Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ya-Sin 36:23–29
36:23Page 441
ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدۡنِ ٱلرَّحۡمَٰنُ بِضُرّٖ لَّا تُغۡنِ عَنِّي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يُنقِذُونِ ٢٣
Should I take other than Him [false] deities [while], if the Most Merciful intends for me some adversity, their intercession will not avail me at all, nor can they save me?
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ لِيُتِمَّ التَّوْحِيدَ، فَإنَّ التَّوْحِيدَ بَيْنَ التَّعْطِيلِ والإشْراكِ، فَقالَ: وما لِيَ لا أعْبُدُ إشارَةً إلى وُجُودِ الإلَهِ، وقالَ: ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ﴾ إشارَةً إلى نَفْيِ غَيْرِهِ، فَيَتَحَقَّقُ مَعْنى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وفي الآيَةِ أيْضًا لِطائِفُ:
الأُولى: ذِكْرُهُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ، فِيهِ مَعْنى وُضُوحِ الأمْرِ، وذَلِكَ أنَّ مَن أخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ، فَقالَ مَثَلًا: لا أتَّخِذُ يَصِحُّ مِنَ السّامِعِ أنْ يَقُولَ لَهُ: لِمَ لا تَتَّخِذُ ؟ فَيَسْألُهُ عَنِ السَّبَبِ، فَإذا قالَ: ﴿أأتَّخِذُ﴾ يَكُونُ كَلامُهُ أنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ بَيانِ السَّبَبِ الَّذِي يُطالِبُ بِهِ عِنْدَ الإخْبارِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: اسْتَشَرْتُكَ فَدُلَّنِي والمُسْتَشارُ يَتَفَكَّرُ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: تَفَكَّرْ في الأمْرِ تَفْهَمْ مِن غَيْرِ إخْبارٍ مِنِّي.
الثّانِي: قَوْلُهُ ﴿مِن دُونِهِ﴾ وهي لَطِيفَةٌ عَجِيبَةٌ، وبَيانُها هو أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾ بَيَّنَ أنَّ مَن دُونَهُ لا تَجُوزُ عِبادَتُهُ، فَإنْ غَيَّرَ اللَّهَ وجَبَ عِبادَةُ كُلِّ شَيْءٍ
صفحة ٥١
مُشارِكٍ لِلْمَعْبُودِ الَّذِي اتُّخِذَ غَيْرَ اللَّهِ، لِأنَّ الكُلَّ مُحْتاجٌ مُفْتَقِرٌ حادِثٌ، فَلَوْ قالَ: لا أتَّخِذُ آلِهَةً، لَقِيلَ لَهُ: ذَلِكَ يَخْتَلِفُ إنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرَ الَّذِي فَطَرَكَ، ويَلْزَمُكَ عَقْلًا أنْ تَتَّخِذَ آلِهَةً لا حَصْرَ لَها، وإنْ كانَ إلَهُكَ رَبَّكَ وخالِقَكَ فَلا يَجُوزُ أنْ تَتَّخِذَ آلِهَةً.
الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أأتَّخِذُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ بِإلَهٍ؛ لِأنَّ المُتَّخَذَ لا يَكُونُ إلَهً، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ (الجِنِّ: ٣) وقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾ (الإسْراءِ: ١١١) لِأنَّهُ تَعالى لا يَكُونُ لَهُ ولَدٌ حَقِيقَةً ولا يَجُوزُ، وإنَّما النَّصارى قالُوا: تَبَنّى اللَّهُ عِيسى، وسَمّاهُ ولَدًا فَقالَ: ﴿ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾ (الفُرْقانِ: ٢) ولا يُقالُ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ (المُزَّمِّلِ: ٩) في حَقِّ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ قالَ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ (المُزَّمِّلِ: ٩) نَقُولُ: ذَلِكَ أمْرٌ مُتَجَدِّدٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ في أوَّلِ الأمْرِ يَكُونُ قَلِيلَ الصَّبْرِ ضَعِيفَ القُوَّةِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَتْرُكَ أسْبابَ الدُّنْيا ويَقُولَ: إنِّي أتَوَكَّلُ، فَلا يَحْسُنُ مِنَ الواحِدِ مِنّا أنْ لا يَشْتَغِلَ بِأمْرٍ أصْلًا ويَتْرُكَ أطْفالَهُ في ورْطَةِ الحاجَةِ ولا يُوصِلَ إلى أهْلِهِ نَفَقَتَهم، ويَجْلِسَ في مَسْجِدٍ وقَلْبُهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَطاءِ زَيْدٍ وعَمْرٍو، فَإذا قَوِيَ بِالعِبادَةِ قَلْبُهُ ونَسِيَ نَفْسَهُ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، وأقْبَلَ عَلى عِبادَةِ رَبِّهِ بِجَمِيعِ قَلْبِهِ وتَرَكَ الدُّنْيا وأسْبابَها، وفَوَّضَ أمْرَهُ إلى اللَّهِ حِينَئِذٍ يَكُونُ مِنَ الأبْرارِ الأخْيارِ، فَقالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ: أنْتَ عَلِمْتَ أنَّ الأُمُورَ كُلَّها بِيَدِ اللَّهِ وعَرَفْتَ اللَّهَ حَقَّ المَعْرِفَةِ، وتَيَقَّنْتَ أنَّ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ وما فِيهِما وما يَقَعُ بَيْنَهُما بِأمْرِ اللَّهِ، ولا إلَهَ يُطْلَبُ لِقَضاءِ الحَوائِجِ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا، وفَوِّضْ جَمِيعَ أُمُورِكَ إلَيْهِ فَقَدِ ارْتَقَيْتَ عَنْ دَرَجَةِ مَن يُؤْمَرُ بِالكَسْبِ الحَلالِ وكُنْتَ مِن قَبْلُ تَتَّجِرُ في الحَلالِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ (المُزَّمِّلِ: ٩) أيْ في جَمِيعِ أُمُورِكَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُغْنِ عَنِّي﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ كالوَصْفِ كَأنَّهُ قالَ: أأتَّخِذُ آلِهَةً غَيْرَ مُغْنِيَةٍ عِنْدَ إرادَةِ الرَّحْمَنِ بِي ضُرًّا.
وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا، كَأنَّهُ قالَ: لا أتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً.
* *
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ: ﴿إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ﴾ (الزُّمَرِ: ٣٨) ولَمْ يَقُلْ: إنْ أرادَ اللَّهُ بِي ضُرًّا، نَقُولُ: الفِعْلُ إذا كانَ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ بِحَرْفٍ كاللّازِمِ يَتَعَدّى بِحَرْفٍ في قَوْلِهِمْ: ذَهَبَ بِهِ وخَرَجَ بِهِ، ثُمَّ إنَّ المُتَكَلِّمَ البَلِيغَ يَجْعَلُ المَفْعُولَ بِغَيْرِ حَرْفٍ ما هو أوْلى بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْهِ، ويَجْعَلُ الآخَرَ مَفْعُولًا لا بِحَرْفٍ، فَإذا قالَ القائِلُ مَثَلًا: كَيْفَ حالُ فُلانٍ ؟ يَقُولُ اخْتَصَّهُ المَلِكُ بِالكَرامَةِ والنِّعْمَةِ، فَإذا قالَ: كَيْفَ كَرامَةُ المَلِكِ ؟ يَقُولُ: اخْتَصَّها بِزَيْدٍ، فَيَجْعَلُ المَسْؤُولَ مَفْعُولًا بِغَيْرِ حَرْفٍ؛ لِأنَّهُ هو المَقْصُودُ، إذا عَلِمْتَ هَذا، فالمَقْصُودُ فِيما نَحْنُ فِيهِ بَيانُ كَوْنِ العَبْدِ تَحْتَ تَصَرُّفِ اللَّهِ يُقَلِّبُهُ كَيْفَ يَشاءُ في البُؤْسِ والرَّخاءِ، ولَيْسَ الضُّرُّ بِمَقْصُودٍ بَيانُهُ، كَيْفَ والقائِلُ مُؤْمِنٌ يَرْجُو الرَّحْمَةَ والنِّعْمَةَ بِناءً عَلى إيمانِهِ بِحُكْمِ وعْدِ اللَّهِ ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ مِن قَبْلُ: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾ حَيْثُ جَعَلَ نَفْسَهُ مَفْعُولَ الفِطْرَةِ، فَكَذَلِكَ جَعَلَها مَفْعُولَ الإرادَةِ، وذِكْرُ الضُّرِّ وقَعَ تَبَعًا، وكَذا القَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ (الزُّمَرِ: ٣٨) المَقْصُودُ بَيانُ أنَّهُ يَكُونُ كَما يُرِيدُ اللَّهُ، ولَيْسَ الضُّرُّ بِخُصُوصِهِ مَقْصُودًا بِالذِّكْرِ ويُؤَيِّدُهُ ما تَقَدَّمَ حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ (الزُّمَرِ: ٣٦) يَعْنِي هو تَحْتَ إرادَتِهِ ويَتَأيَّدُ ما ذَكَرْناهُ بِالنَّظَرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾
صفحة ٥٢
(الأحْزابِ: ١٧) حَيْثُ خالَفَ هَذا النَّظْمَ وجَعَلَ المَفْعُولَ مِن غَيْرِ حَرْفِ السُّوءِ، وهو كالضُّرِّ، والمَفْعُولُ بِحَرْفٍ هو المُكَلَّفُ، وذَلِكَ لِأنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ الضُّرِّ لِلتَّخْوِيفِ وكَوْنُهم مَحَلًّا لَهُ، وكَيْفَ لا وهم كَفَرَةٌ اسْتَحَقُّوا العَذابَ بِكُفْرِهِمْ فَجَعَلَ الضُّرَّ مَقْصُودًا بِالذِّكْرِ لِزَجْرِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ أيْضًا حَيْثُ قالَ: ﴿أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ (الأحْزابِ: ١٧) وإنَّما ذَكَرَ الرَّحْمَةَ تَتِمَّةً لِلْأمْرِ بِالتَّقْسِيمِ الحاصِرِ، وكَذَلِكَ إذا تَأمَّلْتَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا﴾ (الفَتْحِ: ١١) فَإنَّ الكَلامَ أيْضًا مَعَ الكُفّارِ، وذِكْرُ النَّفْعِ وقَعَ تَبَعًا لِحَصْرِ الأمْرِ بِالتَّقْسِيمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (الفَتْحِ: ١١) فَإنَّهُ لِلتَّخْوِيفِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (سَبَأٍ: ٢٤)، والمَقْصُودُ: إنِّي عَلى هُدًى وأنْتُمْ في ضَلالٍ، ولَوْ قالَ هَكَذا لَمَنَعَ مانِعٌ، فَقالَ بِالتَّقْسِيمِ كَذَلِكَ هَهُنا المَقْصُودُ الضُّرُّ واقِعٌ بِكم ولِأجْلِ دَفْعِ المانِعِ قالَ الضُّرُّ والنَّفْعُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هَهُنا: ﴿إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ﴾ وقالَ في الزُّمَرِ: ﴿إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ﴾ (الزُّمَرِ: ٣٨) فَما الحِكْمَةُ في اخْتِيارِ صِيغَةِ الماضِي هُنالِكَ، واخْتِيارِ صِيغَةِ المُضارِعِ هَهُنا، وذِكْرِ المُرِيدِ بِاسْمِ الرَّحْمَنِ هُنا، وذِكْرِ المُرِيدِ بِاسْمِ اللَّهِ هُناكَ ؟ نَقُولُ: أمّا الماضِي والمُسْتَقْبَلُ فَإنَّ إنْ في الشَّرْطِ تُصَيِّرُ الماضِيَ مُسْتَقْبَلًا، وذَلِكَ لِأنَّ المَذْكُورَ هَهُنا مِن قَبْلُ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ في قَوْلِهِ: ﴿أأتَّخِذُ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ﴾ والمَذْكُورُ هُناكَ مِن قَبْلُ بِصِيغَةِ الماضِي في قَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتُمُ﴾ (النَّجْمِ: ١٩) وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ (يُونُسَ: ١٠٧) لِكَوْنِ المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ مَذْكُورًا بِصِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ (الأنْعامِ: ١٦) وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ﴾ (الأنْعامِ: ١٥) والحِكْمَةُ فِيهِ هو أنَّ الكُفّارَ كانُوا يُخَوِّفُونَ النَّبِيَّ ﷺ بِضُرٍّ يُصِيبُهُ مِن آلِهَتِهِمْ فَكَأنَّهُ قالَ: صَدَرَ مِنكُمُ التَّخْوِيفُ، وهَذا ما سَبَقَ مِنكم، وهَهُنا ابْتِداءُ كَلامٍ صَدَرَ مِنَ المُؤْمِنِ لِلتَّقْرِيرِ، والجَوابُ: ما كانَ يُمْكِنُ صُدُورُهُ مِنهم فافْتَرَقَ الأمْرانِ، وأمّا قَوْلُهُ هُناكَ: ﴿إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ﴾ (الزُّمَرِ: ٣٨) فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الِاسْمَيْنِ المُخْتَصَّيْنِ بِواجِبِ الوُجُودِ اللَّهُ والرَّحْمَنُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (الإسْراءِ: ١١٠) واللَّهُ لِلْهَيْبَةِ والعَظَمَةِ، والرَّحْمَنُ لِلرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، وهُناكَ وُصِفَ اللَّهُ بِالعِزَّةِ والِانْتِقامِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ (الزُّمَرِ: ٣٧) وذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى العَظَمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ (لُقْمانَ: ٢٥) فَذَكَرَ الِاسْمَ الدّالَّ عَلى العَظَمَةِ، وقالَ هَهُنا ما يَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ، بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فَإنَّهُ نِعْمَةٌ هي شَرْطُ سائِرِ النِّعَمِ، فَقالَ: ﴿إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾ عَلى تَرْتِيبِ ما يَقَعُ مِنَ العُقَلاءِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يُرِيدُ دَفْعَ الضُّرِّ عَنْ شَخْصٍ أضَرَّ بِهِ شَخْصٌ يَدْفَعُ بِالوَجْهِ الأحْسَنِ فَيَشْفَعُ أوَّلًا، فَإنْ قَبِلَهُ وإلّا يَدْفَعُ، فَقالَ: ﴿لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ﴾ ولا يَقْدِرُونَ عَلى إنْقاذِي بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وفي هَذِهِ الآياتِ حَصَلَ بَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَعْبُودٌ مِن كُلِّ وجْهٍ إنْ كانَ نَظَرًا إلى جانِبِهِ، فَهو فاطِرٌ ورَبٌّ مالِكٌ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ سَواءٌ أحْسَنَ بَعْدَ ذَلِكَ، أوْ لَمْ يُحْسِنْ وإنْ كانَ نَظَرًا إلى إحْسانِهِ فَهو رَحْمَنٌ، وإنْ كانَ نَظَرًا إلى الخَوْفِ فَهو يَدْفَعُ ضَرَّهُ، وحَصَلَ بَيانُ أنَّ غَيْرَهُ لا يَصْلُحُ أنْ يُعْبَدَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَإنَّ أدْنى مَراتِبِهِ أنْ يُعِدَّ ذَلِكَ لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ، وغَيْرُ اللَّهِ لا يَدْفَعُ شَيْئًا إلّا إذا أرادَ اللَّهُ، وإنْ يُرِدْ فَلا حاجَةَ إلى دافِعٍ.
36:24–25Page 441
إِنِّيٓ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٢٤
Indeed, I would then be in manifest error.
إِنِّيٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمۡ فَٱسۡمَعُونِ ٢٥
Indeed, I have believed in your Lord, so listen to me."
صفحة ٥٣
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنِّي إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يَعْنِي إنْ فَعَلْتُ فَأنا ضالٌّ ضَلالًا بَيِّنًا، والمُبِينُ مُفْعِلٌ بِمَعْنى فَعِيلٍ، كَما جاءَ عَكْسُهُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ في قَوْلِهِ: ألِيمٌ أيْ مُؤْلِمٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ضَلالٌ مُبِينٌ أيْ مَظْهُورُ الأمْرِ لِلنّاظِرِ، والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ في المُخاطَبِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِرَبِّكُمْ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: هُمُ المُرْسَلُونَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: أقْبَلَ القَوْمُ عَلَيْهِ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ، فَأقْبَلَ هو عَلى المُرْسَلِينَ، وقالَ: إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُوا قَوْلِي واشْهَدُوا لِي.
وثانِيها: هُمُ الكُفّارُ كَأنَّهُ لَمّا نَصَحَهم وما نَفَعَهم، قالَ: فَأنا آمَنتُ فاسْمَعُونِ.
ثالِثُها: بِرَبِّكم أيُّها السّامِعُونَ فاسْمَعُونِ عَلى العُمُومِ، كَما قُلْنا في قَوْلِ الواعِظِ حَيْثُ يَقُولُ: يا مِسْكِينُ ما أكْثَرَ أمَلَكَ وما أنْزَرَ عَمَلَكَ يُرِيدُ بِهِ كُلَّ سامِعٍ يَسْمَعُهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فاسْمَعُونِ﴾ فَوائِدُ:
إحْداها: أنَّهُ كَلامُ مُتَرَوٍّ مُتَفَكِّرٍ حَيْثُ قالَ: ﴿فاسْمَعُونِ﴾ فَإنَّ المُتَكَلِّمَ إذا كانَ يَعْلَمُ أنَّ لِكَلامِهِ جَماعَةَ سامِعِينَ يَتَفَكَّرُ.
والثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ السَّماعَ الَّذِي بِمَعْنى القَبُولِ، يَقُولُ القائِلُ: نَصَحْتُهُ فَسَمِعَ قَوْلِي أيْ قَبِلَهُ، فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ مِن قَبْلُ: ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿آمَنتُ بِرَبِّكُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: آمَنتُ بِرَبِّي ؟ نَقُولُ: قَوْلُنا: الخِطابُ مَعَ الرُّسُلِ أمْرٌ ظاهِرٌ، لِأنَّهُ لَمّا قالَ: آمَنتُ بِرَبِّكم ظَهَرَ عِنْدَ الرُّسُلِ أنَّهُ قَبِلَ قَوْلَهم وآمَنَ بِالرَّبِّ الَّذِي دَعَوْهُ إلَيْهِ، ولَوْ قالَ: بِرَبِّي لَعَلَّهم كانُوا يَقُولُونَ: كُلُّ كافِرٍ يَقُولُ: لِي رَبٌّ، وأنا مُؤْمِنٌ بِرَبِّي، وأمّا عَلى قَوْلِنا: الخِطابُ مَعَ الكُفّارِ، فَفِيهِ بَيانٌ لِلتَّوْحِيدِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿آمَنتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فُهِمَ أنَّهُ يَقُولُ: رَبِّي ورَبُّكم واحِدٌ، وهو الَّذِي فَطَرَنِي وهو بِعَيْنِهِ رَبُّكم، بِخِلافِ ما لَوْ قالَ: آمَنتُ بِرَبِّي، فَيَقُولُ الكافِرُ: وأنا أيْضًا آمَنتُ بِرَبِّي، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ . (الشُّورى: ١٥) .
36:26–29Page 441
قِيلَ ٱدۡخُلِ ٱلۡجَنَّةَۖ قَالَ يَٰلَيۡتَ قَوۡمِي يَعۡلَمُونَ ٢٦
It was said, "Enter Paradise."1 He said, "I wish my people could know
بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ ٢٧
Of how my Lord has forgiven me and placed me among the honored."
۞ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِن جُندٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ٢٨
And We did not send down upon his people after him any soldiers from the heaven, nor would We have done so.
إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ خَٰمِدُونَ ٢٩
It was not but one shout,1 and immediately they were extinguished.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ قُتِلَ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: ادْخُلِ الجَنَّةَ بَعْدَ القَتْلِ.
وثانِيهِما: قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: (آمَنتُ) .
وعَلى الأوَّلِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ يَكُونُ بَعْدَ مَوْتِهِ واللَّهُ أخْبَرَ بِقَوْلِهِ، وعَلى الثّانِي قالَ ذَلِكَ في حَياتِهِ، وكَأنَّهُ سَمِعَ الرُّسُلَ أنَّهُ مِنَ الدّاخِلِينَ الجَنَّةَ وصَدَّقَهم وقَطَعَ بِهِ وعَلِمَهُ، فَقالَ: يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ كَما عَلِمْتُ فَيُؤْمِنُونَ كَما آمَنتُ، وفي مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قِيلَ﴾ وجْهانِ كَما أنَّ في وقْتِ ذَلِكَ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: قِيلَ مِنَ القَوْلِ.
والثّانِي: ادْخُلِ الجَنَّةَ، وهَذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ (يس: ٨٢) لَيْسَ المُرادُ القَوْلَ في وجْهٍ، بَلْ هو الفِعْلُ أيْ يَفْعَلُهُ في حِينِهِ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ وتَراخٍ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقِيلَ ياأرْضُ ابْلَعِي﴾ في وجْهِ جَعْلِ الأرْضِ بالِعَةً ماءَها.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ، كَأنَّهُ قالَ: يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي حَتّى يَشْتَغِلُوا بِهِ وهو ضَعِيفٌ، وإلّا لَكانَ الأحْسَنُ أنْ تَكُونَ ما مَحْذُوفَةَ الألِفِ، يُقالُ: بِمَ، وفِيمَ، وعَمَّ
صفحة ٥٤
ولِمَ.
وثانِيها: خَبَرِيَّةٌ كَأنَّهُ قالَ: يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِالَّذِي غَفَرَ لِي رَبِّي.
وثالِثُها: مَصْدَرِيَّةٌ، كَأنَّهُ قالَ: يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَغْفِرَةِ رَبِّي لِي، والوَجْهانِ الآخَرانِ هُما المُخْتارانِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ يُوجِبانِ أمْرَيْنِ: هُما الغُفْرانُ والإكْرامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (سَبَأٍ: ٤) والرَّجُلُ كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الصُّلَحاءِ، والمُكْرَمُ عَلى ضِدِّ المُهانِ، والإهانَةُ بِالحاجَةِ والإكْرامُ بِالِاسْتِغْناءِ، فَيُغْنِي اللَّهُ الصّالِحَ عَنْ كُلِّ أحَدٍ، ويَدْفَعُ جَمِيعَ حاجاتِهِ بِنَفْسِهِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَهُ بَيَّنَ حالَ المُتَخَلِّفِينَ المُخالِفِينَ لَهُ مِن قَوْمِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ إشارَةً إلى هَلاكِهِمْ بَعْدَهُ سَرِيعًا عَلى أسْهَلِ وجْهٍ، فَإنَّهُ لَمْ يَحْتَجْ إلى إرْسالِ جُنْدٍ يُهْلِكُهم، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ هَهُنا: ﴿وما أنْزَلْنا﴾ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى النَّفْسِ، وقالَ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِ: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ بِإسْنادِ القَوْلِ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، وذَلِكَ لِأنَّ العَذابَ مِن بابِ الهَيْبَةِ فَقالَ بِلَفْظِ التَّعْظِيمِ، وأمّا في: ﴿ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ فَقالَ: قِيلَ: لِيَكُونَ هو كالمُهَنَّأِ بِقَوْلِ المَلائِكَةِ حَيْثُ يَقُولُ لَهُ كُلُّ مَلَكٍ وكُلُّ صالِحٍ يَراهُ: ادْخُلِ الجَنَّةَ خالِدًا فِيها، وكَثِيرًا ما ورَدَ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا﴾ (الزُّمَرِ: ٧٢) إشارَةً إلى أنَّ الدُّخُولَ يَكُونُ دُخُولًا بِإكْرامٍ، كَما يَدْخُلُ العَرِيسُ البَيْتَ المُزَيَّنَ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ يُهَنِّئُهُ كُلُّ أحَدٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِمَ أضافَ القَوْمَ إلَيْهِ مَعَ أنَّ الرُّسُلَ أوْلى بِكَوْنِ الجَمْعِ قَوْمًا لَهم، فَإنَّ الواحِدَ يَكُونُ لَهُ قَوْمٌ هم آلُهُ وأصْحابُهُ، والرَّسُولُ لِكَوْنِهِ مُرْسَلًا يَكُونُ جَمِيعُ الخَلْقِ وجَمِيعُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ قَوْمًا لَهُ ؟ نَقُولُ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ هُما مِن قَبِيلَةٍ واحِدَةٍ أُكْرِمَ أحَدُهُما غايَةَ الإكْرامِ بِسَبَبِ الإيمانِ وأُهِينَ الآخَرُ غايَةَ الإهانَةِ بِسَبَبِ الكُفْرِ، وهَذا مِن قَوْمِ أُولَئِكَ في النَّسَبِ.
وثانِيهِما: أنَّ العَذابَ كانَ مُخْتَصًّا بِأقارِبِ ذَلِكَ، لِأنَّ غَيْرَهم مِن قَوْمِ الرُّسُلِ آمَنُوا بِهِمْ فَلَمْ يُصِبْهُمُ العَذابُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: خَصَّصَ عَدَمَ الإنْزالِ بِما بَعْدَهُ، واللَّهُ تَعالى لَمْ يُنْزِلْ عَلَيْهِمْ جُنْدًا قَبْلَهُ أيْضًا، فَما فائِدَةُ التَّخْصِيصِ ؟ نَقُولُ: اسْتِحْقاقُهُمُ العَذابَ كانَ بَعْدَهُ حَيْثُ أصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا، فَبَيَّنَ حالَ الهَلاكِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِجُنْدٍ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ وهو تَعالى لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ، ولا أرْسَلَ إلَيْهِمْ جُنْدًا مِنَ الأرْضِ، فَما فائِدَةُ التَّقْيِيدِ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ: وما أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ جُنْدًا بِأمْرٍ مِنَ السَّماءِ، فَيَكُونُ لِلْعُمُومِ.
وثانِيهِما: إنَّ العَذابَ نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ فَبَيَّنَ أنَّ النّازِلَ لَمْ يَكُنْ جُنْدًا لَهم عَظَمَةٌ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ بِصَيْحَةٍ أخْمَدَتْ نارَهم وخَرَّبَتْ دِيارَهم.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ﴿وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ أيَّةُ فائِدَةٍ فِيهِ مَعَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أنْزَلْنا﴾ يَسْتَلْزِمُ أنَّهُ لا يَكُونُ مِنَ المُنْزِلِينَ ؟ نَقُولُ قَوْلُهُ: ﴿وما كُنّا﴾ أيْ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نُنْزِلَ لِأنَّ الأمْرَ كانَ يَتِمُّ بِدُونِ ذَلِكَ، فَما أنْزَلْنا وما كُنّا مُحْتاجِينَ إلى إنْزالٍ، أوْ نَقُولُ: (وما أنْزَلْنا، وما كُنّا مُنْزِلِينَ) في مِثْلِ تِلْكَ الواقِعَةِ جُنْدًا في غَيْرِ تِلْكَ الواقِعَةِ، فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ أنْزَلَ اللَّهُ جُنُودًا في يَوْمِ بَدْرٍ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ، حَيْثُ قالَ: ﴿وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ (التَّوْبَةِ: ٢٦) ؟ نَقُولُ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وإلّا كانَ تَحْرِيكُ رِيشَةٍ مِن جَناحِ مَلَكٍ كافِيًا في اسْتِئْصالِهِمْ، وما كانَ رُسُلُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في دَرَجَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
صفحة ٥٥
ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى ما كانَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَتْ﴾ الواقِعَةُ ﴿إلّا صَيْحَةً﴾ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصْلُهُ إنْ كانَ شَيْءٌ إلّا صَيْحَةً، فَكانَ الأصْلُ أنْ يُذْكَرَ، لَكِنَّهُ تَعالى أنَّثَ لِما بَعْدَهُ مِنَ المُفَسِّرِ وهو الصَّيْحَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واحِدَةً﴾ تَأْكِيدٌ لِكَوْنِ الأمْرِ هَيِّنًا عِنْدَ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا هم خامِدُونَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى سُرْعَةِ الهَلاكِ، فَإنَّ خُمُودَهم كانَ مِنَ الصَّيْحَةِ وفي وقْتِها لَمْ يَتَأخَّرْ، ووَصْفُهم بِالخُمُودِ في غايَةِ الحُسْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ الحَيَّ فِيهِ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ وكُلَّما كانَتِ الحَرارَةُ أوْفَرَ كانَتِ القُوَّةُ الغَضَبِيَّةُ والشَّهْوانِيَّةُ أتَمَّ وهم كانُوا كَذَلِكَ، أمّا الغَضَبُ فَإنَّهم قَتَلُوا مُؤْمِنًا كانَ يَنْصَحُهم، وأمّا الشَّهْوَةُ فَلِأنَّهُمُ احْتَمَلُوا العَذابَ الدّائِمَ بِسَبَبِ اسْتِيفاءِ اللَّذّاتِ الحالِيَّةِ، فَإذَنْ كانُوا كالنّارِ المُوقَدَةِ، ولِأنَّهم كانُوا جَبّارِينَ مُسْتَكْبِرِينَ كالنّارِ ومَن خُلِقَ مِنها فَقالَ: ﴿فَإذا هم خامِدُونَ﴾ وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ العَناصِرَ الأرْبَعَةَ يَخْرُجُ بَعْضُها عَنْ طَبِيعَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْها، ويَصِيرُ العُنْصُرُ الآخَرُ بِإرادَةِ اللَّهِ، فالأحْجارُ تَصِيرُ مِياهًا، والمِياهُ تَصِيرُ أحْجارًا وكَذَلِكَ الماءُ يَصِيرُ هَواءً عِنْدَ الغَلَيانِ والسُّخُونَةِ والهَواءُ يَصِيرُ ماءً لِلْبَرْدِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ في العادَةِ بِزَمانٍ، وأمّا الهَواءُ فَيَصِيرُ نارًا والنّارُ تَصِيرُ هَواءً بِالِاشْتِعالِ والخُمُودِ في أسْرَعِ زَمانٍ، فَقالَ: خامِدِينَ بِسَبَبِها، فَخُمُودُ النّارِ في السُّرْعَةِ كَإطْفاءِ سِراجٍ أوْ شُعْلَةٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences