Ar-RaziAs‑Saffat · 37:111–138

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:111–138

37:111–114Page 450

إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١١

Indeed, he was of Our believing servants.

وَبَشَّرۡنَٰهُ بِإِسۡحَٰقَ نَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١١٢

And We gave him good tidings of Isaac, a prophet from among the righteous.1

وَبَٰرَكۡنَا عَلَيۡهِ وَعَلَىٰٓ إِسۡحَٰقَۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحۡسِنٞ وَظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ مُبِينٞ ١١٣

And We blessed him and Isaac. But among their descendants is the doer of good and the clearly unjust to himself [i.e., sinner].

وَلَقَدۡ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ١١٤

And We did certainly confer favor upon Moses and Aaron.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ يُقالُ: سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ وأسْلَمَ واسْتَسْلَمَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ قُرِئَ بِهِنَّ جَمِيعًا إذا انْقادَ لَهُ وخَضَعَ، وأصْلُها مِن قَوْلِكَ سَلِمَ هَذا لِفُلانٍ إذا خَلَصَ لَهُ، ومَعْناهُ سَلِمَ مِن أنْ يُنازَعَ فِيهِ، وقَوْلُهم سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ وأسْلَمَ لَهُ مَنقُولانِ عَنْهُ بِالهَمْزَةِ، وحَقِيقَةُ مَعْناها أخْلَصَ نَفْسَهُ لِلَّهِ وجَعَلَها سالِمَةً لَهُ خالِصَةً، وكَذَلِكَ مَعْنى اسْتَسْلَمَ اسْتَخْلَصَ نَفْسَهُ لِلَّهِ، وعَنْ قَتادَةَ في أسْلَما أسْلَمَ هَذا ابْنَهُ وهَذا نَفْسَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أيْ صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ فَوَقَعَ أحَدُ جَبِينَيْهِ عَلى الأرْضِ؛ ولِلْوَجْهِ جَبِينانِ، والجَبْهَةُ بَيْنَهُما، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ التَّلِيلُ والمَتْلُولُ المَصْرُوعُ والمِتَلُّ الَّذِي يُتَلُّ بِهِ أيْ يُصْرَعُ، فالمَعْنى أنَّهُ صَرَعَهُ عَلى جَبِينِهِ، وقالَ مُقاتِلٌ كَبَّهُ عَلى جَبْهَتِهِ، وهَذا خَطَأٌ لِأنَّ الجَبِينَ غَيْرُ الجَبْهَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذا جَوابُ فَلَمّا عِنْدَ الكُوفِيِّينَ والفَرّاءِ والواوُ زائِدَةٌ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، والجَوابُ مُقَدَّرٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ وناداهُ اللَّهُ أنْ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا، سَعِدَ سَعادَةً عَظِيمَةً وآتاهُ اللَّهُ نُبُوَّةَ ولَدِهِ وأجْزَلَ لَهُ الثَّوابَ، قالُوا: وحَذْفُ الجَوابِ لَيْسَ بِغَرِيبٍ في القُرْآنِ، والفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ إذا كانَ مَحْذُوفًا كانَ أعْظَمَ وأفْخَمَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا أضْجَعَهُ لِلذَّبْحِ نُودِيَ مِنَ الجَبَلِ: ﴿ياإبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ قالَ المُحَقِّقُونَ: السَّبَبُ في هَذا التَّكْلِيفِ كَمالُ طاعَةِ إبْراهِيمَ لِتَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا كَلَّفَهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا التَّكْلِيفِ الشّاقِّ الشَّدِيدِ، وظَهَرَ مِنهُ كَمالُ الطّاعَةِ، وظَهَرَ مِن ولَدِهِ كَمالُ الطّاعَةِ والِانْقِيادِ، لا جَرَمَ قالَ: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ يَعْنِي حَصَلَ المَقْصُودُ مِن تِلْكَ الرُّؤْيا.

وقَوْلُهُ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ابْتِداءُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ يَتَّصِلُ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ، والمَعْنى أنَّ إبْراهِيمَ ووَلَدَهُ كانا مُحْسِنَيْنِ في هَذِهِ الطّاعَةِ، فَكَما جَزَيْنا هَذَيْنِ المُحْسِنَيْنِ فَكَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ المُحْسِنِينَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ أيِ الِاخْتِبارُ البَيِّنُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ المُخْلِصُونَ مِن غَيْرِهِمْ، أوِ المِحْنَةُ البَيِّنَةُ الصُّعُوبَةِ الَّتِي لا مِحْنَةَ أصْعَبُ مِنها ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ الذَّبْحُ مَصْدَرُ ذَبَحْتُ والذِّبْحُ أيْضًا ما

صفحة ١٣٨

يُذْبَحُ وهو المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهَهُنا مَباحِثُ تَتَعَلَّقُ بِالحِكاياتِ:

فالأوَّلُ: حُكِيَ في قِصَّةِ الذَّبِيحِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أرادَ ذَبْحَهُ قالَ: يا بُنَيَّ خُذِ الحَبْلَ والمُدْيَةَ وانْطَلِقْ بِنا إلى الشِّعْبِ نَحْتَطِبُ، فَلَمّا تَوَسَّطا شِعْبَ ثَبِيرٍ أخْبَرَهُ بِما أُمِرَ بِهِ، فَقالَ: يا أبَتِ اشْدُدْ رِباطِي فِيَّ كَيْلا أضْطَرِبَ، واكْفُفْ عَنِّي ثِيابَكَ لا يَنْتَضِحَ عَلَيْها شَيْءٌ مِن دَمِي فَتَراهُ أُمِّي فَتَحْزَنَ، واسْتَحِدَّ شَفْرَتَكَ وأسْرِعْ إمْرارَها عَلى حَلْقِي لِيَكُونَ أهْوَنَ فَإنَّ المَوْتَ شَدِيدٌ، واقْرَأْ عَلى أُمِّي سَلامِي وإنْ رَأيْتَ أنْ تَرُدَّ قَمِيصِي عَلى أُمِّي فافْعَلْ فَإنَّهُ عَسى أنْ يَكُونَ أسْهَلَ لَها، فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: نِعْمَ العَوْنُ أنْتَ يا بُنَيَّ عَلى أمْرِ اللَّهِ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِ يُقَبِّلُهُ وقَدْ رَبَطَهُ وهُما يَبْكِيانِ، ثُمَّ وضَعَ السِّكِّينَ عَلى حَلْقِهِ فَقالَ: كُبَّنِي عَلى وجْهِي فَإنَّكَ إذا نَظَرْتَ وجْهِيَ رَحِمْتَنِي وأدْرَكَتْكَ رِقَّةٌ، وقَدْ تَحُولُ بَيْنَكَ وبَيْنَ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَفَعَلَ ثُمَّ وضَعَ السِّكِّينَ عَلى قَفاهُ فانْقَلَبَتِ السِّكِّينُ ونُودِيَ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا.

البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الكَبْشِ فَقِيلَ: إنَّهُ الكَبْشُ الَّذِي تَقَرَّبَ بِهِ هابِيلُ بْنُ آدَمَ إلى اللَّهِ تَعالى فَقَبِلَهُ، وكانَ في الجَنَّةِ يَرْعى حَتّى فَدى اللَّهُ تَعالى بِهِ إسْماعِيلَ، وقالَ آخَرُونَ: أرْسَلَ اللَّهُ كَبْشًا مِنَ الجَنَّةِ قَدْ رَعى أرْبَعِينَ خَرِيفًا، وقالَ السُّدِّيُّ: نُودِيَ إبْراهِيمُ فالتَفَتَ فَإذا هو بِكَبْشٍ أمْلَحَ انْحَطَّ مِنَ الجَبَلِ، فَقامَ عَنْهُ إبْراهِيمُ فَأخَذَهُ فَذَبَحَهُ، وخَلّى عَنِ ابْنِهِ، ثُمَّ اعْتَنَقَ ابْنَهُ وقالَ: يا بُنَيَّ اليَوْمَ وُهِبْتَ لِي، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿عَظِيمٍ﴾ فَقِيلَ سُمِّيَ عَظِيمًا لِعِظَمِهِ وسِمَنِهِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: حَقَّ لَهُ أنْ يَكُونَ عَظِيمًا وقَدْ رَعى في الجَنَّةِ أرْبَعِينَ خَرِيفًا، وقِيلَ سُمِّيَ عَظِيمًا لِعِظَمِ قَدْرِهِ حَيْثُ قَبِلَهُ اللَّهُ تَعالى فِداءً عَنْ ولَدِ إبْراهِيمَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ عائِدٌ إلى إبْراهِيمَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿نَبِيًّا﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ أيْ بَشَّرْناهُ بِوُجُودِ إسْحاقَ مُقَدَّرَةٌ نُبُوَّتُهُ، ولِمَن يَقُولُ إنَّ الذَّبِيحَ هو إسْماعِيلُ أنْ يَحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿نَبِيًّا﴾ حالٌ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ حالَ كَوْنِ إسْحاقَ نَبِيًّا؛ لِأنَّ البِشارَةَ بِهِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى صَيْرُورَتِهِ نَبِيًّا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المَعْنى وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ حالَ ما قَدَّرْناهُ نَبِيًّا، وحالَ ما حَكَمْنا عَلَيْهِ فَصَبَرَ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ كانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ بِشارَةً بِوُجُودِ إسْحاقَ حاصِلَةً بَعْدَ قِصَّةِ الذَّبِيحِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ غَيْرَ إسْحاقَ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ هَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ مُتَأخِّرَةً في التِّلاوَةِ عَنْ قِصَّةِ الذَّبِيحِ، إلّا أنَّها كانَتْ مُتَقَدِّمَةً عَلَيْها في الوُقُوعِ والوُجُودِ، إلّا أنّا نَقُولُ: الأصْلُ رِعايَةُ التَّرْتِيبِ وعَدَمُ التَّغْيِيرِ في النَّظْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ البَرَكَةِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أخْرَجَ جَمِيعَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن صُلْبِ إسْحاقَ.

والثّانِي: أنَّهُ أبْقى الثَّناءَ الحَسَنَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْحاقَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لِأنَّ البَرَكَةَ عِبارَةٌ عَنِ الدَّوامِ والثَّباتِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَثْرَةِ فَضائِلِ الأبِ فَضِيلَةُ الِابْنِ، لِئَلّا تَصِيرَ هَذِهِ الشُّبْهَةُ سَبَبًا لِمُفاخَرَةِاليَهُودِ، ودَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿مُحْسِنٌ﴾ الأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ، وتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ظالِمٌ﴾ الكافِرُ والفاسِقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

37:115–122Page 450

وَنَجَّيۡنَٰهُمَا وَقَوۡمَهُمَا مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ ١١٥

And We saved them and their people from the great affliction,

وَنَصَرۡنَٰهُمۡ فَكَانُواْ هُمُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ١١٦

And We supported them so it was they who overcame.

وَءَاتَيۡنَٰهُمَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلۡمُسۡتَبِينَ ١١٧

And We gave them the explicit Scripture [i.e., the Torah],

وَهَدَيۡنَٰهُمَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ١١٨

And We guided them on the straight path.

وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِمَا فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١١٩

And We left for them [favorable mention] among later generations:

سَلَٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ١٢٠

"Peace upon Moses and Aaron."

إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٢١

Indeed, We thus reward the doers of good.

إِنَّهُمَا مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٢٢

Indeed, they were of Our believing servants.

قِصَّةُ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةَ الثّالِثَةَ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واعْلَمْ أنَّ وُجُوهَ الإنْعامِ وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً إلّا أنَّها مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: إيصالُ المَنافِعِ إلَيْهِ، ودَفْعُ المَضارِّ عَنْهُ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ القِسْمَيْنِ هَهُنا، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ إشارَةٌ إلى إيصالِ المَنافِعِ إلَيْهِما، وقَوْلُهُ: ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ إشارَةٌ إلى دَفْعِ المَضارِّ عَنْهُما.

أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو إيصالُ المَنافِعِ، فَلا شَكَّ أنَّ المَنافِعَ عَلى قِسْمَيْنِ: مَنافِعُ الدُّنْيا ومَنافِعُ الدِّينِ، أمّا مَنافِعُ الدُّنْيا فالوُجُودُ والحَياةُ والعَقْلُ والتَّرْبِيَةُ والصِّحَّةُ وتَحْصِيلُ صِفاتِ الكَمالِ في ذاتِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وأمّا مَنافِعُ الدِّينِ فالعِلْمُ والطّاعَةُ، وأعْلى هَذِهِ الدَّرَجاتِ النُّبُوَّةُ الرَّفِيعَةُ المَقْرُونَةُ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ القاهِرَةِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ التَّفاصِيلَ في سائِرِ السُّوَرِ، لا جَرَمَ اكْتَفى هَهُنا بِهَذا الرَّمْزِ.

وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو دَفْعُ الضَّرَرِ فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: قِيلَ إنَّهُ الغَرَقُ، أغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، ونَجّى اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى نَجّاهم مِن إيذاءِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ كانَ يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ مَنَّ عَلى مُوسى وهارُونَ، فَصَّلَ أقْسامَ تِلْكَ المِنَّةِ. والهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾ أيْ نَصَرْنا مُوسى وهارُونَ وقَوْمَهُما: ﴿فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ في كُلِّ الأحْوالِ بِظُهُورِ الحُجَّةِ وفي آخِرِ الأمْرِ بِالدَّوْلَةِ والرِّفْعَةِ.

وثانِيهِما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّوْراةُ، وهو الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ العُلُومِ الَّتِي يُحْتاجُ إلَيْها في مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا، كَما قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ (المائِدَةِ: ٤٤) .

وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيْ دَلَلْناهُما عَلى طَرِيقِ الحَقِّ عَقَلًا وسَمْعًا، وأمْدَدْناهُما بِالتَّوْفِيقِ العِصْمَةَ، وتَشْبِيهُ الدَّلائِلِ الحَقَّةِ بِالطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ واضِحٌ.

ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، قَوْلُهم: ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ .

والثّانِي: أنَّ المُرادَ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ وهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الثَّناءُ الحَسَنُ والذِّكْرُ الجَمِيلُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ هو كَلامُ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأقْسامَ الأرْبَعَةَ مِن أبْوابِ التَّعْظِيمِ والتَّفْضِيلِ قالَ: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ

صفحة ١٤٠

الفَضِيلَةَ الحاصِلَةَ بِسَبَبِ الإيمانِ أشْرَفُ وأعْلى وأكْمَلُ مِن كُلِّ الفَضائِلِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما حَسُنَ خَتْمُ فَضائِلِ مُوسى وهارُونَ بِكَوْنِهِما مِنَ المُؤْمِنِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

37:123–132Page 450

وَإِنَّ إِلۡيَاسَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٢٣

And indeed, Elias was from among the messengers,

إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَلَا تَتَّقُونَ ١٢٤

When he said to his people, "Will you not fear Allāh?

أَتَدۡعُونَ بَعۡلٗا وَتَذَرُونَ أَحۡسَنَ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٢٥

Do you call upon Baʿl1 and leave the best of creators -

ٱللَّهَ رَبَّكُمۡ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٢٦

Allāh, your Lord and the Lord of your first forefathers?"

فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمۡ لَمُحۡضَرُونَ ١٢٧

And they denied him, so indeed, they will be brought [for punishment],

إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ١٢٨

Except the chosen servants of Allāh.

وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١٢٩

And We left for him [favorable mention] among later generations:

سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِلۡ يَاسِينَ ١٣٠

"Peace upon Elias."1

إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣١

Indeed, We thus reward the doers of good.

إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٣٢

Indeed, he was of Our believing servants.

قِصَّةُ إلْياسَ عَلَيْهِ السَّلامُ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ الرّابِعَةَ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ”وإنَّ الياسَ“ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ عَلى وصْلِ الألِفِ، والباقُونَ بِالهَمْزَةِ وقَطْعِ الألِفِ، قالَ أبُو بَكْرِ بْنِ مِهْرانَ: مَن ذَكَرَ عِنْدَ الوَصْلِ الألِفَ فَقَدْ أخْطَأ، وكانَ أهْلُ الشّامِ يُنْكِرُونَهُ ولا يَعْرِفُونَهُ، قالَ الواحِدِيُّ ولَهُ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ حَذَفَ الهَمْزَةَ مِن إلْياسَ حَذْفًا، كَما حَذَفَها ابْنُ كَثِيرٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ (المُدَّثِّرِ: ٣٥) وكَقَوْلِ الشّاعِرِ:

ويْلُمِّها في هَواءِ الجَوِّ طالِبَةً

والآخَرُ أنَّهُ جَعَلَ الهَمْزَةَ الَّتِي تَصْحَبُ اللّامَ لِلتَّعْرِيفِ كَقَوْلِهِ: ﴿واليَسَعَ﴾ [الأنْعامِ: ٨٦] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في إلْياسَ قَوْلانِ: يُرْوى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ ”وإنَّ إدْرِيسَ“، وقالَ إنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وأمّا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ فَهم مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّهُ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ وهو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ أيْ ألا تَخافُونَ اللَّهَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ألا تَخافُونَ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا خَوَّفَهم أوَّلًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ ذَكَرَ ما هو السَّبَبُ لِذَلِكَ الخَوْفِ فَقالَ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ وفِيهِ أبْحاثُ:

الأوَّلُ: في ”بَعْلٍ“ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ لِصَنَمٍ كانَ لَهم كَمَناةَ وهُبَلَ، وقِيلَ كانَ مِن ذَهَبٍ، وكانَ طُولُهُ عِشْرِينَ ذِراعًا ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، وفُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ، حَتّى عَيَّنُوا لَهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، وكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلٍ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ وهم أهْلُ بَعْلَبَكَّ

صفحة ١٤١

مِن بِلادِ الشَّأْمِ، وبِهِ سُمِّيَتْ مَدِينَتُهم بَعْلَبَكَّ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهم بَعْلٌ اسْمٌ لِصَنَمٍ مِن أصْنامِهِمْ لا بَأْسَ بِهِ، وأمّا قَوْلُهم إنَّ الشَّيْطانَ كانَ يَدْخُلُ في جَوْفِ بَعْلَبَكَّ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ. فَهَذا مُشْكِلٌ لِأنّا إنْ جَوَّزْنا هَذا كانَ ذَلِكَ قادِحًا في كَثِيرٍ مِنَ المُعْجِزاتِ، لِأنَّهُ نُقِلَ في مُعْجِزاتِ النَّبِيِّ ﷺ كَلامُ الذِّئْبِ مَعَهُ وكَلامُ الجَمَلِ مَعَهُ وحَنِينُ الجِذْعِ، ولَوْ جَوَّزْنا أنْ يَدْخُلَ الشَّيْطانُ في جَوْفِ جِسْمٍ ويَتَكَلَّمُ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا الِاحْتِمالُ قائِمًا في الذِّئْبِ والجَمَلِ والجِذْعِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِ هَذِهِ الأشْياءِ مُعْجِزاتٍ.

القَوْلُ الثّانِي: إنَّ البَعْلَ هو الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ، يُقالُ مَن بَعْلُ هَذِهِ الدّارِ، أيْ مَن رَبُّها، وسُمِّيَ الزَّوْجُ بَعْلًا لِهَذا المَعْنى، قالَ تَعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٢٨) وقالَ تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (هُودٍ: ٧٢) فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ المَعْنى: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ وتَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ.

البَحْثُ الثّانِي: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ العَبْدِ خالِقًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ، فَقالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ اللَّهِ خالِقًا لَما جازَ وصْفُ اللَّهِ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، والكَلامُ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٤) .

البَحْثُ الثّالِثُ: كانَ المُلَقَّبُ بِالرَّشِيدِ الكاتِبِ يَقُولُ: لَوْ قِيلَ: أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَدَعُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ. أوْهَمَ أنَّهُ أحْسَنُ، لِأنَّهُ كانَ قَدْ تَحْصُلُ فِيهِ رِعايَةُ مَعْنى التَّحْسِينِ. وجَوابُهُ: أنَّ فَصاحَةَ، القُرْآنِ لَيْسَتْ لِأجْلِ رِعايَةِ هَذِهِ التَّكالِيفِ، بَلْ لِأجْلِ قُوَّةِ المَعانِي وجَزالَةِ الألْفاظِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا عابَهم عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ صَرَّحَ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشُّرَكاءِ، فَقالَ: ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

الأوَّلُ: أنّا ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ حُدُوثَ الأشْخاصِ البَشَرِيَّةِ كَيْفَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ، وكَيْفَ يَدُلُّ عَلى وحْدَتِهِ وبَراءَتِهِ عَنِ الأضْدادِ والأنْدادِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.

البَحْثُ الثّانِي: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ﴾ كُلُّها بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والأوَّلُ اخْتِيارُ أبِي حاتِمٍ وأبِي عُبَيْدٍ، ونَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّ حَمْزَةَ إذا وصَلَ نَصَبَ، وإذا وقَفَ رَفَعَ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَّرَ مَعَ قَوْمِهِ التَّوْحِيدَ قالَ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ لَمُحْضَرُونَ النّارَ غَدًا، وقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ (الصّافّاتِ: ٥٧) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْمَهُ ما كَذَّبُوهُ بِكُلِّيَّتِهِمْ، بَلْ كانَ فِيهِمْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ التَّوْحِيدِ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ أتَوْا بِالتَّوْحِيدِ الخالِصِ فَإنَّهم لا يَحْضُرُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ ”آلِ ياسِينَ“ عَلى إضافَةِ لَفْظِ آلٍ إلى لَفْظِ ياسِينَ، والباقُونَ بِكَسْرِ الألِفِ وجَزْمِ اللّامِ مَوْصُولَةً بِياسِينَ:

أمّا القِراءَةُ الأُولى فَفِيها وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: وهو الأقْرَبُ: أنّا ذَكَرْنا أنَّهُ إلْياسُ بْنُ ياسِينَ فَكانَ إلْياسُ آلَ ياسِينَ.

الثّانِي: آلُ ياسِينَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ .

والثّالِثُ: أنَّ ياسِينَ اسْمُ القُرْآنِ، كَأنَّهُ قِيلَ سَلامُ اللَّهِ عَلى مَن آمَنَ بِكِتابِ اللَّهِ الَّذِي هو ياسِينُ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ لِأنَّهُ ألْيَقُ بِسِياقِ الكَلامِ.

وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ فَفِيها وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: مِيكالُ ومِيكائِيلُ ومِيكالِينُ، فَكَذا هَهُنا إلْياسُ وإلْياسِينُ.

والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ هو جَمْعٌ وأرادَ بِهِ إلْياسَ وأتْباعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِهِمُ المُهَلَّبُونَ والسَّعْدُونَ قالَ:

أنا ابْنُ سَعْدٍ أكْرَمُ السَّعْدِينا

صفحة ١٤٢

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

37:133–138Page 451

وَإِنَّ لُوطٗا لَّمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٣٣

And indeed, Lot was among the messengers.

إِذۡ نَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ أَجۡمَعِينَ ١٣٤

[So mention] when We saved him and his family, all,

إِلَّا عَجُوزٗا فِي ٱلۡغَٰبِرِينَ ١٣٥

Except an old woman [i.e., his wife] among those who remained [with the evildoers].

ثُمَّ دَمَّرۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ ١٣٦

Then We destroyed the others.

وَإِنَّكُمۡ لَتَمُرُّونَ عَلَيۡهِم مُّصۡبِحِينَ ١٣٧

And indeed, you pass by them in the morning

وَبِٱلَّيۡلِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٣٨

And at night. Then will you not use reason?

قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾

هَذا هو القِصَّةُ الخامِسَةُ، وإنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ لِيَعْتَبِرَ بِها مُشْرِكُو العَرَبِ، فَإنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ هَلَكُوا، والَّذِينَ آمَنُوا نَجَوْا، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ القِصَّةِ، وقَدْ نَبَّهَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وبِاللَّيْلِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا يُسافِرُونَ إلى الشّامِ، والمُسافِرُ في أكْثَرِ الأمْرِ إنَّما يَمْشِي في اللَّيْلِ وفي أوَّلِ النَّهارِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَيَّنَ تَعالى هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ يَعْنِي: ألَيْسَ فِيكم عُقُولٌ تَعْتَبِرُونَ بِها، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском