Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:6–11
37:6–7Page 446
إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِزِينَةٍ ٱلۡكَوَاكِبِ ٦
Indeed, We have adorned the nearest heaven with an adornment of stars
وَحِفۡظٗا مِّن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ مَّارِدٖ ٧
And as protection against every rebellious devil
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”زِينَةٍ“ مُنَوَّنَةً ”﴿الكَواكِبِ﴾“ بِالجَرِّ، وهو قِراءَةُ مَسْرُوقِ بْنِ الأجْدَعِ، قالَ الفَرّاءُ: وهو رَدُّ مَعْرِفَةٍ عَلى نَكِرَةٍ كَما قالَ: ﴿بِالنّاصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ﴾ [العلق: ١٥] فَرَدَّ نَكِرَةً عَلى مَعْرِفَةٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: الكَواكِبُ بَدَلٌ مِنَ الزِّينَةِ؛ لِأنَّها هي كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِأبِي عَبْدِ اللَّهِ زَيْدٍ.
وقَرَأ عاصِمٌ بِالتَّنْوِينِ في الزِّينَةِ ونَصْبِ الكَواكِبِ، قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ زَيَّنّا الكَواكِبَ، وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكَواكِبُ في النِّصْفِ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ ﴿بِزِينَةٍ﴾؛ لِأنَّ ﴿بِزِينَةٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ وقَرَأ الباقُونَ ”بِزِينَةِ الكَواكِبِ“ بِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ زَيَّنَ السَّماءَ الدُّنْيا، وبَيَّنَ أنَّهُ إنَّما زَيَّنَها لِمَنفَعَتَيْنِ:
إحْداهُما: تَحْصِيلُ الزِّينَةِ.
والثّانِيَةُ: الحِفْظُ مِنَ الشَّيْطانِ المارِدِ، فَوَجَبَ أنْ نُحَقِّقَ الكَلامَ في هَذِهِ المَطالِبِ الثَّلاثَةِ:
أمّا الأوَّلُ:
صفحة ١٠٥
وهُوَ تَزْيِينُ السَّماءِ الدُّنْيا بِهَذِهِ الكَواكِبِ، فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ الهَيْئَةِ أنَّ هَذِهِ الثَّوابِتَ مَرْكُوزَةٌ في الكُرَةِ الثّامِنَةِ، وأنَّ السَّيّاراتِ السِّتَّةَ مَرْكُوزَةٌ في الكُراتِ السِّتِّ المُحِيطَةِ بِسَماءِ الدُّنْيا فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُ: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ .
والجَوابُ أنَّ النّاسَ السّاكِنِينَ عَلى سَطْحِ كُرَةِ الأرْضِ إذا نَظَرُوا إلى السَّماءِ فَإنَّهم يُشاهِدُونَها مُزَيَّنَةً بِهَذِهِ الكَواكِبِ، وعَلى أنّا قَدْ بَيَّنّا في عِلْمِ الهَيْئَةِ أنَّ الفَلاسِفَةَ لَمْ يَتِمَّ لَهم دَلِيلٌ في بَيانِ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ مَرْكُوزَةٌ في الفَلَكِ الثّامِنِ، ولَعَلَّنا شَرَحْنا هَذا الكَلامَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [الملك: ٥] .
وأمّا المَطْلُوبُ الثّانِي: وهو كَوْنُ هَذِهِ الكَواكِبِ زِينَةَ السَّماءِ الدُّنْيا فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الزِّينَةَ مَصْدَرٌ كالنِّسْبَةِ واسْمٌ لِما يُزَّنُ بِهِ، كاللِّيقَةِ اسْمٌ لِما تُلاقُ بِهِ الدَّواةُ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وقَوْلُهُ: ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ يَحْتَمِلُهُما فَإنْ أرَدْتَ المَصْدَرَ فَعَلى إضافَتِهِ إلى الفاعِلِ أيْ بِأنَّ زِينَتَها الكَواكِبُ أوْ عَلى إضافَتِهِ إلى المَفْعُولِ أيْ بِأنَّ زانَ اللَّهُ الكَواكِبَ وحَسَّنَها، لِأنَّها إنَّما زُيِّنَتِ السَّماءُ بِحُسْنِها في أنْفُسِها، وإنْ أرَدْتَ الِاسْمَ فَلِلْإضافَةِ وجْهانِ:
أنْ تَقَعَ الكَواكِبُ بَيانًا لِلزِّينَةِ؛ لِأنَّ الزِّينَةَ قَدْ تَحْصُلُ بِالكَواكِبِ وبِغَيْرِها، وأنْ يُرادَ ما زُيِّنَتْ بِهِ الكَواكِبُ.
البَحْثُ الثّانِي: في بَيانِ كَيْفِيَّةِ كَوْنِ الكَواكِبِ زِينَةً لِلسَّماءِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ النُّورَ والضَّوْءَ أحْسَنُ الصِّفاتِ وأكْمَلُها، فَإنَّ تَحَصُلَّ هَذِهِ الكَواكِبِ المُشْرِقَةِ المُضِيئَةِ في سَطْحِ الفَلَكِ لا جَرَمَ بَقِيَ الضَّوْءُ والنُّورُ في جِرْمِ الفَلَكِ بِسَبَبِ حُصُولِ هَذِهِ الكَواكِبِ فِيها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ أيْ بِضَوْءِ الكَواكِبِ.
الوَجْهُ الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يُرادَ أشْكالُها المُتَناسِبَةُ المُخْتَلِفَةُ كَشَكْلِ الجَوْزاءِ وبَناتِ نَعْشٍ والثُّرَيّا وغَيْرِها.
الوَجْهُ الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذِهِ الزِّينَةِ كَيْفِيَّةَ طُلُوعِها وغُرُوبِها.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ الإنْسانَ إذا نَظَرَ في اللَّيْلَةِ الظَّلْماءِ إلى سَطْحِ الفَلَكِ ورَأى هَذِهِ الجَواهِرَ الزَّواهِرَ مُشْرِقَةً لامِعَةً مُتَلَأْلِئَةً عَلى ذَلِكَ السَّطْحِ الأزْرَقِ، فَلا شَكَّ أنَّها أحْسَنُ الأشْياءِ وأكْمَلُها في التَّرْكِيبِ والجَوْهَرِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُفِيدُ كَوْنَ هَذِهِ الكَواكِبِ زِينَةً.
وأمّا المَطْلُوبُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُهُ: ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: فِيما يَتَعَلَّقُ بِاللُّغَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿وحِفْظًا﴾ وحَفِظْناها، قالَ المُبَرِّدُ: إذا ذَكَرْتَ فِعْلًا ثُمَّ عَطَفْتَ عَلَيْهِ مَصْدَرَ فِعْلٍ آخَرَ نَصَبْتَ المَصْدَرَ؛ لِأنَّهُ قَدْ دَلَّ عَلى فِعْلِهِ، مِثْلَ قَوْلِكِ: أفْعَلُ وكَرامَةً؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ أفْعَلُ عُلِمَ أنَّ الأسْماءَ لا تُعْطَفُ عَلى الأفْعالِ، فَكانَ المَعْنى أفْعَلُ ذَلِكَ وأُكْرِمُكَ كَرامَةً، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ حِفْظَ السَّماءِ بِالكَواكِبِ و﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ يُرِيدُ الَّذِي تَمَرَّدَ عَلى اللَّهِ قِيلَ: إنَّهُ الَّذِي لا يُتَمَكَّنُ مِنهُ، وأصْلُهُ مِنَ المَلاسَةِ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ [النمل: ٤٤] ومِنهُ الأمْرَدُ: وذَكَرْنا تَفْسِيرَ المارِدِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ [التوبة: ١٠١] .
البَحْثُ الثّانِي: فِيما يَتَعَلَّقُ بِالمَباحِثِ العَقْلِيَّةِ في هَذا المَوْضِعِ، فَنَقُولُ: الِاسْتِقْصاءُ فِيهِ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] قالَ المُفَسِّرُونَ: الشَّياطِينُ كانُوا يَصْعَدُونَ إلى قُرْبِ السَّماءِ فَرُبَّما سَمِعُوا كَلامَ المَلائِكَةِ وعَرَفُوا بِهِ ما سَيَكُونُ مِنَ الغُيُوبِ، وكانُوا يُخْبِرُونَهم بِهِ ويُوهِمُونَهم أنَّهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ فَمَنَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الصُّعُودِ إلى قُرْبِ السَّماءِ بِهَذِهِ الشُّهُبِ، فَإنَّهُ تَعالى يَرْمِيهِمْ بِها فَيُحْرِقُهم بِها، وبَقِيَ هَهُنا سُؤالاتٌ:
صفحة ١٠٦
السُّؤالُ الأوَّلُ: هَذِهِ الشُّهُبُ هَلْ هي مِنَ الكَواكِبِ الَّتِي زَيَّنَ اللَّهُ السَّماءَ بِها أمْ لا ؟ والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ تَبْطُلُ وتَضْمَحِلُّ فَلَوْ كانَتْ هَذِهِ الشُّهُبُ تِلْكَ الكَواكِبَ الحَقِيقِيَّةَ لَوَجَبَ أنْ يَظْهَرَ نُقْصانُ كَثِيرٍ مِن أعْدادِ كَواكِبِ السَّماءِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا المَعْنى لَمْ يُوجَدِ البَتَّةَ فَإنَّ أعْدادَ كَواكِبِ السَّماءِ باقِيَةٌ في حالَةٍ واحِدَةٍ مِن غَيْرِ تَغَيُّرٍ البَتَّةَ، وأيْضًا فَجَعْلُها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ مِمّا يُوجِبُ وُقُوعَ النُّقْصانِ في زِينَةِ السَّماءِ فَكَأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ هَذَيْنِ المَقْصُودَيْنِ كالمُتَناقِضِ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ إنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ جِنْسٌ آخَرُ غَيْرُ الكَواكِبِ المَرْكُوزَةِ في الفَلَكِ فَهَذا أيْضًا مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]، ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناها﴾ عائِدٌ إلى المَصابِيحِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ المَصابِيحُ هي الرُّجُوعَ بِأعْيانِها مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، والجَوابُ أنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ غَيْرُ تِلْكَ الثَّواقِبِ الباقِيَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ فَنَقُولُ: كُلُّ نَيِّرٍ يَحْصُلُ في الجَوِّ العالِي فَهو مَصابِيحُ لِأهْلِ الأرْضِ إلّا أنَّ تِلْكَ المَصابِيحَ مِنها باقِيَةٌ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ آمِنَةٌ مِنَ التَّغَيُّرِ والفَسادِ، ومِنها ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وهي هَذِهِ الشُّهُبُ الَّتِي يُحْدِثُها اللَّهُ تَعالى ويَجْعَلُها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ زالَ الإشْكالُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ تَذْهَبَ الشَّياطِينُ إلى حَيْثُ يَعْلَمُونَ بِالتَّجْوِيزِ، أنَّ الشُّهُبَ تُحْرِقُهم ولا يَصِلُونَ إلى مَقْصُودِهِمُ البَتَّةَ، وهَلْ يُمْكِنُ أنْ يَصْدُرَ مِثْلُ هَذا الفِعْلِ عَنْ عاقِلٍ، فَكَيْفَ مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ لَهم مَزِيَّةٌ في مَعْرِفَةِ الحِيَلِ الدَّقِيقَةِ ؟
والجَوابُ: أنَّ حُصُولَ هَذِهِ الحالَةِ لَيْسَ لَهُ مَوْضِعٌ مُعَيَّنٌ وإلّا لَمْ يَذْهَبُوا إلَيْهِ، وإنَّما يُمْنَعُونَ مِنَ المَصِيرِ إلى مَواضِعِ المَلائِكَةِ ومَواضِعُها مُخْتَلِفَةٌ، فَرُبَّما صارُوا إلى مَوْضِعٍ تُصِيبُهم فِيهِ الشُّهُبُ، ورُبَّما صارُوا إلى غَيْرِهِ ولا يُصادِفُونَ المَلائِكَةَ فَلا تُصِيبُهُمُ الشُّهُبُ، فَلَمّا هَلَكُوا في بَعْضِ الأوْقاتِ، وسَلَّمُوا في بَعْضِ الأوْقاتِ، جازَ أنْ يَصِيرُوا إلى مَواضِعَ يَغْلِبُ عَلى ظُنُونِهِمْ أنَّهُ لا تُصِيبُهُمُ الشُّهُبُ فِيها، كَما يَجُوزُ فِيمَن يَسْلُكُ البَحْرَ أنْ يَسْلُكَهُ في مَوْضِعٍ يَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ حُصُولُ النَّجاةِ، هَذا ما ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ مِنَ الجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ في تَفْسِيرِهِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهم إذا صَعِدُوا فَإمّا أنْ يَصِلُوا إلى مَواضِعِ المَلائِكَةِ، أوْ إلى غَيْرِ تِلْكَ المَواضِعِ، فَإنْ وصَلُوا إلى مَواضِعِ المَلائِكَةِ احْتَرَقُوا وإنْ وصَلُوا إلى غَيْرِ مَواضِعِ المَلائِكَةِ لَمْ يَفُوزُوا بِمَقْصُودِهِمْ أصْلًا، فَعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ المَقْصُودُ غَيْرُ حاصِلٍ، إذا حَصَلَتْ هَذِهِ التَّجْرِبَةُ وثَبَتَ بِالِاسْتِقْراءِ أنَّ الفَوْزَ بِالمَقْصُودِ مُحالٌ وجَبَ أنْ يَمْتَنِعُوا عَنْ هَذا العَمَلِ وأنْ لا يُقْدِمُوا عَلَيْهِ أصْلًا بِخِلافِ حالِ المُسافِرِينَ في البَحْرِ، فَإنَّ الغالِبَ عَلَيْهِمُ السَّلامَةُ والفَوْزُ بِالمَقْصُودِ، أمّا هَهُنا فالشَّيْطانُ الَّذِي يَسْلَمُ مِنَ الِاحْتِراقِ إنَّما يَسْلَمُ إذا لَمْ يَصِلْ إلى مَواضِعِ المَلائِكَةِ، وإذا لَمْ يَصِلْ إلى تِلْكَ المَواضِعِ لَمْ يَفُزْ بِالمَقْصُودِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَعُودَ إلى هَذا العَمَلِ البَتَّةَ، والأقْرَبُ في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: هَذِهِ الوَقْعَةُ إنَّما تَتَّفِقُ في النُّدْرَةِ، فَلَعَلَّها لا تَشْتَهِرُ بِسَبَبِ كَوْنِها نادِرَةً بَيْنَ الشَّياطِينِ واللَّهُ أعْلَمُ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: قالُوا: دَلَّتِ التَّوارِيخُ المُتَواتِرَةُ عَلى أنَّ حُدُوثَ الشُّهُبِ كانَ حاصِلًا قَبْلَ مَجِيءِ النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّ الحُكَماءَ الَّذِينَ كانُوا مَوْجُودِينَ قَبْلَ مَجِيءِ النَّبِيِّ ﷺ بِزَمانٍ طَوِيلٍ ذَكَرُوا ذَلِكَ وتَكَلَّمُوا في سَبَبِ حُدُوثِهِ، إذا ثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ مَجِيءِ النَّبِيِّ ﷺ امْتَنَعَ حَمْلُهُ عَلى مَجِيءِ النَّبِيِّ ﷺ
أجابَ القاضِي: بِأنَّ الأقْرَبَ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ لَكِنَّها كَثُرَتْ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ فَصارَتْ بِسَبَبِ الكَثْرَةِ مُعْجِزَةً.
صفحة ١٠٧
السُّؤالُ الرّابِعُ: الشَّيْطانُ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ﴾ [ص: ٧٦] وقالَ: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] ولِهَذا السَّبَبِ يَقْدِرُ عَلى الصُّعُودِ إلى السَّماواتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُعْقَلُ إحْراقُ النّارِ بِالنّارِ ؟
والجَوابُ: يُحْتَمَلُ أنَّ الشَّياطِينَ وإنْ كانُوا مِنَ النِّيرانِ إلّا أنَّها نِيرانٌ ضَعِيفَةٌ، فَإنْ وصَلَتْ نِيرانُ الشُّهُبِ إلَيْهِمْ، وتِلْكَ النِّيرانُ أقْوى حالًا مِنهم لا جَرَمَ صارَ الأقْوى مُبْطِلًا لِلْأضْعَفِ، ألا تَرى أنَّ السِّراجَ الضَّعِيفَ إذا رَجَعَ في النّارِ القَوِيَّةِ فَإنَّهُ يَنْطَفِئُ فَكَذَلِكَ هَهُنا.
السُّؤالُ الخامِسُ: أنَّ مَقَرَّ المَلائِكَةِ هو السَّطْحُ الأعْلى مِنَ الفَلَكِ، والشَّياطِينُ لا يُمْكِنُهُمُ الوُصُولُ إلّا إلى الأقْرَبِ مِنَ السَّطْحِ الأسْفَلِ مِنَ الفَلَكِ، فَيَبْقى جِرْمُ الفَلَكِ مانِعًا مِن وُصُولِ الشَّياطِينِ إلى القُرْبِ مِنَ المَلائِكَةِ، ولَعَلَّ الفَلَكَ عَظِيمُ المِقْدارِ دَفَعَ حُصُولَ المانِعِ العَظِيمِ، كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تَسْمَعَ الشَّياطِينُ كَلامَ المَلائِكَةِ، فَإنْ قُلْتُمْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُقَوِّي سَمْعَ الشَّيْطانِ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ المَلائِكَةِ، فَنَقُولُ فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ إذا كانَ اللَّهُ تَعالى يُقَوِّي سَمْعَ الشَّيْطانِ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ المَلائِكَةِ، وجَبَ أنْ لا يَنْفِيَ سَمْعَ الشَّيْطانِ، وإنْ كانَ لا يُرِيدُ مَنعَ الشَّيْطانِ فَما الفائِدَةُ في رَمْيِهِ بِالرُّجُومِ ؟
فالجَوابُ: مَذْهَبُنا أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ، فَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِمَباحِثِ هَذا البابِ، وإذا أُضِيفَ ما كَتَبْناهُ هَهُنا إلى ما كَتَبْناهُ في سُورَةِ المُلْكِ، وفي سائِرِ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ بَلَغَ تَمامَ الكِفايَةِ في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
37:8–10Page 446
لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰ وَيُقۡذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٖ ٨
[So] they may not listen to the exalted assembly [of angels] and are pelted from every side,1
دُحُورٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ وَاصِبٌ ٩
Repelled; and for them is a constant punishment,
إِلَّا مَنۡ خَطِفَ ٱلۡخَطۡفَةَ فَأَتۡبَعَهُۥ شِهَابٞ ثَاقِبٞ ١٠
Except one who snatches [some words] by theft, but they are pursued by a burning flame, piercing [in brightness].
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾“ بِتَشْدِيدِ السِّينِ والمِيمِ وأصْلُهُ يَتَسَمَّعُونَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ لِاشْتِراكِهِما في الهَمْسِ، والتَّسَمُّعُ تَطَلُّبُ السَّماعِ، يُقالُ: تَسَمَّعَ سَمِعَ أوْ لَمْ يَسْمَعْ، والباقُونَ بِتَخْفِيفِ السِّينِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ التَّشْدِيدَ في يَسَّمَّعُونَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: تَسَمَّعْتُ إلى فُلانٍ، ويَقُولُونَ: سَمِعْتُ فُلانًا، ولا يَكادُونَ يَقُولُونَ: سَمِعْتُ إلى فُلانٍ، وقِيلَ: في تَقْوِيَةِ هَذِهِ القِراءَةِ إذا نُفِيَ التَّسَمُّعُ، فَقَدْ نُفِيَ سَمْعُهُ.
وحُجَّةُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الشَّياطِينَ يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى ثُمَّ يُمْنَعُونَ فَلا يَسْمَعُونَ، ولِلْأوَّلِينَ أنْ يُجِيبُوا فَيَقُولُونَ: التَّنْصِيصُ عَلى كَوْنِهِمْ مَعْزُولِينَ عَنِ السَّمْعِ لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِمْ مَعْزُولِينَ أيْضًا عَنِ التَّسَمُّعِ بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ، بَلْ هو أقْوى في رَدْعِ الشَّياطِينِ ومَنعِهِمْ مِنِ اسْتِماعِ أخْبارِ السَّماءِ، فَإنَّ الَّذِي مُنِعَ مِنَ الِاسْتِماعِ فَبِأنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنَ السَّمْعِ أوْلى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِكَ سَمِعْتُ حَدِيثَ فُلانٍ، وبَيْنَ قَوْلِكَ: سَمِعْتُ إلى حَدِيثِهِ، بِأنَّ قَوْلَكَ سَمِعْتُ حَدِيثَهُ يُفِيدُ الإدْراكَ، وسَمِعْتُ إلى حَدِيثِهِ يُفِيدُ الإصْغاءَ مَعَ الإدْراكِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ لِئَلّا يَسْمَعُوا، فَلَمّا حُذِفَ النّاصِبُ عادَ الفِعْلُ إلى الرَّفْعِ كَما قالَ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] وكَما قالَ: ﴿رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: حَذْفُ أنْ واللّامِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما جائِزٌ بِانْفِرادِهِ. أمّا اجْتِماعُهُما فَمِنَ المُنْكَراتِ الَّتِي يَجِبُ صَوْنُ القُرْآنِ عَنْها.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو الَّذِي
صفحة ١٠٨
اخْتارَهُ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ، وهو حِكايَةُ حالِ المُسْتَرِقَةِ لِلسَّمْعِ وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَسْمَعُوا إلى كَلامِ المَلائِكَةِ ويَتَسَمَّعُوا وهم مَقْذُوفُونَ بِالشُّهُبِ، مَدْحُورُونَ عَنْ ذَلِكَ المَقْصُودِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المَلَأُ الأعْلى المَلائِكَةُ؛ لِأنَّهم يَسْكُنُونَ السَّماواتِ. وأمّا الإنْسُ والجِنُّ فَهُمُ المَلَأُ الأسْفَلُ؛ لِأنَّهم سُكّانُ الأرْضِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ أُولَئِكَ الشَّياطِينَ بِصِفاتٍ ثَلاثٍ:
الأُولى: أنَّهم لا يَسَّمَّعُونَ.
الثّانِيَةُ: أنَّهم يُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا، وفِيهِ أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: قَدْ ذَكَرْنا مَعْنى الدُّحُورِ في سُورَةِ الأعْرافِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨] قالَ المُبَرِّدُ: الدُّحُورُ أشَدُّ الصِّغارِ والذُّلِّ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ دَحَرْتُهُ دَحْرًا ودُحُورًا أيْ دَفَعْتُهُ وطَرَدْتُهُ.
البَحْثُ الثّانِي: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿دُحُورًا﴾ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ انْتُصِبَ بِالمَصْدَرِ عَلى مَعْنى يُدْحَرُونَ دُحُورًا، ودَلَّ عَلى الفِعْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ .
الثّانِي: التَّقْدِيرُ ويُقْذَفُونَ لِلدُّحُورِ ثُمَّ حَذَفَ اللّامَ.
الثّالِثُ: قالَ مُجاهِدٌ: دُحُورًا مَطْرُودِينَ، فَعَلى هَذا هو حالٌ سُمِّيَتْ بِالمَصْدَرِ كالرُّكُوعِ والسُّجُودِ والحُضُورِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّمَلِيُّ دَحُورًا بِفَتْحِ الدّالِ، قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ قالَ: يُقْذَفُونَ يُدْحَرُونَ بِما يُدْحَرُ، ثُمَّ قالَ: ولَسْتُ أشْتَهِي الفَتْحَ؛ لِأنَّهُ لَوْ وُجِدَ ذَلِكَ عَلى صِحَّةٍ لَكانَ فِيها الباءُ، كَما تَقُولُ: يُقْذَفُونَ بِالحِجارَةِ ولا تَقُولُ: يُقْذَفُونَ الحِجارَةَ إلّا أنَّهُ جائِزٌ في الجُمْلَةِ كَما قالَ الشّاعِرُ:
نُغالِي اللَّحْمَ لِلْأضْيافِ نِيئًا
أيْ نُغالِي بِاللَّحْمِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ والمَعْنى أنَّهم مَرْجُومُونَ بِالشُّهُبِ وهَذا العَذابُ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ الدَّوامِ، وذَكَرْنا تَفْسِيرَ الواصِبِ في سُورَةِ النَّحْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ [النحل: ٥٢] قالُوا كُلُّهم: إنَّهُ الدّائِمُ، قالَ الواحِدِيُّ: ومَن فَسَّرَ الواصِبَ بِالشَّدِيدِ والمُوجِعِ فَهو مَعْنًى ولَيْسَ بِتَفْسِيرٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ ذَكَرْنا مَعْنى الخَطْفِ في سُورَةِ الحَجِّ، قالَ الزَّجّاجُ: وهو أخْذُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ، وأصْلُ خَطِفَ اخْتَطَفَ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”مَن“ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بَدَلٌ مِنَ الواوِ في لا يَسَّمَّعُونَ أيْ لا يَسَّمَّعُ الشَّياطِينُ إلّا الشَّيْطانُ الَّذِي خَطِفَ الخَطْفَةَ أيِ اخْتَلَسَ الكَلِمَةَ عَلى وجْهِ المُسارَقَةِ ﴿فَأتْبَعَهُ﴾ يَعْنِي لَحِقَهُ وأصابَهُ، يُقالُ: تَبِعَهُ وأتْبَعَهُ إذا مَضى في أثَرِهِ، وأتْبَعَهُ إذا لَحِقَهُ وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥] وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ قالَ الحَسَنُ: ثاقِبٌ أيْ مُضِيءٌ، وأقُولُ: سُمِّي ثاقِبًا بِنُورِهِ الهَواءَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣] قالَ: إنَّهُ رَجُلٌ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ يَثْقُبُ بِنُورِهِ سَمْكَ سَبْعِ سَماواتٍ واللَّهُ أعْلَمُ.
37:11Page 446
فَٱسۡتَفۡتِهِمۡ أَهُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَم مَّنۡ خَلَقۡنَآۚ إِنَّا خَلَقۡنَٰهُم مِّن طِينٖ لَّازِبِۭ ١١
Then inquire of them, [O Muḥammad], "Are they a stronger [or more difficult] creation or those [others] We have created?" Indeed, We created them [i.e., men] from sticky clay.
صفحة ١٠٩
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في بَيانِ النَّظْمِ اعْلَمْ أنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَقْصِدَ الأقْصى مِن هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ إثْباتُ الأُصُولِ الأرْبَعَةِ وهي الإلَهِيّاتُ والمَعادُ والنُّبُوَّةُ وإثْباتُ القَضاءِ والقَدَرِ، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى افْتَتَحَ هَذِهِ السُّورَةَ، بِإثْباتِ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ويَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وهو خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وخَلْقُ المَشارِقِ والمَغارِبِ، فَلَمّا أحْكَمَ الكَلامَ في هَذا البابِ فَرَّعَ عَلَيْها إثْباتَ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ.
واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ يَتَعَلَّقُ بِطَرَفَيْنِ:
أوَّلُهُما: إثْباتُ الجَوازِ العَقْلِيِّ.
وثانِيهِما: إثْباتُ الوُقُوعِ.
أمّا الكَلامُ في المَطْلُوبِ الأوَّلِ: فاعْلَمْ أنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى الشَّيْءِ يَقَعُ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يُقالَ إنَّهُ قَدَرَ عَلى ما هو أصْعَبُ وأشَدُّ وأشَقُّ مِنهُ، فَوَجَبَ أيْضًا أنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ.
والثّانِي: أنْ يُقالَ: إنَّهُ قَدَرَ عَلَيْهِ في إحْدى الحالَتَيْنِ والفاعِلُ والقابِلُ باقِيَيْنِ كَما كانا، فَوَجَبَ أنْ تَبْقى القُدْرَةُ عَلَيْهِ في الحالَةِ الثّانِيَةِ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ في بَيانِ أنَّ القَوْلَ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ أمْرٌ جائِزٌ مُمْكِنٌ.
أمّا الطَّرِيقُ الأوَّلُ: فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ [الصافات: ١١] والتَّقْدِيرُ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: اسْتَفْتِ يا مُحَمَّدُ هَؤُلاءِ المُنْكِرِينَ أهم أشَدُّ خَلْقًا مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وخَلْقِ المَشارِقِ والمَغارِبِ وخَلْقِ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يَصْعَدُونَ الفَلَكَ، ولا شَكَّ أنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ خَلْقَ هَذا القِسْمِ أشَقُّ وأشَدُّ في العُرْفِ مِن خَلْقِ القِسْمِ الأوَّلِ، فَلَمّا ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في إثْباتِ التَّوْحِيدِ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى هَذا القِسْمِ الَّذِي هو أشَدُّ وأصْعَبُ، فَبِأنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إعادَةِ الحَياةِ في هَذِهِ الأجْسادِ كانَ أوْلى، ونَظِيرُ هَذِهِ الدَّلالَةِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ يس ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] .
أمّا الطَّرِيقُ الثّانِي: فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ والمَعْنى أنَّ هَذِهِ الأجْسامَ قابِلَةٌ لِلْحَياةِ إذْ لَوْ لَمْ تَكُنْ قابِلَةً لِلْحَياةِ لَما صارَتْ حَيَّةً في المَرَّةِ الأُولى، والإلَهُ قادِرٌ عَلى خَلْقِ هَذِهِ الحَياةِ في هَذِهِ الأجْسامِ، ولَوْلا كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى هَذا المَعْنى لَما حَصَلَتِ الحَياةُ في المَرَّةِ الأُولى، ولا شَكَّ أنَّ قابِلِيَّةَ تِلْكَ الأجْسامِ باقِيَةٌ وأنَّ قادِرِيَّةَ اللَّهِ تَعالى باقِيَةٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ القابِلِيَّةَ وهَذِهِ القادِرِيَّةَ مِنَ الصِّفاتِ الذّاتِيَّةِ فامْتَنَعَ زَوالُها فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ أنَّ القَوْلَ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ أمْرٌ مُمْكِنٌ، ولَمّا بَيَّنَ تَعالى إمْكانَ هَذا المَعْنى بِهَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ بَيَّنَ وُقُوعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٨] وذَلِكَ لِأنَّهُ ثَبَتَ صِدْقُ الرَّسُولِ ﷺ لِأجْلِ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِ، والصّادِقُ إذا أخْبَرَ عَنْ أمْرٍ مُمْكِنِ الوُقُوعِ وجَبَ الِاعْتِرافُ بِوُقُوعِهِ فَهَذا تَقْرِيرُ نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ وهو في غايَةِ الحُسْنِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ كَوْنُهُ تَعالى خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فاسْتَفْتِ هَؤُلاءِ المُنْكِرِينَ، وقُلْ لَهم: ﴿أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ أمْ هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي بَيَّنّا كَوْنَهُ تَعالى خالِقًا لَها ولَمْ يَحْكِ عَنْهم أنَّهم أقَرُّوا أنَّ خَلْقَ هَذِهِ الأشْياءِ أصْعَبُ لِأجْلِ أنَّ ظُهُورَ ذَلِكَ كالمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ فَلا حاجَةَ أنْ يُحْكى عَنْهم صِحَّةُ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ يَعْنِي أنّا لَمّا قَدَرْنا عَلى خَلْقِ الحَياةِ في ذَواتِهِمْ أوَّلًا وجَبَ أنْ نَبْقى قادِرِينَ عَلى خَلْقِ الحَياةِ فِيهِمْ ثانِيًا؛ لِما بَيَّنّا أنَّ حالَ القابِلِ وحالَ الفاعِلِ مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ.
وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهي أنَّ القَوْمَ قالُوا: كَيْفَ يُعْقَلُ تَوَلُّدُ الإنْسانِ لا مِنَ النُّطْفَةِ ولا مِنَ الأبَوَيْنِ ؟ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: إنَّكم لَمّا
صفحة ١١٠
أقْرَرْتُمْ بِحُدُوثِ العالَمِ واعْتَرَفْتُمْ بِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إنَّما حَصَلَ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى وتَكْوِينِهِ فَلا بُدَّ وأنْ تَعْتَرِفُوا بِأنَّ الإنْسانَ الأوَّلَ إنَّما حَدَثَ لا مِنَ الأبَوَيْنِ ؟ فَإذا عَقَلْتُمْ ذَلِكَ واعْتَرَفْتُمْ بِهِ فَقَدْ سَقَطَ قَوْلُكُمُ: الإنْسانُ كَيْفَ يَحْدُثُ مِن غَيْرِ النُّطْفَةِ ومِن غَيْرِ الأبَوَيْنِ ؟ وأيْضًا قَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَ الجُمْهُورِ أنَّ آدَمَ مَخْلُوقٌ مِنَ الطِّينِ اللّازِبِ ومَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ الحَياةِ في الطِّينِ اللّازِبِ فَكَيْفَ يَعْجِزُ عَنْ إعادَةِ الحَياةِ إلى هَذِهِ الذَّواتِ.
وأمّا كَيْفِيَّةُ خَلْقِ الإنْسانِ مِنَ الطِّينِ اللّازِبِ فَهي مَذْكُورَةٌ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الوَجْهَ أنَما يَحْسُنُ إذا قُلْنا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ هو أنّا خَلَقْنا أباهم آدَمَ مِن طِينٍ لازِبٍ، وفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ أنّا خَلَقْنا كُلَّ إنْسانٍ مِن طِينٍ لازِبٍ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الحَيَوانَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ المَنِيِّ ودَمِ الطَّمْثِ والمَنِيَّ يَتَوَلَّدُ مِنَ الدَّمِ، فالحَيَوانُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الدَّمِ والدَّمُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الغِذاءِ، والغِذاءُ إمّا حَيَوانِيٌّ وإمّا نَباتِيٌّ، أمّا تَوَلُّدُ الحَيَوانِ الَّذِي صارَ غِذاءً فالكَلامُ في كَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِهِ كالكَلامِ في تَوَلُّدِ الإنْسانِ، فَثَبَتَ أنَّ الأصْلَ في الأغْذِيَةِ هو النَّباتُ، والنَّباتُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنِ امْتِزاجِ الأرْضِ بِالماءِ وهو الطِّينُ اللّازِبُ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ كُلَّ الخَلْقِ مُتَوَلِّدُونَ مِنَ الطِّينِ اللّازِبِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الأجْزاءَ الَّتِي مِنها تَرَكَّبَ هَذا الطِّينُ اللّازِبُ قابِلَةٌ لِلْحَياةِ واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلَيْها، وهَذِهِ القابِلِيَّةُ والقادِرِيَّةُ واجِبَةُ البَقاءِ، فَوَجَبَ بَقاءُ هَذِهِ الصِّحَّةِ في كُلِّ الأوْقاتِ وهَذِهِ بَياناتٌ ظاهِرَةٌ واضِحَةٌ، وأمّا اللّازِبُ فَقِيلَ اللّاصِقُ، وقِيلَ اللَّزِجُ، وقِيلَ: الحَتِدُ، وأكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ عَلى أنَّ الباءَ في لازِبٍ بَدَلٌ مِنَ المِيمِ يُقالُ: لازِبٌ ولازِمٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences