Ar-RaziAl‑Ahzab · 33:7–26

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:7–26

33:7Page 419

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ٧

And [mention, O Muḥammad], when We took from the prophets their covenant and from you and from Noah and Abraham and Moses and Jesus, the son of Mary; and We took from them a solemn covenant

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾

وجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالِاتِّقاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ وأكَّدَهُ بِالحِكايَةِ الَّتِي خَشِيَ فِيها النّاسَ لِكَيْ لا يَخْشى فِيها أحَدًا غَيْرَهُ وبَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَرْتَكِبْ أمْرًا يُوجِبُ الخَشْيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أكَّدَهُ بِوَجْهٍ آخَرَ وقالَ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ كَأنَّهُ قالَ اتَّقِ اللَّهَ ولا تَخَفْ أحَدًا واذْكُرْ أنَّ اللَّهَ أخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ في أنَّهم يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ولا يَمْنَعُهم مِن ذَلِكَ خَوْفٌ ولا طَمَعٌ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِنَ المِيثاقِ المَأْخُوذِ مِنَ النَّبِيِّينَ إرْسالُهم وأمْرُهم بِالتَّبْلِيغِ.

صفحة ١٧١

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: خَصَّ بِالذِّكْرِ أرْبَعَةً مِنَ الأنْبِياءِ وهم: نُوحٌ وإبْراهِيمُ ومُوسى وعِيسى؛ لِأنَّ مُوسى وعِيسى كانَ لَهُما في زَمانِ نَبِيِّنا قَوْمٌ وأُمَّةٌ فَذَكَرَهُما احْتِجاجًا عَلى قَوْمِهِما، وإبْراهِيمَ كانَ العَرَبُ يَقُولُونَ بِفَضْلِهِ وكانُوا يَتْبَعُونَهُ في الشَّعائِرِ بَعْضِها، ونُوحًا لِأنَّهُ كانَ أصْلًا ثانِيًا لِلنّاسِ حَيْثُ وُجِدَ الخَلْقُ مِنهُ بَعْدَ الطُّوفانِ، وعَلى هَذا لَوْ قالَ قائِلٌ: فَآدَمُ كانَ أوْلى بِالذِّكْرِ مِن نُوحٍ. فَنَقُولُ: خَلْقُ آدَمَ كانَ لِلْعِمارَةِ ونُبُوَّتُهُ كانَتْ مِثْلَ الإرْشادِ لِلْأوْلادِ ولِهَذا لَمْ يَكُنْ في زَمانِهِ إهْلاكُ قَوْمٍ ولا تَعْذِيبٌ، وأمّا نُوحٌ فَكانَ مَخْلُوقًا لِلنُّبُوَّةِ وأُرْسِلَ لِلْإنْذارِ، ولِهَذا أُهْلِكَ قَوْمُهُ وأُغْرِقُوا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾، ﴿المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ لا أبَ لَهُ إذْ لَوْ كانَ لَوَقَعَ التَّعْرِيفُ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ غِلَظُ المِيثاقِ هو سُؤالُهم عَمّا فَعَلُوا في الإرْسالِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] وهَذا لِأنَّ المَلِكَ إذا أرْسَلَ رَسُولًا وأمَرَهُ بِشَيْءٍ وقَبِلَهُ فَهو مِيثاقٌ، فَإذا أعْلَمَهُ بِأنَّهُ يَسْألُ عَنْ حالِهِ في أفْعالِهِ وأقْوالِهِ يَكُونُ ذَلِكَ تَغْلِيظًا لِلْمِيثاقِ عَلَيْهِ حَتّى لا يَزِيدَ ولا يَنْقُصَ في الرِّسالَةِ، وعَلى هَذا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: بِأنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١] هو الإخْبارُ بِأنَّهم مَسْئُولُونَ عَنْها، كَما قالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: “ «كُلُّكم راعٍ وكُلُّكم مَسْئُولٌ» “، وكَما أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الرِّجالَ قَوّامِينَ عَلى النِّساءِ جَعَلَ الأنْبِياءَ قائِمِينَ بِأُمُورِ أُمَّتِهِمْ وإرْشادِهِمْ إلى سَبِيلِ الرَّشادِ.

33:8–10Page 419

لِّيَسۡـَٔلَ ٱلصَّٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡۚ وَأَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٨

That He may question the truthful about their truth.1 And He has prepared for the disbelievers a painful punishment.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا ٩

O you who have believed, remember the favor of Allāh upon you when armies came to [attack] you and We sent upon them a wind and armies [of angels] you did not see. And ever is Allāh, of what you do, Seeing.

إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ ١٠

[Remember] when they came at you from above you and from below you, and when eyes shifted [in fear], and hearts reached the throats, and you assumed about Allāh [various] assumptions.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾

يَعْنِي أرْسَلَ الرُّسُلَ. وعاقِبَةُ المُكَلَّفِينَ إمّا حِسابٌ وإمّا عَذابٌ، لِأنَّ الصّادِقَ مُحاسَبٌ والكافِرَ مُعَذَّبٌ، وهَذا كَما قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: “ الدُّنْيا حَلالُها حِسابٌ وحَرامُها عَذابٌ “ وهَذا مِمّا يُوجِبُ الخَوْفَ العامَّ فَيَتَأكَّدُ قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ .

﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾

تَحْقِيقًا لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ بِحَيْثُ لا يَبْقى مَعَهُ خَوْفٌ مِن أحَدٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ واقِعَةَ اجْتِماعِ الأحْزابِ واشْتِدادِ الأمْرِ عَلى الأصْحابِ حَيْثُ اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ بِأسْرِهِمْ واليَهُودُ بِأجْمَعِهِمْ ونَزَلُوا عَلى المَدِينَةِ وعَمِلَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ الخَنْدَقَ، كانَ الأمْرُ في غايَةِ الشِّدَّةِ والخَوْفِ بالِغًا إلى الغايَةِ، واللَّهُ دَفَعَ القَوْمَ عَنْهم مِن غَيْرِ قِتالٍ وآمَنَهم مِنَ الخَوْفِ، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَخافَ العَبْدُ غَيْرَ رَبِّهِ فَإنَّهُ كافٍ أمْرَهُ ولا يَأْمَنُ مَكْرَهُ فَإنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ

صفحة ١٧٢

مُمْكِنٍ فَكانَ قادِرًا عَلى أنْ يَقْهَرَ المُسْلِمِينَ بِالكُفّارِ مَعَ أنَّهم كانُوا ضُعَفاءَ كَما قَهَرَ الكافِرِينَ بِالمُؤْمِنِينَ مَعَ قُوَّتِهِمْ وشَوْكَتِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ إشارَةٌ إلى ما فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ مِن إرْسالِ رِيحٍ بارِدَةٍ عَلَيْهِمْ في لَيْلَةٍ شاتِيَةٍ وإرْسالِ المَلائِكَةِ وقَذْفِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ حَتّى كانَ البَعْضُ يَلْتَزِقُ بِالبَعْضِ مِن خَوْفِ الخَيْلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ، والحِكايَةُ مَشْهُورَةٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ عَلِمَ التِجاءَكم إلَيْهِ ورَجاءَكم فَضْلَهُ فَنَصَرَكم عَلى الأعْداءِ عِنْدَ الِاسْتِعْداءِ، وهَذا تَقْرِيرٌ لِوُجُوبِ الخَوْفِ وعَدَمِ جَوازِ الخَوْفِ مِن غَيْرِ اللَّهِ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ أيِ اللَّهُ يَقْضِي حاجَتَكم وأنْتُمْ لا تَرَوْنَ، فَإنْ كانَ لا يَظْهَرُ لَكم وجْهُ الأمْنِ فَلا تَلْتَفِتُوا إلى عَدَمِ ظُهُورِهِ لَكم لِأنَّكم لا تَرَوْنَ الأشْياءَ فَلا تَخافُونَ غَيْرَ اللَّهِ ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَلا تَقُولُوا بِأنّا نَفْعَلُ شَيْئًا وهو لا يُبْصِرُهُ ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ بَيانٌ لِشِدَّةِ الأمْرِ وغايَةِ الخَوْفِ، وقِيلَ: ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ أيْ مِن جانِبِ الشَّرْقِ، ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن جانِبِ الغَرْبِ وهم أهْلُ مَكَّةَ ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ أيْ مالَتْ عَنْ سُنَنِها فَلَمْ تَلْتَفِتْ إلى العَدُوِّ لِكَثْرَتِهِ، ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ كِنايَةٌ عَنْ غايَةِ الشِّدَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَلْبَ عِنْدَ الغَضَبِ يَنْدَفِعُ وعِنْدَ الخَوْفِ يَجْتَمِعُ فَيَتَقَلَّصُ فَيَلْتَصِقُ بِالحَنْجَرَةِ، وقَدْ يُفْضِي إلى أنْ يَسُدَّ مَجْرى النَّفْسِ لا يَقْدِرُ المَرْءُ يَتَنَفَّسُ ويَمُوتُ مِنَ الخَوْفِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] .

وقَوْلُهُ: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ الألِفُ واللّامُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونا بِمَعْنى الِاسْتِغْراقِ مُبالَغَةً يَعْنِي تَظُنُّونَ كُلَّ ظَنٍّ؛ لِأنَّ عِنْدَ الأمْرِ العَظِيمِ كُلُّ أحَدٍ يَظُنُّ شَيْئًا ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ظُنُونَهُمُ المَعْهُودَةَ؛ لِأنَّ المَعْهُودَ مِنَ المُؤْمِنِ ظَنُّ الخَيْرِ بِاللَّهِ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: “ «ظُنُّوا بِاللَّهِ خَيْرًا» “ ومِنَ الكافِرِ الظَّنُّ السَّوْءُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧]، وقَوْلُهُ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ [يونس: ٦٦] فَإنْ قالَ قائِلٌ: المَصْدَرُ لا يُجْمَعُ، فَما الفائِدَةُ في جَمْعِ الظُّنُونِ ؟ فَنَقُولُ: لا شَكَّ في أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ ولَكِنَّ الِاسْمَ قَدْ يُجْعَلُ مَصْدَرًا كَما يُقالُ: ضَرَبْتُهُ سِياطًا وأدَّبْتُهُ مِرارًا. فَكَأنَّهُ قالَ: ظَنَنْتُمْ ظَنًّا بَعْدَ ظَنٍّ أيْ ما ثَبَتُّمْ عَلى ظَنٍّ، فالفائِدَةُ هي أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ قالَ: تَظُنُّونَ ظَنًّا، جازَ أنْ يَكُونُوا مُصِيبِينَ فَإذا قالَ ظُنُونًا، تَبَيَّنَ أنَّ فِيهِمْ مَن كانَ ظَنُّهُ كاذِبًا لِأنَّ الظُّنُونَ قَدْ تُكَذَّبُ كُلُّها وقَدْ يُكَذَّبُ بَعْضُها إذا كانَتْ في أمْرٍ واحِدٍ، مِثالُهُ: إذا رَأى جَمْعٌ مِن بَعِيدٍ جِسْمًا وظَنَّ بَعْضُهم أنَّهُ زَيْدٌ وآخَرُونَ أنَّهُ عَمْرٌو وقالَ ثالِثٌ: إنَّهُ بَكْرٌ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُمُ الحَقُّ قَدْ يَكُونُ الكُلُّ مُخْطِئِينَ والمَرْئِيُّ شَجَرٌ أوْ حَجَرٌ. وقَدْ يَكُونُ أحَدُهم مُصِيبًا ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا كُلُّهم مُصِيبِينَ فَقَوْلُهُ: ﴿الظُّنُونا﴾ أفادَ أنَّ فِيهِمْ مَن أخْطَأ الظَّنَّ، ولَوْ قالَ: تَظُنُّونَ بِاللَّهِ ظَنًّا ما كانَ يُفِيدُ هَذا.

33:11–13Page 419

هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا ١١

There the believers were tested and shaken with a severe shaking.

وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا ١٢

And [remember] when the hypocrites and those in whose hearts is disease said, "Allāh and His Messenger did not promise us except delusion,"

وَإِذۡ قَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ يَٰٓأَهۡلَ يَثۡرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمۡ فَٱرۡجِعُواْۚ وَيَسۡتَـٔۡذِنُ فَرِيقٞ مِّنۡهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوۡرَةٞ وَمَا هِيَ بِعَوۡرَةٍۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارٗا ١٣

And when a faction of them said, "O people of Yathrib,1 there is no stability for you [here], so return [home]." And a party of them asked permission of the Prophet, saying, "Indeed, our houses are exposed [i.e., unprotected]," while they were not exposed. They did not intend except to flee.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾

أيْ عِنْدَ ذَلِكَ امْتَحَنَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ فَتَمَيَّزَ الصّادِقُ عَنِ المُنافِقِ، والِامْتِحانُ مِنَ اللَّهِ لَيْسَ لِاسْتِبانَةِ الأمْرِ لَهُ

صفحة ١٧٣

بَلْ لِحِكْمَةٍ أُخْرى وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى عالِمٌ بِما هم عَلَيْهِ لَكِنَّهُ أرادَ إظْهارَ الأمْرِ لِغَيْرِهِ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ، كَما أنَّ السَّيِّدَ إذا عَلِمَ مِن عَبْدِهِ المُخالَفَةَ وعَزَمَ عَلى مُعاقَبَتِهِ عَلى مُخالَفَتِهِ وعِنْدَهُ غَيْرُهُ مِنَ العَبِيدِ وغَيْرُهم فَيَأْمُرُهُ بِأمْرٍ عالِمًا بِأنَّهُ يُخالِفُهُ فَيُبَيِّنُ الأمْرَ عِنْدَ الغَيْرِ فَتَقَعُ المُعاقَبَةُ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ حَيْثُ لا يَقَعُ لِأحَدٍ أنَّها بِظُلْمٍ أوْ مِن قِلَّةِ حِلْمٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿وزُلْزِلُوا﴾ أيْ أُزْعِجُوا وحُرِّكُوا فَمَن ثَبَتَ مِنهم كانَ مِنَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم، وبِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ مَرَّةً أُخْرى، وهُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾

فَسَّرَ الظُّنُونَ وبَيَّنَها، فَظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّ ما قالَ اللَّهُ ورَسُولُهُ كانَ زُورًا ووَعْدُهُما كانَ غُرُورًا حَيْثُ قَطَعُوا بِأنَّ الغَلَبَةَ واقِعَةٌ وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم ياأهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ﴾ أيْ لا وجْهَ لِإقامَتِكم مَعَ مُحَمَّدٍ كَما يُقالُ لا إقامَةَ عَلى الذُّلِّ والهَوانِ أيْ لا وجْهَ لَها، ويَثْرِبُ اسْمٌ لِلْبُقْعَةِ الَّتِي هي المَدِينَةُ فارْجِعُوا أيْ عَنْ مُحَمَّدٍ، واتَّفِقُوا مَعَ الأحْزابِ تَخْرُجُوا مِنَ الأحْزانِ ثُمَّ السّامِعُونَ عَزَمُوا عَلى الرُّجُوعِ واسْتَأْذَنُوهُ وتَعَلَّلُوا بِأنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ أيْ فِيها خَلَلٌ لا يَأْمَنُ صاحِبُها السّارِقَ عَلى مَتاعِهِ والعَدُوَّ عَلى أتْباعِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ كَذِبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ وبَيَّنَ قَصْدَهم وما تُكِنُّ صُدُورُهم وهو الفِرارُ وزَوالُ القَرارِ بِسَبَبِ الخَوْفِ.

33:14–17Page 419

وَلَوۡ دُخِلَتۡ عَلَيۡهِم مِّنۡ أَقۡطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلۡفِتۡنَةَ لَأٓتَوۡهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلَّا يَسِيرٗا ١٤

And if they had been entered upon from all its [surrounding] regions and fitnah [i.e., disbelief] had been demanded of them, they would have done it and not hesitated over it except briefly.

وَلَقَدۡ كَانُواْ عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ لَا يُوَلُّونَ ٱلۡأَدۡبَٰرَۚ وَكَانَ عَهۡدُ ٱللَّهِ مَسۡـُٔولٗا ١٥

And they had already promised Allāh before not to turn their backs [i.e., flee]. And ever is the promise to Allāh [that about which one will be] questioned.

قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلۡفِرَارُ إِن فَرَرۡتُم مِّنَ ٱلۡمَوۡتِ أَوِ ٱلۡقَتۡلِ وَإِذٗا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٦

Say, [O Muḥammad], "Never will fleeing benefit you if you should flee from death or killing; and then [if you did], you would not be given enjoyment [of life] except for a little."

قُلۡ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعۡصِمُكُم مِّنَ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ سُوٓءًا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ رَحۡمَةٗۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٧

Say, "Who is it that can protect you from Allāh1 if He intends for you an ill or intends for you a mercy?" And they will not find for themselves besides Allāh any protector or any helper.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾

إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ الفِرارَ والرُّجُوعَ لَيْسَ لِحِفْظِ البُيُوتِ لِأنَّ مَن يَفْعَلُ فِعْلًا لِغَرَضٍ، فَإذا فاتَهُ الغَرَضُ لا يَفْعَلُهُ، كَمَن يَبْذُلُ المالَ لِكَيْ لا يُؤْخَذَ مِنهُ بَيْتُهُ فَإذا أُخِذَ مِنهُ البَيْتُ لا يَبْذُلُهُ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: هم قالُوا بِأنَّ رُجُوعَنا عَنْكَ لِحِفْظِ بُيُوتِنا ولَوْ دَخَلَها الأحْزابُ وأخَذُوها مِنهم لَرَجَعُوا أيْضًا، ولَيْسَ رُجُوعُهم عَنْكَ إلّا بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وحُبِّهِمُ الفِتْنَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ المُرادُ المَدِينَةَ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ البُيُوتَ، وقَوْلُهُ: ﴿وما تَلَبَّثُوا بِها﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الفِتْنَةَ ﴿إلّا يَسِيرًا﴾ فَإنَّها تَزُولُ وتَكُونُ العاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ المَدِينَةَ أوِ البُيُوتَ أيِ ما تَلَبَّثُوا بِالمَدِينَةِ إلّا يَسِيرًا فَإنَّ المُؤْمِنِينَ يُخْرِجُونَهم.

﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾

صفحة ١٧٤

بَيانًا لِفَسادِ سَرِيرَتِهِمْ وقُبْحِ سِيرَتِهِمْ لِنَقْضِهِمُ العُهُودَ فَإنَّهم قَبْلَ ذَلِكَ تَخَلَّفُوا وأظْهَرُوا عُذْرًا ونَدَمًا، وذَكَرُوا أنَّ القِتالَ لا يُزِلُّ لَهم قَدَمًا ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الأُمُورَ مُقَدَّرَةٌ لا يُمْكِنُ الفِرارُ مِمّا وقَعَ عَلَيْهِ القَرارُ، وما قَدَّرَهُ اللَّهُ كائِنٌ، فَمَن أمَرَ بِشَيْءٍ إذا خالَفَهُ يَبْقى في ورْطَةِ العِقابِ آجِلًا ولا يَنْتَفِعُ بِالمُخالَفَةِ عاجِلًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ كَأنَّهُ يَقُولُ: ولَوْ فَرَرْتُمْ مِنهُ في يَوْمِكم مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ لَما دُمْتُمْ بَلْ لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا، فالعاقِلُ لا يَرْغَبُ في شَيْءٍ قَلِيلٍ مَعَ أنَّهُ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ شَيْئًا كَثِيرًا، فَلا فِرارَ لَكم ولَوْ كانَ لَما مُتِّعْتُمْ بَعْدَ الفِرارِ إلّا قَلِيلًا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾

بَيانًا لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾ أيْ لَيْسَ لَكم ولِيٌّ يَشْفَعُ لِمَحَبَّتِهِ إيّاكم ولا نَصِيرٌ يَنْصُرُكم ويَدْفَعُ عَنْكُمُ السُّوءَ إذا أتاكم.

33:18–19Page 420

۞ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلۡمُعَوِّقِينَ مِنكُمۡ وَٱلۡقَآئِلِينَ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ هَلُمَّ إِلَيۡنَاۖ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلۡبَأۡسَ إِلَّا قَلِيلًا ١٨

Already Allāh knows the hinderers1 among you and those [hypocrites] who say to their brothers, "Come to us,"2 and do not go to battle, except for a few,3

أَشِحَّةً عَلَيۡكُمۡۖ فَإِذَا جَآءَ ٱلۡخَوۡفُ رَأَيۡتَهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ تَدُورُ أَعۡيُنُهُمۡ كَٱلَّذِي يُغۡشَىٰ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلۡخَوۡفُ سَلَقُوكُم بِأَلۡسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلۡخَيۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يُؤۡمِنُواْ فَأَحۡبَطَ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ١٩

Indisposed1 toward you. And when fear comes, you see them looking at you, their eyes revolving like one being overcome by death. But when fear departs, they lash you with sharp tongues, indisposed toward [any] good. Those have not believed, so Allāh has rendered their deeds worthless, and ever is that, for Allāh, easy.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لِإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلّا قَلِيلًا﴾

أيِ الَّذِينَ يُثَبِّطُونَ المُسْلِمِينَ ويَقُولُونَ تَعالَوْا إلَيْنا ولا تُقاتِلُوا مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وفِيهِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ كانُوا يَقُولُونَ لِلْأنْصارِ لا تُقاتِلُوا وأسْلِمُوا مُحَمَّدًا إلى قُرَيْشٍ.

وثانِيهِما: اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا يَقُولُونَ لِأهْلِ المَدِينَةِ تَعالَوْا إلَيْنا وكُونُوا مَعَنا و﴿هَلُمَّ﴾ بِمَعْنى تَعالَ أوِ احْضُرْ، ولا تُجْمَعُ في لُغَةِ الحِجازِ وتُجْمَعُ في غَيْرِها فَيُقالُ لِلْجَماعَةِ: هَلُمُّوا ولِلنِّساءِ هَلُمُّنَّ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلّا قَلِيلًا﴾ يُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ وهو أنَّ المُرادَ مِنهُمُ المُنافِقُونَ وهو يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: ﴿ولا يَأْتُونَ البَأْسَ﴾ بِمَعْنى يَتَخَلَّفُونَ عَنْكم ولا يَخْرُجُونَ مَعَكم وحِينَئِذٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ أيْ بُخَلاءَ حَيْثُ لا يُنْفِقُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ شَيْئًا.

وثانِيهِما: لا يَأْتُونَ البَأْسَ بِمَعْنى لا يُقاتِلُونَ مَعَكم ويَتَعَلَّلُونَ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالقِتالِ وقْتَ الحُضُورِ مَعَكم، وقَوْلُهُ: ﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ أيْ بِأنْفُسِهِمْ وأبْدانِهِمْ.

﴿أشِحَّةً عَلَيْكم فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾

صفحة ١٧٥

إشارَةٌ إلى غايَةِ جُبْنِهِمْ ونِهايَةِ رَوْعِهِمْ، واعْلَمْ أنَّ البُخْلَ شَبِيهُ الجُبْنِ، فَلَمّا ذَكَرَ البُخْلَ بَيَّنَ سَبَبَهُ وهو الجُبْنُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ هو أنَّ الجَبانَ يَبْخَلُ بِمالِهِ ولا يُنْفِقُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ لِأنَّهُ لا يَتَوَقَّعُ الظَّفَرَ فَلا يَرْجُو الغَنِيمَةَ فَيَقُولُ: هَذا إنْفاقٌ لا بَدَلَ لَهُ فَيَتَوَقَّفُ فِيهِ، وأمّا الشُّجاعُ فَيَتَيَقَّنُ الظَّفَرَ والِاغْتِنامَ فَيَهُونُ عَلَيْهِ إخْراجُ المالِ في القِتالِ طَمَعًا فِيما هو أضْعافُ ذَلِكَ، وأمّا بِالنَّفْسِ والبَدَنِ فَكَذَلِكَ فَإنَّ الجَبانَ يَخافُ قَرْنَهُ ويَتَصَوَّرُ الفَشَلَ فَيَجْبُنُ ويَتْرُكُ الإقْدامَ، وأمّا الشُّجاعُ فَيَحْكُمُ بِالغَلَبَةِ والنَّصْرِ فَيُقْدِمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكُمْ﴾ أيْ غَلَبُوكم بِالألْسِنَةِ وآذَوْكم بِكَلامِهِمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ الَّذِينَ قاتَلْنا وبِنا انْتَصَرْتُمْ وكَسَرْتُمُ العَدُوَّ وقَهَرْتُمْ، ويُطالِبُونَكم بِالقِسْمِ الأوْفَرِ مِنَ الغَنِيمَةِ، وكانُوا مِن قَبْلُ راضِينَ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ، وقَوْلُهُ: ﴿أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ﴾ قِيلَ الخَيْرُ المالُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ مَعْناهُ أنَّهم قَلِيلُو الخَيْرِ في الحالَتَيْنِ كَثِيرُو الشَّرِّ في الوَقْتَيْنِ، في الأوَّلِ يَبْخَلُونَ، وفي الآخِرِ كَذَلِكَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ يَعْنِي لَمْ يُؤْمِنُوا حَقِيقَةً وإنْ أظْهَرُوا الإيمانَ لَفْظًا فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهُمُ الَّتِي كانُوا يَأْتُونَ بِها مَعَ المُسْلِمِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ إشارَةٌ إلى ما يَكُونُ في نَظَرِ النّاظِرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإحْباطَ إعْدامٌ وإهْدارٌ، وإعْدامُ الأجْسامِ إذا نَظَرَ النّاظِرُ يَقُولُ الجِسْمُ بِتَفْرِيقِ أجْزائِهِ، فَإنَّ مَن أحْرَقَ شَيْئًا يَبْقى مِنهُ رَمادٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الرَّمادَ إنْ فَرَّقَتْهُ الرِّيحُ يَبْقى مِنهُ ذَرّاتٌ، وهَذا مَذْهَبُ بَعْضِ النّاسِ، والحَقُّ هو أنَّ اللَّهَ يُعْدِمُ الأجْسامَ ويُعِيدُ ما يَشاءُ مِنها، وأمّا العَمَلُ فَهو في العَيْنِ مَعْدُومٌ وإنْ كانَ يَبْقى [ فَإنَّهُ ] يَبْقى بِحُكْمِهِ وآثارِهِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ فائِدَةٌ واعْتِبارٌ فَهو مَعْدُومٌ حَقِيقَةً وحُكْمًا، فالعَمَلُ إذا لَمْ يُعْتَبَرْ فَهو مَعْدُومٌ في الحَقِيقَةِ بِخِلافِ الجِسْمِ.

33:20–21Page 420

يَحۡسَبُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ لَمۡ يَذۡهَبُواْۖ وَإِن يَأۡتِ ٱلۡأَحۡزَابُ يَوَدُّواْ لَوۡ أَنَّهُم بَادُونَ فِي ٱلۡأَعۡرَابِ يَسۡـَٔلُونَ عَنۡ أَنۢبَآئِكُمۡۖ وَلَوۡ كَانُواْ فِيكُم مَّا قَٰتَلُوٓاْ إِلَّا قَلِيلٗا ٢٠

They think the companies have not [yet] withdrawn.1 And if the companies should come [again], they would wish they were in the desert among the bedouins, inquiring [from afar] about your news. And if they should be among you, they would not fight except for a little.

لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا ٢١

There has certainly been for you in the Messenger of Allāh an excellent pattern1 for anyone whose hope is in Allāh and the Last Day and [who] remembers Allāh often.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ يَسْألُونَ عَنْ أنْبائِكم ولَوْ كانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾

أيْ مِن غايَةِ الجُبْنِ عِنْدَ ذَهابِهِمْ كانُوا يَخافُونَهم، وعِنْدَ مَجِيئِهِمْ كانُوا يَوَدُّونَ لَوْ كانُوا في البَوادِي ولا يَكُونُونَ بَيْنَ المُقاتِلِينَ مَعَ أنَّهم عِنْدَ حُضُورِهِمْ كَأنَّهم غائِبُونَ حَيْثُ لا يُقاتِلُونَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلّا قَلِيلًا﴾ .

33:22–25Page 420

وَلَمَّا رَءَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ قَالُواْ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّآ إِيمَٰنٗا وَتَسۡلِيمٗا ٢٢

And when the believers saw the companies, they said, "This is what Allāh and His Messenger had promised us, and Allāh and His Messenger spoke the truth." And it increased them only in faith and acceptance.

مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا ٢٣

Among the believers are men true to what they promised Allāh. Among them is he who has fulfilled his vow [to the death], and among them is he who awaits [his chance]. And they did not alter [the terms of their commitment] by any alteration -

لِّيَجۡزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّٰدِقِينَ بِصِدۡقِهِمۡ وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ إِن شَآءَ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٢٤

That Allāh may reward the truthful for their truth and punish the hypocrites if He wills or accept their repentance. Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.

وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرٗاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا ٢٥

And Allāh repelled those who disbelieved, in their rage, not having obtained any good. And sufficient was Allāh for the believers in battle, and ever is Allāh Powerful and Exalted in Might.

صفحة ١٧٦

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾

لَمّا بَيَّنَ حالَ المُنافِقِينَ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ وهو أنَّهم قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ مِنَ الِابْتِلاءِ ثُمَّ قالُوا: ﴿وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ . وقَوْلُهم: ﴿وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ لَيْسَ إشارَةً إلى ما وقَعَ فَإنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ صِدْقَ اللَّهِ قَبْلَ الوُقُوعِ وإنَّما هي إشارَةٌ إلى بِشارَةٍ وهو أنَّهم قالُوا: ﴿هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ﴾ وقَدْ وقَعَ وصَدَقَ اللَّهُ في جَمِيعِ ما وعَدَ فَيَقَعُ الكُلُّ مِثْلُ فَتْحِ مَكَّةَ وفَتْحِ الرُّومِ وفارِسَ، وقَوْلُهُ: ﴿وما زادَهم إلّا إيمانًا﴾ بِوُقُوعِهِ وتَسْلِيمًا عِنْدَ وُجُودِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾

إشارَةً إلى وفائِهِمْ بِعَهْدِهِمُ الَّذِي عاهَدُوا اللَّهَ أنَّهم لا يُفارِقُونَ نَبِيَّهُ إلّا بِالمَوْتِ ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ أيْ قاتَلَ حَتّى قُتِلَ فَوَفى بِنَذْرِهِ، والنَّحْبُ النَّذْرُ، ومِنهم مَن هو بَعْدُ في القِتالِ يَنْتَظِرُ الشَّهادَةَ وفاءً بِالعَهْدِ ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ بِخِلافِ المُنافِقِينَ فَإنَّهم قالُوا لا نُوَلِّي الأدْبارَ فَبَدَّلُوا قَوْلَهم ووَلَّوْا أدْبارَهم وقَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ أيْ بِصِدْقِ ما وعَدَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ كَما صَدَقُوا مَواعِيدَهم ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ﴾ الَّذِينَ كَذَّبُوا وأخْلَفُوا.

وقَوْلُهُ: ﴿إنْ شاءَ﴾ ذَلِكَ فَيَمْنَعُهم مِنَ الإيمانِ أوْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ إنْ أرادَ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ قَدْ حَصَلَ يَأْسُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ إيمانِهِمْ، وآمَنَ بَعْدَ ذَلِكَ ناسٌ مِنهم. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا﴾ حَيْثُ سَتَرَ ذُنُوبَهم، و﴿رَحِيمًا﴾ حَيْثُ رَحِمَهم ورَزَقَهُمُ الإيمانَ فَيَكُونُ هَذا فِيمَن آمَنَ بَعْدَهُ أوْ نَقُولُ: ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ﴾ مَعَ أنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا لِكَثْرَةِ ذَنْبِهِمْ وقُوَّةِ جُرْمِهِمْ ولَوْ كانَ دُونَ ذَلِكَ لَغَفَرَ لَهم، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْضَ ما جازاهُمُ اللَّهُ بِهِ عَلى صِدْقِهِمْ فَقالَ: ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ أيْ مَعَ غَيْظِهِمْ لَمْ يَشْفُوا صَدْرًا ولَمْ يُحَقِّقُوا أمْرًا ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ أيْ لَمْ يُحْوِجْهم إلى قِتالٍ: ﴿وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ غَيْرَ مُحْتاجٍ إلى قِتالِهِمْ عَزِيزًا قادِرًا عَلى اسْتِئْصالِ الكُفّارِ وإذْلالِهِمْ.

33:26Page 421

وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا ٢٦

And He brought down those who supported them among the People of the Scripture1 from their fortresses and cast terror into their hearts [so that] a party [i.e., their men] you killed, and you took captive a party [i.e., the women and children].

صفحة ١٧٧

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾

أيْ عاوَنُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ وهم بَنُو قُرَيْظَةَ. ﴿مِن صَياصِيهِمْ﴾ مِن قِلاعِهِمْ، ﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ حَتّى سَلَّمُوا أنْفُسَهم لِلْقَتْلِ وأوْلادَهم ونِساءَهم لِلسَّبْيِ. ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ وهُمُ الرِّجالُ، ﴿وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ وهُمُ الصِّبْيانُ والنِّسْوانُ، فَإنْ قِيلَ: هَلْ في تَقْدِيمِ المَفْعُولِ حَيْثُ قالَ ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ وتَأْخِيرِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ فائِدَةٌ ؟ قُلْتُ: قَدْ أجَبْنا أنَّ ما مِن شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ إلّا ولَهُ فَوائِدُ مِنها ما يَظْهَرُ ومِنها ما لا يَظْهَرُ، والَّذِي يَظْهَرُ مِن هَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ القائِلَ يَبْدَأُ بِالأهَمِّ فالأهَمِّ والأعْرَفِ فالأعْرَفِ والأقْرَبِ فالأقْرَبِ، والرِّجالُ كانُوا مَشْهُورِينَ فَكانَ القَتْلُ وارِدًا عَلَيْهِمْ، والأسْرى كانُوا هُمُ النِّساءَ والصِّغارَ ولَمْ يَكُونُوا مَشْهُورِينَ، والسَّبْيُ والأسْرُ أظْهَرُ مِنَ القَتْلِ لِأنَّهُ يَبْقى فَيَظْهَرُ لِكُلِّ أحَدٍ أنَّهُ أسِيرٌ فَقَدَّمَ مِنَ المَحَلَّيْنِ ما هو أشْهَرُ عَلى الفِعْلِ القائِمِ بِهِ، وما هو أشْهَرُ مِنَ الفِعْلَيْنِ قَدَّمَهُ عَلى المَحَلِّ الأخْفى.

وإنْ شِئْنا نَقُولُ بِعِبارَةٍ تُوافِقُ المَسائِلَ النَّحْوِيَّةَ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ فِعْلٌ ومَفْعُولٌ، والأصْلُ في الجُمَلِ الفِعْلِيَّةِ تَقْدِيمُ الفِعْلِ عَلى المَفْعُولِ والفاعِلِ. أمّا أنَّها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ فَلِأنَّها لَوْ كانَتِ اسْمِيَّةً لَكانَ الواجِبُ في فَرِيقٍ الرَّفْعَ وكانَ يَقُولُ “ فَرِيقٌ مِنهم تَقْتُلُونَهم “ فَلَمّا نَصَبَ كانَ ذَلِكَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ تَقْدِيرُهُ “ تَقْتُلُونَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ “ والحامِلُ عَلى مِثْلِ هَذا الكَلامِ شِدَّةُ الِاهْتِمامِ بِبَيانِ المَفْعُولِ، وهاهُنا كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم وأنَّهُ قَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَلَوْ قالَ: “ تَقْتُلُونَ “ إلى أنْ يَسْمَعَ السّامِعُ مَفْعُولَ تَقْتُلُونَ يَكُونُ زَمانٌ، وقَدْ يَمْنَعُهُ مانِعٌ فَيُفَوِّتُهُ فَلا يُعَلْمُ أنَّهم هُمُ المَقْتُولُونَ، فَأمّا إذا قالَ: “ فَرِيقًا “ مَعَ سَبْقٍ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ إلى سَمْعِهِ يَسْتَمِعُ إلى تَمامِ الكَلامِ، وإذا كانَ الأوَّلُ فِعْلًا ومَفْعُولًا قُدِّمَ المَفْعُولُ لِفائِدَةِ عَطْفِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها عَلى الأصْلِ، فَعَدَمُ تَقْدِيمِ الفِعْلِ لِزَوالِ مُوجِبِ التَّقْدِيمِ إذا عَرَفَ حالَهم وما يَجِيءُ بَعْدَهُ يَكُونُ مَصْرُوفًا إلَيْهِمْ، ولَوْ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: “ وفَرِيقًا تَأْسِرُونَ “ فَمَن سَمِعَ فَرِيقًا رُبَّما يَظُنُّ أنْ يُقالَ فِيهِمْ يُطْلَقُونَ، أوْ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِمْ فَكانَ تَقْدِيمُ الفِعْلِ هَهُنا أوْلى، وكَذَلِكَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وقَذَفَ﴾ فَإنَّ قَذْفَ الرُّعْبِ قَبْلَ الإنْزالِ؛ لِأنَّ الرُّعْبَ صارَ سَبَبَ الإنْزالِ، ولَكِنْ لَمّا كانَ الفَرَحُ في إنْزالِهِمْ أكْثَرَ، قُدِّمَ الإنْزالُ عَلى قَذْفِ الرُّعْبِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском