Ar-RaziAs‑Saffat · 37:85–101

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:85–101

37:85–98Page 449

إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَاذَا تَعۡبُدُونَ ٨٥

[And] when he said to his father and his people, "What do you worship?

أَئِفۡكًا ءَالِهَةٗ دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ ٨٦

Is it falsehood [as] gods other than Allāh you desire?

فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٧

Then what is your thought about the Lord of the worlds?"

فَنَظَرَ نَظۡرَةٗ فِي ٱلنُّجُومِ ٨٨

And he cast a look at the stars

فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٞ ٨٩

And said, "Indeed, I am [about to be] ill."

فَتَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ مُدۡبِرِينَ ٩٠

So they turned away from him, departing.

فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمۡ فَقَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ ٩١

Then he turned to their gods and said, "Do you not eat?1

مَا لَكُمۡ لَا تَنطِقُونَ ٩٢

What is [wrong] with you that you do not speak?"

فَرَاغَ عَلَيۡهِمۡ ضَرۡبَۢا بِٱلۡيَمِينِ ٩٣

And he turned upon them a blow with [his] right hand.

فَأَقۡبَلُوٓاْ إِلَيۡهِ يَزِفُّونَ ٩٤

Then they [i.e., the people] came toward him, hastening.

قَالَ أَتَعۡبُدُونَ مَا تَنۡحِتُونَ ٩٥

He said, "Do you worship that which you [yourselves] carve,

وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ ٩٦

While Allāh created you and that which you do?"

قَالُواْ ٱبۡنُواْ لَهُۥ بُنۡيَٰنٗا فَأَلۡقُوهُ فِي ٱلۡجَحِيمِ ٩٧

They said, "Construct for him a structure [i.e., furnace] and throw him into the burning fire."

فَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَسۡفَلِينَ ٩٨

And they intended for him a plan [i.e., harm], but We made them the most debased.

القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ

﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ مِن شِيعَتِهِ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: مِن شِيعَةِ نُوحٍ، أيْ مِن أهْلِ بَيْتِهِ وعَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ لَإبْراهِيمَ، قالُوا: وما كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ إلّا نَبِيّانِ هُودٌ وصالِحٌ، ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُ كانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفانِ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً.

الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ مِن شِيعَةِ مُحَمَّدٍ لَإبْراهِيمَ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ فَهو مِن شِيعَتِهِ وإنْ كانَ سابِقًا لَهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ فَعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى نُوحٍ أوْلى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العامِلُ في ”إذْ“ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ يَعْنِي وإنَّ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ وتَقْواهُ حِينَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لَإبْراهِيمَ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: يَعْنِي: خالِصٌ مِنَ الشَّرَكِ، والمَعْنى أنَّهُ سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ فَلَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ.

والثّانِي: قالَ الأُصُولِيُّونَ: المُرادُ أنَّهُ عاشَ وماتَ عَلى طَهارَةِ القَلْبِ مِن كُلِّ دَنَسٍ مِنَ المَعاصِي، فَيَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهُ سَلِيمًا عَنِ الشِّرْكِ وعَنِ الشَّكِّ وعَنِ الغِلِّ والغِشِّ والحِقْدِ والحَسَدِ.

عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ يُحِبُّ لِلنّاسِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وسَلِمَ جَمِيعُ النّاسِ مِن غِشِّهِ وظُلْمِهِ وأسْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى فَلَمْ يَعْدِلْ بِهِ أحَدًا، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ إنْكارَهُ عَلى قَوْمِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الثّانِي بِأنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ فَلا يُقَيَّدُ بِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ .

صفحة ١٢٨

[الأنبياء: ٥١] مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقالَ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى المَجِيءِ بِقَلْبِهِ رَبَّهُ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ أنَّهُ أخْلَصَ لِلَّهِ قَلْبَهُ، فَكَأنَّهُ أتْحَفَ حَضْرَةَ اللَّهِ بِذَلِكَ القَلْبِ، ورَأيْتُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ قالَ لِمُوسى: أجِبْ إلَهَكَ بِكُلِّ قَلْبِكَ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ إبْراهِيمَ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ذَكَرَ أنَّ مِن جُمْلَةِ آثارِ تِلْكَ السَّلامَةِ أنْ دَعا أباهُ وقَوْمَهُ إلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَهْجِينُ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ وتَقْبِيحُها.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: أئِفْكًا مَفْعُولٌ لَهُ تَقْدِيرُهُ أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِهِ إفْكًا، وإنَّما قَدَّمَ المَفْعُولَ عَلى الفِعْلِ لِلْعِنايَةِ وقَدَّمَ المَفْعُولَ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ الأهَمُّ عِنْدَهُ أنْ يُقَرِّرَ عِنْدَهم بِأنَّهم عَلى إفْكٍ وباطِلٍ في شِرْكِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إفْكًا مَفْعُولًا بِهِ يَعْنِي أتُرِيدُونَ إفْكًا، ثُمَّ فَسَّرَ الإفْكَ بِقَوْلِهِ: ﴿آلِهَةً دُونَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّها إفْكٌ في أنْفُسِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بِمَعْنى تُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ آفِكِينَ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الجَماداتِ مُشارِكَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ.

وثانِيها: أتَظُنُّونَ بِرَبِّ العالَمِينَ أنَّهُ مِن جِنْسِ هَذِهِ الأجْسامِ حَتّى جَعَلْتُمُوها مُساوِيَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ فَنَبَّهَهم بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَتَعاطَوْنَ عِلْمَ النُّجُومِ فَعامَلَهم عَلى مُقْتَضى عادَتِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهُ أرادَ أنْ يُكايِدَهم في أصْنامِهِمْ لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ في أنَّها غَيْرُ مَعْبُودَةٍ، وكانَ لَهم مِنَ الغَدِ يَوْمُ عِيدٍ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ فَأرادَ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهم لِيَبْقى خالِيًا في بَيْتِ الأصْنامِ، فَيَقْدِرُ عَلى كَسْرِها. وهَهُنا سُؤالانِ:

الأوَّلُ: أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ غَيْرُ جائِزٍ فَكَيْفَ أقْدَمَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ ؟

والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ سَقِيمًا فَلَمّا قالَ إنِّي سَقِيمٌ كانَ ذَلِكَ كَذِبًا ؟ واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا في الجَوابِ عَنْهُما وُجُوهًا كَثِيرَةً:

الأوَّلُ: أنَّهُ نَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ في أوْقاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وكانَتْ تَأْتِيهِ سَقامَةٌ كالحُمّى في بَعْضِ ساعاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فَنَظَرَ لِيَعْرِفَ هَلْ هي في تِلْكَ السّاعَةِ وقالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَجَعَلَهُ عُذْرًا في تَخَلُّفِهِ عَنِ العِيدِ الَّذِي لَهم وكانَ صادِقًا فِيما قالَ؛ لِأنَّ السُّقْمَ كانَ يَأْتِيهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنَّما تَخَلَّفَ لِأجْلِ تَكْسِيرِ أصْنامِهِمْ.

الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا أصْحابَ النُّجُومِ يُعَظِّمُونَها ويَقْضُونَ بِها عَلى غائِبِ الأُمُورِ، فَلِذَلِكَ نَظَرَ إبْراهِيمُ في النُّجُومِ أيْ: في عُلُومِ النُّجُومِ وفي مَعانِيهِ لا أنَّهُ نَظَرَ بِعَيْنِهِ إلَيْها، وهو كَما يُقالُ: فُلانٌ نَظَرَ في الفِقْهِ وفي النَّحْوِ وإنَّما أرادَ أنْ يُوهِمَهم أنَّهُ يَعْلَمُ ما يَعْلَمُونَ ويَتَعَرَّفُ مِن حَيْثُ يَتَعَرَّفُونَ حَتّى إذا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ سَكَنُوا إلى قَوْلِهِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ فَمَعْناهُ سَأُسْقَمُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر: ٣٠] أيْ: سَتَمُوتُ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦] إلى آخِرِ الآياتِ وكانَ ذَلِكَ النَّظَرُ لِأجْلِ أنْ يَتَعَرَّفَ أحْوالَ هَذِهِ الكَواكِبِ هَلْ هي قَدِيمَةٌ أوْ مُحْدَثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ يَعْنِي

صفحة ١٢٩

سَقِيمَ القَلْبِ غَيْرَ عارِفٍ بِرَبِّي، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ البُلُوغِ.

الوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ كانَ لَهُ نَجْمٌ مَخْصُوصٌ، وكُلَّما طَلَعَ عَلى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ مَرِضَ إبْراهِيمُ، ولِأجْلِ هَذا الِاسْتِقْراءِ لَمّا رَآهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ طالِعًا عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ هَذا السَّقَمُ واقِعٌ لا مَحالَةَ.

الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ أيْ: مَرِيضُ القَلْبِ بِسَبَبِ إطْباقِ ذَلِكَ الجَمْعِ العَظِيمِ عَلى الكُفْرِ والشِّرْكِ، قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] .

الوَجْهُ السّادِسُ: في الجَوابِ أنا لا نُسَلِّمُ أنَّ النَّظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ والِاسْتِدْلالِ بِمُقايَسَتِها حَرامٌ؛ لِأنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الكَواكِبِ بِقُوَّةٍ وبِخاصِّيَّةٍ لِأجْلِها يَظْهَرُ مِنهُ أثَرٌ مَخْصُوصٌ، فَهَذا العِلْمُ عَلى هَذا الوَجْهِ لَيْسَ بِباطِلٍ.

وأمّا الكَذِبُ فَغَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ، بِمَعْنى أنَّ الإنْسانَ لا يَنْفَكُّ في أكْثَرِ أحْوالِهِ عَنْ حُصُولِ حالَةٍ مَكْرُوهَةٍ، إمّا في بَدَنِهِ وإمّا في قَلْبِهِ وكُلُّ ذَلِكَ سَقَمٌ.

الوَجْهُ السّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: ذَلِكَ القَوْلُ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كِذْبَةٌ ورَوَوْا فِيهِ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما كَذَبَ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذَباتٍ» قُلْتُ لِبَعْضِهِمْ: هَذا الحَدِيثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْبَلَ؛ لِأنَّ نِسْبَةَ الكَذِبِ إلى إبْراهِيمَ لا تَجُوزُ، فَقالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِكَذِبِ الرُّواةِ العُدُولِ ؟ فَقُلْتُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ نِسْبَةِ الكَذِبِ إلى الرّاوِي وبَيْنَ نِسْبَتِهِ إلى الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ نِسْبَتَهُ إلى الرّاوِي أوْلى، ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِ كَذِبًا خَبَرًا شَبِيهًا بِالكَذِبِ ؟ .

والوَجْهُ الثّامِنُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ أيْ نَظَرَ في نُجُومِ كَلامِهِمْ ومُتَفَرِّقاتِ أقْوالِهِمْ، فَإنَّ الأشْياءَ الَّتِي تَحْدُثُ قِطْعَةً قِطْعَةً، يُقالُ: إنَّها مُنَجَّمَةٌ أيْ مُتَفَرِّقَةٌ ومِنهُ نُجُومُ الكِتابَةِ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا سَمِعَ كَلِماتِهِمُ المُتَفَرِّقَةَ نَظَرَ فِيها كَيْ يَسْتَخْرِجَ مِنها حِيلَةً يَقْدِرُ بِها عَلى إقامَةِ عُذْرٍ لِنَفْسِهِ في التَّخَلُّفِ عَنْهم فَلَمْ يَجِدْ عُذْرًا أحْسَنَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ أصِيرَ سَقِيمًا كَما تَقُولُ لِمَن رَأيْتَهُ عَلى أوْقاتِ السَّفَرِ: إنَّكَ مُسافِرٌ.

واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ تَوَلَّوْا عَنْهُ مُعْرِضِينَ فَتَرَكُوهُ وعَذَرُوهُ في أنْ لا يَخْرُجَ اليَوْمَ فَكانَ ذَلِكَ مُرادَهُ. ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ يُقالُ: راغَ إلَيْهِ إذا مالَ إلَيْهِ في السِّرِّ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، ومِنهُ رَوَغانُ الثَّعْلَبِ. وقَوْلُهُ: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ يَعْنِي الطَّعامَ الَّذِي كانَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً بِها، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا﴾ فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ مُسْتَخْفِيًا كَأنَّهُ قالَ: فَضَرَبَهم ضَرْبًا؛ لِأنَّ: راغَ عَلَيْهِمْ في مَعْنى ضَرَبَهم أوْ فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِمَعْنى ضارِبًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿بِاليَمِينِ﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: مَعْناهُ بِالقُوَّةِ والشِّدَّةِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ أقْوى الجارِحَتَيْنِ.

والثّانِي: أنَّهُ أتى بِذَلِكَ الفِعْلِ بِسَبَبِ الحَلِفِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿تاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] ثُمَّ قالَ: ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ بِضَمِّ الياءِ والباقُونَ بِفَتْحِها وهُما لُغَتانِ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ فَهو مِن زَفَّ يَزِفُّ، ومَن قَرَأ بِالضَّمِّ فَهو مِن أزَفَّ يُزِفُّ، قالَ الزَّجّاجُ: يَزِفُّونَ يُسْرِعُونَ وأصْلُهُ مِن زَفِيفِ النَّعامَةِ وهو ابْتِداءُ عَدْوِها، وقَرَأ حَمْزَةُ: ”يُزِفُّونَ“ أيْ يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَّفِيفِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: أزْفَفْتُ الإبِلَ إذا حَمَلْتَها عَلى أنْ تَزِفَّ، قالَ: وهو سُرْعَةُ الخُطْوَةِ ومُقارَبَةُ المَشْيِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ عَلى قِراءَتِهِ كَأنَّهم حَمَلُوا دَوابَّهم عَلى الإسْراعِ في المَشْيِ، فَإنْ قِيلَ: مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كَسَرَها عَدَوْا إلَيْهِ وأخَذُوهُ، وقالَ في سُورَةٍ أُخْرى في عَيْنِ هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ ما عَرَفُوهُ فَبَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ تَناقُضٌ ؟ قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ جَماعَةً عَرَفُوهُ فَعَمَدُوا إلَيْهِ مُسْرِعِينَ والأكْثَرُونَ ما عَرَفُوهُ، فَتَعَرَّفُوا أنَّ ذَلِكَ الكاسِرَ مَن هو، واللَّهُ أعْلَمُ.

37:99–101Page 449

وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ ٩٩

And [then] he said, "Indeed, I will go to [where I am ordered by] my Lord; He will guide me.

رَبِّ هَبۡ لِي مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٠٠

My Lord, grant me [a child] from among the righteous."

فَبَشَّرۡنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٖ ١٠١

So We gave him good tidings of a forbearing boy.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ ﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا عاتَبُوا إبْراهِيمَ عَلى كَسْرِ الأصْنامِ فَهو أيْضًا ذَكَرَ لَهُمُ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى فَسادِ المَصِيرِ إلى عِبادَتِها فَقالَ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ ظاهِرٌ وهو أنَّ الخَشَبَ والحَجَرَ قَبْلَ النَّحْتِ والإصْلاحِ ما كانَ مَعْبُودًا لِلْإنْسانِ البَتَّةَ، فَإذا نَحَتَهُ وشَكَّلَهُ عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ لَمْ يَحْدُثْ فِيهِ إلّا آثارُ تَصَرُّفِهِ، فَلَوْ صارَ مَعْبُودًا عِنْدَ ذَلِكَ لَكانَ مَعْناهُ أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي ما كانَ مَعْبُودًا لَمّا حَصَلَتْ آثارُ تَصَرُّفاتِهِ فِيهِ صارَ مَعْبُودًا عِنْدَ ذَلِكَ، وفَسادُ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ جُمْهُورُ الأصْحابِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، فَقالَ النَّحْوِيُّونَ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ لَفْظَ ما مَعَ ما بَعْدَهُ في تَقْدِيرِ المَصْدَرِ فَقَوْلُهُ: ﴿وما تَعْمَلُونَ﴾ مَعْناهُ وعَمَلَكم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ صارَ مَعْنى الآيَةِ: واللَّهُ خَلَقَكم وخَلَقَ عَمَلَكم، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْكم مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ أضافَ العِبادَةَ والنَّحْتَ إلَيْهِمْ إضافَةَ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ واقِعًا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ لاسْتَحالَ كَوْنُهُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ تَوْبِيخًا لَهم عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ خالِقُهم وخالِقٌ لِتِلْكَ الأصْنامِ، والخالِقُ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ دُونَ المَخْلُوقِ، فَلَمّا تَرَكُوا عِبادَتَهُ سُبْحانَهُ وهو خالِقُهم وعَبَدُوا الأصْنامَ لا جَرَمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وبَّخَهم عَلى هَذا الخَطَأِ العَظِيمِ فَقالَ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ولَوْ لَمْ يَكُونُوا فاعِلِينَ لِأفْعالِهِمْ لَما جازَ تَوْبِيخُهم عَلَيْها، سَلَّمْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ حُجَّةً عَلَيْكم، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّها حُجَّةٌ لَكم، قَوْلُهُ: لَفْظَةُ ”ما“ مَعَ ما بَعْدَها في تَقْدِيرِ المَصْدَرِ، قُلْنا: هَذا مَمْنُوعٌ وبَيانُهُ أنَّ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشَ اخْتَلَفا في أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أعْجَبَنِي ما قُمْتَ. أيْ: قِيامُكَ فَجَوَّزَهُ سِيبَوَيْهِ ومَنَعَهُ الأخْفَشُ، وزَعَمَ أنَّ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في الفِعْلِ المُتَعَدِّي، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما مَعَ ما بَعْدَها في تَقْدِيرِ المَفْعُولِ عِنْدَ الأخْفَشِ، سَلَّمْنا أنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى المَصْدَرِ، لَكِنَّهُ أيْضًا قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى المَفْعُولِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما تَنْحِتُونَ﴾ المَنحُوتُ لا النَّحْتُ؛ لِأنَّهم ما عَبَدُوا النَّحْتَ وإنَّما عَبَدُوا المَنحُوتَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما تَعْمَلُونَ﴾ المَعْمُولَ لا العَمَلَ حَتّى يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ عَلى وفْقِ الآخَرِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف: ١١٧] ولَيْسَ المُرادُ أنَّها تَلْقَفُ نَفْسَ الإفْكِ، بَلْ أرادَ العِصِيَّ والحِبالَ الَّتِي هي مُتَعَلِّقاتُ ذَلِكَ الإفْكِ، فَكَذا هَهُنا.

الثّالِثُ: أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي مَحَلَّ العَمَلِ عَمَلًا يُقالُ في البابِ: والخاتَمُ هَذا عَمَلُ فُلانٍ، والمُرادُ مَحَلُّ عَمَلِهِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ أنَّ لَفْظَةَ ما مَعَ بَعْدِها كَما تَجِيءُ بِمَعْنى

صفحة ١٣١

المَصْدَرِ فَقَدْ تَجِيءُ أيْضًا بِمَعْنى المَفْعُولِ، فَكانَ حَمْلُهُ هَهُنا عَلى المَفْعُولِ أوْلى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ في هَذِهِ الآيَةِ تَزْيِيفُ مَذْهَبِهِمْ في عِبادَةِ الأصْنامِ لا بَيانُ أنَّهم لا يُوجِدُونَ أفْعالَ أنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ الَّذِي جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِ الآيَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ هو مَسْألَةُ عِبادَةِ الأصْنامِ لا خَلْقُ الأعْمالِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّؤالاتِ قَوِيَّةٌ وفي دَلائِلِنا كَثْرَةٌ، فالأوْلى تَرْكُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.

واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أوْرَدَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الحُجَّةَ القَوِيَّةَ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى الجَوابِ عَدَلُوا إلى طَرِيقِ الإيذاءِ، فَقالُوا: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا﴾ واعْلَمْ أنَّ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ البِناءِ لا يَدُلُّ عَلَيْها لَفْظُ القُرْآنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَنَوْا حائِطًا مِن حَجَرٍ طُولُهُ في السَّماءِ ثَلاثُونَ ذِراعًا وعَرْضُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ومَلَئُوهُ نارًا فَطَرَحُوهُ فِيها، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ وهي النّارُ العَظِيمَةُ، قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ نارٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ فَهي جَحِيمُ، والألِفُ واللّامُ في الجَحِيمِ يَدُلُّ عَلى النِّهايَةِ، والمَعْنى في جَحِيمِهِ، أيْ: في جَحِيمِ ذَلِكَ البُنْيانِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ والمَعْنى أنَّ في وقْتِ المُحاجَّةِ حَصَلَتِ الغَلَبَةُ لَهُ، وعِنْدَما ألْقَوْهُ في النّارِ صَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ ضَرَرَ النّارِ، فَصارَ هو الغالِبُ عَلَيْهِمْ.

واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا انْقَضَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ قالَ إبْراهِيمُ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المَوْضِعَ الَّذِي تَكْثُرُ فِيهِ الأعْداءُ تَجِبُ مُهاجِرَتُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ إبْراهِيمَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ، مَعَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَصَّهُ بِأعْظَمِ أنْواعِ النُّصْرَةِ، لَمّا أحَسَّ مِنهم بِالعَداوَةِ الشَّدِيدَةِ هاجَرَ مِن تِلْكَ الدِّيارِ، فَلَأنْ يَجِبَ ذَلِكَ عَلى الغَيْرِ كانَ أوْلى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ ﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ مُفارَقَةُ تِلْكَ الدِّيارِ، والمَعْنى إنِّي ذاهِبٌ إلى مَواضِعِ دِينِ رَبِّي.

والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: ذاهِبٌ بِعِبادَتِي إلى رَبِّي، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ المُرادُ بِالذَّهابِ إلى الرَّبِّ هو الهِجْرَةُ مِنَ الدِّيارِ، وبِهِ اقْتَدى مُوسى حَيْثُ قالَ: ﴿كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] .

وعَلى القَوْلِ الثّانِي: المُرادُ رِعايَةُ أحْوالِ القُلُوبِ، وهو أنْ لا يَأْتِيَ بِشَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ إلّا لِلَّهِ تَعالى، كَما قالَ: ﴿وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] قِيلَ: إنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ مُهاجِرَتِهِ إلى أرْضِ الشَّأْمِ، وأيْضًا يَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلى الهِدايَةِ في الدِّينِ؛ لِأنَّهُ كانَ عَلى الدِّينِ في ذَلِكَ الوَقْتِ إلّا أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى الثَّباتِ عَلَيْهِ، أوْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى الِاهْتِداءِ إلى الدَّرَجاتِ العالِيَةِ والمَراتِبِ الرَّفِيعَةِ في أمْرِ الدِّينِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهِدايَةَ لا تَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، كَما يَقُولُ أصْحابُنا، ولا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الهِدايَةِ عَلى وضْعِ الأدِلَّةِ وإزاحَةِ الأعْذارِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ قَدْ حَصَلَ في الزَّمانِ الماضِي، وقَوْلُهُ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ تِلْكَ الهِدايَةِ بِالمُسْتَقْبَلِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الهِدايَةِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَحْصِيلِ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ في قَلْبِهِ، فَإنْ قِيلَ: إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَزَمَ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهُ تَعالى سَيَهْدِيهِ، وأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ، بَلْ قالَ: ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] فَما الفَرْقُ ؟ قُلْنا: العَبْدُ إذا تَجَلّى لَهُ مَقاماتُ رَحْمَةِ اللَّهِ فَقَدْ يَجْزِمُ بِحُصُولِ المَقْصُودِ، وإذا تَجَلّى لَهُ مَقاماتُ كَوْنِهِ غَنِيًّا عَنِ العالَمِينَ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَحْقِرُ نَفْسَهُ فَلا يَجْزِمُ، بَلْ لا يُظْهِرُ إلّا الرَّجاءَ والطَّمَعَ.

صفحة ١٣٢

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ يَدُلُّ عَلى فَسادِ تَمَسُّكِ المُشَبِّهَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] لِأنَّ كَلِمَةَ إلى مَوْجُودَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يَكُونَ الإلَهُ مَوْجُودًا في ذَلِكَ المَكانِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا.

واعْلَمْ أنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَمّا هاجَرَ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ أرادَ الوَلَدَ فَقالَ: ﴿هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: هَبْ لِي بَعْضَ الصّالِحِينَ، يُرِيدُ الوَلَدَ؛ لِأنَّ لَفْظَ الهِبَةِ غَلَبَ في الوَلَدِ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ في الأخِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] وقالَ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [الأنعام: ٨٤] ﴿ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ [الأنبياء: ٩٠] وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم حِينَ هَنَّأهُ بِوَلَدِهِ: عَلى أبِي الأمْلاكِ شَكَرْتَ الواهِبَ، وبُورِكَ لَكَ في المَوْهُوبِ، ولِذَلِكَ وقَعَتِ التَّسْمِيَةُ بِهِبَةِ اللَّهِ تَعالى وبِهِبَةِ الوَهّابِ وبِمَوْهُوبٍ ووَهْبٍ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الدُّعاءَ اشْتَمَلَ عَلى ثَلاثَةِ أشْياءَ: عَلى أنَّ الوَلَدَ غُلامٌ ذَكَرٌ، وأنَّهُ يَبْلُغُ الحُلُمَ، وأنَّهُ يَكُونُ حَلِيمًا، وأيُّ حِلْمٍ يَكُونُ أعْظَمَ مِن ولَدٍ حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ أبُوهُ الذَّبْحَ قالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] ثُمَّ اسْتَسْلَمَ لِذَلِكَ، وأيْضًا فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَوْصُوفًا بِالحِلْمِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] فَبَيِّنَ أنَّ ولَدَهُ مَوْصُوفٌ بِالحِلْمِ، وأنَّهُ قائِمٌ مَقامَهُ في صِفاتِ الشَّرَفِ والفَضِيلَةِ، واعْلَمْ أنَّ الصَّلاحَ أفْضَلُ الصِّفاتِ بِدَلِيلِ أنَّ الخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ الصَّلاحَ لِنَفْسِهِ، فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] وطَلَبَهُ لِلْوَلَدِ فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وطَلَبَهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ كَمالِ دَرَجَتِهِ في الدِّينِ والدُّنْيا، فَقالَ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلاحَ أشْرَفُ مَقاماتِ العِبادِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском