ فَلَهُ زَوالٌ نَظَرًا إلَيْهِ، واللَّهُ لَهُ الثُّبُوتُ والوُجُودُ نَظَرًا إلَيْهِ، فَهو الحَقُّ وما عَداهُ الباطِلُ؛ لِأنَّ الباطِلَ هو الزّائِلُ يُقالُ: بَطَلَ ظِلُّهُ إذا زالَ. وإذا كانَ لَهُ الثُّبُوتُ مِن كُلِّ وجْهٍ يَكُونُ تامًّا لا نَقْصَ فِيهِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ الحُكَماءَ قالُوا: اللَّهُ تامٌّ وفَوْقَ التَّمامِ، وجَعَلُوا الأشْياءَ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ: ناقِصٌ ومُكْتَفٍ وتامٌّ وفَوْقَ التَّمامِ. فالنّاقِصُ: ما لَيْسَ لَهُ ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لَهُ كالصَّبِيِّ والمَرِيضِ والأعْمى. والمُكْتَفِي: وهو الَّذِي أُعْطِيَ ما يَدْفَعُ بِهِ حاجَتَهُ في وقْتِهِ كالإنْسانِ والحَيَوانِ الَّذِي لَهُ مِنَ الآلاتِ ما يَدْفَعُ بِهِ حاجَتَهُ في وقْتِها، لَكِنَّها في التَّحَلُّلِ والزَّوالِ. والتّامُّ: ما حَصَلَ لَهُ كُلُّ ما جازَ لَهُ، وإنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ كالمَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ لَهم دَرَجاتٌ لا تَزْدادُ ولا يَنْقُصُ اللَّهُ مِنها لَهم شَيْئًا كَما «قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ “ لَوْ دَنَوْتُ أُنْمُلَةً لاحْتَرَقْتَ» “ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] .
وفَوْقَ التَّمامِ: هو الَّذِي حَصَلَ لَهُ ما جازَ لَهُ، وحَصَلَ لِما عَداهُ ما جازَ لَهُ أوِ احْتاجَ إلَيْهِ لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى حاصِلٌ لَهُ كُلَّ ما يَجُوزُ لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ونُعُوتِ الجَلالِ، فَهو تامٌّ، وحَصَلَ لِغَيْرِهِ كُلُّ ما جازَ لَهُ أوِ احْتاجَ إلَيْهِ فَهو فَوْقُ التَّمامِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الحَقُّ﴾ إشارَةٌ إلى التَّمامِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ أيْ فَوْقَ التَّمامِ، وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ العَلِيُّ﴾ أيْ في صِفاتِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿الكَبِيرُ﴾ أيْ في ذاتِهِ، وذَلِكَ يُنافِي أنْ يَكُونَ جِسْمًا في مَكانٍ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ جَسَدًا مُقَدَّرًا بِمِقْدارٍ، فَيُمْكِنُ فَرْضُ ما هو أكْبَرُ مِنهُ، فَيَكُونُ صَغِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلى المَفْرُوضِ، لَكِنَّهُ كَبِيرٌ مُطْلَقًا أكْبَرُ مِن كُلِّ ما يُتَصَوَّرُ.
31:31Page 414
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنۡ ءَايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ ٣١
Do you not see that ships sail through the sea by the favor of Allāh that He may show you of His signs? Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾
لَمّا ذَكَرَ آيَةً سَماوِيَّةً بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ وأشارَ إلى السَّبَبِ والمُسَبَّبِ ذَكَرَ آيَةً أرْضِيَّةً، وأشارَ إلى السَّبَبِ والمُسَبِّبِ فَقَوْلُهُ: ﴿الفُلْكَ تَجْرِي﴾ إشارَةٌ إلى المُسَبَّبِ وقَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى السَّبَبِ أيْ إلى الرِّيحِ الَّتِي هي بِأمْرِ اللَّهِ ﴿لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ﴾ يَعْنِي يُرِيَكم بِإجْرائِها بِنِعْمَتِهِ ﴿مِن آياتِهِ﴾ أيْ بَعْضِ آياتِهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ صَبّارٌ في الشِّدَّةِ، شَكُورٌ في الرَّخاءِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ مُتَذَكِّرٌ عِنْدَ الشِّدَّةِ والبَلاءِ عِنْدَ النِّعَمِ والآلاءِ، فَيَصْبِرُ إذا أصابَتْهُ نِقْمَةٌ، ويَشْكُرُ إذا أتَتْهُ نِعْمَةٌ، ووَرَدَ في كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ “ «الإيمانُ نِصْفانِ؛ نِصْفٌ صَبْرٌ، ونِصْفٌ شُكْرٌ» “ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّكالِيفَ أفْعالٌ وتُرُوكٌ، والتُّرُوكُ صَبْرٌ عَنِ المَأْلُوفِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ “ «الصَّوْمُ صَبْرٌ، والأفْعالُ شُكْرٌ عَلى المَعْرُوفِ» “ .
31:32Page 414
وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوۡجٞ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ فَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٖ كَفُورٖ ٣٢
And when waves come over them like canopies, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion [i.e., faith]. But when He delivers them to the land, there are [some] of them who are moderate [in faith]. And none rejects Our signs except everyone treacherous and ungrateful.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ أنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ، ذَكَرَ أنَّ الكُلَّ مُعْتَرِفُونَ بِهِ، غَيْرَ أنَّ البَصِيرَ يُدْرِكُهُ أوَّلًا ومَن في بَصَرِهِ ضَعْفٌ لا يُدْرِكُهُ أوَّلًا، فَإذا غَشِيَهُ مَوْجٌ ووَقَعَ في شِدَّةٍ اعْتَرَفَ بِأنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ، ودَعاهُ مُخْلِصًا أيْ يَتْرُكُ كُلَّ مَن عَداهُ ويَنْسى جَمِيعَ مَن سِواهُ، فَإذا نَجّاهُ مِن تِلْكَ الشِّدَّةِ قَدْ بَقِيَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ وقَدْ يَعُودُ إلى الشِّرْكِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مَوْجٌ كالظُّلَلِ﴾ وحَدَّ المَوْجَ، وجَمَعَ الظُّلَلَ، وقِيلَ في مَعْناهُ كالجِبالِ، وقِيلَ كالسَّحابِ إشارَةٌ إلى عِظَمِ المَوْجِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ المَوْجُ الواحِدُ العَظِيمُ يَرى فِيهِ طُلُوعٌ ونُزُولٌ، وإذا نَظَرْتَ في الجَرْيَةِ الواحِدَةِ مِنَ النَّهْرِ العَظِيمِ تَبَيَّنَ لَكَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كالجِبالِ المُتَلاصِقَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ في العَنْكَبُوتِ ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ فَنَقُولُ: لَمّا ذَكَرَ هَهُنا أمْرًا عَظِيمًا وهو المَوْجُ الَّذِي كالجِبالِ بَقِيَ أثَرُ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ، فَخَرَجَ مِنهم مُقْتَصِدٌ، أيْ في الكُفْرِ وهو الَّذِي انْزَجَرَ بَعْضَ الِانْزِجارِ، أوْ مُقْتَصِدٌ في الإخْلاصِ فَبَقِيَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنهُ ولَمْ يَبْقَ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الإخْلاصِ، وهُناكَ لَمْ يَذْكُرْ مَعَ رُكُوبِ البَحْرِ مُعايَنَةً مِثْلَ ذَلِكَ الأمْرِ، فَذَكَرَ إشْراكَهم حَيْثُ لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ أثَرٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ يَعْنِي يَعْتَرِفُ بِها الصَّبّارُ الشَّكُورُ، ويَجْحَدُها الخَتّارُ الكَفُورُ، والصَّبّارُ في مُوازَنَةِ الخَتّارِ لَفْظًا ومَعْنًى، والكَفُورُ في مُوازَنَةِ الشَّكُورِ، أمّا لَفْظًا فَظاهِرٌ، وأمّا مَعْنًى فَلِأنَّ الخَتّارَ هو الغَدّارُ الكَثِيرُ الغَدْرِ أوِ الشَّدِيدُ الغَدْرِ، والغَدْرُ لا يَكُونُ إلّا مِن قِلَّةِ الصَّبْرِ؛ لِأنَّ الصَّبُورَ إنْ لَمْ يَكُنْ يَعْهَدُ مَعَ أحَدٍ لا يُعْهَدُ مِنهُ الإضْرارُ، فَإنَّهُ يَصْبِرُ ويُفَوِّضُ الأمْرَ إلى اللَّهِ، وأمّا الغَدّارُ فَيَعْهَدُ ولا يَصْبِرُ عَلى العَهْدِ فَيَنْقُضُهُ، وأمّا أنَّ الكَفُورَ في مُقابَلَةِ الشَّكُورِ مَعْنًى فَظاهِرٌ.
31:33Page 414
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡ وَٱخۡشَوۡاْ يَوۡمٗا لَّا يَجۡزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوۡلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ٣٣
O mankind, fear your Lord and fear a Day when no father will avail his son, nor will a son avail his father at all. Indeed, the promise of Allāh is truth, so let not the worldly life delude you and be not deceived about Allāh by the Deceiver [i.e., Satan].
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾
صفحة ١٤٣
لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى آخِرِها وعَظَ بِالتَّقْوى؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ واحِدًا أوْجَبَ التَّقْوى البالِغَةَ، فَإنَّ مَن يَعْلَمُ أنَّ الأمْرَ بِيَدِ اثْنَيْنِ لا يَخافُ أحَدُهُما مِثْلَ ما يَخافُ لَوْ كانَ الأمْرُ بِيَدِ أحَدِهِما لا غَيْرُ، ثُمَّ أكَّدَ الخَوْفَ بِذِكْرِ اليَوْمِ الَّذِي يَحْكُمُ اللَّهُ فِيهِ بَيْنَ العِبادِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَلِكَ إذا كانَ واحِدًا ويَعْهَدُ مِنهُ أنَّهُ لا يَعْلَمُ شَيْئًا ولا يَسْتَعْرِضُ عِبادَهُ، لا يَخافُ مِنهُ مِثْلَ ما يَخافُ إذا عَلِمَ أنَّ لَهُ يَوْمَ اسْتِعْراضٍ واسْتِكْشافٍ، ثُمَّ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ المُجْرِمَ إذا عَلِمَ أنَّ لَهُ عِنْدَ المَلِكِ مَن يَتَكَلَّمُ في حَقِّهِ ويَقْضِي ما يَخْرُجُ عَلَيْهِ بِرِفْدٍ مِن كَسْبِهِ لا يَخافُ مِثْلَ ما يَخافُ إذا عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَن يَقْضِي عَنْهُ ما يَخْرُجُ عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ شَخْصَيْنِ في غايَةِ الشَّفَقَةِ والمَحَبَّةِ، وهُما الوالِدُ والوَلَدُ لِيَسْتَدِلَّ بِالأدْنى عَلى الأعْلى، وذِكْرُ الوَلَدِ والوالِدِ جَمِيعًا فِيهِ لَطِيفَةٌ، وهي أنْ مِنَ الأُمُورِ ما يُبادِرُ الأبُ إلى التَّحَمُّلِ عَنِ الوَلَدِ كَدَفْعِ المالِ وتَحَمُّلِ الآلامِ، والوَلَدُ لا يُبادِرُ إلى تَحَمُّلِهِ عَنِ الوالِدِ مِثْلَ ما يُبادِرُ الوالِدُ إلى تَحَمُّلِهِ عَنِ الوَلَدِ، ومِنها ما يُبادِرُ الوَلَدُ إلى تَحَمُّلِهِ عَنِ الوالِدِ ولا يُبادِرُ الوالِدُ إلى تَحَمُّلِهِ عَنِ الوَلَدِ كالإهانَةِ، فَإنَّ مَن يُرِيدُ إحْضارَ والِدِ أحَدٍ عِنْدَ والٍ أوْ قاضٍ يَهُونُ عَلى الِابْنِ أنْ يَدْفَعَ الإهانَةَ عَنْ والِدِهِ، ويَحْضُرَ هو بَدَلَهُ، فَإذا انْتَهى الأمْرُ إلى الإيلامِ يَهُونُ عَلى الأبِ أنْ يَدْفَعَ الإيلامَ عَنِ ابْنِهِ ويَتَحَمَّلَهُ هو بِنَفْسِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ في دَفْعِ الآلامِ ﴿ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ في دَفْعِ الإهانَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لا يَجْزِي﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ﴾ لَطِيفَةٌ أُخْرى، وهي أنّا ذَكَرْنا أنَّ الفِعْلَ يَتَأتّى وإنْ كانَ مِمَّنْ لا يَنْبَغِي ولا يَكُونُ مِن شَأْنِهِ؛ لِأنَّ المَلِكَ إذا كانَ يَخِيطُ شَيْئًا، يُقالُ إنَّهُ يَخِيطُ ولا يُقالُ هو خَيّاطٌ، وكَذَلِكَ مَن يَحِيكُ شَيْئًا، ولا يَكُونُ ذَلِكَ صَنْعَتَهُ، يُقالُ هو يَحِيكُ ولا يُقالُ هو حائِكٌ، إذا عَلِمْتَ هَذا فَنَقُولُ: الِابْنُ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ جازِيًا عَنْ والِدِهِ؛ لِما لَهُ عَلَيْهِ مِنَ الحُقُوقِ، والوالِدُ يَجْزِي لِما فِيهِ مِنَ الشَّفَقَةِ، ولَيْسَ بِواجِبٍ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقالَ في الوالِدِ لا يَجْزِي، وقالَ في الوَلَدِ ﴿ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ وهو يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ تَحْقِيقًا لِلْيَوْمِ، يَعْنِي اخْشَوْا يَوْمًا هَذا شَأْنُهُ، وهو كائِنٌ لِوَعْدِ اللَّهِ بِهِ، ووَعْدُهُ حَقٌّ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ تَحْقِيقًا لِعَدَمِ الجَزاءِ، يَعْنِي: ﴿لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ لِأنَّ اللَّهَ وعَدَ بِـ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ووَعْدُ اللَّهِ حَقٌّ، فَلا يَجْزِي. والأوَّلُ أحْسَنُ وأظْهَرُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلا تَغْتَرُّوا بِالدُّنْيا، فَإنَّها زائِلَةٌ لِوُقُوعِ ذَلِكَ اليَوْمِ المَذْكُورِ بِالوَعْدِ الحَقِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ يَعْنِي الدُّنْيا لا يَنْبَغِي أنْ تَغُرَّكم بِنَفْسِها، ولا يَنْبَغِي أنْ تَغْتَرُّوا بِها، وإنْ حَمَلَكم عَلى مَحَبَّتِها غارٌّ مِن نَفْسٍ أمّارَةٍ أوْ شَيْطانٍ، فَكانَ النّاسُ عَلى أقْسامٍ: مِنهم مَن تَدْعُوهُ الدُّنْيا إلى نَفْسِها فَيَمِيلُ إلَيْها، ومِنهم مَن يُوَسْوِسُ في صَدْرِهِ الشَّيْطانُ ويُزَيِّنُ في عَيْنِهِ الدُّنْيا، ويُؤَمِّلُهُ ويَقُولُ: إنَّكَ تُحَصِّلُ بِها الآخِرَةَ أوْ تَلْتَذُّ بِها، ثُمَّ تَتُوبُ فَتَجْتَمِعُ لَكَ الدُّنْيا والآخِرَةُ، فَنَهاهم عَنِ الأمْرَيْنِ، وقالَ: كُونُوا قِسْمًا ثالِثًا: وهُمُ الَّذِينَ لا يَلْتَفِتُونَ إلى الدُّنْيا ولا إلى مَن يُحَسِّنُ الدُّنْيا في الأعْيُنِ.
31:34Page 414
إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ ٣٤
Indeed, Allāh [alone] has knowledge of the Hour and sends down the rain and knows what is in the wombs.1 And no soul perceives what it will earn tomorrow, and no soul perceives in what land it will die. Indeed, Allāh is Knowing and Aware.
صفحة ١٤٤
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
يَقُولُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى نَفى عِلْمَ أُمُورٍ خَمْسَةٍ بِهَذِهِ الآيَةِ عَنْ غَيْرِهِ، وهو كَذَلِكَ، لَكِنَّ المَقْصُودَ لَيْسَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الجَوْهَرَ الفَرْدَ الَّذِي كانَ في كَثِيبِ رَمْلٍ في زَمانِ الطُّوفانِ، ونَقَلَهُ الرِّيحُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ كَمْ مَرَّةٍ، ويَعْلَمُ أنَّهُ أيْنَ هو ولا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، ولِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ يُوجَدُ بَعْدَ هَذِهِ السِّنِينَ ذَرَّةٌ في بَرِّيَّةٍ لا يَسْلُكُها أحَدٌ ولا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، فَلا وجْهَ لِاخْتِصاصِ هَذِهِ الأشْياءِ بِالذِّكْرِ، وإنَّما الحَقُّ فِيهِ أنْ نَقُولَ لَمّا قالَ اللَّهُ: ﴿واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ وذَكَرَ أنَّهُ كائِنٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ كَأنَّ قائِلًا قالَ: فَمَتى يَكُونُ هَذا اليَوْمُ ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّ هَذا العِلْمَ مِمّا لَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِ اللَّهِ، ولَكِنْ هو كائِنٌ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّلِيلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْناهُما مِرارًا عَلى البَعْثِ، أحَدُهُما: إحْياءُ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى﴾ [الروم: ٥٠] وقالَ تَعالى: ﴿ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ وقالَ هَهُنا: يا أيُّها السّائِلُ إنَّكَ لا تَعْلَمُ وقْتَها ولَكِنَّها كائِنَةٌ، واللَّهُ قادِرٌ عَلَيْها كَما هو قادِرٌ عَلى إحْياءِ الأرْضِ حَيْثُ قالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ وقالَ: ﴿يُحْيِي الأرْضَ﴾ .
وثانِيهِما: الخَلْقُ ابْتِداءً كَما قالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ٢٧] وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ هَهُنا ﴿ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ إشارَةً إلى أنَّ السّاعَةَ وإنْ كُنْتَ لا تَعْلَمُها لَكِنَّها كائِنَةٌ، واللَّهُ قادِرٌ عَلَيْها، وكَما هو قادِرٌ عَلى الخَلْقِ في الأرْحامِ كَذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى الخَلْقِ مِنَ الرُّخامِ، ثُمَّ قالَ لِذَلِكَ الطّالِبِ عِلْمَهُ: يا أيُّها السّائِلُ إنَّكَ تَسْألُ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها، فَلَكَ أشْياءُ أهَمُّ مِنها لا تَعْلَمُها، فَإنَّكَ لا تَعْلَمُ مَعاشَكَ ومَعادَكَ، ولا تَعْلَمُ ماذا تَكْسِبُ غَدًا مَعَ أنَّهُ فِعْلُكَ وزَمانُكَ، ولا تَعْلَمُ أيْنَ تَمُوتُ مَعَ أنَّهُ شُغْلُكَ ومَكانُكَ، فَكَيْفَ تَعْلَمُ قِيامَ السّاعَةِ مَتى تَكُونُ، فاللَّهُ ما أعْلَمَكَ كَسْبَ غَدِكَ مَعَ أنَّ لَكَ فِيهِ فَوائِدَ تُبْنى عَلَيْها الأُمُورُ مِن يَوْمِكَ، ولا أعْلَمَكَ أيْنَ تَمُوتُ، مَعَ أنَّ لَكَ فِيهِ أغْراضًا تُهَيِّئُ أُمُورَكَ بِسَبَبِ ذَلِكَ العِلْمِ، وإنَّما لَمْ يُعْلِمْكَ لِكَيْ تَكُونَ في وقْتٍ بِسَبَبِ الرِّزْقِ راجِعًا إلى اللَّهِ تَعالى مُتَوَكِّلًا عَلى اللَّهِ، ولا أعْلَمَكَ الأرْضَ الَّتِي تَمُوتُ فِيها كَيْ لا تَأْمَنَ المَوْتَ، وأنْتَ في غَيْرِها، فَإذا لَمْ يُعْلِمْكَ ما تَحْتاجُ إلَيْهِ كَيْفَ يُعْلِمُكَ ما لا حاجَةَ لَكَ إلَيْهِ، وهي السّاعَةُ ؟ ! وإنَّما الحاجَةُ إلى العِلْمِ بِأنَّها تَكُونُ، وقَدْ أُعْلِمْتَ مِنَ اللَّهِ عَلى لِسانِ أنْبِيائِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ لَمّا خَصَّصَ أوَّلًا عِلْمَهُ بِالأشْياءِ المَذْكُورَةِ، بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ ذَكَرَ أنَّ عِلْمَهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِها، بَلْ هو عَلِيمٌ مُطْلَقًا بِكُلِّ شَيْءٍ، ولَيْسَ عِلْمُهُ عِلْمًا بِظاهِرِ الأشْياءِ فَحَسْبُ، بَلْ خَبِيرٌ عِلْمُهُ واصِلٌ إلى بَواطِنِ الأشْياءِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences