Ar-RaziAs‑Sajdah · 32:6–16

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

As-Sajdah 32:6–16

32:6–9Page 415

ذَٰلِكَ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦

That is the Knower of the unseen and the witnessed, the Exalted in Might, the Merciful,

ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَٰنِ مِن طِينٖ ٧

Who perfected everything which He created and began the creation of man from clay.

ثُمَّ جَعَلَ نَسۡلَهُۥ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ ٨

Then He made his posterity out of the extract of a liquid disdained.

ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٩

Then He proportioned him and breathed into him from His [created] soul1 and made for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect]; little are you grateful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾

* وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ آدَمَ كانَ مِن طِينٍ، ونَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ، هو النُّطْفَةُ، وعَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي هو أنَّ أصْلَهُ مِنَ الطِّينِ، ثُمَّ يُوجَدُ مِن ذَلِكَ الأصْلِ سُلالَةٌ هي مِن ماءٍ مَهِينٍ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: التَّفْسِيرُ الثّانِي غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ﴾ ثُمَّ

صفحة ١٥٢

جَعَلَ نَسْلَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ جَعْلَ النَّسْلِ بَعْدَ خَلْقِ الإنْسانِ مِن طِينٍ، فَنَقُولُ: لا، بَلِ التَّفْسِيرُ الثّانِي أقْرَبُ إلى التَّرْتِيبِ اللَّفْظِيِّ، فَإنَّهُ تَعالى بَدَأ بِذِكْرِ الأمْرِ مِنَ الِابْتِداءِ في خَلْقِ الإنْسانِ، فَقالَ: بَدَأهُ مِن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَهُ سُلالَةً، ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ، وعَلى ما ذَكَرْتُمْ يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ عائِدٌ إلى آدَمَ أيْضًا؛ لِأنَّ كَلِمَةَ “ ثُمَّ “ لِلتَّراخِي، فَتَكُونُ التَّسْوِيَةُ بَعْدَ جَعْلِ النَّسْلِ مِن سُلالَةٍ، وذَلِكَ بَعْدَ خَلْقِ آدَمَ، واعْلَمْ أنَّ دَلائِلَ الآفاقِ أدَلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ﴾ [غافر: ٥٧] ودَلائِلُ الأنْفُسِ أدَلُّ عَلى نَفاذِ الإرادَةِ، فَإنَّ التَّغَيُّراتِ فِيها كَثِيرَةٌ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾، ﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ أيْ كانَ طِينًا فَجَعَلَهُ مَنِيًّا، ثُمَّ جَعَلَهُ بَشَرًا سَوِيًّا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ إضافَةُ الرُّوحِ إلى نَفْسِهِ كَإضافَةِ البَيْتِ إلَيْهِ لِلتَّشْرِيفِ، واعْلَمْ أنَّ النَّصارى يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ويَقُولُونَ: بِأنَّ عِيسى كانَ رُوحَ اللَّهِ فَهو ابْنٌ، ولا يَعْلَمُونَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ رُوحُهُ رُوحُ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ أيِ الرُّوحِ الَّتِي هي مِلْكُهُ كَما يَقُولُ القائِلُ: دارِي وعَبْدِي، ولَمْ يَقُلْ أعْطاهُ مِن جِسْمِهِ؛ لِأنَّ الشَّرَفَ بِالرُّوحِ، فَأضافَ الرُّوحَ دُونَ الجِسْمِ عَلى ما يَتَرَتَّبُ عَلى نَفْخِ الرُّوحِ مِنَ السَّمْعِ والبَصَرِ والعِلْمِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ﴾ مُخاطِبًا ولَمْ يُخاطِبْ مِن قَبْلُ، وذَلِكَ لِأنَّ الخِطابَ يَكُونُ مَعَ الحَيِّ، فَلَمّا قالَ: ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ خاطَبَهُ مِن بَعْدِهِ وقالَ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾، فَإنْ قِيلَ: الخِطابُ واقِعٌ قَبْلَ ذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ [الروم: ٢٠] فَنَقُولُ: هُناكَ لَمْ يَذْكُرِ الأُمُورَ المُرَتَّبَةَ، وإنَّما أشارَ إلى تَمامِ الخَلْقِ، وهاهُنا ذَكَرَ الأُمُورَ المُرَتَّبَةَ وهي كَوْنُ الإنْسانِ طِينًا ثُمَّ ماءً مَهِينًا، ثُمَّ خَلْقًا مُسَوًّى، بِأنْواعِ القُوى مُقَوًّى؛ فَخاطَبَ في بَعْضِ المَراتِبِ دُونَ البَعْضِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: التَّرْتِيبُ في السَّمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ يَسْمَعُ أوَّلًا مِنَ الأبَوَيْنِ أوِ النّاسِ أُمُورًا فَيَفْهَمُها، ثُمَّ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ بَصِيرَةٌ فَيُبْصِرُ الأُمُورَ ويُجَرِّبُها، ثُمَّ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ إدْراكٌ تامٌّ وذِهْنٌ كامِلٌ فَيَسْتَخْرِجُ الأشْياءَ مِن قِبَلِهِ، ومِثالُهُ: شَخْصٌ يَسْمَعُ مِن أُسْتاذٍ شَيْئًا ثُمَّ يَصِيرُ لَهُ أهْلِيَّةُ مُطالَعَةِ الكُتُبِ وفَهْمِ مَعانِيها، ثُمَّ يَصِيرُ لَهُ أهْلِيَّةُ التَّصْنِيفِ فَيَكْتُبُ مِن قَلْبِهِ كِتابًا، فَكَذَلِكَ الإنْسانُ يَسْمَعُ ثُمَّ يُطالِعُ صَحائِفَ المَوْجُوداتِ ثُمَّ يَعْلَمُ الأُمُورَ الخَفِيَّةَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ في السَّمْعِ المَصْدَرَ وفي البَصَرِ والفُؤادِ الِاسْمَ، ولِهَذا جَمَعَ الأبْصارَ والأفْئِدَةَ ولَمْ يَجْمَعِ السَّمْعَ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يُجْمَعُ، وذَلِكَ لِحِكْمَةٍ؛ وهو أنَّ السَّمْعَ قُوَّةٌ واحِدَةٌ ولَها فِعْلٌ واحِدٌ، فَإنَّ الإنْسانَ لا يَضْبِطُ في زَمانٍ واحِدٍ كَلامَيْنِ، والأُذُنُ مَحَلُّهُ ولا اخْتِيارَ لَها فِيهِ، فَإنَّ الصَّوْتَ مِن أيِّ جانِبٍ كانَ يَصِلُ إلَيْهِ، ولا قُدْرَةَ لَها عَلى تَخْصِيصِ القُوَّةِ بِإدْراكِ البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، وأمّا الإبْصارُ فَمَحَلُّهُ العَيْنُ ولَها فِيهِ شِبْهُ اخْتِيارٍ فَإنَّها تَتَحَرَّكُ إلى جانِبٍ مَرْئِيٍّ دُونَ آخَرَ، وكَذَلِكَ الفُؤادُ مَحَلُّ الإدْراكِ ولَهُ نَوْعُ اخْتِيارٍ يَلْتَفِتُ إلى ما يُرِيدُ دُونَ غَيْرِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لِلْمَحَلِّ في السَّمْعِ تَأْثِيرٌ، والقُوَّةُ مُسْتَبِدَّةٌ، فَذَكَرَ القُوَّةَ في الأُذُنِ وفي العَيْنِ، والفُؤادُ لِلْمَحَلِّ نَوْعُ اخْتِيارٍ، فَذَكَرَ المَحَلَّ لِأنَّ الفِعْلَ يُسْنَدُ إلى المُخْتارِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: سَمِعَ زَيْدٌ ورَأى عَمْرٌو. ولا تَقُولُ: سَمِعَ أُذُنُ زَيْدٍ ولا رَأى عَيْنُ عَمْرٍو إلّا نادِرًا، لِما بَيَّنّا أنَّ المُخْتارَ هو الأصْلُ وغَيْرُهُ آلَتُهُ، فالسَّمْعُ أصْلٌ دُونَ مَحَلِّهِ لِعَدَمِ الِاخْتِيارِ لَهُ، والعَيْنُ كالأصْلِ، وقُوَّةُ الإبْصارِ آلَتُها، والفُؤادُ كَذَلِكَ، وقُوَّةُ الفَهْمِ آلَتُهُ، فَذَكَرَ في السَّمْعِ المَصْدَرَ الَّذِي هو القُوَّةُ، وفي الأبْصارِ والأفْئِدَةِ الِاسْمَ الَّذِي هو مَحَلُّ القُوَّةِ؛ ولِأنَّ السَّمْعَ لَهُ قُوَّةٌ واحِدَةٌ، ولَها فِعْلٌ

صفحة ١٥٣

واحِدٌ؛ ولِهَذا لا يَسْمَعُ الإنْسانُ في زَمانٍ واحِدٍ كَلامَيْنِ عَلى وجْهٍ يَضْبِطُهُما، ويُدْرِكُ في زَمانٍ واحِدٍ صُورَتَيْنِ وأكْثَرَ ويَسْتَبِينُهُما.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لِمَ قَدَّمَ السَّمْعَ هَهُنا والقَلْبَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] ؟ فَنَقُولُ: ذَلِكَ يُحَقِّقُ ما ذَكَرْنا، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَ الإعْطاءِ ذَكَرَ الأدْنى وارْتَقى إلى الأعْلى فَقالَ: أعْطاكُمُ السَّمْعَ ثُمَّ أعْطاكم ما هو أشْرَفُ مِنهُ وهو القَلْبُ. وعِنْدَ السَّلْبِ قالَ: لَيْسَ لَهم قَلْبٌ يُدْرِكُونَ بِهِ ولا ما هو دُونَهُ وهو السَّمْعُ الَّذِي يَسْمَعُونَ بِهِ مِمَّنْ لَهُ قَلْبٌ يَفْهَمُ الحَقائِقَ ويَسْتَخْرِجُها، وقَدْ ذَكَرْنا هُناكَ ما هو السَّبَبُ في تَأْخِيرِ الأبْصارِ مَعَ أنَّها في الوَسَطِ فِيما ذَكَرْنا مِنَ التَّرْتِيبِ، وهو أنَّ القَلْبَ والسَّمْعَ سَلَبَ قُوَّتَهُما بِالطَّبْعِ، فَجَمَعَ بَيْنَهُما، وسَلَبَ قُوَّةَ البَصَرِ بِجَعْلِ الغِشاوَةِ عَلَيْهِ فَذَكَرَها مُتَأخِّرَةً.

32:10Page 415

وَقَالُوٓاْ أَءِذَا ضَلَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدِۭۚ بَلۡ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ كَٰفِرُونَ ١٠

And they say, "When we are lost [i.e., disintegrated] within the earth, will we indeed be [recreated] in a new creation?" Rather, they are, in the meeting with their Lord, disbelievers.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾

لَمّا قالَ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ بَيَّنَ عَدَمَ شُكْرِهِمْ بِإتْيانِهِمْ بِضِدِّهِ وهو الكُفْرُ وإنْكارُ قُدْرَتِهِ عَلى إحْياءِ المَوْتى، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى في كَلامِهِ القَدِيمِ كُلَّما ذَكَرَ أصْلَيْنِ مِنَ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ لَمْ يَتْرُكِ الأصْلَ الثّالِثَ، وهاهُنا كَذَلِكَ لَمّا ذَكَرَ الرِّسالَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ [السجدة: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [السجدة: ٣] وذَكَرَ الوَحْدانِيَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ﴾ [السجدة: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ ذَكَرَ الأصْلَ الثّالِثَ وهو الحَشْرُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى ما سَبَقَ مِنهم، فَإنَّهم قالُوا: مُحَمَّدٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ، واللَّهُ لَيْسَ بِواحِدٍ، وقالُوا: الحَشْرُ لَيْسَ بِمُمْكِنٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ في الرِّسالَةِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ، وقالَ في تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ في الحَشْرِ: ﴿وقالُوا﴾ بِلَفْظِ الماضِي؛ وذَلِكَ لِأنَّ تَكْذِيبَهم إيّاهُ في رِسالَتِهِ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ وُجُودِهِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ حالَةَ وُجُودِهِ فَقالَ: ﴿يَقُولُونَ﴾ يَعْنِي هم فِيهِ، وأمّا إنْكارُهم لِلْحَشْرِ كانَ سابِقًا صادِرًا مِنهم ومِن آبائِهِمْ فَقالَ: ﴿وقالُوا﴾ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِذِكْرِ قَوْلِهِمْ في الرِّسالَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ وفي الحَشْرِ حَيْثُ قالَ: ﴿وقالُوا أئِذا﴾ ولَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِ قَوْلِهِمْ في الوَحْدانِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا مُصِرِّينَ في جَمِيعِ الأحْوالِ عَلى إنْكارِ الحَشْرِ والرَّسُولِ، وأمّا الوَحْدانِيَّةُ فَكانُوا يَعْتَرِفُونَ بِها في المَعْنى، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] فَلَمْ يَقُلْ: قالُوا إنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِواحِدٍ، وإنْ كانُوا قالُوهُ في الظّاهِرِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لَوْ قالَ قائِلٌ: لَمّا ذَكَرَ الرِّسالَةَ ذَكَرَ مِن قَبْلُ دَلِيلَها وهو التَّنْزِيلُ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ، ولَمّا ذَكَرَ الوَحْدانِيَّةَ ذَكَرَ دَلِيلَها وهو خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وخَلْقُ الإنْسانِ مَن طِينٍ، ولَمّا ذَكَرَ إنْكارَهُمُ الحَشْرَ لَمْ يَذْكُرِ الدَّلِيلَ. نَقُولُ في الجَوابِ: ذَكَرَ دَلِيلَهُ أيْضًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ خَلْقَ الإنْسانِ ابْتِداءً دَلِيلٌ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَتِهِ،

صفحة ١٥٤

ولِهَذا اسْتَدَلَّ اللَّهُ عَلى إمْكانِ الحَشْرِ بِالخَلْقِ الأوَّلِ كَما قالَ: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] وكَذَلِكَ خَلْقُ السَّماواتِ كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى﴾ [يس: ٨١] .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ أئِنّا كائِنُونَ في خَلْقٍ جَدِيدٍ أوْ واقِعُونَ فِيهِ ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ إضْرابٌ عَنِ الأوَّلِ؛ يَعْنِي لَيْسَ إنْكارُهم لِمُجَرَّدِ الخَلْقِ ثانِيًا بَلْ يَكْفُرُونَ بِجَمِيعِ أحْوالِ الآخِرَةِ حَتّى لَوْ صَدَّقُوا بِالخَلْقِ؛ الثّانِي لَمّا اعْتَرَفُوا بِالعَذابِ والثَّوابِ، أوْ نَقُولُ: مَعْناهُ لَمْ يُنْكِرُوا البَعْثَ لِنَفْسِهِ بَلْ لِكُفْرِهِمْ، فَإنَّهم أنْكَرُوهُ فَأنْكَرُوا المُفْضِيَ إلَيْهِ، ثُمَّ بَيَّنَ ما يَكُونُ لَهم مِنَ المَوْتِ إلى العَذابِ.

32:11Page 415

۞ قُلۡ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ ١١

Say, "The angel of death who has been entrusted with you will take you. Then to your Lord you will be returned."

فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾

يَعْنِي لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ ثُمَّ مِنَ الحَياةِ بَعْدَهُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَغْفُلُ عَنْكم، وإذا جاءَ أجَلُكم لا يُؤَخِّرُكم إذْ لا شُغْلَ لَهُ إلّا هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ يُنْبِئُ عَنْ بَقاءِ الأرْواحِ، فَإنَّ التَّوَفِّيَ الِاسْتِيفاءُ، والقَبْضَ هو الأخْذُ، والإعْدامُ المَحْضُ لَيْسَ بِأخْذٍ، ثُمَّ إنَّ الرُّوحَ الزَّكِيَّ الطّاهِرَ يَبْقى عِنْدَ المَلائِكَةِ مِثْلَ الشَّخْصِ بَيْنَ أهْلِهِ المُناسِبِينَ لَهُ، والخَبِيثَ الفاجِرَ يَبْقى عِنْدَهم كَأسِيرٍ بَيْنَ قَوْمٍ لا يَعْرِفُهم ولا يَعْرِفُ لِسانَهم، والأوَّلُ يَنْمُو ويَزِيدُ ويَزْدادُ صَفاؤُهُ وقُوَّتُهُ والآخَرُ يَذْبُلُ ويَضْعُفُ ويَزْدادُ شَقاؤُهُ وكُدُورَتُهُ. والحُكَماءُ يَقُولُونَ: إنَّ الأرْواحَ الطّاهِرَةَ تَتَعَلَّقُ بِجِسْمٍ سَماوِيٍّ خَيْرٌ مِن بَدَنِها وتَكْمُلُ بِهِ، والأرْواحَ الفاجِرَةَ لا كَمالَ لَها بَعْدَ التَّعَلُّقِ.

الثّانِي: فَإنْ أرادُوا ما ذُكِرَ بِها فَقَدْ وافَقُونا وإلّا فَيُغَيَّرُ النَّظَرُ في ذَلِكَ بِحَسَبِ إرادَتِهِمْ، فَقَدْ يَكُونُ قَوْلُهم حَقًّا وقَدْ يَكُونُ غَيْرَ حَقٍّ، فَإنْ قِيلَ: هم أنْكَرُوا الإحْياءَ واللَّهُ ذَكَرَ المَوْتَ وبَيْنَهُما مُبايَنَةٌ. نَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ الإحْياءِ، ودَفَعَ اسْتِبْعادَ ذَلِكَ فَإنَّهم قالُوا: ما عُدِمَ بِالكُلِّيَّةِ كَيْفَ يَكُونُ المَوْجُودُ عَيْنَ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: المَلَكُ يَقْبِضُ الرُّوحَ والأجْزاءُ تَتَفَرَّقُ، فَجَمْعُ الأجْزاءِ لا بُعْدَ فِيهِ، وأمْرُ المَلَكِ بِرَدِّ ما قَبَضَهُ لا صُعُوبَةَ فِيهِ أيْضًا، فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ أيِ الأرْواحُ مَعْلُومَةٌ، فَتُرَدُّ إلى أجْسادِها.

32:12Page 416

وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ١٢

If you could but see when the criminals are hanging their heads before their Lord, [saying], "Our Lord, we have seen and heard, so return us [to the world]; we will work righteousness. Indeed, we are [now] certain."

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾

لَمّا ذَكَرَ أنَّهم يُرْجَعُونَ إلى رَبِّهِمْ بَيَّنَ ما يَكُونُ عِنْدَ الرُّجُوعِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ يَعْنِي لَوْ تَرى حالَهم وتُشاهِدُ اسْتِخْجالَهم لَتَرى عَجَبًا، وقَوْلُهُ: ﴿تَرى﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ تَشَفِّيًا لِصَدْرِهِ، فَإنَّهم كانُوا يُؤْذُونَهُ بِالتَّكْذِيبِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عامًّا مَعَ كُلِّ أحَدٍ كَما يَقُولُ القائِلُ: إنَّ فُلانًا كَرِيمٌ، إنْ خَدَمْتَهُ ولَوْ لَحْظَةً يُحْسِنُ إلَيْكَ طُولَ عُمُرِكَ ولا يُرِيدُ بِهِ خاصًّا.

وقَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾

صفحة ١٥٥

لِبَيانِ شِدَّةِ الخَجالَةِ؛ لِأنَّ الرَّبَّ إذا أساءَ إلَيْهِ المَرْبُوبُ، ثُمَّ وقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَكُونُ في غايَةِ الخَجالَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا﴾ يَعْنِي يَقُولُونَ أوْ قائِلِينَ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا﴾ وحَذَفَ “ يَقُولُونَ “ إشارَةً إلى غايَةِ خَجالَتِهِمْ لِأنَّ الخَجِلَ العَظِيمَ الخَجالَةِ لا يَتَكَلَّمُ، وقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا﴾ أيْ أبْصَرْنا الحَشْرَ وسَمِعْنا قَوْلَ الرَّسُولِ فارْجِعْنا إلى دارِ الدُّنْيا لِنَعْمَلَ صالِحًا، وقَوْلُهم: ﴿إنّا مُوقِنُونَ﴾ مَعْناهُ إنّا في الحالِ آمَنّا، ولَكِنَّ النّافِعَ الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، ولَكِنَّ العَمَلَ الصّالِحَ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ التَّكْلِيفِ بِهِ وهو في الدُّنْيا فارْجِعْنا لِلْعَمَلِ، وهَذا باطِلٌ مِنهم فَإنَّ الإيمانَ لا يُقْبَلُ في الآخِرَةِ كالعَمَلِ الصّالِحِ. أوْ نَقُولُ المُرادُ مِنهُ أنَّهم يُنْكِرُونَ الشِّرْكَ كَما قالُوا: ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فَقالُوا: إنَّ هَذا الَّذِي جَرى عَلَيْنا ما جَرى إلّا بِسَبَبِ تَرْكِ العَمَلِ الصّالِحِ، وأمّا الإيمانُ فَإنّا مُوقِنُونَ وما أشْرَكْنا.

32:13Page 416

وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١٣

And if We had willed, We could have given every soul its guidance, but the word1 from Me will come into effect [that] "I will surely fill Hell with jinn and people all together.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا﴾ وبَيانُهُ هو أنَّهُ تَعالى قالَ: إنِّي لَوْ أرْجَعْتُكم إلى الإيمانِ لَهَدَيْتُكم في الدُّنْيا، ولَمّا لَمْ أهْدِكم تَبَيَّنَ أنِّي ما أرَدْتُ وما شِئْتُ إيمانَكم فَلا أرُدُّكم، وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا﴾ صَرِيحٌ في أنَّ مَذْهَبَنا صَحِيحٌ حَيْثُ نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ ما أرادَ الإيمانَ مِنَ الكافِرِ وما شاءَ مِنهُ إلّا الكُفْرَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ أيْ وقَعَ القَوْلُ وهو قَوْلُهُ تَعالى لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ﴾ هَذا مِن حَيْثُ النَّقْلِ، ولَهُ وجْهٌ في العَقْلِ؛ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَفْعَلْ فِعْلًا خالِيًا عَنْ حِكْمَةٍ، وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، والخِلافُ في أنَّهُ هَلْ قَصَدَ الفِعْلَ لِلْحِكْمَةِ أوْ فَعَلَ الفِعْلَ ولَزِمَتْهُ الحِكْمَةُ لا بِحَيْثُ تَحْمِلُهُ تِلْكَ الحِكْمَةُ عَلى الفِعْلِ ؟ وإذا عُلِمَ أنْ فِعْلَهُ لا يَخْلُو عَنِ الحِكْمَةِ فَقالَ الحُكَماءُ: حِكْمَةُ أفْعالِهِ بِأمْرِها لا تُدْرَكُ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ لَكِنْ تُدْرِكُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، فَكُلُّ ضَرْبٍ يَكُونُ في العالَمِ وفَسادٍ فَحِكْمَتُهُ تَخْرُجُ مِن تَقْسِيمٍ عَقْلِيٍّ، وهو أنَّ الفِعْلَ إمّا أنْ يَكُونَ خَيْرًا مَحْضًا أوْ شَرًّا مَحْضًا أوْ خَيْرًا مَشُوبًا بِشَرٍّ، وهَذا القِسْمُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: قِسْمٌ خَيْرُهُ غالِبٌ وقِسْمٌ شَرُّهُ غالِبٌ، وقِسْمٌ خَيْرُهُ وشَرُّهُ مِثْلانِ.

إذا عُلِمَ هَذا فَخَلَقَ اللَّهُ عالَمًا فِيهِ الخَيْرُ المَحْضُ وهو عالَمُ المَلائِكَةِ وهو العالَمُ العُلْوِيُّ، وخَلَقَ عالَمًا فِيهِ خَيْرٌ وشَرٌّ وهو عالَمُنا، وهو العالَمُ السُّفْلِيُّ ولَمْ يَخْلُقْ عالَمًا فِيهِ شَرٌّ مَحْضٌ، ثُمَّ إنَّ العالَمَ السُّفْلِيَّ الَّذِي هو عالَمُنا وإنْ كانَ الخَيْرُ والشَّرُّ مَوْجُودَيْنِ فِيهِ لَكِنَّهُ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ الَّذِي خَيْرُهُ غالِبٌ، فَإنَّكَ إذا قابَلْتَ المَنافِعَ بِالمَضارِّ والنّافِعَ بِالضّارِّ، تَجِدُ المَنافِعَ أكْثَرَ، وإذا قابَلْتَ الشِّرِّيرَ بِالخَيِّرِ تَجِدُ الخَيِّرَ أكْثَرَ، وكَيْفَ لا والمُؤْمِنُ يُقابِلُهُ الكافِرُ، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يُمْكِنُ وُجُودُهُ بِحَيْثُ لا يَكُونُ فِيهِ شَرٌّ أصْلًا مِن أوَّلِ عُمُرِهِ إلى آخِرِهِ كالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والأوْلِياءُ، والكافِرُ لا يُمْكِنُ وُجُودُهُ بِحَيْثُ لا يَكُونُ فِيهِ خَيْرٌ أصْلًا، غايَةُ ما في البابِ أنَّ الكُفْرَ يُحْبِطُ خَيْرَهُ ولا يَنْفَعُهُ، إنَّما يَسْتَحِيلُ نَظَرًا إلى العادَةِ أنْ يُوجَدَ كافِرٌ لا يَسْقِي العَطْشانَ شَرْبَةَ ماءٍ ولا يُطْعِمُ الجائِعَ لُقْمَةَ خُبْزٍ ولا يَذْكُرُ رَبَّهُ في عُمُرِهِ، وكَيْفَ لا وهو في زَمَنِ صِباهُ كانَ مَخْلُوقًا عَلى الفِطْرَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْخَيْراتِ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قالُوا: لَوْلا الشَّرُّ في هَذا العالَمِ لَكانَتْ مَخْلُوقاتُ اللَّهِ تَعالى مُنْحَصِرَةً في الخَيْرِ المَحْضِ ولا يَكُونُ قَدْ خَلَقَ القِسْمَ الَّذِي فِيهِ الخَيْرُ الغالِبُ والشَّرُّ

صفحة ١٥٦

القَلِيلُ، ثُمَّ إنَّ تَرْكَ خَلْقِ هَذا القِسْمِ إنْ كانَ لِما فِيهِ مِنَ الشَّرِّ، فَتَرْكُ الخَيْرِ الكَثِيرِ لِأجْلِ الشَّرِّ القَلِيلِ لا يُناسِبُ الحِكْمَةَ، ألا تَرى أنَّ التّاجِرَ إذا طُلِبَ مِنهُ دِرْهَمٌ بِدِينارٍ، فَلَوِ امْتَنَعَ وقالَ: في هَذا شَرٌّ وهو زَوالُ الدِّرْهَمِ عَنْ مِلْكِي، فَيُقالُ لَهُ: لَكِنَّ في مُقابَلَتِهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ وهو حُصُولُ الدِّينارِ في مِلْكِكَ، وكَذَلِكَ الإنْسانُ لَوْ تَرَكَ الحَرَكَةَ اليَسِيرَةَ لِما فِيها مِنَ المَشَقَّةِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ تَحْصُلُ لَهُ راحَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ يُنْسَبُ إلى مُخالَفَةِ الحِكْمَةِ، فَإذا نَظَرَ إلى الحِكْمَةِ كانَ وُقُوعُ الخَيْرِ الكَثِيرِ المَشُوبِ بِالشَّرِّ القَلِيلِ مِنَ اللُّطْفِ، فَخَلَقَ العالَمَ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الشَّرُّ، وإلى هَذا أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] فَقالَ اللَّهُ تَعالى في جَوابِهِمْ: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] أيْ أعْلَمُ أنَّ هَذا القِسْمَ يُناسِبُ الحِكْمَةَ؛ لِأنَّ الخَيْرَ فِيهِ كَثِيرٌ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهم خَيْرَهُ بِالتَّعْلِيمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] يَعْنِي أيُّها المَلائِكَةُ خَلْقُ الشَّرِّ المَحْضِ والشَّرِّ الغالِبِ والشَّرِّ المُساوِي لا يُناسِبُ الحِكْمَةَ. وأمّا الخَيْرُ الكَثِيرُ المَشُوبُ بِالشَّرِّ القَلِيلِ مُناسِبٌ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] إشارَةٌ إلى الشَّرِّ، وأجابَهُمُ اللَّهُ بِما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ﴾ .

فَإنْ قالَ قائِلٌ: فاللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى تَخْلِيصِ هَذا القِسْمِ مِنَ الشَّرِّ بِحَيْثُ لا يُوجَدُ فِيهِ شَرٌّ. فَيُقالُ لَهُ ما قالَهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ يَعْنِي لَوْ شِئْنا لَخَلَّصْنا الخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ، لَكِنَّ حِينَئِذٍ لا يَكُونُ اللَّهُ تَعالى خَلَقَ الخَيْرَ الكَثِيرَ المَشُوبَ بِالشَّرِّ القَلِيلِ وهو قِسْمٌ مَعْقُولٌ، فَما كانَ يَجُوزُ تَرْكُهُ لِلشَّرِّ القَلِيلِ وهو لا يُناسِبُ الحِكْمَةَ، لِأنَّ تَرْكَ الخَيْرِ الكَثِيرِ لِلشَّرِّ القَلِيلِ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلْحِكْمَةِ، وإنْ كانَ لا كَذَلِكَ فَلا مانِعَ مَن خَلْقِهِ، فَيَخْلُقُهُ لِما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ الكَثِيرِ، وهَذا الكَلامُ يُعَبِّرُ عَنْهُ مَن يَقُولُ بِرِعايَةِ المَصالِحِ: إنَّ الخَيْرَ في القَضاءِ والشَّرَّ في القَدَرِ، فاللَّهُ قَضى بِالخَيْرِ ووَقَعَ الشَّرُّ في القَدَرِ بِفِعْلِهِ المُنَزَّهِ عَنِ القُبْحِ والجَهْلِ.

وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ لِأنَّهُ تَعالى قالَ لِإبْلِيسَ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ النّارَ لِمَن في العالَمِ السُّفْلِيِّ، والَّذِينَ في العالَمِ العُلْوِيِّ مُبَرَّءُونَ عَنْ دُخُولِ النّارِ وهُمُ المَلائِكَةُ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ وهو الصَّحِيحُ. وقَوْلُهُ: ﴿أجْمَعِينَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا وهو الظّاهِرُ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ حالًا أيْ مَجْمُوعِينَ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جَعَلَ جَمِيعَ الإنْسِ والجِنِّ مِمّا يَمْلَأُ بِهِمُ النّارَ ؟ نَقُولُ: هَذا لِبَيانِ الجِنْسِ، أيْ جَهَنَّمُ تُمْلَأُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لا غَيْرَ أمْنًا لِلْمَلائِكَةِ، ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ دُخُولُ الكُلِّ كَما يَقُولُ القائِلُ: مَلَأْتُ الكِيسَ مِنَ الدَّراهِمِ لا يَلْزَمُ أنْ لا يَبْقى دِرْهَمٌ خارِجَ الكِيسِ، فَإنْ قِيلَ: فَهَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ جَهَنَّمُ ضَيِّقَةً تَمْتَلِئُ بِبَعْضِ الخَلْقِ. نَقُولُ: هو كَذَلِكَ، وإنَّما الواسِعُ الجَنَّةُ الَّتِي هي مِنَ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا﴾ أنَّهم لا رُجُوعَ لَهم قالَ لَهم إذا عَلِمْتُمْ أنَّكم لا رُجُوعَ لَكم.

32:14Page 416

فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٤

So taste [punishment] because you forgot the meeting of this, your Day; indeed, We have [accordingly] forgotten you. And taste the punishment of eternity for what you used to do."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا إنّا نَسِيناكم وذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ”ذُوقُوا“ أيْ ذُوقُوا لِقاءَ يَوْمِكم

صفحة ١٥٧

بِما نَسِيتُمْ، وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَنسِيُّ هو المِيثاقَ الَّذِي أُخِذَ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، أوْ بِما في الفِطْرَةِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ فَيُنْسى بِالإقْبالِ عَلى الدُّنْيا والِاشْتِغالِ بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ: ﴿نَسِيتُمْ﴾ أيْ بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ هَذا اليَوْمِ ذُوقُوا، وعَلى هَذا لَوْ قالَ قائِلٌ: النِّسْيانُ لا يَكُونُ إلّا في المَعْلُومِ أوَّلًا إذا جُهِلَ آخِرًا. نَقُولُ: لَمّا ظَهَرَتْ بَراهِينُهُ فَكَأنَّهُ ظَهَرَ وعُلِمَ، ولَمّا تَرَكُوهُ بَعْدَ الظُّهُورِ ذُكِرَ بِلَفْظِ النِّسْيانِ إشارَةً إلى كَوْنِهِمْ مُنْكِرِينَ لِأمْرٍ ظاهِرٍ كَمَن يُنْكِرُ أمْرًا كانَ قَدْ عَلِمَهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى هَذا يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ.

أحَدُها: أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى اليَوْمِ أيْ فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ هَذا اليَوْمِ.

وثانِيها: أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى لِقاءِ اليَوْمِ أيْ فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ هَذا اللِّقاءَ.

وثالِثُها: أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى العَذابِ أيْ فَذُوقُوا هَذا العَذابَ بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم. ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا نَسِيناكُمْ﴾ أيْ تَرَكْناكم بِالكُلِّيَّةِ غَيْرَ مُلْتَفَتٍ إلَيْكم كَما يَفْعَلُهُ النّاسِي قَطْعًا لِرَجائِكم، ثُمَّ ذَكَرَ ما يَلْزَمُ مِن تَرْكِهِ إيّاهم كَما يَتْرُكُ النّاسِي وهو خُلُودُ العَذابِ؛ لِأنَّ مَن لا يُخَلِّصُهُ اللَّهُ فَلا خَلاصَ لَهُ، فَقالَ: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .

32:15–16Page 416

إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ۩ ١٥

Only those believe in Our verses who, when they are reminded by them, fall down in prostration and exalt [Allāh] with praise of their Lord, and they are not arrogant.

تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ١٦

Their sides part [i.e., they arise] from [their] beds; they supplicate their Lord in fear and aspiration, and from what We have provided them, they spend.1

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ إشارَةً إلى أنَّ الإيمانَ بِالآياتِ كالحاصِلِ، وإنَّما يَنْساهُ البَعْضُ فَإذا ذُكِّرَ بِها خَرَّ ساجِدًا لَهُ، يَعْنِي انْقادَتْ أعْضاؤُهُ لَهُ، وسَبَّحَ بِحَمْدِهِ، يَعْنِي ويُحَرِّكُ لِسانَهُ بِتَنْزِيهِهِ عَنِ الشِّرْكِ، ﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَعْنِي وكانَ قَلْبُهُ خاشِعًا لا يَتَكَبَّرُ ومَن لا يَسْتَكْبِرُ عَنْ عِبادَتِهِ فَهو المُؤْمِنُ حَقًّا.

﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾

يَعْنِي بِاللَّيْلِ قَلِيلًا ما يَهْجَعُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ أيْ يُصَلُّونَ، فَإنَّ الدُّعاءَ والصَّلاةَ مِن بابٍ واحِدٍ في المَعْنى، أوْ يَطْلُبُونَهُ وهَذا لا يُنافِي الأوَّلَ لِأنَّ الطَّلَبَ قَدْ يَكُونُ بِالصَّلاةِ، والحَمْلُ عَلى الأوَّلِ أوْلى لِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ وفي أكْثَرِ المَواضِعِ الَّتِي ذُكِرَ فِيها الزَّكاةُ ذُكِرَ الصَّلاةُ قَبْلَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، وقَوْلُهُ: ﴿خَوْفًا وطَمَعًا﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا أيْ خائِفِينَ طامِعِينَ كَقَوْلِكَ جاءُونِي زُوَّرًا أيْ زائِرِينَ، وكَأنَّ في الآيَةِ الأُولى إشارَةً إلى المَرْتَبَةِ العالِيَةِ وهي العِبادَةُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى مَعَ الذُّهُولِ عَنِ الخَوْفِ والطَّمَعِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَ مُجَرَّدِ الذِّكْرِ يُوجَدُ مِنهُمُ السُّجُودُ وإنْ لَمْ يَكُنْ خَوْفٌ وطَمَعٌ. وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ إشارَةٌ إلى المَرْتَبَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ وهي العِبادَةُ خَوْفًا، كَمَن يَخْدِمُ المَلِكَ الجَبّارَ مَخافَةَ سَطْوَتِهِ أوْ يَخْدِمُ المَلِكَ الجَوادَ طَمَعًا في بِرِّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ ما يَكُونُ لَهم جَزاءَ فِعْلِهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском