Ar-RaziYa-Sin · 36:37–39

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:37–39

36:37Page 442

وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلَّيۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظۡلِمُونَ ٣٧

And a sign for them is the night. We remove1 from it the [light of] day, so they are [left] in darkness.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾

لَمّا اسْتَدَلَّ اللَّهُ بِأحْوالِ الأرْضِ، وهي المَكانُ الكُلِّيُّ اسْتَدَلَّ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وهو الزَّمانُ الكُلِّيُّ، فَإنَّ دَلالَةَ المَكانِ والزَّمانِ مُناسِبَةٌ؛ لِأنَّ المَكانَ لا تَسْتَغْنِي عَنْهُ الجَواهِرُ والزَّمانُ لا تَسْتَغْنِي عَنْهُ الأعْراضُ، لِأنَّ كُلَّ عَرَضٍ فَهو في زَمانٍ ومَثَلُهُ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ (فُصِّلَتْ: ٣٧) ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ (فُصِّلَتْ: ٣٩) حَيْثُ اسْتَدَلَّ بِالزَّمانِ والمَكانِ هُناكَ أيْضًا، لَكِنَّ المَقْصُودَ أوَّلًا هُناكَ إثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ﴾ (فُصِّلَتْ: ٣٧) ثُمَّ الحَشْرُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى﴾ (فُصِّلَتْ: ٣٩) وهَهُنا المَقْصُودُ أوَّلًا إثْباتُ الحَشْرِ؛ لِأنَّ السُّورَةَ فِيها ذِكْرُ الحَشْرِ أكْثَرُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّظَرُ في السُّورَةِ، وهُناكَ ذِكْرُ التَّوْحِيدِ أكْثَرُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى فِيهِ: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ (فُصِّلَتْ: ٩) إلى غَيْرِهِ، وآخِرُ السُّورَتَيْنِ يُبَيِّنُ الأمْرَ، وفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ٦٢

المَسْألَةُ الأُولى: المَكانُ يَدْفَعُ عَنْ أهْلِ السُّنَّةِ شُبَهَ الفَلاسِفَةِ، والزَّمانُ يَدْفَعُ عَنْهم شُبَهَ المُشَبِّهَةِ.

أمّا بَيانُ الأوَّلِ: فَذَلِكَ لِأنَّ الفَلْسَفِيَّ يَقُولُ: لَوْ كانَ عَدَمُ العالَمِ قَبْلَ وُجُودِهِ لَكانَ عِنْدَ فَرْضِ عَدَمِ العالَمِ قَبْلُ، وقَبْلُ وبَعْدُ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِالزَّمانِ، فَقَبْلَ العالَمِ زَمانٌ والزَّمانُ مِن جُمْلَةِ العالَمِ فَيَلْزَمُ وُجُودُ الشَّيْءِ عِنْدَ عَدَمِهِ فَإنْ أجابُوا بِأنَّ فَوْقَ السَّطْحِ الأعْلى لا خَلًّا ولا مَلًّا، نَقُولُ: قَبْلَ وُجُودِ العالَمِ لا آنَ ولا زَمانَ مَوْجُودٌ.

أمّا بَيانُ الثّانِي: فَلِأنَّ المُشَبِّهِيَّ يَقُولُ: لا يُمْكِنُ وُجُودُ مَوْجُودٍ إلّا في مَكانٍ، فاللَّهُ في مَكانٍ. فَنَقُولُ: فَيَلْزَمُكم أنْ تَقُولُوا: اللَّهُ في زَمانٍ لِأنَّ الوَهْمَ كَما لا يُمْكِنُهُ أنْ يَقُولَ: هو مَوْجُودٌ ولا مَكانَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَقُولَ: هو كانَ مَوْجُودًا ولا زَمانَ، وكُلُّ زَمانٍ هو حادِثٌ، وقَدْ أجْمَعْنا عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِيمٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَوْ قالَ قائِلٌ: إذا كانَ المُرادُ مِنهُ الِاسْتِدْلالَ بِالزَّمانِ، فَلِمَ اخْتارَ اللَّيْلَ حَيْثُ قالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ ؟ نَقُولُ: لَمّا اسْتَدَلَّ بِالمَكانِ الَّذِي هو المُظْلِمُ وهو الأرْضُ وقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ﴾ (يس: ٣٣) اسْتَدَلَّ بِالزَّمانِ الَّذِي فِيهِ الظُّلْمَةُ وهو اللَّيْلُ.

ووَجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ اللَّيْلَ فِيهِ سُكُونُ النّاسِ وهُدُوءُ الأصْواتِ وفِيهِ النَّوْمُ وهو كالمَوْتِ ويَكُونُ بَعْدَهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ كالنَّفْخِ في الصُّورِ فَيَتَحَرَّكُ النّاسُ فَذَكَرَ المَوْتَ، كَما قالَ في الأرْضِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ فَذَكَرَ في الزَّمانَيْنِ أشْبَهَهُما بِالمَوْتِ كَما ذَكَرَ مِنَ المَكانَيْنِ أشْبَهَهُما بِالمَوْتِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما مَعْنى سَلْخُ النَّهارِ مِنَ اللَّيْلِ ؟ نَقُولُ: مَعْناهُ تَمْيِيزُهُ مِنهُ، يُقالُ: انْسَلَخَ النَّهارُ مِنَ اللَّيْلِ إذا أتى آخِرُ النَّهارِ ودَخَلَ أوَّلُ اللَّيْلِ وسَلَخَهُ اللَّهُ مِنهُ فانْسَلَخَ هو مِنهُ، وأمّا إذا اسْتُعْمِلَ بِغَيْرِ كَلِمَةِ مِن فَقِيلَ: سَلَخَتِ النَّهارَ أوِ الشَّمْسَ، فَمَعْناهُ دَخَلَتْ في آخِرِهِ، فَإنْ قِيلَ: فاللَّيْلُ في نَفْسِهِ آيَةٌ، فَأيَّةُ حاجَةٍ إلى قَوْلِهِ: ﴿نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ ؟ نَقُولُ: الشَّيْءُ تَتَبَيَّنُ بِضِدِّهِ مَنافِعُهُ ومَحاسِنُهُ، ولِهَذا لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ اللَّيْلَ وحْدَهُ آيَةً في مَوْضِعٍ مِنَ المَواضِعِ إلّا وذَكَرَ آيَةَ النَّهارِ مَعَها، وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾ أيْ داخِلُونَ في الظَّلامِ، وإذا لِلْمُفاجَأةِ أيْ لَيْسَ بِيَدِهِمْ بَعْدُ ذِكْرُ أمْرٍ، ولا بُدَّ لَهم مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ.

36:38Page 442

وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِي لِمُسۡتَقَرّٖ لَّهَاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٣٨

And the sun runs [on course] toward its stopping point. That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾

يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى اللَّيْلِ، تَقْدِيرُهُ: وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ والشَّمْسُ تَجْرِي والقَمَرُ قَدَّرْناهُ، فَهي كُلُّها آيَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي﴾ إشارَةٌ إلى سَبَبِ سَلْخِ النَّهارِ، فَإنَّها تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها وهو وقْتُ الغُرُوبِ فَيَنْسَلِخُ النَّهارُ، وفائِدَةُ ذِكْرِ السَّبَبِ هو أنَّ اللَّهَ لَمّا قالَ: نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ، وكانَ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنَ الجُهّالِ أنْ يَقُولَ قائِلٌ مِنهم: سَلْخُ النَّهارِ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ إنَّما يُسْلَخُ النَّهارُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقالَ تَعالى: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ إشارَةً إلى نِعْمَةِ النَّهارِ بَعْدَ اللَّيْلِ، كَأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ ذَكَرَ أنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فَتَطْلُعُ عِنْدَ انْقِضاءِ اللَّيْلِ، فَيَعُودُ النَّهارُ بِمَنافِعِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ﴾ اللّامُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْوَقْتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (الإسْراءِ: ٧٨) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (الطَّلاقِ: ١) ووَجْهُ اسْتِعْمالِ اللّامِ لِلْوَقْتِ هو أنَّ اللّامَ المَكْسُورَةَ في الأسْماءِ لِتَحْقِيقِ مَعْنى الإضافَةِ، لَكِنَّ إضافَةَ الفِعْلِ إلى سَبَبِهِ أحْسَنُ الإضافاتِ؛ لِأنَّ الإضافَةَ لِتَعْرِيفِ المُضافِ بِالمُضافِ إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ: دارُ زَيْدٍ لَكِنَّ الفِعْلَ يُعْرَفُ

صفحة ٦٣

بِسَبَبِهِ، فَيُقالُ: اتْجُرْ لِلرِّبْحِ واشْتَرِ لِلْأكْلِ، وإذا عَلِمَ أنَّ اللّامَ تُسْتَعْمَلُ لِلتَّعْلِيلِ، فَنَقُولُ: وقْتُ الشَّيْءِ يُشْبِهُ سَبَبَ الشَّيْءِ؛ لِأنَّ الوَقْتَ يَأْتِي بِالأمْرِ الكائِنِ فِيهِ، والأُمُورُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأوْقاتِها، فَيُقالُ: خَرَجَ لِعَشْرٍ مِن كَذا و﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ لِأنَّ الوَقْتَ مُعَرِّفٌ كالسَّبَبِ، وعَلى هَذا فَمَعْناهُ: تَجْرِي الشَّمْسُ وقْتَ اسْتِقْرارِها أيْ كُلَّما اسْتَقَرَّتْ زَمانًا أُمِرَتْ بِالجَرْيِ فَجَرَتْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى إلى أيْ مُسْتَقَرٍّ لَها، وتَقْرِيرُهُ هو أنَّ اللّامَ تُذْكَرُ لِلْوَقْتِ، ولِلْوَقْتِ طَرَفانِ ابْتِداءٌ وانْتِهاءٌ، يُقالُ: سِرْتُ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ إلى يَوْمِ الخَمِيسِ، فَجازَ اسْتِعْمالُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيهِ في أحَدِ طَرَفَيْهِ لِما بَيْنَهُما مِنَ الِاتِّصالِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ مَن قَرَأ (والشَّمْسُ تَجْرِي إلى مُسْتَقَرٍّ لَها) وعَلى هَذا فَفي ذَلِكَ المُسْتَقَرِّ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: يَوْمُ القِيامَةِ، وعِنْدَهُ تَسْتَقِرُّ ولا يَبْقى لَها حَرَكَةٌ.

الثّانِي: السُّنَّةُ.

الثّالِثُ: اللَّيْلُ أيْ تَجْرِي إلى اللَّيْلِ.

الرّابِعُ: أنَّ ذَلِكَ المُسْتَقَرَّ لَيْسَ بِالنِّسْبَةِ إلى الزَّمانِ بَلْ هو لِلْمَكانِ، وحِينَئِذٍ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: هو غايَةُ ارْتِفاعِها في الصَّيْفِ، وغايَةُ انْخِفاضِها في الشِّتاءِ؛ أيْ تَجْرِي إلى أنْ تَبْلُغَ ذَلِكَ المَوْضِعَ فَتَرْجِعُ.

الثّانِي: هو غايَةُ مَشارِقِها، فَإنَّ في كُلِّ يَوْمٍ لَها مَشْرِقٌ إلى سِتَّةِ أشْهُرٍ، ثُمَّ تَعُودُ إلى تِلْكَ المُقَنْطَراتِ، وهَذا هو القَوْلُ الَّذِي تَقَدَّمَ في الِارْتِفاعِ، فَإنَّ اخْتِلافَ المَشارِقِ بِسَبَبِ اخْتِلافِ الِارْتِفاعِ.

الثّالِثُ: هو وُصُولُها إلى بَيْتِها في الِابْتِداءِ.

الرّابِعُ: هو الدّائِرَةُ الَّتِي عَلَيْها حَرَكَتُها حَيْثُ لا تَمِيلُ عَنْ مِنطَقَةِ البُرُوجِ عَلى مُرُورِ الشَّمْسِ وسَنَذْكُرُها.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ أيْ تَجْرِي مَجْرى مُسْتَقَرِّها.

فَإنَّ أصْحابَ الهَيْئَةِ قالُوا: الشَّمْسُ في فَلَكٍ، والفَلَكُ يَدُورُ فَيُدِيرُ الشَّمْسَ، فالشَّمْسُ تَجْرِي مَجْرى مُسْتَقَرِّها، وقالَتِ الفَلاسِفَةُ: تَجْرِي لِمُسْتَقَرِّها أيْ لِأمْرٍ لَوْ وجَدَها لاسْتَقَرَّ، وهو اسْتِخْراجُ الأوْضاعِ المُمْكِنَةِ، وهو في غايَةِ السُّقُوطِ، وأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ أيْ لَيْسَ بِإرادَتِها وإنَّما ذَلِكَ بِإرادَةِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ وتَدْبِيرِهِ وتَسْخِيرِهِ إيّاها، فَإنْ قِيلَ: عَدَّدْتَ الوُجُوهَ الكَثِيرَةَ وما ذَكَرْتَ المُخْتارَ، فَما الوَجْهُ المُخْتارُ عِنْدَكَ ؟ نَقُولُ: المُخْتارُ هو أنَّ المُرادَ مِنَ المُسْتَقَرِّ المَكانُ أيْ تَجْرِي لِبُلُوغِ مُسْتَقَرِّها، وهو غايَةُ الِارْتِفاعِ والِانْخِفاضِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَشْمَلُ المَشارِقَ والمَغارِبَ، والمَجْرى الَّذِي لا يَخْتَلِفُ، والزَّمانَ وهو السَّنَّةُ واللَّيْلَ فَهو أتَمُّ فائِدَةً.

وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى جَرْيِ الشَّمْسِ؛ أيْ ذَلِكَ الجَرْيُ تَقْدِيرُ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى المُسْتَقَرِّ أيِ المُسْتَقَرُّ تَقْدِيرُ اللَّهِ، والعَزِيزُ الغالِبُ وهو بِكَمالِ القُدْرَةِ يَغْلِبُ، والعَلِيمُ كامِلُ العِلْمِ أيِ الَّذِي قَدَرَ عَلى إجْرائِها عَلى الوَجْهِ الأنْفَعِ، وعَلِمَ الأنْفَعَ فَأجْراها عَلى ذَلِكَ؛ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: هو أنَّ الشَّمْسَ في سِتَّةِ أشْهُرٍ كُلَّ يَوْمٍ تَمُرُّ عَلى مُسامَتَةِ شَيْءٍ لَمْ تَمُرَّ مِن أمْسِها عَلى تِلْكَ المُسامَتَةِ، ولَوْ قَدَّرَ اللَّهُ مُرُورَها عَلى مُسامَتَةٍ واحِدَةٍ لاحْتَرَقَتِ الأرْضُ الَّتِي هي مُسامِتَةٌ لِمَمَرِّها وبَقِيَ المَجْمُوعُ مُسْتَوْلِيًا عَلى الأماكِنِ الأُخَرِ، فَقَدَّرَ اللَّهُ لَها بُعْدًا لِتَجَمُّعِ الرُّطُوباتِ في باطِنِ الأرْضِ والأشْجارِ في زَمانِ الشِّتاءِ، ثُمَّ قَدَّرَ قُرْبَها بِتَدْرِيجٍ لِتَخْرُجَ النَّباتُ والثِّمارُ مِنَ الأرْضِ والشَّجَرِ وتَنْضُجُ وتُجَفَّفُ، ثُمَّ تَبْعُدُ لِئَلّا يَحْتَرِقَ وجْهُ الأرْضِ وأغْصانُ الأشْجارِ.

الثّانِي: هو أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ لَها في كُلِّ يَوْمٍ طُلُوعًا، وفي كُلِّ لَيْلَةٍ غُرُوبًا؛ لِئَلّا تَكِلَّ القُوى والأبْصارُ بِالسَّهَرِ والتَّعَبِ ولا يَخْرُبُ العالَمُ بِتَرْكِ العِمارَةِ بِسَبَبِ الظُّلْمَةِ الدّائِمَةِ.

الثّالِثُ: جَعَلَ سَيْرَها أبْطَأ مِن سَيْرِ القَمَرِ وأسْرَعَ مِن سَيْرِ زُحَلَ؛ لِأنَّها كامِلَةُ النُّورِ فَلَوْ كانَتْ بَطِيئَةَ السَّيْرِ لَدامَتْ زَمانًا كَثِيرًا في مُسامَتَةِ شَيْءٍ واحِدٍ فَتَحْرِقُهُ، ولَوْ كانَتْ سَرِيعَةَ السَّيْرِ لَما حُصِرَ لَها لُبْثٌ بِقَدْرِ ما يُنْضِجُ الثِّمارَ في بُقْعَةٍ واحِدَةٍ.

36:39Page 442

وَٱلۡقَمَرَ قَدَّرۡنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِيمِ ٣٩

And the moon - We have determined for it phases, until it returns [appearing] like the old date stalk.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾

صفحة ٦٤

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ لَفْظٍ يَتِمُّ بِهِ مَعْنى الكَلامِ؛ لِأنَّ القَمَرَ لَمْ يَجْعَلْ نَفْسَهُ مَنازِلَ، فالمَعْنى: أنّا قَدَّرْنا سَيْرَهُ مَنازِلَ، وعَلى ما ذَكَرَهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنهُ: والقَمَرُ قَدَّرْناهُ ذا مَنازِلَ؛ لِأنَّ ذا الشَّيْءِ قَرِيبٌ مِنَ الشَّيْءِ؛ ولِهَذا جازَ قَوْلُ القائِلِ: عِيشَةٌ راضِيَةٌ؛ لِأنَّ ذا الشَّيْءِ كالقائِمِ بِهِ الشَّيْءُ، فَأتَوْا بِلَفْظِ الوَصْفِ.

وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ أيْ رَجَعَ في الدِّقَّةِ إلى حالَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها مِن قَبْلُ، والعُرْجُونُ مِنَ الِانْعِراجِ يُقالُ لِعُودِ العَذْقِ: عُرْجُونٌ، والقَدِيمُ: المُتَقادِمُ الزَّمانِ، قِيلَ: إنَّ ما غَبَرَ عَلَيْهِ سَنَةٌ فَهو قَدِيمٌ، والصَّحِيحُ أنَّ هَذِهِ بِعَيْنِها لا تُشْتَرَطُ في جَوازِ إطْلاقِ القَدِيمِ عَلَيْهِ، وإنَّما تُعْتَبَرُ العادَةُ، حَتّى لا يُقالَ لِمَدِينَةٍ بُنِيَتْ مِن سَنَةٍ وسَنَتَيْنِ: إنَّها بِناءٌ قَدِيمٌ أوْ هي قَدِيمَةٌ، ويُقالُ لِبَعْضِ الأشْياءِ: إنَّهُ قَدِيمٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَنَةٌ، ولِهَذا جازَ أنْ يُقالَ: بَيْتٌ قَدِيمٌ وبِناءٌ قَدِيمٌ، ولَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ في العالَمِ: إنَّهُ قَدِيمٌ، لِأنَّ القِدَمَ في البَيْتِ والبِناءِ يَثْبُتُ بِحُكْمِ تَقادُمِ العَهْدِ ومُرُورِ السِّنِينَ عَلَيْهِ، وإطْلاقُ القَدِيمِ عَلى العالَمِ لا يُعْتادُ إلّا عِنْدَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّهُ لا أوَّلَ لَهُ ولا سابِقَ عَلَيْهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском