Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:164–182
37:164–172Page 452
وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٞ مَّعۡلُومٞ ١٦٤
[The angels say],1 "There is not among us any except that he has a known position.2
وَإِنَّا لَنَحۡنُ ٱلصَّآفُّونَ ١٦٥
And indeed, we are those who line up [for prayer].
وَإِنَّا لَنَحۡنُ ٱلۡمُسَبِّحُونَ ١٦٦
And indeed, we are those who exalt Allāh."
وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ ١٦٧
And indeed, they [i.e., the disbelievers] used to say,1
لَوۡ أَنَّ عِندَنَا ذِكۡرٗا مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٦٨
"If we had a message from [those of] the former peoples,
لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ١٦٩
We would have been the chosen servants of Allāh."
فَكَفَرُواْ بِهِۦۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ١٧٠
But they disbelieved in it,1 so they are going to know.
وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٧١
And Our word [i.e., decree] has already preceded for Our servants, the messengers,
إِنَّهُمۡ لَهُمُ ٱلۡمَنصُورُونَ ١٧٢
[That] indeed, they would be those given victory
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى فَسادِ مَذْهَبِ الكُفّارِ أتْبَعَهُ بِما نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا يَقْدِرُونَ عَلى حَمْلِ أحَدٍ عَلى الضَّلالِ إلّا إذا كانَ قَدْ سَبَقَ حُكْمُ اللَّهِ في حَقِّهِ بِالعَذابِ والوُقُوعِ في النّارِ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في ﴿عَلَيْهِ﴾ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعْناهُ فَإنَّكم ومَعْبُودِيكم ما أنْتُمْ وهم جَمِيعًا بِفاتِنِينَ عَلى اللَّهِ إلّا أصْحابَ النّارِ الَّذِينَ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ كَوْنُهم مِن أهْلِ النّارِ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَفْتِنُونَهم عَلى اللَّهِ ؟ قُلْنا يَفْتِنُونَهم عَلَيْهِ بِإغْوائِهِمْ مِن قَوْلِكَ فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ كَما تَقُولُ أفْسَدَها عَلَيْهِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ الواوُ في قَوْلِهِ:
صفحة ١٤٨
﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى ”مَعَ“ كَما في قَوْلِهِمْ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتَهُ، فَكَما جازَ السُّكُوتُ عَلى ”كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ“، فَكَذَلِكَ جازَ أنْ يُسْكَتَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ، لِأنَّ مَعْناهُ فَإنَّكم مَعَ ما تَعْبُدُونَ، والمَعْنى فَإنَّكم مَعَ آلِهَتِكم أيْ فَإنَّكم قُرَناؤُهم وأصْحابُهم لا تَتْرُكُونَ عِبادَتَها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى ما تَعْبُدُونَ ﴿بِفاتِنِينَ﴾ بِباعِثِينَ أوْ حامِلِينَ عَلى طَرِيقِ الفِتْنَةِ والإضْلالِ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ مِثْلُكم. وقَرَأ الحَسَنُ ”صالُ الجَحِيمِ“ بِضَمِّ اللّامِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وسُقُوطُ واوِهِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ الجَمْعُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مَن هُوَ﴾ قُلْنا (مَن) مُوَحَّدُ اللَّفْظِ مَجْمُوعُ المَعْنى، فَحُمِلَ هو عَلى لَفْظِهِ والصّالُونَ عَلى مَعْناهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِإغْواءِ الشَّيْطانِ ووَسْوَسَتِهِ، وإنَّما المُؤَثِّرُ قَضاءُ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيرُهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِقَوْلِهِمْ ولا تَأْثِيرَ لِأحْوالِ مَعْبُودِيهِمْ في وُقُوعِ الفِتْنَةِ والضَّلالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ يَعْنِي إلّا مَن كانَ كَذَلِكَ في حُكْمِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ المُقْتَضِيَ لِوُقُوعِ هَذِهِ الحَوادِثِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى، وكانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ، قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّ الَّذِينَ عَبَدُوا المَلائِكَةَ يَزْعُمُونَ أنَّهم بَناتُ اللَّهِ لا يُكَفِّرُونَ أحَدًا إلّا مَن ثَبَتَ في مَعْلُومِ اللَّهِ أنَّهُ سَيَكَفُرُ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ مَن ضَلَّ بِدُعاءِ الشَّيْطانِ لَمْ يَكُنْ لِيُؤْمِنَ بِاللَّهِ لَوْ مَنَعَ اللَّهُ الشَّيْطانَ مِن دُعائِهِ، وإلّا كانَ يَمْنَعُ الشَّيْطانَ، فَصَحَّ بِهَذا أنَّ كُلَّ مَن يَعْصِي لَمْ يَكُنْ لِيَصْلُحَ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ. والجَوابُ: حاصِلُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِإغْواءِ شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ. وهَذا لا نِزاعَ فِيهِ إلّا أنَّ وجْهَ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِكَلامِهِمْ في وُقُوعِ الفِتْنَةِ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن وُقُوعِ الفِتْنَةِ هو كَوْنُهُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأنَّهُ ”صالِ الجَحِيمِ“، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ حُكْمَ اللَّهِ بِالسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ هو الَّذِي يُؤَثِّرُ في حُصُولِ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ. واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا قَرَّرُوا هَذِهِ الحُجَّةَ بِالحَدِيثِ المَشْهُورِ وهو أنَّهُ «حَجَّ آدَمُ مُوسى»، قالَ القاضِي: هَذا الحَدِيثُ لَمْ يَقْبَلْهُ عُلَماءُ التَّوْحِيدِ، لِأنَّهُ يُوجِبُ أنْ لا يُلامَ أحَدٌ عَلى شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ، لِأنَّهُ إنْ كانَ آدَمُ لا يُجَوِّزُ لِمُوسى أنْ يَلُومَهُ عَلى عَمَلٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ، فَكَذَلِكَ كَلُّ مُذْنِبٍ. فَإنْ صَحَّتْ هَذِهِ الحُجَّةُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِماذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الوَكْزَةِ ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ؟ ولِماذا قالَ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ؟ ولِماذا لامَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهَ عَلى أمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ؟ ومِن عَجِيبِ أمْرِهِمْ أنَّهم يُكَفِّرُونَ القَدَرِيَّةَ، وهَذا الحَدِيثُ يُوجِبُ أنَّ آدَمَ كانَ قَدَرِيًّا، فَلَزِمَهم أنْ يُكَفِّرُوهُ، وكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ قَوْلِ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٣] أنْ يَحْتَجَّ عَلى مُوسى بِأنَّهُ لا لَوْمَ عَلَيْهِ، وقَدْ كُتِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ ؟ هَذا جُمْلَةُ كَلامِ القاضِي، فَيُقالُ لَهُ: هَبْ أنَّكَ لا تَقْبَلُ ذَلِكَ الخَبَرَ، فَهَلْ تَرُدُّ هَذِهِ الآيَةَ أمْ لا، فَإنّا بَيَّنّا أنَّ صَرِيحَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِلْوَساوِسِ في هَذا البابِ، فَإنَّ الكُلَّ يَحْصُلُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ.
الأوَّلُ: أنَّ الكافِرَ إنْ ضَلَّ بِسَبَبِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ فَضَلالُ الشَّيْطانِ إنْ كانَ بِسَبَبِ شَيْطانٍ آخَرَ لَزِمَ تَسَلْسُلُ الشَّياطِينِ وهو مُحالٌ، وإنِ انْتَهى إلى ضَلالٍ لَمْ يَحْصُلْ بِسَبَبِ وسْوَسَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ فَهو المَطْلُوبُ.
الثّانِي: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُرِيدُ أنْ يَحْصُلَ لِنَفْسِهِ الِاعْتِقادُ الحَقُّ والدِّينُ الصِّدْقُ، فَحُصُولُ ضِدِّهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنهُ.
الثّالِثُ: أنَّ الأفْعالَ مَوْقُوفَةٌ عَلى الدَّواعِي، وحُصُولُ الدَّواعِي بِخَلْقِ اللَّهِ، فَيَكُونُ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا اقْتَضَتْ
صفحة ١٤٩
حِكْمَتُهُ شَيْئًا، وعُلِمَ وُقُوعُهُ، فَلَوْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ الشَّيْءُ لَزِمَ انْقِلابُ ذَلِكَ الحُكْمِ كَذِبًا وانْقِلابُ ذَلِكَ العِلْمِ جَهْلًا وهو مُحالٌ، وأمّا الآياتُ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها القاضِي فَهي مُعارَضَةٌ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ، والقُرْآنُ كالبَحْرِ المَمْلُوءِ مِن هَذِهِ الآياتِ، فَتَبْقى الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ الَّتِي ذَكَرْناها سَلِيمَةً، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، وصَفُوا أنْفُسَهم بِالمُبالَغَةِ في العُبُودِيَّةِ، فَإنَّهم يَصْطَفُّونَ لِلصَّلاةِ والتَّسْبِيحِ، والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّهم أوْلادُ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ مُبالَغَتَهم في العُبُودِيَّةِ تَدُلُّ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ مِن صِفاتِ المَلائِكَةِ:
فَأوَّلُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مَرْتَبَةً لا يَتَجاوَزُها ودَرَجَةً لا يَتَعَدّى عَنْها، وتِلْكَ الدَّرَجاتُ إشارَةٌ إلى دَرَجاتِهِمْ في التَّصَرُّفِ في أجْسامِ هَذا العالَمِ وإلى دَرَجاتِهِمْ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، أمّا دَرَجاتُهم في التَّصَرُّفاتِ والأفْعالِ فَهي قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ والمُرادُ كَوْنُهم صافِّينَ في أداءِ الطّاعاتِ ومَنازِلِ الخِدْمَةِ والعُبُودِيَّةِ، وأمّا دَرَجاتُهم في المَعارِفِ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ والتَّسْبِيحُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ ومَعْناهُ أنَّهم هُمُ الصّافُّونَ في مَواقِفِ العُبُودِيَّةِ لا غَيْرُهم، وأنَّهم هُمُ المُسَبِّحُونَ لا غَيْرُهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ طاعاتِ البَشَرِ ومَعارِفَهم بِالنِّسْبَةِ إلى طاعاتِ المَلائِكَةِ وإلى مَعارِفِهِمْ كالعَدَمِ، حَتّى يَصِحَّ هَذا الحَصْرُ. وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الألْفاظُ الثَّلاثَةُ تَدُلُّ عَلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ مِن صِفاتِ المَلائِكَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذا الحَصْرِ أنْ يُقالَ البَشَرُ تَقْرُبُ دَرَجَتُهُ مِنَ المَلَكِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُقالَ هَلْ هو أفْضَلُ مِنهُ أمْ لا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وغَيْرَهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا﴾ أيْ: كِتابًا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لِلَّهِ، ولَما كَذَّبْنا كَما كَذَّبُوا. ثُمَّ جاءَهُمُ الذِّكْرُ الَّذِي هو سَيِّدُ الأذْكارِ والكِتابُ المُهَيْمِنُ عَلى كُلِّ الكُتُبِ، وهو القُرْآنُ فَكَفَرُوا بِهِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ [فاطِرٍ: ٤٢] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقِبَةَ هَذا الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.
37:173–182Page 452
وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ١٧٣
And [that] indeed, Our soldiers [i.e., the believers] will be those who overcome.1
فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ حِينٖ ١٧٤
So, [O Muḥammad], leave them for a time.
وَأَبۡصِرۡهُمۡ فَسَوۡفَ يُبۡصِرُونَ ١٧٥
And see [what will befall] them, for they are going to see.
أَفَبِعَذَابِنَا يَسۡتَعۡجِلُونَ ١٧٦
Then for Our punishment are they impatient?
فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمۡ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلۡمُنذَرِينَ ١٧٧
But when it descends in their territory, then evil is the morning of those who were warned.
وَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ حِينٖ ١٧٨
And leave them for a time.
وَأَبۡصِرۡ فَسَوۡفَ يُبۡصِرُونَ ١٧٩
And see, for they are going to see.
سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ١٨٠
Exalted is your Lord, the Lord of might, above what they describe.
وَسَلَٰمٌ عَلَى ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٨١
And peace upon the messengers.
وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٨٢
And praise to Allāh, Lord of the worlds.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
صفحة ١٥٠
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ الكُفّارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ، أرْدَفَهُ بِما يُقَوِّي قَلْبَ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ وعْدَهُ بِنُصْرَتِهِ قَدْ تَقَدَّمَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾، وأيْضًا أنَّ الخَيْرَ مَقْضِيٌّ بِالذّاتِ والشَّرَّ مَقْضِيٌّ بِالعَرَضِ، وما بِالذّاتِ أقْوى مِمّا بِالعَرَضِ، وأمّا النُّصْرَةُ والغَلَبَةُ فَقَدْ تَكُونُ بِقُوَّةِ الحُجَّةِ، وقَدْ تَكُونُ بِالدُّولَةِ والِاسْتِيلاءِ، وقَدْ تَكُونُ بِالدَّوامِ والثَّباتِ، فالمُؤْمِنُ وإنْ صارَ مَغْلُوبًا في بَعْضِ الأوْقاتِ بِسَبَبِ ضَعْفِ أحْوالِ الدُّنْيا فَهو الغالِبُ، ولا يَلْزَمُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُقالَ: فَقَدْ قُتِلَ بَعْضُ الأنْبِياءِ وقَدْ هُزِمَ كَثِيرٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ قالَ تَعالى لِرَسُولِهِ وقَدْ أخْبَرَهُ بِما تَقَدَّمَ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ والمُرادُ تَرْكُ مُقاتَلَتِهِمْ والثِّقَةُ بِما وعَدْناهم إلى حِينِ يَتَمَتَّعُونَ، ثُمَّ تَحُلُّ بِهِمُ الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقِيلَ: المُرادُ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ إلى فَتْحِ مَكَّةَ، وقِيلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ والمَعْنى فَأبْصِرْهم وما يُقْضى عَلَيْهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، فَسَوْفَ يُبْصِرُونَكَ مَعَ ما قُدِّرَ لَكَ مِنَ النُّصْرَةِ والتَّأْيِيدِ في الدُّنْيا والثَّوابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ المُشاهَدِ بِأبْصارِهِمْ عَلى الحالِ المُنْتَظَرَةِ المَوْعُودَةِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّها كائِنَةٌ واقِعَةٌ لا مَحالَةَ، وأنَّ كَيْنُونَتَها قَرِيبَةٌ كَأنَّها قُدّامُ ناظِرَيْكَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُهَدِّدُهم بِالعَذابِ، وما رَأوْا شَيْئًا فَكانُوا يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ ذَلِكَ العَذابِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِعْجالَ جَهْلٌ، لِأنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وقْتًا مُعَيَّنًا لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، فَكانَ طَلَبُ حُدُوثِهِ قَبْلَ مَجِيءِ ذَلِكَ الوَقْتِ جَهْلًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: في صِفَةِ العَذابِ الَّذِي يَسْتَعْجِلُونَهُ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ أيْ هَذا العَذابُ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ وإنَّما وقَعَ هَذا التَّعْبِيرُ عَنْ هَذِهِ المَعانِي كَأنَّهم كانُوا يُقْدِمُونَ عَلى العادَةِ في وقْتِ الصَّباحِ، فَجُعِلَ ذِكْرُ ذَلِكَ الوَقْتِ كِنايَةً عَنْ ذَلِكَ العَمَلِ، ثُمَّ أعادَ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ فَقِيلَ المُرادُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ فِيما تَقَدَّمَ أحْوالُ الدُّنْيا، وفي هَذِهِ الكَلِمَةِ أحْوالُ القِيامَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالتَّكْرِيرُ زائِلٌ، وقِيلَ أنَّ المُرادَ مِنَ التَّكْرِيرِ المُبالَغَةُ في التَّهْدِيدِ والتَّهْوِيلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ السُّورَةَ بِخاتِمَةٍ شَرِيفَةٍ جامِعَةٍ لِكُلِّ المَطالِبِ العالِيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أهَمَّ المُهِمّاتِ لِلْعاقِلِ مَعْرِفَةُ أحْوالٍ ثَلاثَةٍ.
فَأوَّلُها: مَعْرِفَةُ إلَهِ العالَمِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، وأقْصى ما يُمْكِنُ عِرْفانُهُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى ثَلاثَةُ أنْواعٍ:
أحَدُهُما: تَنْزِيهُهُ وتَقْدِيسُهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ، وهو لَفْظَةُ سُبْحانَ.
وثانِيها: وصْفُهُ بِكُلِّ ما يَلِيقُ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ فَإنَّ الرُّبُوبِيَّةَ إشارَةٌ إلى التَّرْبِيَةِ، وهي دالَّةٌ عَلى كَمالِ الحِكْمَةِ، والرَّحْمَةُ والعِزَّةُ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ.
وثالِثُها: كَوْنُهُ مُنَزَّهًا في الإلَهِيَّةِ عَنِ الشَّرِيكِ والنَّظِيرِ، وقَوْلُهُ ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ القادِرُ عَلى جَمِيعِ الحَوادِثِ، لِأنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ ﴿العِزَّةِ﴾ تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ، وإذا كانَ الكُلُّ مُلْكًا لَهُ ومِلْكًا لَهُ لَمْ يَبْقَ لِغَيْرِهِ شَيْءٌ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ كَلِمَةٌ مُحْتَوِيَةٌ عَلى أقْصى الدَّرَجاتِ وأكْمَلِ النِّهاياتِ في مَعْرِفَةِ إلَهِ العالَمِ.
والمُهِمُّ الثّانِي مِن مُهِمّاتِ العاقِلِ: أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يُعامِلَ نَفْسَهُ ويُعامِلَ الخَلْقَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ ناقِصُونِ ولا بُدَّ لَهم مِن مُكَمِّلٍ يُكَمِّلُهم، ومُرْشِدٍ يُرْشِدُهم، وهادٍ يَهْدِيهِمْ، وما ذَلِكَ إلّا الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَدِيهَةُ الفِطْرَةِ شاهِدَةٌ بِأنَّهُ يَجِبُ عَلى النّاقِصِ الِاقْتِداءُ بِالكامِلِ، فَنَبَّهَ عَلى هَذا الحَرْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم في الكَمالِ اللّائِقِ بِالبَشَرِ فاقُوا
صفحة ١٥١
غَيْرَهم، ولا جَرَمَ يَجِبُ عَلى كُلِّ مَن سِواهُمُ الِاقْتِداءُ بِهِمْ.
والمُهِمُّ الثّالِثُ مِن مُهِمّاتِ العاقِلِ: أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ بَعْدَ المَوْتِ.
واعْلَمْ أنَّ مَعْرِفَةَ هَذِهِ الحالَةِ قَبْلَ المَوْتِ صَعْبَةٌ، فالِاعْتِمادُ فِيها عَلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ إلَهُ العالَمِ غَنِيٌّ رَحِيمٌ، والغَنِيُّ الرَّحِيمُ لا يُعَذِّبُ، فَنَبَّهَ عَلى هَذا الحَرْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ لا يَحْصُلُ إلّا بِالإنْعامِ العَظِيمِ، فَبَيَّنَ بِهَذا كَوْنَهُ مُنْعِمًا، وظاهِرُ كَوْنِهِ غَنِيًّا عَنِ العالَمِينَ، ومِن هَذا وصْفُهُ كانَ الغالِبُ مِنهُ هو الرَّحْمَةُ والفَضْلُ والكَرَمُ، فَكانَ هَذا الحَرْفُ مُنَبِّهًا عَلى سَلامَةِ الحالِ بَعْدَ المَوْتِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الخاتِمَةَ كالصَّدَفَةِ المُحْتَوِيَةِ عَلى دُرَرٍ أشْرَفَ مِن دَرارِي الكَواكِبِ، ونَسْألُ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى حُسْنَ الخاتِمَةِ والعافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences