Ar-RaziAs‑Saffat · 37:48–61

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:48–61

37:48–50Page 447

وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ عِينٞ ٤٨

And with them will be women limiting [their] glances,1 with large, [beautiful] eyes,

كَأَنَّهُنَّ بَيۡضٞ مَّكۡنُونٞ ٤٩

As if they were [delicate] eggs, well-protected.

فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٥٠

And they will approach one another, inquiring of each other.

صفحة ١١٩

﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ أحْوالَ المُتَكَبِّرِينَ عَنْ قَبُولِ التَّوْحِيدِ المُصِرِّينَ عَلى إنْكارِ النُّبُوَّةِ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ حالِ المُخْلَصِينَ في كَيْفِيَّةِ الثَّوابِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرْنا في فَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها مِنَ المُخْلَصِينَ قِراءَتَيْنِ فالفَتْحُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْلَصَهم بِلُطْفِهِ واصْطَفاهم بِفَضْلِهِ، والكَسْرُ هو أنَّهم أخْلَصُوا الطّاعَةَ لِلَّهِ تَعالى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ رِزْقَهم بِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّ أيَّ الصِّفاتِ مِنهُ هو المَعْلُومُ، فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتِ الأقْوالُ، فَقِيلَ: مَعْناهُ إنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ مَعْلُومُ الوَقْتِ، وهو مِقْدارُ غُدْوَةٍ وعَشِيَّةٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ لا بُكْرَةٌ ولا عَشِيَّةٌ، قالَ تَعالى: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ مَعْلُومُ الصِّفَةِ لِكَوْنِهِ مَخْصُوصًا بِخَصائِصِ خَلَقَها اللَّهُ فِيهِ مِن طِيبِ طَعْمٍ ورائِحَةٍ ولَذَّةٍ وحُسْنِ مَنظَرٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهم يَتَيَقَّنُونَ دَوامَهُ لا كَرِزْقِ الدُّنْيا الَّذِي لا يُعْلَمُ مَتى يَحْصُلُ ولا مَتى يَنْقَطِعُ، وقِيلَ: مَعْناهُ القَدْرُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِأعْمالِهِمْ مِن ثَوابِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ عَلَيْهِمْ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُعْطِيهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ لَهم رِزْقًا بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ ما هو فَقالَ: ﴿فَواكِهُ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ الفاكِهَةَ عِبارَةٌ عَمّا يُؤْكَلُ لِأجْلِ التَّلَذُّذِ لا لِأجْلِ الحاجَةِ. وأرْزاقُ أهْلِ الجَنَّةِ كُلُّها فَواكِهُ؛ لِأنَّهم مُسْتَغْنُونَ عَنْ حِفْظِ الصِّحَّةِ بِالأقْواتِ فَإنَّهم أجْسامٌ مُحْكَمَةٌ مَخْلُوقَةٌ لِلْأبَدِ، فَكُلُّ ما يَأْكُلُونَهُ فَهو عَلى سَبِيلِ التَّلَذُّذِ.

والثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ الفاكِهَةِ التَّنْبِيهُ بِالأدْنى عَلى الأعْلى، يَعْنِي لَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ حاضِرَةً أبَدًا كانَ الأدامُ أوْلى بِالحُضُورِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الأكْلَ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الأكْلَ حاصِلٌ مَعَ الإكْرامِ والتَّعْظِيمِ فَقالَ: ﴿وهم مُكْرَمُونَ﴾ لِأنَّ الأكْلَ الخالِيَ عَنِ التَّعْظِيمِ يَلِيقُ بِالبَهائِمِ.

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مَأْكُولَهم وصَفَ تَعالى مَساكِنَهم فَقالَ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ لا كُلْفَةَ عَلَيْهِمْ في التَّلاقِي لِلْأُنْسِ والتَّخاطُبِ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ أنَّهم إذا أرادُوا القُرْبَ سارَ السَّرِيرُ تَحْتَهم، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا مُتَقابِلِينَ إلّا مَعَ حُصُولِ الخَواطِرِ والسَّرائِرِ، ولَنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ إلّا مَعَ الفُسْحَةِ والسَّعَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَسْمَعَ بَعْضُهم خِطابَ بَعْضٍ ويَراهُ عَلى بُعْدٍ إلّا بِأنْ يُقَوِّيَ اللَّهُ أبْصارَهم وأسْماعَهم وأصْواتَهم، ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ صِفَةَ المَأْكَلِ والمَسْكَنِ ذَكَرَ بَعْدَهُ صِفَةَ الشُّرْبِ فَقالَ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ يُقالُ لِلزُّجاجَةِ الَّتِي فِيها الخَمْرُ كَأْسٌ وتُسَمّى الخَمْرَةُ نَفْسُها كَأْسًا قالَ:

وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ [ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها ]

وعَنِ الأخْفَشِ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهي الخَمْرُ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن مَعِينٍ﴾ أيْ: مِن شَرابٍ مَعِينٍ، أوْ مِن نَهَرٍ مَعِينٍ، المَعِينُ مَأْخُوذٌ مِن عَيْنِ الماءِ أيْ: يَخْرُجُ مِنَ العُيُونِ كَما يَخْرُجُ الماءُ وسُمِّيَ مَعِينًا لِظُهُورِهِ، يُقالُ: عانَ الماءُ

صفحة ١٢٠

إذا ظَهَرَ جارِيًا، قالَهُ ثَعْلَبٌ، فَهو مَفْعُولٌ مِنَ العَيْنِ نَحْوَ مَبِيعٍ ومَكِيلٍ، وقِيلَ: سُمِّيَ مَعِينًا؛ لِأنَّهُ يَجْرِي ظاهِرَ العَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا مِنَ المَعِينِ وهو الماءُ الشَّدِيدُ الجَرْيِ، ومِنهُ أمْعَنَ في المَسِيرِ إذا اشْتَدَّ فِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَيْضاءَ﴾ صِفَةٌ لِلْخَمْرِ، قالَ الأخْفَشُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَذَّةٍ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّها وُصِفَتْ بِاللَّذَّةِ كَأنَّها نَفْسُ اللَّذَّةِ وعَيْنُها، كَما يُقالُ: فُلانٌ جُودٌ وكَرَمٌ، إذا أرادُوا المُبالَغَةَ في وصْفِهِ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ.

وثانِيها: قالَ الزَّجّاجُ: أيْ ذاتُ لَذَّةٍ فَعَلى هَذا حُذِفَ المُضافُ.

وثالِثُها: قالَ اللَّيْثُ: اللَّذُّ واللَّذِيذُ يَجْرِيانِ مَجْرًى واحِدًا في النَّعْتِ، ويُقالُ شَرابٌ لَذٌّ ولَذِيذٌ قالَ تَعالى: ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ﴾ [محمد: ١٥] ولِذَلِكَ سُمِّيَ النَّوْمُ لَذًّا لِاسْتِلْذاذِهِ، وعَلى هَذا (لَذَّةٍ)بِمَعْنى لَذِيذَةٍ، والأقْرَبُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ الأوَّلُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ لَيْسَ فِيها غِيلَةٌ وغائِلَةٌ وغَوْلٌ سَواءً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الغَوْلُ أنْ يُغْتالَ عُقُولُهم، وأنْشَدَ قَوْلَ مُطِيعِ بْنِ إياسٍ:

وما زالَتِ الكَأْسَ تَغْتالُهم ∗∗∗ وتَذْهَبُ بِالأوَّلِ الأوَّلِ

وقالَ اللَّيْثُ: الغَوْلُ الصُّداعُ والمَعْنى لَيْسَ فِيها صُداعٌ كَما في خَمْرِ الدُّنْيا، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وحَقِيقَتُهُ الإهْلاكُ، يُقالُ: غالَهُ غَوْلًا أيْ أهْلَكَهُ، والغُولُ والغائِلُ المُهْلِكُ، ثُمَّ سُمِّيَ الصُّداعُ غَوْلًا؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الهَلاكِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ وقُرِئَ بِكَسْرِ الزّايِ، قالَ الفَرّاءُ: مَن كَسَرَ الزّايَ فَلَهُ مَعْنَيانِ، يُقالُ أنْزَفَ الرَّجُلُ إذا نَفِدَتْ خَمْرَتُهُ، وأنْزَفَ إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ مِنَ السُّكْرِ ومَن فَتَحَ الزّايَ فَمَعْناهُ لا يَذْهَبُ عُقُولُهم أيْ: لا يَسْكَرُونَ، يُقالُ: نَزَفَ الرَّجُلُ فَهو مَنزُوفٌ ونَزِيفٌ، والمَعْنى لَيْسَ فِيها قَطُّ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الفَسادِ الَّتِي تَكُونُ في شُرْبِ الخَمْرِ مِن صُداعٍ أوْ خُمارٍ أوْ عَرْبَدَةٍ، ولا هم يَسْكَرُونَ أيْضًا، وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أعْظَمُ المَفاسِدِ في شُرْبِ الخَمْرِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى صِفَةَ مَشْرُوبِهِمْ ذَكَرَ عَقِيبَهُ صِفَةَ مَنكُوحِهِمْ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ ومَعْنى القَصْرِ في اللُّغَةِ الحَبْسُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] والمَعْنى أنَّهُنَّ يَحْبِسْنَ نَظَرَهُنَّ ولا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِ أزْواجِهِنَّ.

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِينٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: كِبارُ الأعْيُنِ حِسانُها واحِدُها عَيْناءُ.

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ المَكْنُونُ في اللُّغَةِ المَسْتُورُ، يُقالُ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ وأكْنَنْتُهُ، ومَعْنى هَذا التَّشْبِيهِ أنَّ ظاهِرَ البَيْضِ بَياضٌ يَشُوبُهُ قَلِيلٌ مِنَ الصُّفْرَةِ، فَإذا كانَ مَكْنُونًا كانَ مَصُونًا عَنِ الغَبَرَةِ والقَتَرَةِ، فَكانَ هَذا اللَّوْنُ في غايَةِ الحُسْنِ، والعَرَبُ كانُوا يُسَمُّونَ النِّساءَ: بَيْضاتُ الخُدُورِ.

ولَمّا تَمَّمَ اللَّهُ صِفاتِ أهْلِ الجَنَّةِ قالَ: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: عَلى أيِّ شَيْءٍ عُطِفَ قَوْلُهُ: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ؟ قُلْنا: عَلى قَوْلِهِ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعْنى يَشْرَبُونَ ويَتَحادَثُونَ عَلى الشَّرابِ قالَ الشّاعِرُ:

وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا ∗∗∗ مُحادَثَةُ الكِرامِ عَلى المُدامِ

صفحة ١٢١

والمَعْنى فَيُقْبِلُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ عَمّا جَرى لَهم وعَلَيْهِمْ في الدُّنْيا.

37:51–61Page 447

قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٞ ٥١

A speaker among them will say, "Indeed, I had a companion [on earth].

يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُصَدِّقِينَ ٥٢

Who would say, 'Are you indeed of those who believe

أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ٥٣

That when we have died and become dust and bones, we will indeed be recompensed?'"

قَالَ هَلۡ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ ٥٤

He will say,1 "Would you [care to] look?"

فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِي سَوَآءِ ٱلۡجَحِيمِ ٥٥

And he will look and see him1 in the midst of the Hellfire.

قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرۡدِينِ ٥٦

He will say, "By Allāh, you almost ruined me.

وَلَوۡلَا نِعۡمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِينَ ٥٧

If not for the favor of my Lord, I would have been of those brought in [to Hell].

أَفَمَا نَحۡنُ بِمَيِّتِينَ ٥٨

Then, are we not to die

إِلَّا مَوۡتَتَنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ٥٩

Except for our first death, and we will not be punished?"

إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٦٠

Indeed, this is the great attainment.

لِمِثۡلِ هَٰذَا فَلۡيَعۡمَلِ ٱلۡعَٰمِلُونَ ٦١

For the like of this let the workers [on earth] work.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما ذَكَرَ في أهْلِ الجَنَّةِ أنَّهم يَتَساءَلُونَ عِنْدَ الِاجْتِماعِ عَلى شُرْبِ خَمْرِ الجَنَّةِ فَإنَّ مُحادَثَةَ العُقَلاءِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ عَلى الشُّرْبِ مِنَ الأُمُورِ اللَّذِيذَةِ، وتَذَكُّرَ الخَلاصِ عِنْدَ اجْتِماعِ أسْبابِ الهَلاكِ مِنَ الأُمُورِ اللَّذِيذَةِ، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا اجْتَمَعُوا عَلى الشُّرْبِ وأخَذُوا في المُكالَمَةِ والمُساءَلَةِ كانَ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ الكَلِماتِ أنَّهم يَتَذَكَّرُونَ أنَّهم كانَ قَدْ حَصَلَ لَهم في الدُّنْيا ما يُوجِبُ لَهُمُ الوُقُوعَ في عَذابِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهم تَخَلَّصُوا عَنْهُ وفازُوا بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأشْياءِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَتَكامَلُ سُرُورُهم وبَهْجَتُهم.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ أيْ: قالَ قائِلٌ: مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ في الدُّنْيا ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ أيْ كانَ يُوَبِّخُنِي عَلى التَّصْدِيقِ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ ويَقُولُ تَعَجُّبًا: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ أيْ لَمُحاسَبُونَ ومُجازُونَ، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ القَرِينَ كانَ يَقُولُ هَذِهِ الكَلِماتِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِنْكارِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي هو مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَقُولُ لِجُلَسائِهِ يَدْعُوهم إلى كَمالِ السُّرُورِ بِالِاطِّلاعِ إلى النّارِ لِمُشاهَدَةِ ذَلِكَ القَرِينِ ومُخاطَبَتِهِ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ﴾ والأقْرَبُ أنَّهُ تَكَلَّفَ أمْرًا اطَّلَعَ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُطَّلِعًا بِلا تَكَلُّفٍ لَمْ يَكُنْ إلى اطِّلاعِهِ حاجَةٌ فَلِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: إنَّهُ ذَهَبَ إلى بَعْضِ أطْرافِ الجَنَّةِ فاطَّلَعَ عِنْدَها إلى النّارِ ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: في وسَطِ الجَحِيمِ قالَ لَهُ مُوَبِّخًا: ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ: لَتُهْلِكُنِي بِدُعائِكَ إيّايَ إلى إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ بِالإرْشادِ إلى الحَقِّ والعِصْمَةِ عَنِ الباطِلِ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ في النّارِ مِثْلَكَ، ولَمّا تَمَّمَ ذَلِكَ الكَلامَ مَعَ الرَّجُلِ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا قَرِينًا لَهُ وهو الآنُ مِن أهْلِ النّارِ عادَ إلى مُخاطَبَةِ جُلَسائِهِ الَّذِينَ هم مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقالَ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا يَعْلَمُونَ في أوَّلِ دُخُولِهِمْ في الجَنَّةِ أنَّهم لا يَمُوتُونَ، فَإذا جِيءَ بِالمَوْتِ عَلى صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ وذُبِحَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَمُوتُونَ فَلَعَلَّ هَذا الكَلامَ حَصَلَ قَبْلَ ذَبْحِ المَوْتِ.

والثّانِي: أنَّ الَّذِي يَتَكامَلُ خَيْرُهُ وسَعادَتُهُ فَإذا عَظُمَ تَعَجُّبُهُ بِها قَدْ يَقُولُ أيَدُومُ هَذا لِي ؟ أفَيَبْقى هَذا لِي ؟

صفحة ١٢٢

وإنْ كانَ عَلى يَقِينٍ مِن دَوامِهِ، ثُمَّ عِنْدَ فَراغِهِمْ مِن هَذِهِ المُباحَثاتِ يَقُولُونَ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ فَقِيلَ: إنَّهُ مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيْ لِطَلَبِ مِثْلِ هَذِهِ السَّعاداتِ يَجِبُ أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ مِن هَذا القائِلِ ومِن قَرِينِهِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ في قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢] إلى آخِرِ الآياتِ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلَيْنِ كانا شَرِيكَيْنِ، فَحَصَلَ لَهُما ثَمانِيَةُ آلافِ دِينارٍ، فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: أُقاسِمُكَ فَقاسَمَهُ، واشْتَرى دارًا بِألْفِ دِينارٍ فَأراها صاحِبَهُ، وقالَ: كَيْفَ تَرى حُسْنَها ؟ فَقالَ: ما أحْسَنَها فَخَرَجَ وقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ صاحِبِي هَذا قَدِ ابْتاعَ هَذِهِ الدّارَ بِألْفِ دِينارٍ وإنِّي أسْألُكَ دارًا مِن دُورِ الجَنَّةِ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ صاحَبَهُ تَزَوَّجَ بِامْرَأةٍ حَسْناءَ بِألْفِ دِينارٍ فَتَصَدَّقَ هَذا بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ صاحَبَهُ اشْتَرى بَساتِينَ بِألْفَيْ دِينارٍ فَتَصَدَّقَ هَذا بِألْفَيْ دِينارٍ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أعْطاهُ في الجَنَّةِ ما طَلَبَ، فَعِنْدَ هَذا قالَ: ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ الثَّلاثَةِ، قَرَأ نافِعٌ الأُولى والثّانِيَةَ بِالِاسْتِفْهامِ بِهَمْزَةٍ غَيْرِ مَمْدُودَةٍ، والثّالِثَةَ بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، ووافَقَهُ الكِسائِيُّ إلّا أنَّهُ يَسْتَفْهِمُ الثّالِثَةَ بِهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ الأُولى والثّالِثَةَ بِالِاسْتِفْهامِ بِهَمْزَتَيْنِ، والثّانِيَةَ بِكَسْرِ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالِاسْتِفْهامِ في جَمِيعِها، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فابْنُ كَثِيرٍ يَسْتَفْهِمُ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُطَوَّلَةٍ وبَعْدِها ياءٌ ساكِنَةٌ خَفِيفَةٌ، وأبُو عَمْرٍو مُطَوَّلَةً، وعاصِمٌ وحَمْزَةُ بِهَمْزَتَيْنِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ قَرَأ نافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ لَتُرْدِينِي بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والباقُونَ بِحَذْفِها.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ وقالُوا: مَذْهَبُ الخَصْمِ أنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِن وُجُوهِ الإنْعامِ في حَقِّ المُؤْمِنِ فَقَدْ فَعَلَهُ في حَقِّ الكافِرِ، وإذا كانَ ذَلِكَ الإنْعامُ مُشْتَرَكًا فِيهِ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِحُصُولِ الهِدايَةِ لِلْمُؤْمِنِ، وأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِخَلاصِهِ مِنَ الكُفْرِ والرَّدى فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ النِّعْمَةُ المَخْصُوصَةُ أمْرًا زائِدًا عَلى تِلْكَ الإنْعاماتِ الَّتِي حَصَلَ الِاشْتِراكُ فِيها، وما ذَلِكَ إلّا بِقُوَّةِ الدّاعِي إلى الإيمانِ وتَكْمِيلِ الصّارِفِ عَنِ الكُفْرِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ عَذابِ القَبْرِ بِقَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي مِن أهْلِ الجَنَّةِ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَمُوتُ إلّا مَرَّةً واحِدَةً ولَوْ حَصَلَتِ الحَياةُ في القَبْرِ لَكانَ المَوْتُ حاصِلًا مَرَّتَيْنِ، والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ المُرادُ مِنهُ كُلُّ ما وقَعَ في الدُّنْيا، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском