Ar-RaziSaba · 34:33–43

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Saba 34:33–43

34:33Page 432

وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ بَلۡ مَكۡرُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ إِذۡ تَأۡمُرُونَنَآ أَن نَّكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجۡعَلَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَغۡلَٰلَ فِيٓ أَعۡنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٣

Those who were oppressed will say to those who were arrogant, "Rather, [it was your] conspiracy of night and day when you were ordering us to disbelieve in Allāh and attribute to Him equals." But they will [all] confide regret when they see the punishment; and We will put shackles on the necks of those who disbelieved. Will they be recompensed except for what they used to do?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وجَعَلْنا الأغْلالَ في أعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .

مَعْناهُ أنَّهم يَتَراجَعُونَ القَوْلَ في الأوَّلِ، ثُمَّ إذا جاءَهُمُ العَذابُ الشّاغِلُ يُسِرُّونَ ذَلِكَ التَّراجُعَ الدّالَّ عَلى النَّدامَةِ، وقِيلَ: مَعْنى الإسْرارِ الإظْهارُ أيْ أظْهَرُوا النَّدامَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ بِأنَّهم لَمّا تَراجَعُوا في القَوْلِ رَجَعُوا إلى اللَّهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] ثُمَّ أُجِيبُوا وأُخْبِرُوا بِأنْ لا مَرَدَّ لَكم فَأسَرُّوا ذَلِكَ القَوْلَ، وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا الأغْلالَ في أعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ العَذابِ وإلى أنَّ مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ لَيْسَ كافِيًا بَلْ لَمّا رَأوُا العَذابَ قَطَعُوا بِأنَّهم واقِعُونَ فِيهِ فَتَرَكُوا النَّدَمَ ووَقَعُوا فِيهِ فَجَعَلَ الأغْلالَ في أعْناقِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ حَقُّهم عَدْلًا.

34:34–36Page 432

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٣٤

And We did not send into a city any warner except that its affluent said, "Indeed we, in that with which you were sent, are disbelievers."

وَقَالُواْ نَحۡنُ أَكۡثَرُ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ٣٥

And they1 said, "We are more [than the believers] in wealth and children, and we are not to be punished."

قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦

Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills and restricts [it], but most of the people do not know."

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿وقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ .

تَسْلِيَةً لِقَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ وبَيانًا لِأنَّ إيذاءَ الكُفّارِ الأنْبِياءَ الأخْيارَ لَيْسَ بِدْعًا، بَلْ ذَلِكَ عادَةٌ جَرَتْ مِن قَبْلُ وإنَّما نَسَبَ القَوْلَ إلى المُتْرَفِينَ مَعَ أنَّ غَيْرَهم أيْضًا قالُوا: ﴿إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ لِأنَّ الأغْنِياءَ المُتْرَفِينَ هُمُ الأصْلُ في ذَلِكَ القَوْلِ، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ قالَ عَنِ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا إنَّهم قالُوا لِلْمُسْتَكْبِرِينَ لَوْلا أنْتُمْ لَكانُوا مُؤْمِنِينَ، ثُمَّ اسْتَدَلُّوا عَلى كَوْنِهِمْ مُصِيبِينَ في ذَلِكَ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ فَقالُوا: ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا﴾ أيْ بِسَبَبِ لَزُومِنا لِدِينِنا، وقَوْلُهُ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أيْ في الآخِرَةِ كَأنَّهم قالُوا: حالُنا عاجِلًا خَيْرٌ مِن حالِكم، وأمّا آجِلًا فَلا نُعَذَّبُ إمّا إنْكارًا مِنهم لِلْعَذابِ رَأْسًا أوِ اعْتِقادًا لِحُسْنِ حالِهِمْ في الآخِرَةِ أيْضًا قِياسًا [ عَلى حُسْنِ حالِهِمْ في الدُّنْيا ] . ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ خَطَأهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .

صفحة ٢٢٧

يَعْنِي أنَّ الرِّزْقَ في الدُّنْيا لا تَدُلُّ سِعَتُهُ وضِيقُهُ عَلى حالِ المُحِقِّ والمُبْطِلِ فَكَمْ مِن مُوسِرٍ شَقِيٍّ ومُعْسِرٍ تَقِيٍّ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ أنَّ قِلَّةَ الرِّزْقِ وضَنْكَ العَيْشِ وكَثْرَةَ المالِ وخِصْبَ العَيْشِ بِالمَشِيئَةِ مِن غَيْرِ اخْتِصاصٍ بِالفاسِقِ والصّالِحِ.

34:37–39Page 432

وَمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰٓ إِلَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَزَآءُ ٱلضِّعۡفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمۡ فِي ٱلۡغُرُفَٰتِ ءَامِنُونَ ٣٧

And it is not your wealth or your children that bring you nearer to Us in position, but it is [by being] one who has believed and done righteousness. For them there will be the double reward for what they did, and they will be in the upper chambers [of Paradise], safe [and secure].

وَٱلَّذِينَ يَسۡعَوۡنَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ٣٨

And the ones who strive against Our verses to cause [them] failure1 - those will be brought into the punishment [to remain].

قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥۚ وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُۥۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٣٩

Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills of His servants and restricts [it] for him. But whatever thing you spend [in His cause] - He will compensate it; and He is the best of providers."

ثُمَّ بَيَّنَ فَسادَ اسْتِدْلالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ .

يَعْنِي قَوْلَكم: نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا فَنَحْنُ أحْسَنُ عِنْدَ اللَّهِ حالًا لَيْسَ اسْتِدْلالًا صَحِيحًا، فَإنَّ المالَ لا يُقَرِّبُ إلى اللَّهِ ولا اعْتِبارَ بِالتَّعَزُّزِ بِهِ، وإنَّما المُفِيدُ العَمَلُ الصّالِحُ بَعْدَ الإيمانِ والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ هو أنَّ المالَ والوَلَدَ يَشْغَلُ عَنِ اللَّهِ فَيُبْعِدُ عَنْهُ فَكَيْفَ يُقَرِّبُ مِنهُ، والعَمَلُ الصّالِحُ إقْبالٌ عَلى اللَّهِ واشْتِغالٌ بِاللَّهِ ومَن تَوَجَّهَ إلى اللَّهِ وصَلَ ومَن طَلَبَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا حَصَلَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ أيِ الحَسَنَةُ فَإنَّ الضَّعْفَ لا يَكُونُ إلّا في الحَسَنَةِ وفي السَّيِّئَةِ لا يَكُونُ إلّا المِثْلُ.

ثُمَّ زادَ وقالَ: ﴿وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ إشارَةً إلى دَوامِ النَّعِيمِ وتَأْبِيدِهِ، فَإنَّ مَن تَنْقَطِعُ عَنْهُ النِّعْمَةُ لا يَكُونُ آمِنًا.

﴿والَّذِينَ يَسْعَوْنَ في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾

ثُمَّ بَيَّنَ حالَ المُسِيءِ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَسْعَوْنَ في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ .

وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ إشارَةٌ إلى الدَّوامِ أيْضًا كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠] وكَما قالَ تَعالى: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٦] .

ثُمَّ قالَ تَعالى مَرَّةً أُخْرى: ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ إشارَةً إلى أنَّ نَعِيمَ الآخِرَةِ لا يُنافِي نِعْمَةَ الدُّنْيا، بَلِ الصّالِحُونَ قَدْ يَحْصُلُ لَهم في الدُّنْيا النِّعَمُ مَعَ القَطْعِ بِحُصُولِ النَّعِيمِ لَهم في العُقْبى بِناءً عَلى الوَعْدِ، قَطْعًا لِقَوْلِ مَن يَقُولُ: إذا كانَتِ العاجِلَةُ لَنا والآجِلَةُ لَهم فالنَّقْدُ أوْلى، فَقالَ: هَذا النَّقْدُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِكم فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الأشْقِياءِ مُدْقَعُونَ، وكَثِيرٌ مِنَ الأتْقِياءِ مُمَتَّعُونَ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ هَذا المَعْنى مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً لِبَيانِ أنَّ كَثْرَةَ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ غَيْرُ دالَّةٍ عَلى حُسْنِ أحْوالِهِمْ واعْتِقادِهِمْ، ومَرَّةً لِبَيانِ أنَّهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ: وُجُودُ التَّرَفِ لا يَدُلُّ عَلى الشَّرَفِ، ثُمَّ إنْ سَلَّمْنا أنَّهُ كَذَلِكَ لَكِنَّ المُؤْمِنِينَ سَيَحْصُلُ لَهم ذَلِكَ، فَإنَّ اللَّهَ يُمَلِّكُهم دِيارَكم وأمْوالَكم، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ أوَّلًا لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، بَلْ قالَ لِمَن يَشاءُ، وثانِيًا قالَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، والعِبادُ المُضافَةُ

صفحة ٢٢٨

يُرادُ بِها المُؤْمِنُ، ثُمَّ وعَدَ المُؤْمِنَ بِخِلافِ ما لِلْكافِرِ، فَإنَّ الكافِرَ دابِرُهُ مَقْطُوعٌ، ومالُهُ إلى الزَّوالِ، ومَآلُهُ إلى الوَبالِ. وأمّا المُؤْمِنُ فَما يُنْفِقُهُ يُخْلِفُهُ اللَّهُ، ومُخْلَفُ اللَّهِ خَيْرٌ، فَإنَّ ما في يَدِ الإنْسانِ في مَعْرِضِ البَوارِ والتَّلَفِ وهُما لا يَتَطَرَّقانِ إلى ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الخَلَفِ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ وخَيْرِيَّةُ الرّازِقِ في أُمُورٍ:

أحَدُها: أنْ لا يُؤَخِّرَ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ.

والثّانِي: أنْ لا يَنْقُصَ عَنْ قَدَرِ الحاجَةِ.

والثّالِثُ: أنْ لا يُنَكِّدَهُ بِالحِسابِ.

والرّابِعُ: أنْ لا يُكَدِّرَهُ بِطَلَبِ الثَّوابِ، واللَّهُ تَعالى كَذَلِكَ.

أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ عالِمٌ وقادِرٌ.

والثّانِي: فَلِأنَّهُ غَنِيٌّ واسِعٌ.

والثّالِثُ: فَلِأنَّهُ كَرِيمٌ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ وما ذَكَرْنا هو المُرادُ، أيْ يَرْزُقُهُ حَلالًا لا يُحاسِبُهُ عَلَيْهِ.

والرّابِعُ: فَلِأنَّهُ عَلِيٌّ كَبِيرٌ والثَّوابُ يَطْلُبُهُ الأدْنى مِنَ الأعْلى، ألا تَرى أنَّ هِبَةَ الأعْلى مِنَ الأدْنى لا تَقْتَضِي ثَوابًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ﴾ يُحَقِّقُ مَعْنى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ما مِن يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبادُ فِيهِ إلّا ومَلَكانِ يَنْزِلانِ، يَقُولُ أحَدُهُما اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخَرُ اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» “ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مَلِكٌ عَلِيٌّ وهو غَنِيٌّ مَلِيٌّ، فَإذا قالَ: أنْفِقْ وعَلَيَّ بَدَلُهُ فَبِحُكْمِ الوَعْدِ يَلْزَمُهُ، كَما إذا قالَ قائِلٌ: ألْقِ مَتاعَكَ في البَحْرِ وعَلَيَّ ضَمانُهُ، فَمَن أنْفَقَ فَقَدْ أتى بِما هو شَرْطُ حُصُولِ البَدَلِ فَيَحْصُلُ البَدَلُ، ومَن لَمْ يُنْفِقْ فالزَّوالُ لازِمٌ لِلْمالِ ولَمْ يَأْتِ بِما يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ مِنَ البَدَلِ فَيَفُوتُ مِن غَيْرِ خَلَفٍ وهو التَّلَفُ، ثُمَّ إنَّ مِنَ العَجَبِ أنَّ التّاجِرَ إذا عَلِمَ أنَّ مالًا مِن أمْوالِهِ في مَعْرِضِ الهَلاكِ يَبِيعُهُ نَسِيئَةً، وإنْ كانَ مِنَ الفُقَراءِ ويَقُولُ بِأنَّ ذَلِكَ أوْلى مِنَ الإمْهالِ إلى الهَلاكِ، فَإنْ لَمْ يَبِعْ حَتّى يَهْلَكَ يُنْسَبْ إلى الخَطَأِ، ثُمَّ إنْ حَصَلَ بِهِ كَفِيلٌ مَلِيءٌ ولا يَبِيعُ يُنْسَبُ إلى قِلَّةِ العَقْلِ، فَإنْ حَصَلَ بِهِ رَهْنٌ وكَتَبَ بِهِ وثِيقَةً ولا يَبِيعُهُ يُنْسَبْ إلى الجُنُونِ، ثُمَّ إنَّ كُلَّ أحَدٍ يَفْعَلُ هَذا ولا يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ قَرِيبٌ مِنَ الجُنُونِ، فَإنَّ أمْوالَنا كُلَّها في مَعْرِضِ الزَّوالِ المُحَقَّقِ، والإنْفاقُ عَلى الأهْلِ والوَلَدِ إقْراضٌ، وقَدْ حَصَلَ الضّامِنُ المَلِيءُ وهو اللَّهُ العَلِيُّ وقالَ تَعالى: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ﴾ ثُمَّ رَهَنَ عِنْدَ كُلِّ واحِدٍ إمّا أرْضًا أوْ بُسْتانًا أوْ طاحُونَةً أوْ حَمّامًا أوْ مَنفَعَةً، فَإنَّ الإنْسانَ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ صَنْعَةٌ أوْ جِهَةٌ يَحْصُلُ لَهُ مِنها مالٌ وكُلُّ ذَلِكَ مِلْكُ اللَّهِ وفي يَدِ الإنْسانِ بِحُكْمِ العارِيَّةِ فَكَأنَّهُ مَرْهُونٌ بِما تَكَفَّلَ اللَّهُ مِن رِزْقِهِ لِيَحْصُلَ لَهُ الوُثُوقُ التّامُّ، ومَعَ هَذا لا يُنْفِقُ ويَتْرُكُ مالَهُ لِيَتْلَفَ لا مَأْجُورًا ولا مَشْكُورًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ يُنْبِئُ عَنْ كَثْرَةٍ في الرّازِقِينَ ولا رازِقَ إلّا اللَّهُ، فَما الجَوابُ عَنْهُ ؟ فَنَقُولُ: عَنْهُ جَوابانِ:

أحَدُهُما: أنْ يُقالَ اللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ الَّذِينَ تَظُنُّونَهم رازِقِينَ وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: (وهُوَ أحْسَنُ الخالِقِينَ ) .

وثانِيهِما: هو أنَّ الصِّفاتِ مِنها ما حَصَلَ لِلَّهِ ولِلْعَبْدِ حَقِيقَةً، ومِنها ما يُقالُ لِلَّهِ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ ولِلْعَبْدِ بِطَرِيقِ المَجازِ، ومِنها ما يُقالُ لِلَّهِ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ ولا يُقالُ لِلْعَبْدِ لا بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ ولا بِطَرِيقِ المَجازِ لِعَدَمِ حُصُولِهِ لِلْعَبْدِ لا حَقِيقَةً ولا صُورَةً، مِثالُ الأوَّلِ: العِلْمُ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّهُ واحِدٌ والعَبْدُ يَعْلَمُ أنَّهُ واحِدٌ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ، وكَذَلِكَ العِلْمُ بِكَوْنِ النّارِ حارَّةً، غايَةُ ما في البابِ أنَّ عِلْمَهُ قَدِيمٌ وعِلْمُنا حادِثٌ.

مِثالُ الثّانِي: الرّازِقُ والخالِقُ، فَإنَّ العَبْدَ إذا أعْطى غَيْرَهُ شَيْئًا فَإنَّ اللَّهَ هو المُعْطِي، ولَكِنْ لِأجْلِ صُورَةِ العَطاءِ مِنهُ سُمِّيَ مُعْطِيًا، كَما يُقالُ لِلصُّورَةِ المَنقُوشَةِ عَلى الحائِطِ فَرَسٌ وإنْسانٌ، مِثالُ الثّالِثِ: الأزَلِيُّ واللَّهُ وغَيْرُهُما، وقَدْ يُقالُ

صفحة ٢٢٩

فِي أشْياءَ في الإطْلاقِ عَلى العَبْدِ حَقِيقَةً وعَلى اللَّهِ مَجازًا كالِاسْتِواءِ والنُّزُولِ والمَعِيَّةِ ويَدِ اللَّهِ وجَنْبِ اللَّهِ.

34:40–41Page 433

وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ يَقُولُ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَهَٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٤٠

And [mention] the Day when He will gather them all and then say to the angels, "Did these [people] used to worship you?"

قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمۖ بَلۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٱلۡجِنَّۖ أَكۡثَرُهُم بِهِم مُّؤۡمِنُونَ ٤١

They will say, "Exalted are You! You, [O Allāh], are our benefactor excluding [i.e., not] them. Rather, they used to worship the jinn; most of them were believers in them."

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ لَمّا بَيَّنَ أنَّ حالَ النَّبِيِّ ﷺ كَحالِ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، وحالَ قَوْمِهِ كَحالِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الكُفّارِ، وبَيَّنَ بُطْلانَ اسْتِدْلالِهِمْ بِكَثْرَةِ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ، بَيَّنَ ما يَكُونُ مِن عاقِبَةِ حالِهِمْ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ يَعْنِي المُكَذِّبِينَ بِكَ وبِمَن تَقَدَّمَكَ، ثُمَّ نَقُولُ لِمَن يَدَّعُونَ أنَّهم يَعْبُدُونَهم وهُمُ المَلائِكَةُ، فَإنَّ غايَةَ ما تَرْتَقِي إلَيْهِ مَنزِلَتُهم أنَّهم يَقُولُونَ نَحْنُ نَعْبُدُ المَلائِكَةَ والكَواكِبَ، فَيَسْألُ المَلائِكَةَ أهم كانُوا يَعْبُدُونَكم ؟ إهانَةً لَهم، فَيَقُولُ كُلٌّ مِنهم: سُبْحانَكَ نُنَزِّهُكَ عَنْ أنْ يَكُونَ غَيْرُكَ مَعْبُودًا وأنْتَ مَعْبُودُنا ومَعْبُودُ كُلِّ خَلْقٍ، وقَوْلُهم: ﴿أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ إشارَةٌ إلى مَعْنًى لَطِيفٍ وهو أنَّ مَذاهِبَ النّاسِ مُخْتَلِفَةٌ: بَعْضُهم لا يَسْكُنُ المَواضِعَ المَعْمُورَةَ الَّتِي يَكُونُ فِيها سَوادٌ عَظِيمٌ، لِأنَّهُ لا يَتَرَأَّسُ هُناكَ فَيَرْضى الضِّياعَ والبِلادَ الصَّغِيرَةَ، وبَعْضُهم لا يُرِيدُ البِلادَ الصَّغِيرَةَ لِعَدَمِ اجْتِماعِهِ فِيها بِالنّاسِ وقِلَّةِ وُصُولِهِ فِيها إلى الأكْياسِ، ثُمَّ إنَّ الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا إذا عُرِضَ عَلَيْهِمْ خِدْمَةُ السُّلْطانِ واسْتِخْدامُ الأرْذالِ الَّذِينَ لا التِفاتَ إلَيْهِمْ أصْلًا يَخْتارُ العاقِلُ خِدْمَةَ السُّلْطانِ عَلى اسْتِخْدامِ مَن لا يُؤْبَهُ بِهِ، ولَوْ أنَّ رَجُلًا سَكَنَ جَبَلًا ووَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْئًا مِنَ القاذُوراتِ واجْتَمَعَ عَلَيْهِ الذُّبابُ والدِّيدانُ، وهو يَقُولُ: هَؤُلاءِ أتْباعِي وأشْياعِي، ولا أدْخُلُ المَدِينَةَ مَخافَةَ أنْ أحْتاجَ إلى خِدْمَةِ السُّلْطانِ العَظِيمِ والتَّرَدُّدُ إلَيْهِ يُنْسَبُ إلى الجُنُونِ، فَكَذَلِكَ مَن رَضِيَ بِأنْ يَتْرُكَ خِدْمَةَ اللَّهِ وعِبادَتَهُ، ورَضِيَ بِاسْتِتْباعِ الهَمَجِ الَّذِينَ هم أضَلُّ مِنَ البَهائِمِ وأقَلُّ مِنَ الهَوامِّ يَكُونُ مَجْنُونًا، فَقالُوا: ﴿أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ يَعْنِي: كَوْنُكَ ولِيَّنا بِالمَعْبُودِيَّةِ أوْلى، وأحَبُّ إلَيْنا مِن كَوْنِهِمْ أوْلِياءَنا بِالعِبادَةِ لَنا، وقالُوا: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ أيْ كانُوا يَنْقادُونَ لِأمْرِ الجِنِّ، فَهم في الحَقِيقَةِ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ، ونَحْنُ كُنّا كالقِبْلَةِ لَهم؛ لِأنَّ العِبادَةَ هي الطّاعَةُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ لَوْ قالَ قائِلٌ: جَمِيعُهم كانُوا تابِعِينَ لِلشَّياطِينِ، فَما وجْهُ قَوْلِهِ: ﴿أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ فَإنَّهُ يُنْبِئُ أنَّ بَعْضَهم لَمْ يُؤْمِن بِهِمْ ولَمْ يُطِعْ لَهم ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ المَلائِكَةَ احْتَرَزُوا عَنْ دَعْوى الإحاطَةِ بِهِمْ فَقالُوا أكْثَرُهم لِأنَّ الَّذِينَ رَأوْهم واطَّلَعُوا عَلى أحْوالِهِمْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ ويُؤْمِنُونَ بِهِمْ ولَعَلَّ في الوُجُودِ مَن لَمْ يُطْلِعِ اللَّهُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفّارِ.

الثّانِي: هو أنَّ العِبادَةَ عَمَلٌ ظاهِرٌ والإيمانَ عَمَلٌ باطِنٌ فَقالُوا: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ لِاطِّلاعِهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ وقالُوا: ﴿أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ عِنْدَ عَمَلِ القَلْبِ لِئَلّا يَكُونُوا مُدَّعِينَ اطِّلاعَهم عَلى ما في القُلُوبِ فَإنَّ القَلْبَ لا اطِّلاعَ عَلَيْهِ إلّا لِلَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤] .

34:42Page 433

فَٱلۡيَوۡمَ لَا يَمۡلِكُ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٖ نَّفۡعٗا وَلَا ضَرّٗا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ٤٢

But today [i.e., the Day of Judgement] you do not hold for one another [the power of] benefit or harm, and We will say to those who wronged, "Taste the punishment of the Fire, which you used to deny."

صفحة ٢٣٠

ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ لا يَنْفَعُهم فَقالُوا: ﴿فاليَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا ونَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَعْضُكُمْ﴾ مَعَ مَن ؟ نَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَلائِكَةَ لِسَبْقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ وعَلى هَذا يَكُونُ ذَلِكَ تَنْكِيلًا لِلْكافِرِينَ حَيْثُ بَيَّنَ لَهم أنَّ مَعْبُودَهم لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، ويُصَحِّحُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] ولِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ونَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا﴾ فَأفْرَدَهم ولَوْ كانَ المُخاطَبُ هُمُ الكُفّارَ لَقالَ: فَذُوقُوا.

وعَلى هَذا يَكُونُ الكُفّارُ داخِلِينَ في الخِطابِ حَتّى يَصِحَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ﴾ أيِ المَلائِكَةُ لِلْكُفّارِ، والحاضِرُ الواحِدُ يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ مَن يُشارِكُهُ في أمْرٍ مُخاطَبًا بِسَبَبِهِ، كَما يَقُولُ القائِلُ لِواحِدٍ حاضِرٍ لَهُ شَرِيكٌ في كَلامٍ: أنْتُمْ قُلْتُمْ، عَلى مَعْنى أنْتَ قُلْتَ، وهم قالُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَهُمُ الجِنُّ أيْ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ أيُّها المَلائِكَةُ والجِنُّ، وإذا لَمْ تَمْلِكُوها لِأنْفُسِكم فَلا تَمْلِكُوها لِغَيْرِكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُخاطَبُ هُمُ الكُفّارَ لِأنَّ ذِكْرَ اليَوْمِ يَدُلُّ عَلى حُضُورِهِمْ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿ونَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ إنَّما ذَكَرَهُ تَأْكِيدًا لِبَيانِ حالِهِمْ في الظُّلْمِ، وسَبَبِ نَكالِهِمْ مِنَ الإثْمِ ولَوْ قالَ: ”فَذُوقُوا عَذابَ النّارِ“ لَكانَ كافِيًا لَكِنَّهُ لا يَحْصُلُ ما ذَكَرْنا مِنَ الفائِدَةِ، فَإنَّهم كُلَّما كانُوا يَسْمَعُونَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ والعِنادِ والإثْمِ والفَسادِ يَتَحَسَّرُونَ ويَنْدَمُونَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿نَفْعًا﴾ مُفِيدٌ لِلْحَسْرَةِ، وأمّا الضُّرُّ فَما الفائِدَةُ فِيهِ مَعَ أنَّهم لَوْ كانُوا يَمْلِكُونَ الضُّرَّ لَما نَفَعَ الكافِرِينَ ذَلِكَ ؟ فَنَقُولُ: لَمّا كانَتِ العِبادَةُ تَقَعُ لِدَفْعِ ضُرِّ المَعْبُودِ كَما يُعْبَدُ الجَبّارُ ويُخْدَمُ مَخافَةَ شَرِّهِ بَيَّنَ أنَّهم لَيْسَ فِيهِمْ ذَلِكَ الوَجْهُ الَّذِي يَحْسُنُ لِأجْلِهِ عِبادَتُهم.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هَهُنا: ﴿عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ وقالَ في السَّجْدَةِ: ﴿عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ﴾ جَعَلَ المُكَذَّبَ هُنالِكَ العَذابَ وجَعَلَ المُكَذَّبَ هَهُنا النّارَ وهم كانُوا يُكَذِّبُونَ بِالكُلِّ، والفائِدَةُ فِيها أنَّ هُناكَ لَمْ يَكُنْ أوَّلُ ما رَأوُا النّارَ بَلْ كانُوا هم فِيها مِن زَمانٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] أيِ العَذابَ المُؤَبَّدَ الَّذِي أنْكَرْتُمُوهُ بِقَوْلِكم: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] أيْ: قُلْتُمْ: إنَّ العَذابَ إنْ وقَعَ فَلا يَدُومُ فَذُوقُوا [ العَذابَ ] الدّائِمَ، وهَهُنا أوَّلُ ما رَأوُا النّارُ لِأنَّهُ مَذْكُورٌ عَقِيبَ الحَشْرِ والسُّؤالِ، فَقِيلَ لَهم: هَذِهِ ﴿النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ .

34:43Page 433

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا رَجُلٞ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمۡ عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُكُمۡ وَقَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٞ مُّفۡتَرٗىۚ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٤٣

And when Our verses are recited to them as clear evidences, they say, "This is not but a man who wishes to avert you from that which your fathers were worshipping." And they say, "This is not except a lie invented." And those who disbelieve say of the truth when it has come to them, "This is not but obvious magic."

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا إلّا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكم عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكم وقالُوا ما هَذا إلّا إفْكٌ مُفْتَرًى وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ .

إظْهارًا لِفَسادِ اعْتِقادِهِمْ واشْتِدادِ عِنادِهِمْ حَيْثُ تَبَيَّنَ أنَّ أعْلى مَن يَعْبُدُونَهُ وهُمُ المَلائِكَةُ لا يَتَأهَّلُ لِلْعِبادَةِ لِذَواتِهِمْ كَما قالُوا: ﴿سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا﴾ [سبأ: ٤١] أيْ: لا أهْلِيَّةَ لَنا إلّا لِعِبادَتِكَ مِن دُونِهِمْ أيْ لا أهْلِيَّةَ لَنا لِأنْ نَكُونَ

صفحة ٢٣١

مَعْبُودِينَ لَهم ولا لِنَفْعٍ أوْ ضُرٍّ كَما قالَ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ ثُمَّ مَعَ هَذا كُلِّهِ إذا قالَ لَهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ كَلامًا مِنَ التَّوْحِيدِ وتَلا عَلَيْهِمْ آياتِ اللَّهِ الدّالَّةَ عَلَيْهِ، فَإنَّ لِلَّهِ في كُلِّ شَيْءٍ آياتٍ دالَّةً عَلى وحْدانِيَّتِهِ أنْكَرُوها وقالُوا ما هَذا إلّا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكم عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكم يَعْنِي يُعارِضُونَ البُرْهانَ بِالتَّقْلِيدِ ﴿وقالُوا ما هَذا إلّا إفْكٌ مُفْتَرًى﴾ وهو يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ القَوْلَ بِالوَحْدانِيَّةِ ﴿إفْكٌ مُفْتَرًى﴾ ويَدُلُّ عَلَيْهِ هو أنَّ المُوَحِّدَ كانَ يَقُولُ في حَقِّ المُشْرِكِ إنَّهُ يَأْفِكُ كَما قالَ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] وكَما قالُوا هم لِلرَّسُولِ: ﴿أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ [الأحقاف: ٢٢] .

وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿ما هَذا إلّا إفْكٌ﴾ أيِ: القُرْآنُ إفْكٌ وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [سبأ: ٤٣] إشارَةً إلى القُرْآنِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ إشارَةً إلى ما أتى بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بَدَلًا عَنْ أنْ يَقُولَ: وقالُوا لِلْحَقِّ هو أنَّ إنْكارَ التَّوْحِيدِ كانَ مُخْتَصًّا بِالمُشْرِكِينَ، وأمّا إنْكارُ القُرْآنِ والمُعْجِزاتِ [ فَقَدْ ] كانَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ [ فَقالَ ] تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ عَلى وجْهِ العُمُومِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском