Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Saba 34:20–32
34:20–21Page 430
وَلَقَدۡ صَدَّقَ عَلَيۡهِمۡ إِبۡلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٠
And Iblees had already confirmed through them1 his assumption,2 so they followed him, except for a party of believers.
وَمَا كَانَ لَهُۥ عَلَيۡهِم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يُؤۡمِنُ بِٱلۡأٓخِرَةِ مِمَّنۡ هُوَ مِنۡهَا فِي شَكّٖۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ ٢١
And he had over them no authority except [it was decreed] that We might make evident who believes in the Hereafter from who is thereof in doubt. And your Lord, over all things, is Guardian.1
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ ظَنُّهُ أنَّهُ يُغْوِيهِمْ كَما قالَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ [ص: ٨٢] وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّبَعُوهُ﴾ بَيانٌ لِذَلِكَ أيْ أغْواهم، ﴿فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: صَدَّقَ عَلَيْهِمْ ظَنَّهُ في أنَّهُ خَيْرٌ مِنهُ كَما قالَ تَعالى عَنْهُ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ [ص: ٧٦] ويَتَحَقَّقُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ فاتَّبَعُوهُ؛ لِأنَّ المَتْبُوعَ خَيْرٌ مِنَ التّابِعِ وإلّا لا يَتْبَعُهُ العاقِلُ والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ إبْلِيسَ خَيْرٌ مِنَ الكافِرِ، هو أنَّ إبْلِيسَ امْتَنَعَ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ لَكِنْ لَمّا كانَ في امْتِناعِهِ تَرْكُ عِبادَةِ اللَّهِ عِنادًا كَفَرَ، والمُشْرِكُ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ، فَهو كَفَرَ بِأمْرٍ أقْرَبَ إلى التَّوْحِيدِ، وهم كَفَرُوا بِأمْرٍ هو الإشْراكُ، ويُؤَيِّدُ هَذا الَّذِي اخْتَرْناهُ الِاسْتِثْناءُ، وبَيانُهُ هو أنَّهُ وإنْ لَمْ يَظُنَّ أنَّهُ يُغْوِي الكُلَّ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ عَنْهُ: ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] فَما ظَنَّ أنَّهُ يُغْوِي المُؤْمِنِينَ فَما ظَنَّهُ صَدَّقَهُ ولا حاجَةَ إلى الِاسْتِثْناءِ، وأمّا في قَوْلِهِ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ اعْتَقَدَ الخَيْرِيَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلى جَمِيعِ النّاسِ بِدَلِيلِ تَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧٦] وقَدْ كَذَبَ في ظَنِّهِ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، ويُمْكِنُ الجَوابُ عَنْ هَذا في الوَجْهِ الأوَّلِ، وهو أنَّهُ وإنْ لَمْ يَظُنَّ إغْواءَ الكُلِّ وعَلِمَ أنَّ البَعْضَ ناجٍ، لَكِنْ ظَنَّ في كُلِّ واحِدٍ أنَّهُ لَيْسَ هو ذَلِكَ النّاجِيَ، إلى أنْ تَبَيَّنَ لَهُ فَظَنَّ أنَّهُ يُغْوِيهِ فَكَذَبَ في ظَنِّهِ في حَقِّ البَعْضِ وصَدَقَ في البَعْضِ.
﴿وما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ إلّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾
قَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] أنَّ عِلْمَ اللَّهِ مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ مُحِيطٌ بِكُلِّ مَعْلُومٍ وعِلْمُهُ لا يَتَغَيَّرُ وهو في كَوْنِهِ عالِمًا لا يَتَغَيَّرُ ولَكِنْ يَتَغَيَّرُ تَعَلُّقُ عِلْمِهِ، فَإنَّ العِلْمَ صِفَةٌ كاشِفَةٌ يَظْهَرُ بِها كُلُّ ما في نَفْسِ الأمْرِ فَعَلِمَ اللَّهُ في الأزَلِ أنَّ العالَمَ سَيُوجَدُ، فَإذا وُجِدَ عَلِمَهُ
صفحة ٢٢٠
مَوْجُودًا بِذَلِكَ العِلْمِ، وإذا عُدِمَ يَعْلَمُهُ مَعْدُومًا بِذَلِكَ، مِثالُهُ: أنَّ المِرْآةَ المَصْقُولَةَ فِيها الصَّفاءُ فَيَظْهَرُ فِيها صُورَةُ زَيْدٍ إنْ قابَلَها، ثُمَّ إذا قابَلَها عَمْرٌو يَظْهَرُ فِيها صُورَتُهُ، والمِرْآةُ لَمْ تَتَغَيَّرْ في ذاتِها ولا تَبَدَّلَتْ في صِفاتِها، إنَّما التَّغَيُّرُ في الخارِجاتِ فَكَذَلِكَ هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ أيْ لِيَقَعَ في العِلْمِ صُدُورُ الكُفْرِ مِنَ الكافِرِ والإيمانِ مِنَ المُؤْمِنِ وكانَ قَبْلَهُ فِيهِ أنَّهُ سَيَكْفُرُ زَيْدٌ ويُؤْمِنُ عَمْرٌو.
وقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ بِمُلْجِئٍ وإنَّما هو آيَةٌ وعَلامَةٌ خَلَقَها اللَّهُ لِتَبْيِينِ ما هو في عِلْمِهِ السّابِقِ، وقَوْلُهُ: ﴿ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ يُحَقِّقُ ذَلِكَ، أيِ اللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى مَنعِ إبْلِيسَ عَنْهم، عالِمٌ بِما سَيَقَعُ، فالحِفْظُ يَدْخُلُ في مَفْهُومِهِ العِلْمُ والقُدْرَةُ، إذِ الجاهِلُ بِالشَّيْءِ لا يُمْكِنُهُ حِفْظُهُ ولا العاجِزُ.
34:22–23Page 430
قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا لَهُمۡ فِيهِمَا مِن شِرۡكٖ وَمَا لَهُۥ مِنۡهُم مِّن ظَهِيرٖ ٢٢
Say, [O Muḥammad], "Invoke those you claim [as deities] besides Allāh." They do not possess an atom's weight [of ability] in the heavens or on the earth, and they do not have therein any partnership [with Him], nor is there for Him from among them any assistant.
وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنۡ أَذِنَ لَهُۥۚ حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمۡ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمۡۖ قَالُواْ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ ٢٣
And intercession does not benefit with Him except for one whom He permits. [And those wait] until, when terror is removed from their hearts,1 they will say [to one another], "What has your Lord said?" They will say, "The truth." And He is the Most High, the Grand.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾ ﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ .
لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى حالَ الشّاكِرِينَ وحالَ الكافِرِينَ وذَكَّرَهم بِمَن مَضى عادَ إلى خِطابِهِمْ وقالَ لِرَسُولِهِ ﷺ قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ لِيَكْشِفُوا عَنْكُمُ الضُّرَّ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ المَذاهِبَ المُفْضِيَةَ إلى الشِّرْكِ أرْبَعَةٌ:
أحَدُها: قَوْلُ مَن يَقُولُ: اللَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّماءَ والسَّماوِيّاتِ وجَعَلَ الأرْضَ والأرْضِيّاتِ في حُكْمِهِمْ، ونَحْنُ مِن جُمْلَةِ الأرْضِيّاتِ فَنَعْبُدُ الكَواكِبَ والمَلائِكَةَ الَّتِي في السَّماءِ فَهم آلِهَتُنا واللَّهُ إلَهُهم، فَقالَ اللَّهُ تَعالى في إبْطالِ قَوْلِهِمْ: إنَّهم لا يَمْلِكُونَ في السَّماواتِ شَيْئًا كَما اعْتَرَفْتُمْ، قالَ: ولا في الأرْضِ عَلى خِلافِ ما زَعَمْتُمْ.
وثانِيها: قَوْلُ مَن يَقُولُ: السَّماواتُ مِنَ اللَّهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْدادِ، والأرْضِيّاتُ مِنهُ ولَكِنْ بِواسِطَةِ الكَواكِبِ فَإنَّ اللَّهَ خَلَقَ العَناصِرَ والتَّرْكِيباتِ الَّتِي فِيها بِالِاتِّصالاتِ والحَرَكاتِ والطَّوالِعِ فَجَعَلُوا لِغَيْرِ اللَّهِ مَعَهُ شِرْكًا في الأرْضِ والأوَّلُونَ جَعَلُوا الأرْضَ لِغَيْرِهِ والسَّماءَ لَهُ، فَقالَ في إبْطالِ قَوْلِهِمْ: ﴿وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ﴾ أيِ الأرْضُ كالسَّماءِ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ، ولا لِغَيْرِهِ فِيها نَصِيبٌ.
وثالِثُها: قَوْلُ مَن قالَ: التَّرْكِيباتُ والحَوادِثُ كُلُّها مِنَ اللَّهِ تَعالى لَكِنْ فَوَّضَ ذَلِكَ إلى الكَواكِبِ، وفِعْلُ المَأْذُونِ يُنْسَبُ إلى الآذِنِ ويُسْلَبُ عَنِ المَأْذُونِ فِيهِ، مِثالُهُ إذا قالَ مَلِكٌ لِمَمْلُوكِهِ اضْرِبْ فُلانًا فَضَرَبَهُ يُقالُ في العُرْفِ المَلِكُ ضَرَبَهُ، ويَصِحُّ عُرْفًا قَوْلُ القائِلِ ما ضَرَبَ فُلانٌ فُلانًا، وإنَّما المَلِكُ أمَرَ بِضَرْبِهِ فَضُرِبَ، فَهَؤُلاءِ جَعَلُوا السَّماوِيّاتِ مُعَيَّناتٍ لِلَّهِ فَقالَ تَعالى في إبْطالِ قَوْلِهِمْ: ﴿وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾ ما فَوَّضَ إلى شَيْءٍ شَيْئًا، بَلْ هو عَلى كُلِّ شَيْءٍ
صفحة ٢٢١
حَفِيظٌ ورَقِيبٌ.
ورابِعُها: قَوْلُ مَن قالَ إنّا نَعْبُدُ الأصْنامَ الَّتِي هي صُوَرُ المَلائِكَةِ لِيَشْفَعُوا لَنا فَقالَ تَعالى في إبْطالِ قَوْلِهِمْ: (﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ فَلا فائِدَةَ لِعِبادَتِكم غَيْرَ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ لا يَأْذَنُ في الشَّفاعَةِ لِمَن يَعْبُدُ غَيْرَهُ فَبِطَلَبِكُمُ الشَّفاعَةَ تُفَوِّتُونَ عَلى أنْفُسِكُمُ الشَّفاعَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ أُزِيلَ الفَزَعُ عَنْهم، يُقالُ قُرِّدَ البَعِيرُ إذا أُخِذَ مِنهُ القُرادُ ويُقالُ لِهَذا: تَشْدِيدُ السَّلْبِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: الفَزَعُ الَّذِي عِنْدَ الوَحْيِ فَإنَّ اللَّهَ عِنْدَما يُوحِي يَفْزَعُ مَن في السَّماواتِ، ثُمَّ يُزِيلُ اللَّهُ عَنْهُمُ الفَزَعَ فَيَقُولُونَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ماذا قالَ اللَّهُ ؟ فَيَقُولُ: قالَ الحَقَّ أيِ الوَحْيَ.
وثانِيها: الفَزَعُ الَّذِي مِنَ السّاعَةِ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أوْحى إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ﴾ [النمل: ٨٧] مِنَ القِيامَةِ لِأنَّ إرْسالَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، فَلَمّا زالَ عَنْهم ذَلِكَ الفَزَعُ قالُوا ماذا قالَ اللَّهُ ؟ قالَ جِبْرِيلُ ﴿الحَقَّ﴾ أيِ الوَحْيَ.
وثالِثُها: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى يُزِيلُ الفَزَعَ وقْتَ المَوْتِ عَنِ القُلُوبِ فَيَعْتَرِفُ كُلُّ أحَدٍ بِأنَّ ما قالَ اللَّهُ تَعالى هو الحَقُّ فَيَنْفَعُ ذَلِكَ القَوْلُ مَن سَبَقَ ذَلِكَ مِنهُ، ثُمَّ يَقْبِضُ رُوحَهُ عَلى الإيمانِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، ويَضُرُّ ذَلِكَ القَوْلُ مَن سَبَقَ مِنهُ خِلافُهُ فَيَقْبِضُ رُوحَهُ عَلى الكُفْرِ المُتَّفَقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، إذا عَلِمْتَ هَذا فَنَقُولُ عَلى القَوْلَيْنِ الأوَّلِينَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى﴾ غايَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ﴾ لِأنَّهُ بَيَّنَهُ بِالوَحْيِ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ قُلْ لِفُلانٍ لِلْإنْذارِ حَتّى يَسْمَعَ المُخاطَبُ ما يَقُولُهُ، ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ هَذا الكَلامِ ما يَجِبُ قَوْلُهُ فَلَمّا قالَ: ﴿قُلِ﴾ فَزِعَ مَن في السَّماواتِ، ثُمَّ أُزِيلُ عَنْهُ الفَزَعُ، وعَلى الثّالِثِ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زَعَمْتُمْ﴾ أيْ زَعَمْتُمُ الكُفْرَ إلى غايَةِ التَّفْزِيعِ، ثُمَّ تَرَكْتُمْ ما زَعَمْتُمْ وقُلْتُمْ قالَ الحَقَّ، وعَلى القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ فاعِلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا ماذا﴾ هو المَلائِكَةُ السّائِلُونَ مِن جِبْرِيلَ، وعَلى الثّالِثِ الكُفّارُ السّائِلُونَ مِنَ المَلائِكَةِ، والفاعِلُ في قَوْلِهِ: ﴿الحَقَّ﴾ عَلى القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ هُمُ المَلائِكَةُ، وعَلى الثّالِثِ هُمُ المُشْرِكُونَ.
واعْلَمْ أنَّ الحَقَّ هو المَوْجُودُ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا كانَ وُجُودُهُ لا يَرِدُ عَلَيْهِ عَدَمٌ كانَ حَقًّا مُطْلَقًا لا يَرْتَفِعُ بِالباطِلِ الَّذِي هو العَدَمُ والكَلامُ الَّذِي يَكُونُ صِدْقًا يُسَمّى حَقًّا؛ لِأنَّ الكَلامَ لَهُ مُتَعَلِّقٌ في الخارِجِ بِواسِطَةِ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما في الذِّهْنِ، والَّذِي في الذِّهْنِ مُتَعَلِّقٌ بِما في الخارِجِ، فَإذا قالَ القائِلُ: جاءَ زَيْدٌ يَكُونُ هَذا اللَّفْظُ تَعَلُّقُهُ بِما في ذِهْنِ القائِلِ، وذِهْنُ القائِلِ تَعَلُّقُهُ بِما في الخارِجِ، لَكِنْ لِلصِّدْقِ مُتَعَلِّقٌ يَكُونُ في الخارِجِ فَيَصِيرُ لَهُ وُجُودٌ مُسْتَمِرٌّ ولِلْكَذِبِ مُتَعَلِّقٌ لا يَكُونُ في الخارِجِ، وحِينَئِذٍ إمّا أنْ لا يَكُونَ لَهُ مُتَعَلِّقٌ في الذِّهْنِ فَيَكُونُ كالمَعْدُومِ مِنَ الأوَّلِ وهو الألْفاظُ الَّتِي تَكُونُ صادِرَةً عَنْ مُعانِدٍ كاذِبٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ لَهُ مُتَعَلِّقٌ في الذِّهْنِ عَلى خِلافِ ما في الخارِجِ فَيَكُونُ اعْتِقادًا باطِلًا جَهْلًا أوْ ظَنًّا، لَكِنْ لَمّا لَمْ يَكُنْ لِمُتَعَلِّقِهِ مُتَعَلِّقٌ يَزُولُ ذَلِكَ الكَلامُ ويَبْطُلُ، وكَلامُ اللَّهِ لا بُطْلانَ لَهُ في أوَّلِ الأمْرِ كَما يَكُونُ كَلامُ الكاذِبِ المُعانِدِ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ﴾ [فصلت: ٤٢] كَما يَكُونُ كَلامُ الظّانِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ قَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢] أنَّ ﴿الحَقُّ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ كامِلٌ لا نَقْصَ فِيهِ فَيَقْبَلُ نِسْبَةَ العَدَمِ، وفَوْقَ الكامِلِينَ لِأنَّ كُلَّ كامِلٍ فَوْقَهُ كامِلٌ فَقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ فَوْقَ الكامِلِينَ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ، وهَذا يُبْطِلُ القَوْلَ بِكَوْنِهِ جِسْمًا وفي حَيِّزٍ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن كانَ في حَيِّزٍ فَإنَّ العَقْلَ يَحْكُمُ بِأنَّهُ مُشارٌ إلَيْهِ وهو مَقْطَعُ الإشارَةِ؛ لِأنَّ الإشارَةَ لَوْ لَمْ تَقَعْ إلَيْهِ لَما كانَ المُشارُ إلَيْهِ هو، وإذا وقَعَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ فَقَدْ تَناهَتِ الإشارَةُ عِنْدَهُ، وفي كُلِّ مَوْقِعٍ تَقِفُ الإشارَةُ بِقَدْرِ العَقْلِ عَلى أنْ يَفْرِضَ البُعْدَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَيَقُولُ لَوْ كانَ بَيْنَ
صفحة ٢٢٢
مَأْخَذِ الإشارَةِ والمُشارِ إلَيْهِ أكْثَرُ مِن هَذا البُعْدِ لَكانَ هَذا المُشارُ إلَيْهِ أعْلى فَيَصِيرُ عَلِيًّا بِالإضافَةِ لا مُطْلَقًا، وهو عَلِيٌّ مُطْلَقًا ولَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَ لَهُ مِقْدارٌ، وكُلُّ مِقْدارٍ يُمْكِنُ أنْ يُفْرَضَ أكْبَرُ مِنهُ فَيَكُونَ كَبِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ لا مُطْلَقًا وهو كَبِيرٌ مُطْلَقًا.
34:24Page 431
۞ قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُلِ ٱللَّهُۖ وَإِنَّآ أَوۡ إِيَّاكُمۡ لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢٤
Say, "Who provides for you from the heavens and the earth?" Say, "Allāh. And indeed, we or you are either upon guidance or in clear error."
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ العامَّةَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ لا لِكَوْنِهِ إلَهًا، وإنَّما يَطْلُبُونَ بِهِ شَيْئًا، وذَلِكَ إمّا دَفْعُ ضَرَرٍ أوْ جَرُّ نَفْعٍ فَنَبَّهَ اللَّهُ تَعالى العامَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ عَلى أنَّهُ لا يَدْفَعُ الضُّرَّ أحَدٌ إلّا هو كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾ [يونس: ١٠٧] وقالَ بَعْدَ إتْمامِ بَيانِ ذَلِكَ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إشارَةً إلى أنَّ جَرَّ النَّفْعِ لَيْسَ إلّا بِهِ ومِنهُ، فَإذًا إنْ كُنْتُمْ مِنَ الخَواصِّ فاعْبُدُوهُ لِعُلُوِّهِ وكِبْرِيائِهِ سَواءٌ دَفَعَ عَنْكم ضُرًّا أوْ لَمْ يَدْفَعْ، وسَواءٌ نَفَعَكم بِخَيْرٍ أوْ لَمْ يَنْفَعْ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا كَذَلِكَ فاعْبُدُوهُ لِدَفْعِ الضُّرِّ وجَرِّ النَّفْعِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ يَعْنِي إنْ لَمْ يَقُولُوا هم فَقُلْ أنْتَ: اللَّهُ يَرْزُقُ (وهَهُنا لَطِيفَةٌ): وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ الضُّرِّ ذَكَرَ أنَّهم يَقُولُونَ: اللَّهُ ويَعْتَرِفُونَ بِالحَقِّ حَيْثُ قالَ: ﴿قالُوا الحَقَّ﴾ وعِنْدَ النَّفْعِ لَمْ يَقُلْ إنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ وذَلِكَ لِأنَّ لَهم حالَةً يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ كاشِفَ الضُّرِّ هو اللَّهُ حَيْثُ يَقَعُونَ في الضُّرِّ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ [الروم: ٣٣] وأمّا عِنْدَ الرّاحَةِ فَلا تَنَبُّهَ لَهم لِذَلِكَ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيْ هم في حالَةِ الرّاحَةِ غافِلُونَ عَنِ اللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا إرْشادٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ إلى المُناظَراتِ الجارِيَةِ في العُلُومِ وغَيْرِها وذَلِكَ لِأنَّ أحَدَ المُتَناظِرَيْنِ إذا قالَ لِلْآخَرِ هَذا الَّذِي تَقُولُهُ خَطَأٌ وأنْتَ فِيهِ مُخْطِئٌ يُغْضِبُهُ، وعِنْدَ الغَضَبِ لا يَبْقى سَدادُ الفِكْرِ وعِنْدَ اخْتِلالِهِ لا مَطْمَعَ في الفَهْمِ فَيَفُوتُ الغَرَضُ، وأمّا إذا قالَ لَهُ بِأنَّ أحَدَنا لا يَشُكُّ في أنَّهُ مُخْطِئٌ والتَّمادِي في الباطِلِ قَبِيحٌ والرُّجُوعُ إلى الحَقِّ أحْسَنُ الأخْلاقِ فَنَجْتَهِدُ ونُبْصِرُ أيُّنا عَلى الخَطَأِ لِيَحْتَرِزَ فَإنَّهُ يَجْتَهِدُ ذَلِكَ الخَصْمُ في النَّظَرِ ويَتْرُكُ التَّعَصُّبَ وذَلِكَ لا يُوجِبُ نَقْصًا في المَنزِلَةِ لِأنَّهُ أوْهَمَ بِأنَّهُ في قَوْلِهِ شاكٌّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ: ﴿وإنّا أوْ إيّاكُمْ﴾ مَعَ أنَّهُ لا يَشُكُّ في أنَّهُ هو الهادِي وهو المُهْتَدِي وهُمُ الضّالُّونَ والمُضِلُّونَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ذَكَرَ في الهُدى كَلِمَةَ ”عَلى“، وفي الضَّلالِ كَلِمَةَ ”فِي“ لِأنَّ المُهْتَدِيَ كَأنَّهُ مُرْتَفِعٌ مُتَطَلِّعٌ فَذَكَرَهُ بِكَلِمَةِ التَّعَلِّي، والضّالُّ مُنْغَمِسٌ في الظُّلْمَةِ غَرِيقٌ فِيها فَذَكَرَهُ بِكَلِمَةِ ”فِي“ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: وصَفَ الضَّلالَ بِالمُبِينِ ولَمْ يَصِفِ الهُدى لِأنَّ الهُدى هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ المُوصِلُ
صفحة ٢٢٣
إلى الحَقِّ، والضَّلالُ خِلافُهُ لَكِنَّ المُسْتَقِيمَ واحِدٌ وما هو غَيْرُهُ كُلُّهُ ضَلالٌ وبَعْضُهُ بَيِّنٌ مِن بَعْضٍ، فَمَيَّزَ البَعْضَ عَنِ البَعْضِ بِالوَصْفِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَدَّمَ الهُدى عَلى الضَّلالِ لِأنَّهُ كانَ وصَفَ المُؤْمِنِينَ المَذْكُورِينَ بِقَوْلِهِ: (إنّا) وهو مُقَدَّمٌ في الذِّكْرِ.
34:25–29Page 431
قُل لَّا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّآ أَجۡرَمۡنَا وَلَا نُسۡـَٔلُ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٥
Say, "You will not be asked about what we committed, and we will not be asked about what you do."
قُلۡ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفۡتَحُ بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَهُوَ ٱلۡفَتَّاحُ ٱلۡعَلِيمُ ٢٦
Say, "Our Lord will bring us together; then He will judge between us in truth. And He is the Knowing Judge."1
قُلۡ أَرُونِيَ ٱلَّذِينَ أَلۡحَقۡتُم بِهِۦ شُرَكَآءَۖ كـَلَّاۚ بَلۡ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٧
Say, "Show me those whom you have attached to Him as partners. No! Rather, He [alone] is Allāh, the Exalted in Might, the Wise."
وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٨
And We have not sent you except comprehensively1 to mankind as a bringer of good tidings and a warner. But most of the people do not know.
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٩
And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ أضافَ الإجْرامَ إلى النَّفْسِ وقالَ في حَقِّهِمْ: ﴿ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ذَكَرَ بِلَفْظِ العَمَلِ لِئَلّا يَحْصُلَ الإغْضابُ المانِعُ مِنَ الفَهْمِ، وقَوْلُهُ: ﴿لا تُسْألُونَ﴾ ﴿ولا نُسْألُ﴾ زِيادَةُ حَثٍّ عَلى النَّظَرِ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ إذا كانَ مُؤاخَذًا بِجُرْمِهِ فَإذا احْتَرَزَ نَجا، ولَوْ كانَ البَرِيءُ يُؤاخَذُ بِالجُرْمِ لَما كَفى النَّظَرُ.
﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وهو الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وهو الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ أكَّدَ ما يُوجِبُ النَّظَرَ والتَّفَكُّرَ، فَإنَّ مُجَرَّدَ الخَطَأِ والضَّلالِ واجِبُ الِاجْتِنابِ، فَكَيْفَ إذا كانَ يَوْمَ عَرْضٍ وحِسابٍ وثَوابٍ وعَذابٍ، وقَوْلُهُ: ﴿يَفْتَحُ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ يَحْكُمُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ بِأنَّ الفَتْحَ هَهُنا مَجازٌ، وذَلِكَ لِأنَّ البابَ المُغْلَقَ والمَنفَذَ المَسْدُودَ يُقالُ فِيهِ فَتَحَهُ عَلى طَرِيقِ الحَقِيقَةِ. ثُمَّ إنَّ الأمْرَ إذا كانَ فِيهِ انْغِلاقٌ وعَدَمُ وُصُولٍ إلَيْهِ فَإذا بَيَّنَهُ أحَدٌ يَكُونُ قَدْ فَتَحَهُ وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ حُكْمَهُ يَكُونُ مَعَ العِلْمِ لا مِثْلَ حُكْمِ مَن يَحْكُمُ بِما يَتَّفِقُ لَهُ بِمُجَرَّدِ هَواهُ.
34:30Page 431
قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوۡمٖ لَّا تَسۡتَـٔۡخِرُونَ عَنۡهُ سَاعَةٗ وَلَا تَسۡتَقۡدِمُونَ ٣٠
Say, "For you is the appointment of a Day [when] you will not remain thereafter an hour, nor will you precede [it]."
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلّا بَلْ هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَعْبُودَ قَدْ يَعْبُدُهُ قَوْمٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، وجَمْعٌ لِتَوَقُّعِ المَنفَعَةِ، وقَلِيلٌ مِنَ الأشْرافِ الأعِزَّةِ يَعْبُدُونَهُ لِأنَّهُ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِذاتِهِ فَلَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا يُعْبَدُ غَيْرُ اللَّهِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ إذْ لا دافِعَ لِلضَّرَرِ غَيْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وبَيَّنَ أنَّهُ لا يُعْبَدُ غَيْرُ اللَّهِ لِتَوَقُّعِ المَنفَعَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ بَيَّنَ هَهُنا أنَّهُ لا يُعْبَدُ أحَدٌ لِاسْتِحْقاقِهِ العِبادَةَ غَيْرَ اللَّهِ فَقالَ: ﴿قُلْ أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلّا بَلْ هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيْ هو المَعْبُودُ لِذاتِهِ، واتِّصافُهُ بِالعِزَّةِ وهي القُدْرَةُ الكامِلَةُ، والحِكْمَةُ وهي العِلْمُ التّامُّ الَّذِي عَمَلُهُ مُوافِقٌ لَهُ.
صفحة ٢٢٤
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
لَمّا بَيَّنَ مَسْألَةَ التَّوْحِيدِ شَرَعَ في الرِّسالَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُها: كافَّةً؛ أيْ: إرْسالُهُ كافَّةً؛ أيْ: عامَّةً لِجَمِيعِ النّاسِ تَمْنَعُهم مِنَ الخُرُوجِ عَنِ الِانْقِيادِ لَها.
والثّانِي: كافَّةً أيْ أرْسَلْناكَ كافَّةً تَكُفُّ النّاسَ أنْتَ مِنَ الكُفْرِ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ ﴿بَشِيرًا﴾ أيْ تَحُثُّهم بِالوَعْدِ ﴿ونَذِيرًا﴾ تَزْجُرُهم بِالوَعِيدِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ لا لِخَفائِهِ ولَكِنْ لِغَفْلَتِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ لَمّا ذَكَرَ الرِّسالَةَ بَيَّنَ الحَشْرَ.
وقالَ: ﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ قَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ الأعْرافِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَسْتَأْخِرُونَ﴾ يُوجِبُ الإنْذارَ؛ لِأنَّ مَعْناهُ عَدَمُ المُهْلَةِ عَنِ الأجَلِ ولَكِنَّ الِاسْتِقْدامَ ما وجْهُهُ ؟ وذَكَرْنا هُناكَ وجْهَهُ ونَذْكُرُ هَهُنا أنَّهم لَمّا طَلَبُوا الِاسْتِعْجالَ بَيَّنَ أنَّهُ لا اسْتِعْجالَ فِيهِ كَما لا إمْهالَ، وهَذا يُفِيدُ عِظَمَ الأمْرِ وخَطَرَ الخَطْبِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ الحَقِيرَ إذا طالَبَهُ طالِبٌ مِن غَيْرِهِ لا يُؤَخِّرُهُ ولا يُوقِفُهُ عَلى وقْتٍ بِخِلافِ الأمْرِ الخَطِيرِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَكم مِيعادُ يَوْمٍ﴾ قِراءاتٌ:
أحَدُها: رَفْعُهُما مَعَ التَّنْوِينِ وعَلى هَذا ”يَوْمٌ“ بَدَلٌ.
وثانِيها: نَصْبُ يَوْمٍ مَعَ رَفْعِ مِيعادٍ والتَّنْوِينُ فِيهِما، ”مِيعادٌ يَوْمًا“ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهُهُ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قالَ: مِيعادٌ أعْنِي يَوْمًا وذَلِكَ يُفِيدُ التَّعْظِيمَ والتَّهْوِيلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ تَقْدِيرُهُ لَكم مِيعادٌ يَوْمًا كَما يَقُولُ القائِلُ: أنا جائِيكَ يَوْمًا وعَلى هَذا يَكُونُ العامِلُ فِيهِ العِلْمَ كَأنَّهُ يَقُولُ: لَكم مِيعادٌ تَعْلَمُونَهُ يَوْمًا، وقَوْلُهُ مَعْلُومٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ كَقَوْلِ القائِلِ: إنَّهُ مَقْتُولٌ يَوْمًا.
الثّالِثَةُ: الإضافَةُ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ كَما في قَوْلِ القائِلِ سَحْقُ ثَوْبٍ لِلتَّبْيِينِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ﴾ بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِ: ”لا يُؤَخَّرُ عَنْكم“ زِيادَةُ تَأْكِيدٍ لِوُقُوعِ اليَوْمِ.
34:31Page 431
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ بِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَلَا بِٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ مَوۡقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمۡ يَرۡجِعُ بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ ٱلۡقَوۡلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لَوۡلَآ أَنتُمۡ لَكُنَّا مُؤۡمِنِينَ ٣١
And those who disbelieve say, "We will never believe in this Qur’ān nor in that before it." But if you could see when the wrongdoers are made to stand before their Lord, refuting each others' words...1 Those who were oppressed will say to those who were arrogant, "If not for you, we would have been believers."
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لَمّا بَيَّنَ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ مِنَ التَّوْحِيدِ والرِّسالَةِ والحَشْرِ وكانُوا بِالكُلِّ كافِرِينَ بَيَّنَ كُفْرَهُمُ العامَّ بِقَوْلِهِ: (﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى الكُلِّ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ المَشْهُورُ أنَّهُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وعَلى هَذا فالَّذِينَ كَفَرُوا المُرادُ مِنهُمُ المُشْرِكُونَ المُنْكِرُونَ لِلنُّبُوّاتِ والحَشْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ إنَّ المَعْنى هو أنّا لا نُؤْمِنُ بِالقُرْآنِ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أيْ ولا بِما فِيهِ مِنَ الإخْباراتِ والمَسائِلِ والآياتِ والدَّلائِلِ، وعَلى هَذا فالَّذِينَ كَفَرُوا المُرادُ مِنهُمُ العُمُومُ؛ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالقُرْآنِ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ ولا بِالَّذِي فِيهِ مِنَ الرِّسالَةِ وتَفاصِيلِ الحَشْرِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ هم مُؤْمِنِينَ بِالوَحْدانِيَّةِ والحَشْرِ ؟ فَنَقُولُ: إذا لَمْ يُصَدِّقْ واحِدٌ ما في الكِتابِ مِنَ الأُمُورِ المُخْتَصَّةِ بِهِ يُقالُ فِيهِ إنَّهُ لَمْ يُؤْمِن بِشَيْءٍ مِنهُ وإنْ آمَنَ بِبَعْضِ ما فِيهِ لِكَوْنِهِ في غَيْرِهِ فَيَكُونُ إيمانُهُ لا بِما فِيهِ. مِثالُهُ: أنَّ مَن يُكَذِّبُ رَجُلًا فِيما يَقُولُهُ فَإذا أخْبَرَهُ بِأنَّ النّارَ حارَّةٌ لا يُكَذِّبُهُ فِيهِ ولَكِنْ لا يُقالُ إنَّهُ
صفحة ٢٢٥
صَدَّقَهُ لِأنَّهُ إنَّما صَدَّقَ نَفْسَهُ، فَإنَّهُ كانَ عالِمًا بِهِ مِن قَبْلُ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ أيِ الَّذِي هو مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ وارِدٌ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ .
لَمّا وقَعَ اليَأْسُ مِن إيمانِهِمْ في هَذِهِ الدّارِ بِقَوْلِهِمْ: لَنْ نُؤْمِنَ فَإنَّهُ لِتَأْيِيدِ النَّفْيِ وعَدَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّهُ يَراهم عَلى أذَلِّ حالٍ مَوْقُوفِينَ لِلسُّؤالِ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ كَما يَكُونُ عَلَيْهِ حالُ جَماعَةٍ أخْطَئُوا في أمْرٍ يَقُولُ بَعْضُهم كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِكَ ويَرُدُّ عَلَيْهِ الآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ لَرَأيْتَ عَجَبًا، ثُمَّ بَدَأ بِالأتْباعِ لِأنَّ المُضِلَّ أوْلى بِالتَّوْبِيخِ فَقالَ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ إشارَةً إلى أنَّ كُفْرَهم كانَ لِمانِعٍ لا لِعَدَمِ المُقْتَضِي لِأنَّهم لا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا ما جاءَنا رَسُولٌ، ولا أنْ يَقُولُوا: قَصَّرَ الرَّسُولُ، وهَذا إشارَةٌ إلى إتْيانِ الرَّسُولِ بِما عَلَيْهِ لِأنَّ الرَّسُولَ لَوْ أهْمَلَ شَيْئًا لَما كانُوا يُؤْمِنُونَ ولَوْلا المُسْتَكْبِرُونَ لَآمَنُوا.
34:32Page 432
قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُوٓاْ أَنَحۡنُ صَدَدۡنَٰكُمۡ عَنِ ٱلۡهُدَىٰ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَكُمۖ بَلۡ كُنتُم مُّجۡرِمِينَ ٣٢
Those who were arrogant will say to those who were oppressed, "Did we avert you from guidance after it had come to you? Rather, you were criminals."
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ .
رَدًّا لِما قالُوا إنَّ كُفْرَنا كانَ لِمانِعٍ ﴿أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ يَعْنِي: المانِعُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ راجِحًا عَلى المُقْتَضِي حَتّى يَعْمَلَ عَمَلَهُ، والَّذِي جاءَ بِهِ هو الهُدى، والَّذِي صَدَرَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا يُوجِبُ الِامْتِناعَ مِن قَبُولِ ما جاءَ بِهِ فَلَمْ يَصِحَّ تَعْلِيلُكم بِالمانِعِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ كُفْرَهم كانَ إجْرامًا مِن حَيْثُ إنَّ المَعْذُورَ لا يَكُونُ مَعْذُورًا إلّا لِعَدَمِ المُقْتَضِي أوْ لِقِيامِ المانِعِ ولَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنهُما.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ .
لَمّا ذَكَرَ المُسْتَكْبِرُونَ أنّا ما صَدَدْناكم وما صَدَرَ مِنّا ما يَصْلُحُ مانِعًا وصارِفًا اعْتَرَفَ المُسْتَضْعَفُونَ بِهِ وقالُوا: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ مَنَعَنا، ثُمَّ قالُوا لَهم إنَّكم وإنْ كُنْتُمْ ما أتَيْتُمْ بِالصّارِفِ القَطْعِيِّ والمانِعِ القَوِيِّ ولَكِنِ انْضَمَّ أمْرُكم إيّانا بِالكُفْرِ إلى طُولِ الأمَدِ والِامْتِدادِ في المَدَدِ فَكَفَرْنا فَكانَ قَوْلُكم جُزْءَ السَّبَبِ، ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بَلْ مَكْرُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ فَحُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ أيْ: نُنْكِرَهُ ﴿ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ هَذا يُبَيِّنُ أنَّ المُشْرِكَ بِاللَّهِ مَعَ أنَّهُ في الصُّورَةِ مُثْبِتٌ لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ مُنْكِرٌ لِوُجُودِ اللَّهِ لِأنَّ مَن يُساوِيهِ المَخْلُوقُ المَنحُوتُ لا يَكُونُ إلَهًا، وقَوْلُهُ في الأوَّلِ: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾
صفحة ٢٢٦
﴿القَوْلَ﴾ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ، وقَوْلُهُ في الآيَتَيْنِ المُتَأخِّرَتَيْنِ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ بِصِيغَةِ الماضِي مَعَ أنَّ السُّؤالَ والتَّراجُعَ في القَوْلِ لَمْ يَقَعْ؛ إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ لا بُدَّ وأنْ يَقَعَ، فَإنَّ الأمْرَ الواجِبَ الوُقُوعِ يُوجَدُ كَأنَّهُ وقَعَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences