Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:47–54
33:47–49Page 424
وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَضۡلٗا كَبِيرٗا ٤٧
And give good tidings to the believers that they will have from Allāh great bounty.
وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَدَعۡ أَذَىٰهُمۡ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ٤٨
And do not obey the disbelievers and the hypocrites and disregard their annoyance, and rely upon Allāh. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَكَحۡتُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمۡ عَلَيۡهِنَّ مِنۡ عِدَّةٖ تَعۡتَدُّونَهَاۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا ٤٩
O you who have believed, when you marry believing women and then divorce them before you have touched them [i.e., consummated the marriage], then there is not for you any waiting period to count concerning them. So provide for them and give them a gracious release.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى مَفْهُومٍ تَقْدِيرُهُ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا فاشْهَدْ وبَشِّرْ، ولَمْ يَذْكُرْ فاشْهَدْ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ، وأمّا البِشارَةُ فَإنَّها ذُكِرَتْ إبانَةً لِلْكَرَمِ، ولِأنَّها غَيْرُ واجِبَةٍ لَوْلا الأمْرُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ هو مِثْلُ قَوْلِهِ: “ وأعَدَّ لَهم أجْرًا عَظِيمًا “ فالعَظِيمُ والكَبِيرُ مُتَقارِبانِ وكَوْنُهُ مِنَ اللَّهِ كَبِيرٌ فَكَيْفَ إذا كانَ مَعَ ذَلِكَ كَبارَةٌ أُخْرى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾
إشارَةٌ إلى الإنْذارِ يَعْنِي خالِفْهم ورُدَّ عَلَيْهِمْ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ أيْ دَعْهُ إلى اللَّهِ فَإنَّهُ يُعَذِّبُهم بِأيْدِيكم وبِالنّارِ، ويُبَيِّنُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ أيِ اللَّهُ كافٍ عَبْدَهُ، قالَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ: لا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ اللَّهِ بِالوَكِيلِ لِأنَّ الوَكِيلَ أدْوَنُ مِنَ المُوَكَّلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ حُجَّةٌ عَلَيْهِ وشُبْهَتُهُ واهِيَةٌ مِن حَيْثُ إنَّ الوَكِيلَ قَدْ يُوَكَّلُ لِلتَّرَفُّعِ وقَدْ يُوَكَّلُ لِلْعَجْزِ، واللَّهُ وكِيلُ عِبادِهِ لِعَجْزِهِمْ عَنِ التَّصَرُّفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ يَتَبَيَّنُ إذا نَظَرْتَ في الأُمُورِ الَّتِي لِأجْلِها لا يَكْفِي الوَكِيلُ الواحِدُ مِنها أنْ لا يَكُونَ قَوِيًّا قادِرًا عَلى العَمَلِ كالمَلِكِ الكَثِيرِ الأشْغالِ يَحْتاجُ إلى وُكَلاءَ لِعَجْزِ الواحِدِ عَنِ القِيامِ بِجَمِيعِ أشْغالِهِ، ومِنها أنْ لا يَكُونَ عالِمًا بِما فِيهِ التَّوْكِيلُ، ومِنها أنْ لا يَكُونَ غَنِيًّا، واللَّهُ تَعالى عالِمٌ قادِرٌ وغَيْرُ مُحْتاجٍ فَيَكْفِي وكِيلًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾
وجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّ اللَّهَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ ذَكَرَ مَكارِمَ الأخْلاقِ وأدَّبَ نَبِيَّهُ عَلى ما
صفحة ١٨٩
ذَكَرْناهُ، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِما أمَرَ بِهِ نَبِيَّهُ المُرْسَلَ، فَكُلَّما ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ مَكْرُمَةً وعَلَّمَهُ أدَبًا ذَكَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما يُناسِبُهُ، فَكَما بَدَأ اللَّهُ في تَأْدِيبِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذِكْرِ ما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾، وثَنّى بِما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ مَن تَحْتَ يَدِهِ مِن أزْواجِهِ بِقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾، وثَلَّثَ بِما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ العامَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾، كَذَلِكَ بَدَأ في إرْشادِ المُؤْمِنِينَ بِما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]، ثُمَّ ثَنّى بِما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ مَن تَحْتَ أيْدِيهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ﴾، ثُمَّ كَما ثَلَّثَ في تَأْدِيبِ النَّبِيِّ بِجانِبِ الأُمَّةِ ثَلَّثَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ بِما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ نَبِيِّهِمْ، فَقالَ بَعْدَ هَذا: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وبِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] . وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إذا كانَ الأمْرُ عَلى ما ذَكَرْتَ مِن أنَّ هَذا إرْشادٌ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ مَن هو مِن خَواصِّ المَرْءِ فَلِمَ خَصَّ المُطَلَّقاتِ اللّاتِي طُلِّقْنَ قَبْلَ المَسِيسِ بِالذِّكْرِ ؟ فَنَقُولُ: هَذا إرْشادٌ إلى أعْلى دَرَجاتِ المَكْرُماتِ لِيُعْلَمَ مِنها ما دُونَها، وبَيانُهُ هو أنَّ المَرْأةَ إذا طُلِّقَتْ قَبْلَ المَسِيسِ لَمْ يَحْصُلْ بَيْنَهُما تَأكُّدُ العَهْدِ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ المَمْسُوسَةِ ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١] وإذا أمَرَ اللَّهُ بِالتَّمَتُّعِ والإحْسانِ مَعَ مَن لا مَوَدَّةَ بَيْنَهُ وبَيْنَها، فَما ظَنُّكَ بِمَن حَصَلَتِ المَوَدَّةُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها بِالإفْضاءِ أوْ حَصَلَ تَأكُّدُها بِحُصُولِ الوَلَدِ بَيْنَهُما. والقُرْآنُ في الحَجْمِ صَغِيرٌ ولَكِنْ لَوِ اسْتُنْبِطَتْ مَعانِيهِ لا تَفِي بِها الأقْلامُ ولا تَكْفِي لَها الأوْراقُ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] لَوْ قالَ لا تَضْرِبْهُما أوْ لا تَشْتُمْهُما ظُنَّ أنَّهُ حَرامٌ، لِمَعْنًى مُخْتَصٍّ بِالضَّرْبِ أوِ الشَّتْمِ، أمّا إذا قالَ: لا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ عُلِمَ مِنهُ مَعانٍ كَثِيرَةٌ، وكَذَلِكَ هَهُنا لَمّا أُمِرَ بِالإحْسانِ مَعَ مَن لا مَوَدَّةَ مَعَها عُلِمَ مِنهُ الإحْسانُ مَعَ المَمْسُوسَةِ ومَن لَمْ تُطَلَّقْ بَعْدُ ومَن ولَدَتْ عِنْدَهُ مِنهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ﴾ التَّخْصِيصُ بِالذِّكْرِ إرْشادٌ إلى أنَّ المُؤْمِنَ يَنْبَغِي أنْ يَنْكِحَ المُؤْمِنَةَ فَإنَّها أشَدُّ تَحْصِينًا لِدِينِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهِ في أنَّ تَعْلِيقَ الطَّلاقِ بِالنِّكاحِ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ التَّطْلِيقَ حِينَئِذٍ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ النِّكاحِ واللَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ بِكَلِمَةِ ثُمَّ، وهي لِلتَّراخِي، وقَوْلُهُ: ﴿فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ﴾ بَيَّنَ أنَّ العِدَّةَ حَقُّ الزَّوْجِ فِيها غالِبٌ وإنْ كانَ لا يَسْقُطُ بِإسْقاطِهِ لِما فِيهِ مِن حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿تَعْتَدُّونَها﴾ أيْ تَسْتَوْفُونَ أنْتُمْ عَدَدَها، ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ قِيلَ: بِأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالمُفَوَّضَةِ الَّتِي لَمْ يُسَمَّ لَها إذا طُلِّقَتْ قَبْلَ المَسِيسِ وجَبَ لَها المُتْعَةُ، وقِيلَ: بِأنَّهُ عامٌّ وعَلى هَذا فَهو أمْرُ وُجُوبٍ أوْ أمْرُ نَدْبٍ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِ، فَمِنهم مَن قالَ: لِلْوُجُوبِ فَيَجِبُ مَعَ نِصْفِ المَهْرِ المُتْعَةُ أيْضًا، ومِنهم مَن قالَ: لِلِاسْتِحْبابِ فَيُسْتَحَبُّ أنْ يُمَتِّعَها مَعَ الصَّداقِ بِشَيْءٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ الجَمالُ في التَّسْرِيحِ أنْ لا يُطالِبَها بِما آتاها.
33:50Page 424
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحۡلَلۡنَا لَكَ أَزۡوَٰجَكَ ٱلَّٰتِيٓ ءَاتَيۡتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّٰتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَٰلَٰتِكَ ٱلَّٰتِي هَاجَرۡنَ مَعَكَ وَٱمۡرَأَةٗ مُّؤۡمِنَةً إِن وَهَبَتۡ نَفۡسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنۡ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسۡتَنكِحَهَا خَالِصَةٗ لَّكَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۗ قَدۡ عَلِمۡنَا مَا فَرَضۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ لِكَيۡلَا يَكُونَ عَلَيۡكَ حَرَجٞۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٥٠
O Prophet, indeed We have made lawful to you your wives to whom you have given their due compensation1 and those your right hand possesses from what Allāh has returned to you [of captives] and the daughters of your paternal uncles and the daughters of your paternal aunts and the daughters of your maternal uncles and the daughters of your maternal aunts who emigrated with you and a believing woman if she gives herself to the Prophet [and] if the Prophet wishes to marry her; [this is] only for you, excluding the [other] believers. We certainly know what We have made obligatory upon them concerning their wives and those their right hands possess, [but this is for you] in order that there will be upon you no discomfort [i.e., difficulty]. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.
صفحة ١٩٠
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ اللّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ وما مَلَكَتْ أيْمانُهم لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ ما هو الأوْلى فَإنَّ الزَّوْجَةَ الَّتِي أُوتِيَتْ مَهْرَها أطْيَبُ قَلْبًا مِنَ الَّتِي لَمْ تُؤْتَ، والمَمْلُوكَةُ الَّتِي سَباها الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ أطْهَرُ مِنَ الَّتِي اشْتَراها الرَّجُلُ لِأنَّها لا يُدْرى كَيْفَ حالُها، ومَن هاجَرَتْ مِن أقارِبِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهُ أشْرَفُ مِمَّنْ لَمْ تُهاجِرْ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ بِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ إعْطاءُ المَهْرِ أوَّلًا، وذَلِكَ لِأنَّ المَرْأةَ لَها الِامْتِناعُ إلى أنْ تَأْخُذَ مَهْرَها، والنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ يَسْتَوْفِي ما لا يَجِبُ لَهُ، والوَطْءُ قَبْلَ إيتاءِ الصَّداقِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ وإنْ كانَ كانَ حَلالًا لَنا، وكَيْفَ والنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا طَلَبَ شَيْئًا حَرُمَ الِامْتِناعُ عَنِ المَطْلُوبِ، والظّاهِرُ أنَّ الطّالِبَ في المَرَّةِ الأُولى إنَّما يَكُونُ هو الرَّجُلُ لِحَياءِ المَرْأةِ، فَلَوْ طَلَبَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المَرْأةِ التَّمْكِينَ قَبْلَ المَهْرِ لَلَزِمَ أنْ يَجِبَ وأنْ لا يَجِبَ وهَذا مُحالٌ ولا كَذَلِكَ أحَدُنا.
وقالَ ويُؤَكِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ يَعْنِي حِينَئِذٍ لا يَبْقى لَها صَداقٌ فَتَصِيرُ كالمُسْتَوْفِيَةِ مَهْرَها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ هِبَتَها نَفْسَها لا بُدَّ مَعَها مِن قَبُولٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَعْناهُ إباحَةُ الوَطْءِ بِالهِبَةِ وحُصُولُ التَّزَوُّجِ بِلَفْظِها مِن خَواصِّكَ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: تِلْكَ المَرْأةُ صارَتْ خالِصَةً لَكَ زَوْجَةً ومِن أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ لا تَحِلُّ لِغَيْرِكَ أبَدًا، والتَّرْجِيحُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ بِأنَّ عَلى هَذا فالتَّخْصِيصُ بِالواهِبَةِ لا فائِدَةَ فِيهِ فَإنَّ أزْواجَهُ كُلَّهُنَّ خالِصاتٌ لَهُ، وعَلى ما ذَكَرْنا يَتَبَيَّنُ لِلتَّخْصِيصِ فائِدَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ وما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ مَعْناهُ أنَّ ما ذَكَرْنا فَرْضَكَ وحُكْمَكَ مَعَ نِسائِكَ وأمّا حُكْمُ أُمَّتِكَ فَعِنْدَنا عِلْمُهُ ونُبَيِّنُهُ لَهم، وإنَّما ذَكَرَ هَذا لِئَلّا يَحْمِلَ واحِدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ نَفْسَهُ عَلى ما كانَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ فَإنَّ لَهُ في النِّكاحِ خَصائِصَ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ وكَذَلِكَ في السَّرارِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ أيْ تَكُونُ في فُسْحَةٍ مِنَ الأمْرِ فَلا يَبْقى لَكَ شُغْلُ قَلْبٍ فَيَنْزِلُ الرُّوحُ الأمِينُ بِالآياتِ عَلى قَلْبِكَ الفارِغِ وتُبَلِّغُ رِسالاتِ رَبِّكَ بِجِدِّكَ واجْتِهادِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ويَرْحَمُ العَبِيدَ.
33:51Page 425
۞ تُرۡجِي مَن تَشَآءُ مِنۡهُنَّ وَتُـٔۡوِيٓ إِلَيۡكَ مَن تَشَآءُۖ وَمَنِ ٱبۡتَغَيۡتَ مِمَّنۡ عَزَلۡتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكَۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن تَقَرَّ أَعۡيُنُهُنَّ وَلَا يَحۡزَنَّ وَيَرۡضَيۡنَ بِمَآ ءَاتَيۡتَهُنَّ كُلُّهُنَّۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمٗا ٥١
You, [O Muḥammad], may put aside whom you will of them1 or take to yourself whom you will. And any that you desire of those [wives] from whom you had [temporarily] separated - there is no blame upon you [in returning her]. That is more suitable that they should be content and not grieve and that they should be satisfied with what you have given them - all of them. And Allāh knows what is in your hearts. And ever is Allāh Knowing and Forbearing.
صفحة ١٩١
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ .
لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أُحِلَّ لَهُ ما ذَكَرْنا مِنَ الأزْواجِ بَيَّنَ أنَّهُ أُحِلَّ لَهُ وُجُوهُ المُعاشَرَةِ بِهِنَّ حَتّى يَجْتَمِعَ كَيْفَ يَشاءُ ولا يَجِبُ عَلَيْهِ القَسْمُ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالنِّسْبَةِ إلى أُمَّتِهِ نِسْبَةُ السَّيِّدِ المُطاعِ، والرَّجُلُ وإنْ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا فالزَّوْجَةُ في مِلْكِ نِكاحِهِ والنِّكاحُ عَلَيْها رِقٌّ، فَكَيْفَ زَوْجاتُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَإذَنْ هُنَّ كالمَمْلُوكاتِ لَهُ ولا يَجِبُ القَسْمُ بَيْنَ المَمْلُوكاتِ، والإرْجاءُ التَّأْخِيرُ والإيواءُ الضَّمُّ. ﴿ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ يَعْنِي إذا طَلَبْتَ مَن كُنْتَ تَرَكْتَها فَلا جُناحَ عَلَيْكَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ومَن قالَ بِأنَّ القَسْمَ كانَ واجِبًا مَعَ أنَّهُ ضَعِيفٌ بِالنِّسْبَةِ إلى المَفْهُومِ مِنَ الآيَةِ قالَ المُرادُ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ﴾ أيْ تُؤَخِّرُهُنَّ إذا شِئْتَ إذْ لا يَجِبُ القَسْمُ في الأوَّلِ ولِلزَّوْجِ أنْ لا يَنامَ عِنْدَ أحَدٍ مِنهُنَّ، وإنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ فابْدَأْ بِمَن شِئْتَ وتَمِّمِ الدَّوْرَ، والأوَّلُ أقْوى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ .
يَعْنِي إذا لَمْ يَجِبْ عَلَيْكَ القَسْمُ وأنْتَ لا تَتْرُكُ القَسْمَ ﴿تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ﴾ لِتَسْوِيَتِكَ بَيْنَهُنَّ ولا يَحْزَنَّ بِخِلافِ ما لَوْ وجَبَ عَلَيْكَ ذَلِكَ، فَلَيْلَةَ تَكُونُ عِنْدَ إحْداهُنَّ تَقُولُ: ما جاءَنِي لِهَوى قَلْبِهِ إنَّما جاءَنِي لِأمْرِ اللَّهِ وإيجابِهِ عَلَيْهِ. ﴿ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ﴾ مِنَ الإرْجاءِ والإيواءِ إذْ لَيْسَ لَهُنَّ عَلَيْكَ شَيْءٌ حَتّى لا يَرْضَيْنَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكم وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ .
أيْ إنْ أضْمَرْنَ خِلافَ ما أظْهَرْنَ فاللَّهُ يَعْلَمُ ضَمائِرَ القُلُوبِ فَإنَّهُ عَلِيمٌ، فَإنْ لَمْ يُعاتِبْهُنَّ في الحالِ فَلا يَغْتَرِرْنَ فَإنَّهُ حَلِيمٌ لا يَعْجَلُ.
33:52Page 425
لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعۡدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ حُسۡنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ رَّقِيبٗا ٥٢
Not lawful to you, [O Muḥammad], are [any additional] women after [this], nor [is it] for you to exchange them for [other] wives, even if their beauty were to please you, except what your right hand possesses. And ever is Allāh, over all things, an Observer.1
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾
لَمّا لَمْ يُوجِبِ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ القَسْمَ وأمَرَهُ بِتَخْيِيرِهِنَّ فاخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ذَكَرَ لَهُنَّ ما جازاهُنَّ بِهِ مِن تَحْرِيمِ غَيْرِهِنَّ عَلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَنعِهِ مِن طَلاقِهِنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مِن بَعْدِهِنَّ، والأوْلى أنْ يُقالَ: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدِ اخْتِيارِهِنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ورِضاهُنَّ بِما يُؤْتِيهِنَّ مِنَ الوَصْلِ والهُجْرانِ والنَّقْصِ والحِرْمانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ يُفِيدُ حُرْمَةَ طَلاقِهِنَّ إذْ لَوْ كانَ جائِزًا لَجازَ أنْ يُطَلِّقَ الكُلَّ، وبَعْدَهُنَّ إمّا أنْ يَتَزَوَّجَ بِغَيْرِهِنَّ أوْ لا يَتَزَوَّجَ فَإنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ يَدْخُلُ في زُمْرَةِ العُزّابِ، والنِّكاحُ فَضِيلَةٌ لا يَتْرُكُها النَّبِيُّ، وكَيْفَ وهو يَقُولُ: “ «النِّكاحُ سُنَّتِي» “ وإنْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِهِنَّ يَكُونُ قَدْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ وهو مَمْنُوعٌ مِنَ التَّبَدُّلِ.
صفحة ١٩٢
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ بِأنَّ الآيَةَ لَيْسَ فِيها تَحْرِيمُ غَيْرِهِنَّ ولا المَنعُ مِن طَلاقِهِنَّ، بَلِ المَعْنى أنْ لا يَحِلَّ لَكَ النِّساءُ غَيْرَ اللّاتِي ذَكَرْنا لَكَ مِنَ المُؤْمِناتِ المُهاجِراتِ مِن بَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ، وأمّا غَيْرُهُنَّ مِنَ الكِتابِيّاتِ فَلا يَحِلُّ لَكَ التَّزَوُّجُ بِهِنَّ. وقَوْلُهُ: ﴿ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ مَنعٌ مِن شُغْلِ الجاهِلِيَّةِ فَإنَّهم كانُوا يُبادِلُونَ زَوْجَةً بِزَوْجَةٍ فَيَنْزِلُ أحَدُهم عَنْ زَوْجَتِهِ ويَأْخُذُ زَوْجَةَ صَدِيقِهِ ويُعْطِيهِ زَوْجَتَهُ، وعَلى التَّفْسِيرَيْنِ وقَعَ خِلافٌ في مَسْألَتَيْنِ إحْداهُما: حُرْمَةُ طَلاقِ زَوْجاتِهِ. والثّانِيَةُ: حُرْمَةُ تَزَوُّجِهِ بِالكِتابِيّاتِ فَمَن فَسَّرَ عَلى الأوَّلِ حَرَّمَ الطَّلاقَ، ومَن فَسَّرَ عَلى الثّانِي حَرَّمَ التَّزَوُّجَ بِالكِتابِيّاتِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ أيْ حُسْنُ النِّساءِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ﴾ في مَعْنى الحالِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذُو الحالِ قَوْلَهُ: ﴿مِن أزْواجٍ﴾ لِغايَةِ التَّنْكِيرِ فِيهِ، ولِكَوْنِ ذِي الحالِ لا يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ نَكِرَةً فَإذَنْ هو النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ، يَعْنِي لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ وأنْتَ مُعْجَبٌ بِحُسْنِهِنَّ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ظاهِرُ هَذا ناسِخٌ لِما كانَ قَدْ ثَبَتَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أنَّهُ إذا رَأى واحِدَةً فَوَقَعَتْ في قَلْبِهِ مَوْقِعًا كانَتْ تَحْرُمُ عَلى الزَّوْجِ ويَجِبُ عَلَيْهِ طَلاقُها، وهَذِهِ المَسْألَةُ حُكْمِيَّةٌ وهي أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ وسائِرَ الأنْبِياءِ في أوَّلِ النُّبُوَّةِ تَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ بُرَحاءُ الوَحْيِ، ثُمَّ يَسْتَأْنِسُونَ بِهِ فَيَنْزِلُ عَلَيْهِمْ وهم يَتَحَدَّثُونَ مَعَ أصْحابِهِمْ لا يَمْنَعُهم مِن ذَلِكَ مانِعٌ، فَفي أوَّلِ الأمْرِ أحَلَّ اللَّهُ مَن وقَعَ في قَلْبِهِ تَفْرِيغًا لِقَلْبِهِ وتَوْسِيعًا لِصَدْرِهِ لِئَلّا يَكُونَ مَشْغُولَ القَلْبِ بِغَيْرِ اللَّهِ، ثُمَّ لَمّا اسْتَأْنَسَ بِالوَحْيِ وبِمَن عَلى لِسانِهِ الوَحْيُ نُسِخَ ذَلِكَ، إمّا لِقُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وإمّا أنَّهُ بِدَوامِ الإنْزالِ لَمْ يَبْقَ لَهُ مَأْلُوفٌ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ التِفاتٌ إلى غَيْرِ اللَّهِ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ حاجَةٌ إلى إحْلالِ التَّزَوُّجِ بِمَن وقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْها.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في أنَّ تَحْرِيمَ النِّساءِ عَلَيْهِ هَلْ نُسِخَ أمْ لا ؟ فَقالَ الشّافِعِيُّ: نُسِخَ، وقَدْ قالَتْ عائِشَةُ: «ما ماتَ النَّبِيُّ إلّا وأُحِلَّ لَهُ النِّساءُ»، وعَلى هَذا فالنّاسِخُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿وبَناتِ عَمِّكَ﴾ وقالَ: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً﴾ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ لا يَجُوزُ نَسْخُ الكِتابِ بِخَبَرِ الواحِدِ إذِ النّاسِخُ غَيْرُ مُتَواتِرٍ إنْ كانَ خَبَرًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْهِ المَمْلُوكاتِ لِأنَّ الإيذاءَ لا يَحْصُلُ بِالمَمْلُوكَةِ؛ ولِهَذا لَمْ يَجُزْ لِلرَّجُلِ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ ضَرَّتَيْنِ في بَيْتٍ لِحُصُولِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما وإمْكانِ المُخاصَمَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَجْمَعَ الزَّوْجَةَ وجَمْعًا مِنَ المَمْلُوكاتِ لِعَدَمِ التَّساوِي بَيْنَهُنَّ؛ ولِهَذا لا قَسْمَ لَهُنَّ عَلى أحَدٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ أيْ حافِظًا عالِمًا بِكُلِّ شَيْءٍ قادِرًا عَلَيْهِ، لِأنَّ الحِفْظَ لا يَحْصُلُ إلّا بِهِما.
33:53Page 425
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلَّآ أَن يُؤۡذَنَ لَكُمۡ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيۡرَ نَٰظِرِينَ إِنَىٰهُ وَلَٰكِنۡ إِذَا دُعِيتُمۡ فَٱدۡخُلُواْ فَإِذَا طَعِمۡتُمۡ فَٱنتَشِرُواْ وَلَا مُسۡتَـٔۡنِسِينَ لِحَدِيثٍۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ يُؤۡذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسۡتَحۡيِۦ مِنكُمۡۖ وَٱللَّهُ لَا يَسۡتَحۡيِۦ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ وَإِذَا سَأَلۡتُمُوهُنَّ مَتَٰعٗا فَسۡـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٖۚ ذَٰلِكُمۡ أَطۡهَرُ لِقُلُوبِكُمۡ وَقُلُوبِهِنَّۚ وَمَا كَانَ لَكُمۡ أَن تُؤۡذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓاْ أَزۡوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦٓ أَبَدًاۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا ٥٣
O you who have believed, do not enter the houses of the Prophet except when you are permitted for a meal, without awaiting its readiness. But when you are invited, then enter; and when you have eaten, disperse without seeking to remain for conversation. Indeed, that [behavior] was troubling the Prophet, and he is shy of [dismissing] you. But Allāh is not shy of the truth. And when you ask [his wives] for something, ask them from behind a partition. That is purer for your hearts and their hearts. And it is not [conceivable or lawful] for you to harm the Messenger of Allāh or to marry his wives after him, ever. Indeed, that would be in the sight of Allāh an enormity.
صفحة ١٩٣
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ .
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في النِّداءِ الثّالِثِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] بَيانًا لِحالِهِ مَعَ أُمَّتِهِ العامَّةِ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ في هَذا النِّداءِ لا تَدْخُلُوا؛ إرْشادًا لَهم وبَيانًا لِحالِهِمْ مَعَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الِاحْتِرامِ، ثُمَّ إنَّ حالَ الأُمَّةِ مَعَ النَّبِيِّ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: في حالِ الخَلْوَةِ، والواجِبُ هُناكَ عَدَمُ إزْعاجِهِ وبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ .
وثانِيهِما: في المَلَأِ، والواجِبُ هُناكَ إظْهارُ التَّعْظِيمِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] وقَوْلُهُ: ﴿إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ أيْ لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلى طَعامٍ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكم واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ .
لَمّا بَيَّنَ مِن حالِ النَّبِيِّ أنَّهُ داعٍ إلى اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ﴾ [الأحْزابِ: ٤٦] قالَ هَهُنا: لا تَدْخُلُوا إلّا إذا دُعِيتُمْ يَعْنِي كَما أنَّكم ما دَخَلْتُمُ الدِّينَ إلّا بِدُعائِهِ فَكَذَلِكَ لا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ إلّا بَعْدَ دُعائِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ. والعامِلُ فِيهِ عَلى ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لا تَدْخُلُوا. قالَ: وتَقْدِيرُهُ ولا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا مَأْذُونِينَ غَيْرَ ناظِرِينَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ ولا تَدْخُلُوا إلى طَعامٍ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم، فَلا يَكُونُ مَنعًا مِنَ الدُّخُولِ في غَيْرِ وقْتِ الطَّعامِ بِغَيْرِ الإذْنِ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ فَيَكُونُ مَعْناهُ ولا تَدْخُلُوا إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ فَيَكُونُ الإذْنُ مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِ إلى الطَّعامِ، فَإنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَكم إلى طَعامٍ فَلا يَجُوزُ الدُّخُولُ فَلَوْ أذِنَ لِواحِدٍ في الدُّخُولِ لِاسْتِماعِ كَلامٍ لا لِأكْلِ طَعامٍ لا يَجُوزُ، نَقُولُ: المُرادُ هو الثّانِي لِيَعُمَّ النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ، وأمّا قَوْلُهُ فَلا يَجُوزُ إلّا بِالإذْنِ الَّذِي إلى طَعامٍ، نَقُولُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخِطابُ مَعَ قَوْمٍ كانُوا يَجِيئُونَ حِينَ الطَّعامِ ويَدْخُلُونَ مِن غَيْرِ إذْنٍ فَمُنِعُوا مِنَ الدُّخُولِ في وقْتِهِ بِغَيْرِ إذْنٍ، والأوْلى أنْ يُقالَ المُرادُ هو الثّانِي لِأنَّ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ خِلافُ الأصْلِ وقَوْلُهُ: ﴿إلى طَعامٍ﴾ مِن بابِ التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ فَلا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ما عَداهُ، لا سِيَّما إذا عَلِمَ أنَّ غَيْرَهُ مِثْلُهُ فَإنَّ مَن جازَ دُخُولُ بَيْتِهِ بِإذْنِهِ إلى طَعامِهِ جازَ دُخُولُهُ إلى غَيْرِ طَعامِهِ بِإذْنِهِ، فَإنَّ غَيْرَ الطَّعامِ مُمْكِنٌ وُجُودُهُ مَعَ الطَّعامِ، فَإنَّ مِنَ الجائِزِ أنْ يَتَكَلَّمَ مَعَهُ وقْتَما يَدْعُوهُ إلى طَعامٍ ويَسْتَقْضِيهِ في حَوائِجِهِ ويُعَلِّمُهُ مِمّا عِنْدَهُ مِنَ العُلُومِ مَعَ زِيادَةِ الإطْعامِ، فَإذا رَضِيَ بِالكُلِّ فَرِضاهُ بِالبَعْضِ أقْرَبُ إلى الفِعْلِ، فَيَصِيرُ مِن بابِ ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ﴾ يَعْنِي أنْتُمْ لا تَنْتَظِرُوا وقْتَ الطَّعامِ فَإنَّهُ رُبَّما لا يَتَهَيَّأُ.
صفحة ١٩٤
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا﴾ فِيهِ لَطِيفَةٌ؛ وهي أنَّ العادَةَ إذا قِيلَ لِمَن كانَ يَعْتادُ دُخُولَ دارٍ مِن غَيْرِ إذْنٍ: لا تَدْخُلْها إلّا بِإذْنٍ؛ يَتَأذّى ويَنْقَطِعُ بِحَيْثُ لا يَدْخُلُها أصْلًا لا بِالدُّعاءِ ولا بِغَيْرِ الدُّعاءِ، فَقالَ: لا تَفْعَلُوا مِثْلَ ما يَفْعَلُهُ المُسْتَنْكِفُونَ، بَلْ كُونُوا طائِعِينَ سامِعِينَ إذا قِيلَ لَكم: لا تَدْخُلُوا؛ لا تَدْخُلُوا، وإذا قِيلَ لَكُمُ: ادْخُلُوا؛ فادْخُلُوا، وإناهُ: قِيلَ: وقْتُهُ، وقِيلَ: اسْتِواؤُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يُؤْذَنَ﴾ يُفِيدُ الجَوازَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا﴾ يُفِيدُ الوُجُودَ. فَقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ﴾ لَيْسَ تَأْكِيدًا بَلْ هو يُفِيدُ فائِدَةً جَدِيدَةً.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لا يُشْتَرَطُ في الإذْنِ التَّصْرِيحُ بِهِ، بَلْ إذا حَصَلَ العِلْمُ بِالرِّضا جازَ الدُّخُولُ، ولِهَذا قالَ: ﴿إلّا أنْ يُؤْذَنَ﴾ مِن غَيْرِ بَيانِ فاعِلٍ، فالآذِنُ إنْ كانَ اللَّهَ أوِ النَّبِيَّ أوِ العَقْلَ المُؤَيَّدَ بِالدَّلِيلِ جازَ، والنَّقْلُ دالٌّ عَلَيْهِ حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ وحَدُّ الصَّداقَةِ لِما ذَكَرْنا، فَلَوْ جاءَ أبُو بَكْرٍ وعَلِمَ أنْ لا مانِعَ في بَيْتِ عائِشَةَ مِن بُيُوتِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تَكَشُّفٍ أوْ حُضُورِ غَيْرِ مَحْرَمٍ عِنْدَها، أوْ عَلِمَ خُلُوَّ الدّارِ مِنَ الأهْلِ، أوْ هي مُحْتاجَةٌ إلى إطْفاءِ حَرِيقٍ فِيها أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، جازَ الدُّخُولُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا﴾ كانَ بَعْضُ الصَّحابَةِ أطالَ المُكْثَ يَوْمَ ولِيمَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ في عُرْسِ زَيْنَبَ، والنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَقُلْ لَهُ شَيْئًا، فَوَرَدَتِ الآيَةُ جامِعَةً لِآدابٍ، مِنها المَنعُ مِن إطالَةِ المُكْثِ في بُيُوتِ النّاسِ، وفي مَعْنى البَيْتِ مَوْضِعٌ مُباحٌ اخْتارَهُ شَخْصٌ لِعِبادَتِهِ أوِ اشْتِغالِهِ بِشُغْلٍ فَيَأْتِيهِ أحَدٌ ويُطِيلُ المُكْثَ عِنْدَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو عَطْفٌ عَلى ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ﴾ مَجْرُورٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَطْفًا عَلى المَعْنى، فَإنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ لا تَدْخُلُوها هاجِمِينَ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا مُسْتَأْنِسِينَ﴾ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَ ذَلِكَ أدَبًا وكَوْنَ النَّبِيِّ حَلِيمًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكم واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ وأدَبٌ، وقَوْلُهُ: (كانَ) إشارَةٌ إلى تَحَمُّلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ أدَبًا آخَرَ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ لَمّا مَنَعَ اللَّهُ النّاسَ مِن دُخُولِ بُيُوتِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ في ذَلِكَ تَعَذُّرُ الوُصُولِ إلى الماعُونِ، بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنهُ فَلْيَسْألْ ولْيَطْلُبْ مِن وراءِ حِجابٍ، وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ﴾ يَعْنِي: العَيْنُ رَوْزَنَةُ القَلْبِ، فَإذا لَمْ تَرَ العَيْنُ لا يَشْتَهِي القَلْبُ. أمّا إنْ رَأتِ العَيْنُ فَقَدْ يَشْتَهِي القَلْبُ وقَدْ لا يَشْتَهِي، فالقَلْبُ عِنْدَ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ أطْهَرُ، وعَدَمُ الفِتْنَةِ حِينَئِذٍ أظْهَرُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا عَلَّمَ المُؤْمِنِينَ الأدَبَ أكَّدَهُ بِما يَحْمِلُهم عَلى مُحافَظَتِهِ، فَقالَ: ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ وكُلُّ ما مُنِعْتُمْ عَنْهُ مُؤْذٍ فامْتَنِعُوا عَنْهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا﴾ قِيلَ: سَبَبُ نُزُولِهِ أنَّ بَعْضَ النّاسِ قِيلَ هو طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قالَ: لَئِنْ عِشْتُ بَعْدَ مُحَمَّدٍ لَأنْكِحَنَّ عائِشَةَ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ اللَّفْظَ العامَّ لا يُغَيِّرُ مَعْناهُ سَبَبُ النُّزُولِ، فَإنَّ المُرادَ أنَّ إيذاءَ الرَّسُولِ حَرامٌ، والتَّعَرُّضُ لِنِسائِهِ في حَياتِهِ إيذاءٌ، فَلا يَجُوزُ، ثُمَّ قالَ: لا بَلْ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ مُطْلَقًا، ثُمَّ أكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ أيْ: إيذاءُ الرَّسُولِ.
33:54Page 425
إِن تُبۡدُواْ شَيۡـًٔا أَوۡ تُخۡفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٥٤
Whether you reveal a thing or conceal it, indeed Allāh is ever, of all things, Knowing.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أوْ تُخْفُوهُ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾
صفحة ١٩٥
يَعْنِي إنْ كُنْتُمْ لا تُؤْذُونَهُ في الحالِ وتَعْزِمُونَ عَلى إيذائِهِ أوْ نِكاحِ أزْواجِهِ بَعْدَهُ، فاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences