Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
ص
Sad
The Letter "Saad" · Meccan · 88 ayahs
38:1–3Page 453
صٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ذِي ٱلذِّكۡرِ ١
Ṣād.1 By the Qur’ān containing reminder...2
بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٖ وَشِقَاقٖ ٢
But those who disbelieve are in pride and dissension.
كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٖ ٣
How many a generation have We destroyed before them, and they [then] called out; but it was not a time for escape.
صفحة ١٥٢
[ سُورَةُ ص ]
ثَمانُونَ وثَمانِ آياتٍ مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾
﷽
﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الكَلامُ المُسْتَقْصى في أمْثالِ هَذِهِ الفَواتِحِ مَذْكُورٌ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ولا بَأْسَ بِإعادَةِ بَعْضِ الوُجُوهِ:
فالأوَّلُ: أنَّهُ مِفْتاحُ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي أوَّلُها صادٌ، كَقَوْلِنا صادِقُ الوَعْدِ، صانِعُ المَصْنُوعاتِ، صَمَدٌ.
والثّانِي: مَعْناهُ صَدَقَ مُحَمَّدٌ في كُلِّ ما أخْبَرَ بِهِ عَنِ اللَّهِ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ صَدَّ الكُفّارُ عَنْ قَبُولِ هَذا الدِّينِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النِّساءِ: ١٦٧] .
الرّابِعُ: مَعْناهُ أنَّ القُرْآنَ مُرَكَّبٌ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ وأنْتُمْ قادِرُونَ عَلَيْها ولَسْتُمْ قادِرِينَ عَلى مُعارَضَةِ القُرْآنِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ.
الخامِسُ: أنْ يَكُونَ ”صادِ“ بِكَسْرِ الدّالِ مِنَ المُصادَّةِ وهي المُعارَضَةُ، ومِنها الصَّدى وهو ما يُعارِضُ صَوْتَكَ في الأماكِنِ الخالِيَةِ مِنَ الأجْسامِ الصُّلْبَةِ، ومَعْناهُ عارِضِ القُرْآنَ بِعَمَلِكَ فاعْمَلْ بِأوامِرِهِ وانْتَهِ عَنْ نَواهِيهِ.
السّادِسُ: أنَّهُ اسْمُ السُّورَةِ، والتَّقْدِيرُ هَذِهِ صادٌ، فَإنْ قِيلَ هَهُنا إشْكالانِ:
أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ قَسَمٌ وأيْنَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ ؟
والثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”بَلْ“ تَقْتَضِي رَفْعَ حُكْمٍ ثَبَتَ قَبْلَها، وإثْباتَ حُكْمٍ بَعْدَها يُناقِضُ الحُكْمَ السّابِقَ، فَأيْنَ هَذا المَعْنى هَهُنا ؟
والجَوابُ: عَنِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مَعْنى صادٍ بِمَعْنى صَدَقَ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَيَكُونُ صادٌ هو المُقْسَمَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ هو القَسَمَ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ سُورَةُ ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إنَّهُ لَكَلامٌ مُعْجِزٌ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ ﴿ص﴾ تَنْبِيهٌ عَلى التَّحَدِّي.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ صادٌ اسْمًا لِلسُّورَةِ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ هَذِهِ ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، ولَمّا كانَ المَشْهُورُ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ يَدَّعِي في هَذِهِ السُّورَةِ كَوْنَها مُعْجِزَةً، كانَ قَوْلُهُ هَذِهِ ﴿ص﴾ جارِيًا مَجْرى
صفحة ١٥٣
قَوْلِهِ: هَذِهِ السُّورَةُ المُعْجِزَةُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ هَذا حاتِمٌ واللَّهِ، أيْ هَذا هو المَشْهُورُ بِالسَّخاءِ.
والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: أنَّ الحُكْمَ المَذْكُورَ قَبْلَ كَلِمَةِ ﴿بَلِ﴾، أمّا ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُ كَوْنَ مُحَمَّدٍ صادِقًا في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ أوْ كَوْنَ القُرْآنِ أوْ هَذِهِ السُّورَةِ مُعْجِزَةً والحُكْمُ المَذْكُورُ بَعْدَ كَلِمَةِ ﴿بَلِ﴾ هَهُنا هو المُنازَعَةُ والمُشاقَّةُ في كَوْنِهِ كَذَلِكَ، فَحَصَلَ المَطْلُوبُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الحَسَنُ ”صادِ“ بِكَسْرِ الدّالِ لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِنَصْبِ صادٍ ونُونٍ وبِحَذْفِ حَرْفِ القَسَمِ وإيصالِ فِعْلِهِ، كَقَوْلِهِمُ اللَّهِ لِأفْعَلَنَّ، وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى الجَزْمِ لِأنَّ الأسْماءَ العارِيَةَ عَنِ العَوامِلِ تُذْكَرُ مَوْقُوفَةَ الأواخِرِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ ذِي الشَّرَفِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤] وقالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠] ومَجازُ هَذا مِن قَوْلِهِمْ لِفُلانٍ ذِكْرٌ في النّاسِ، كَما يَقُولُونَ لَهُ صِيتٌ.
الثّانِي: ذِي البَيانَيْنِ أيْ فِيهِ قِصَصُ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ، وفِيهِ بَيانُ العُلُومِ الأصْلِيَّةِ والفَرْعِيَّةِ، ومَجازُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القَمَرِ: ٤٠] .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ والذِّكْرُ مُحْدَثٌ. بَيانُ الأوَّلِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤]، ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ [الأنْبِياءِ: ٥٠]، ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩] .
وبَيانُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢] وقَوْلُهُ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ [الشُّعَراءِ: ٥] .
والجَوابُ: أنّا نَصْرِفُ دَلِيلَكم إلى الحُرُوفِ والأصْواتِ وهي مُحْدَثَةٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فالمُرادُ مِنهُ الكُفّارُ مِن رُؤَساءِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ يَجُوزُ عَلى مِثْلِهِمُ الإجْماعُ عَلى الحَسَدِ والكِبْرِ عَنِ الِانْقِيادِ إلى الحَقِّ، والعِزَّةُ هَهُنا التَّعْظِيمُ وما يَعْتَقِدُهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي تَمْنَعُهُ مِن مُتابَعَةِ الغَيْرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠٦] والشِّقاقُ هو إظْهارُ المُخالَفَةِ عَلى جِهَةِ المُساواةِ لِلْمُخالَفِ، أوْ عَلى جِهَةِ الفَضِيلَةِ عَلَيْهِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّقِّ، كَأنَّهُ يَرْتَفِعُ عَنْ أنْ يَلْزَمَهُ الِانْقِيادُ لَهُ، بَلْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ في شِقٍّ وخَصْمَهُ في شِقٍّ، فَيُرِيدُ أنْ يَكُونَ في شِقَّةِ نَفْسِهِ، ولا يُجْرى عَلَيْهِ حُكْمُ خَصْمِهِ، ومِثْلُهُ المُعاداةُ وهو أنْ يَكُونَ أحَدُهُما في عُدْوَةٍ والآخَرُ في عُدْوَةٍ، وهي جانِبُ الوادِي، وكَذَلِكَ المُحادَّةُ أنْ يَكُونَ هَذا في حَدٍّ غَيْرِ حَدِّ الآخَرِ، ويُقالُ انْحَرَفَ فُلانٌ عَنْ فُلانٍ، وجانَبَ فُلانٌ فُلانًا أيْ صارَ مِنهُ عَلى حَرْفٍ، وفي جانِبٍ غَيْرِ جانِبِهِ واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم بِالعِزَّةِ والشِّقاقِ خَوَّفَهم فَقالَ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ والمَعْنى أنَّهم نادَوْا عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ في الدُّنْيا ولَمْ يَذْكُرْ بِأيِّ شَيْءٍ نادَوْا، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّهم نادَوْا بِالِاسْتِغاثَةِ لِأنَّ نِداءَ مَن نَزَلَ بِهِ العَذابُ لَيْسَ إلّا بِالِاسْتِغاثَةِ.
الثّانِي: نادَوْا بِالإيمانِ والتَّوْبَةِ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ.
الثّالِثُ: نادَوْا أيْ رَفَعُوا أصْواتَهم، يُقالُ فُلانٌ أنْدى صَوْتًا مِن فُلانٍ أيْ أرْفَعُ صَوْتًا، ثُمَّ قالَ: ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ يَعْنِي ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الوَقْتُ وقْتَ فِرارٍ مِنَ العَذابِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا﴾ [غافِرٍ: ٨٤] وقالَ: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٤] والجُؤارُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّضَرُّعِ والِاسْتِغاثَةِ، وكَقَوْلِهِ: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يُونُسَ: ٩١] وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ يَكُ﴾
صفحة ١٥٤
﴿يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافِرٍ: ٨٥] بَقِيَ هَهُنا أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في تَحْقِيقِ الكَلامِ في لَفْظِ ﴿ولاتَ﴾ زَعَمَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ أنَّ ”لاتَ“ هي لا المُشَبَّهَةُ بِلَيْسَ زِيدَتْ عَلَيْها تاءُ التَّأْنِيثِ كَما زِيدَتْ عَلى رُبَّ وثَمَّ لِلتَّأْكِيدِ، وبِسَبَبِ هَذِهِ الزِّيادَةِ حَدَثَتْ لَها أحْكامٌ جَدِيدَةٌ، مِنها أنَّها لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الأحْيانِ، ومِنها أنْ لا يَبْرُزَ إلّا أحَدُ جُزْأيْها، إمّا الِاسْمُ وإمّا الخَبَرُ، ويَمْتَنِعُ بُرُوزُهُما جَمِيعًا، وقالَ الأخْفَشُ: إنَّها لا النّافِيَةُ لِلْجِنْسِ زِيدَتْ عَلَيْها التّاءُ، وخُصَّتْ بِنَفْيِ الأحْيانِ و﴿حِينَ مَناصٍ﴾ مَنصُوبٌ بِها كَأنَّكَ قُلْتَ: ولاتَ حِينَ مَناصٍ لَهم، ويَرْتَفِعُ بِالِابْتِداءِ أيْ ولاتَ حِينَ مَناصٍ كائِنٌ لَهم.
البَحْثُ الثّانِي: الجُمْهُورُ يَقِفُونَ عَلى التّاءِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولاتَ﴾ والكِسائِيُّ يَقِفُ عَلَيْها بِالهاءِ كَما يَقِفُ عَلى الأسْماءِ المُؤَنَّثَةِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وأمّا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ: التّاءُ داخِلَةٌ عَلى الحِينِ فَلا وجْهَ لَهُ، واسْتِشْهادُهُ بِأنَّ التّاءَ مُلْتَزِقَةٌ بِحِينَ في مُصْحَفِ عُثْمانَ فَضَعِيفٌ، فَكَمْ وقَعَتْ في المُصْحَفِ أشْياءُ خارِجَةٌ عَنْ قِياسِ الخَطِّ.
البَحْثُ الثّالِثُ: المَناصُ المَنجا والغَوْثُ، يُقالُ ناصَهُ يَنُوصُهُ إذا أغاثَهُ، واسْتَناصَ طَلَبَ المَناصَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
38:4–7Page 453
وَعَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡۖ وَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٞ كَذَّابٌ ٤
And they wonder that there has come to them a warner [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] from among themselves. And the disbelievers say, "This is a magician and a liar.
أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ ٥
Has he made the gods [only] one God? Indeed, this is a curious thing."
وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُواْ وَٱصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٞ يُرَادُ ٦
And the eminent among them went forth, [saying], "Continue, and be patient over [the defense of] your gods. Indeed, this is a thing intended.1
مَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِي ٱلۡمِلَّةِ ٱلۡأٓخِرَةِ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا ٱخۡتِلَٰقٌ ٧
We have not heard of this in the latest religion.1 This is not but a fabrication.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ كَوْنَهم في عِزَّةٍ وشِقاقٍ أرْدَفَهُ بِشَرْحِ كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ فَقالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ . في قَوْلِهِ: ﴿مِنهُمْ﴾ وجْهانِ.
الأوَّلُ: أنَّهم قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا مُساوٍ لَنا في الخِلْقَةِ الظّاهِرَةِ والأخْلاقِ الباطِنَةِ والنَّسَبِ والشَّكْلِ والصُّورَةِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُخْتَصَّ مِن بَيْنِنا بِهَذا المَنصِبِ العالِي والدَّرَجاتِ والرَّفِيعَةِ.
والثّانِي: أنَّ الغَرَضَ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ التَّنْبِيهُ عَلى كَمالِ جَهالَتِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهُ جاءَهم رَجُلٌ يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ وتَعْظِيمِ المَلائِكَةِ والتَّرْغِيبِ في الآخِرَةِ، والتَّنْفِيرِ عَنِ الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّ هَذا الرَّجُلَ مِن أقارِبِهِمْ يَعْلَمُونَ أنَّهُ كانَ بَعِيدًا مِنَ الكَذِبِ والتُّهْمَةِ؛ وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ الِاعْتِرافَ بِتَصْدِيقِهِ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ الأقْوامَ لِحَماقَتِهِمْ يَتَعَجَّبُونَ مِن قَوْلِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٩] فَقالَ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ ومَعْناهُ أنَّ مُحَمَّدًا كانَ مِن رَهْطِهِمْ وعَشِيرَتِهِمْ وكانَ مُساوِيًا لَهم في الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ فاسْتَنْكَفُوا مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ طاعَتِهِ ومِنَ الِانْقِيادِ لِتَكالِيفِهِ، وعَجِبُوا أنْ يُخْتَصَّ هو مِن بَيْنِهِمْ بِرِسالَةِ اللَّهِ وأنْ يَتَمَيَّزَ عَنْهم بِهَذِهِ الخاصِّيَّةِ الشَّرِيفَةِ، وبِالجُمْلَةِ فَما كانَ لِهَذا التَّعَجُّبِ سَبَبٌ إلّا الحَسَدَ.
صفحة ١٥٥
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ وإنَّما لَمْ يَقُلْ وقالُوا بَلْ قالَ: ﴿وقالَ الكافِرُونَ﴾ إظْهارًا لِلتَّعَجُّبِ ودَلالَةً عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ لا يَصْدُرُ إلّا عَنِ الكُفْرِ التّامِّ، فَإنَّ السّاحِرَ هو الَّذِي يَمْنَعُ مِن طاعَةِ اللَّهِ، ويَدْعُو إلى طاعَةِ الشَّيْطانِ، وهو عِنْدَكم بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ، والكَذّابُ هو الَّذِي يُخْبِرُ عَنِ الشَّيْءِ لا عَلى ما هو عَلَيْهِ، وهو يُخْبِرُ عَنْ وُجُودِ الصّانِعِ القَدِيمِ الحَكِيمِ العَلِيمِ، وعَنِ الحَشْرِ والنَّشْرِ وسائِرِ الأشْياءِ الَّتِي تَثْبُتُ بِدَلائِلِ العُقُولِ صِحَّتُها فَكَيْفَ يَكُونُ كَذّابًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى جَمِيعَ ما عَوَّلُوا عَلَيْهِ في إثْباتِ كَوْنِهِ كاذِبًا وهي ثَلاثَةُ أشْياءَ:
أحَدُها: ما يَتَعَلَّقُ بِالإلَهِيّاتِ.
وثانِيها: ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوّاتِ.
وثالِثُها: ما يَتَعَلَّقُ بِالمَعادِ، أمّا الشُّبْهَةُ المُتَعَلِّقَةُ بِالإلَهِيّاتِ فَهي قَوْلُهم: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا أسْلَمَ عُمَرُ فَرِحَ بِهِ المُسْلِمُونَ فَرَحا شَدِيدًا، وشَقَّ ذَلِكَ عَلى قُرَيْشٍ، فاجْتَمَعَ خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ نَفْسًا مِن صَنادِيدِهِمْ ومَشَوْا إلى أبِي طالِبٍ وقالُوا: أنْتَ شَيْخُنا وكَبِيرُنا وقَدْ عَلِمْتَ ما فَعَلَ هَؤُلاءِ السُّفَهاءُ يَعْنُونَ المُسْلِمِينَ فَجِئْناكَ لِتَقْضِيَ بَيْنَنا وبَيْنَ ابْنِ أخِيكَ، فاسْتَحْضَرَ أبُو طالِبٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقالَ: يا ابْنَ أخِي هَؤُلاءِ قَوْمُكَ يَسْألُونَكَ السُّؤالَ فَلا تَمِلْ كُلَّ المَيْلِ عَلى قَوْمِكَ، فَقالَ ﷺ: ماذا يَسْألُونَنِي، قالُوا: ارْفُضْنا وارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا ونَدَعُكَ وإلَهَكَ، فَقالَ ﷺ: أرَأيْتُمْ إنْ أعْطَيْتُكم ما سَألْتُمْ أتُعْطُونِي أنْتُمْ كَلِمَةً واحِدَةً تَمْلِكُونَ بِها العَرَبَ وتَدِينُ لَكُمُ العَجَمُ ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ تَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقامُوا وقالُوا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ أيْ بَلِيغٌ في التَّعَجُّبِ» . وأقُولُ مَنشَأُ التَّعَجُّبِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: هو أنَّ القَوْمَ ما كانُوا مِن أصْحابِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، بَلْ كانَتْ أوْهامُهم تابِعَةً لِلْمَحْسُوساتِ، فَلَمّا وجَدُوا في الشّاهِدِ أنَّ الفاعِلَ الواحِدَ لا تَفِي قُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ بِحِفْظِ الخَلْقِ العَظِيمِ قاسُوا الغائِبَ عَلى الشّاهِدِ، فَقالُوا: لا بُدَّ في حِفْظِ هَذا العالَمِ الكَثِيرِ مِن آلِهَةٍ كَثِيرَةٍ يَتَكَفَّلُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِحِفْظِ نَوْعٍ آخَرَ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ أسْلافَهم لِكَثْرَتِهِمْ وقُوَّةِ عُقُولِهِمْ كانُوا مُطْبِقِينَ عَلى الشِّرْكِ، فَقالُوا مِنَ العَجَبِ العَجِيبِ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الأقْوامُ عَلى كَثْرَتِهِمْ وقُوَّةِ عُقُولِهِمْ كانُوا جاهِلِينَ مُبْطِلِينَ، وهَذا الإنْسانُ الواحِدُ يَكُونُ مُحِقًّا صادِقًا، وأقُولُ لَعَمْرِي لَوْ سَلَّمْنا إجْراءَ حُكْمِ الشّاهِدِ عَلى الغائِبِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ وحُجَّةٍ، لَكانَتِ الشُّبْهَةُ الأُولى لازِمَةً، ولَمّا تَوافَقْنا عَلى فَسادِها عَلِمْنا أنَّ إجْراءَ حُكْمِ الشّاهِدِ عَلى الغائِبِ فاسِدٌ قَطْعًا، وإذا بَطَلَتْ هَذِهِ القاعِدَةُ فَقَدْ بَطَلَ أصْلُ كَلامِ المُشَبِّهَةِ في الذّاتِ، وكَلامُ المُشَبِّهَةِ في الأفْعالِ، أمّا المُشَبِّهَةُ في الذّاتِ فَهو أنَّهم يَقُولُونَ لَمّا كانَ كُلُّ مَوْجُودٍ في الشّاهِدِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ جِسْمًا ومُخْتَصًّا بِحَيِّزٍ وجَبَ في الغائِبِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، أمّا المُشَبِّهَةُ في الأفْعالِ فَهُمُ المُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ الأمْرَ الفُلانِيَّ قَبِيحٌ مِنّا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَبِيحًا مِنَ اللَّهِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ إنْ صَحَّ كَلامُ هَؤُلاءِ المُشَبِّهَةِ في الذّاتِ وفي الأفْعالِ لَزِمَ القَطْعُ بِصِحَّةِ شُبْهَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، وحَيْثُ تَوافَقْنا عَلى فَسادِها عَلِمْنا أنَّ عُمْدَةَ المُجَسِّمَةِ وكَلامَ المُعْتَزِلَةِ باطِلٌ فاسِدٌ.
وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ فَلَعَمْرِي لَوْ كانَ التَّقْلِيدُ حَقًّا لَكانَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ لازِمَةً وحَيْثُ كانَتْ فاسِدَةً عَلِمْنا أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ بَقِيَ هَهُنا أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ العُجابَ هو العَجِيبُ إلّا أنَّهُ أبْلَغُ مِنَ العَجِيبِ كَقَوْلِهِمْ طَوِيلٌ وطُوالٌ وعَرِيضٌ وعُراضٌ وكَبِيرٌ وكُبارٌ وقَدْ يُشَدَّدُ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٢] .
البَحْثُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ عُجابٌ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ، فَقالَ: والتَّشْدِيدُ أبْلَغُ مِنَ التَّخْفِيفِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَكْرًا كُبّارًا﴾ .
صفحة ١٥٦
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَلَأ عِبارَةٌ عَنِ القَوْمِ الَّذِينَ إذا حَضَرُوا في المَجْلِسِ فَإنَّهُ تَمْتَلِئُ القُلُوبُ والعُيُونُ مِن مَهابَتِهِمْ وعَظَمَتِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ مِن قُرَيْشٍ؛ انْطَلَقُوا عَنْ مَجْلِسِ أبِي طالِبٍ بَعْدَما بَكَتَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالجَوابِ العَتِيدِ قائِلِينَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: القِراءَةُ المَشْهُورَةُ ”أنِ امْشُوا“ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ”امْشُوا“ بِحَذْفِ أنْ، قالَ صاحِبُ: ”الكَشّافِ“ ”أنْ“ بِمَعْنى أيْ لِأنَّ المُنْطَلِقِينَ عَنْ مَجْلِسِ التَّقاوُلِ لا بُدَّ لَهم مِن أنْ يَتَكَلَّمُوا ويَتَفاوَضُوا فِيما يَجْرِي في المَجْلِسِ المُتَقَدِّمِ، فَكانَ انْطِلاقُهم مُضَمَّنًا مَعْنى القَوْلِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم يَمْشُونَ.
البَحْثُ الثّانِي: مَعْنى أنِ امْشُوا أنَّهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ امْشُوا واصْبِرُوا، فَلا حِيلَةَ لَكم في دَفْعِ أمْرِ مُحَمَّدٍ، إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: ظُهُورُ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَيْسَ لَهُ سَبَبٌ ظاهِرٌ يُثْبِتُ أنَّ تَزايُدَ ظُهُورِهِ لَيْسَ إلّا لِأنَّ اللَّهَ يُرِيدُهُ، وما أرادَ اللَّهُ كَوْنَهُ فَلا دافِعَ لَهُ.
وثانِيها: أنَّ الأمْرَ كَشَيْءٍ مِن نَوائِبِ الدَّهْرِ فَلا انْفِكاكَ لَنا مِنهُ.
وثالِثُها: أنَّ دِينَكم لَشَيْءٌ يُرادُ أيْ يُطْلَبُ لِيُؤْخَذَ مِنكم، قالَ القَفّالُ: هَذِهِ كَلِمَةٌ تُذْكَرُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ وكَأنَّ مَعْناها أنَّهُ لَيْسَ غَرَضُ مُحَمَّدٍ مِن هَذا القَوْلِ تَقْرِيرَ الدِّينِ، وإنَّما غَرَضُهُ أنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْنا فَيَحْكُمَ في أمْوالِنا وأوْلادِنا بِما يُرِيدُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ والمِلَّةُ الآخِرَةُ هي مِلَّةُ النَّصارى فَقالُوا إنَّ هَذا التَّوْحِيدَ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ما سَمِعْناهُ في دِينِ النَّصارى، أوْ يَكُونُ المُرادُ بِالمِلَّةِ الآخِرَةِ مِلَّةَ قُرَيْشٍ الَّتِي أدْرَكُوا آباءَهم عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ افْتِعالٌ وكَذِبٌ، وحاصِلُ الكَلامِ مِن هَذا الوَجْهِ أنَّهم قالُوا نَحْنُ ما سَمِعْنا عَنْ أسْلافِنا القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ باطِلًا، ولَوْ كانَ القَوْلُ بِالتَّقْلِيدِ حَقًّا لَكانَ كَلامُ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ حَقًّا، وحَيْثُ كانَ باطِلًا عَلِمْنا أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ باطِلٌ.
38:8–10Page 453
أَءُنزِلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ مِنۢ بَيۡنِنَاۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّن ذِكۡرِيۚ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ٨
Has the message been revealed to him out of [all of] us?" Rather, they are in doubt about My message. Rather, they have not yet tasted My punishment.
أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَحۡمَةِ رَبِّكَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡوَهَّابِ ٩
Or do they have the depositories of the mercy of your Lord, the Exalted in Might, the Bestower?1
أَمۡ لَهُم مُّلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ فَلۡيَرۡتَقُواْ فِي ٱلۡأَسۡبَٰبِ ١٠
Or is theirs the dominion of the heavens and the earth and what is between them? Then let them ascend through [any] ways of access.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ لِأُولَئِكَ الكُفّارِ وهي الشُّبْهَةُ المُتَعَلِّقَةُ بِالنُّبُوّاتِ، وهي قَوْلُهم إنَّ مُحَمَّدًا لَمّا كانَ مُساوِيًا لِغَيْرِهِ في الذّاتِ والصِّفاتِ والخِلْقَةِ الظّاهِرَةِ والأخْلاقِ الباطِنَةِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُخْتَصَّ هو بِهَذِهِ الدَّرَجَةِ العالِيَةِ والمَنزِلَةِ الشَّرِيفَةِ ؟ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ فَإنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْمِ صالِحٍ أنَّهم قالُوا مِثْلَ هَذا القَوْلِ فَقالُوا:
صفحة ١٥٧
﴿أؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ [القَمَرِ: ٢٥] وحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ أيْضًا أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] وتَمامُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ: أنَّهم قالُوا النُّبُوَّةُ أشْرَفُ المَراتِبِ، فَوَجَبَ أنْ لا تَحْصُلَ إلّا لِأشْرَفِ النّاسِ ومُحَمَّدٌ لَيْسَ أشْرَفَ النّاسِ، فَوَجَبَ أنْ لا تَحْصُلَ لَهُ النُّبُوَّةُ، والمُقَدِّمَتانِ الأوَّلِيّانِ حَقِيقَتانِ، لَكِنَّ الثّالِثَةَ كاذِبَةٌ وسَبَبُ رَواجِ هَذا التَّغْلِيطِ عَلَيْهِمْ أنَّهم ظَنُّوا أنَّ الشَّرَفَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالمالِ والأعْوانِ وذَلِكَ باطِلٌ، فَإنَّ مَراتِبَ السَّعادَةِ ثَلاثٌ أعْلاها هي النَّفْسانِيَّةُ وأوْسَطُها هي البَدَنِيَّةُ، وأدْوَنُها هي الخارِجِيَّةُ وهي المالُ والجاهُ، فالقَوْمُ عَكَسُوا القَضِيَّةَ وظَنُّوا بِأخَسِّ المَراتِبِ أشْرَفَها، فَلَمّا وجَدُوا المالَ والجاهَ عِنْدَ غَيْرِهِ أكْثَرَ ظَنُّوا أنَّ غَيْرَهُ أشْرَفُ مِنهُ، فَحِينَئِذٍ انْعَقَدَ هَذا القِياسُ الفاسِدُ في أفْكارِهِمْ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ أيْ مِنَ الدَّلائِلِ الَّتِي لَوْ نَظَرُوا فِيها لَزالَ هَذا الشَّكُّ عَنْهم وذَلِكَ لَأنَّ كُلَّ ما ذَكَرُوهُ مِنَ الشُّبُهاتِ فَهي كَلِماتٌ ضَعِيفَةٌ، وأمّا الدَّلائِلُ الَّتِي تَدُلُّ بِنَفْسِها عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، فَهي دَلائِلُ قاطِعَةٌ، فَلَوْ تَأمَّلُوا حَقَّ التَّأمُّلِ في الكَلامِ لَوَقَفُوا عَلى ضَعْفِ الشُّبُهاتِ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها في إبْطالِ النُّبُوَّةِ، ولَعَرَفُوا صِحَّةَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، فَحَيْثُ لَمْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ كانَ لِأجْلِ أنَّهم تَرَكُوا النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ فَمَوْقِعُهُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ هَؤُلاءِ إنَّما تَرَكُوا النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ لِأنِّي لَمْ أُذِقْهم عَذابِي، ولَوْ ذاقُوهُ لَمْ يَقَعْ مِنهم إلّا الإقْبالُ عَلى أداءِ المَأْمُوراتِ والِانْتِهاءُ عَنِ المَنهِيّاتِ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ؛ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ هو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُخَوِّفُهم مِن عَذابِ اللَّهِ لَوْ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ، ثُمَّ إنَّهم أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ، ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمُ العَذابُ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِشَكِّهِمْ في صِدْقِهِ، وقالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنْفالِ: ٣٢] فَقالَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ مَعْناهُ ما ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ مَعْناهُ أنَّ ذَلِكَ الشَّكَّ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ عَدَمِ نُزُولِ العَذابِ.
والوَجْهُ الثّانِي مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في الجَوابِ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ أنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ ودَرَجَةٌ عالِيَةٌ، والقادِرُ عَلى هِبَتِها يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَزِيزًا أيْ: كامِلَ القُدْرَةِ، ووَهّابًا أيْ: عَظِيمَ الجُودِ، وذَلِكَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وإذا كانَ هو تَعالى كامِلَ القُدْرَةِ وكامِلَ الجُودِ، لَمْ يَتَوَقَّفْ كَوْنُهُ واهِبًا لِهَذِهِ النِّعْمَةِ عَلى كَوْنِ المَوْهُوبِ مِنهُ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا، ولَمْ يَخْتَلِفْ ذَلِكَ أيْضًا بِسَبَبِ أنَّ أعْداءَهُ يُحِبُّونَهُ أوْ يَكْرَهُونَهُ.
والوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الكَلامِ مُغايِرًا لِلْمُرادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ والفَرْقُ أنَّ خَزائِنَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ كَما قالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ [الحِجْرِ: ٢١] ومِن جُمْلَةِ تِلْكَ الخَزائِنِ هو هَذِهِ السَّماواتُ والأرْضُ، فَلَمّا ذَكَّرَنا الخَزائِنَ أوَّلًا عَلى عُمُومِها أرْدَفَها بِذِكْرِ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ يَعْنِي أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ أحَدُ أنْواعِ خَزائِنِ اللَّهِ، فَإذا كُنْتُمْ عاجِزِينَ عَنْ هَذا القِسْمِ، فَبِأنْ تَكُونُوا عاجِزِينَ عَنْ كُلِّ خَزائِنِ اللَّهِ كانَ أوْلى، فَهَذا
صفحة ١٥٨
ما أمْكَنَنِي ذِكْرُهُ في الفَرْقِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ فالمَعْنى أنَّهم إنِ ادَّعَوْا أنَّ لَهم مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ فَعِنْدَ هَذا يُقالُ لَهُمُ ارْتَقُوا في الأسْبابِ واصْعَدُوا في المَعارِجِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِها إلى العَرْشِ حَتّى يَرْتَقُوا عَلَيْهِ ويُدَبِّرُوا أمْرَ العالَمِ ومَلَكُوتَ اللَّهِ ويُنْزِلُوا الوَحْيَ عَلى مَن يَخْتارُونَ، واعْلَمْ أنَّ حُكَماءَ الإسْلامِ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ عَلى أنَّ الأجْرامَ الفَلَكِيَّةَ وما أوْدَعَ اللَّهُ فِيها مِنَ القُوى والخَواصِّ أسْبابٌ لِحَوادِثِ العالَمِ السُّفْلِيِّ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى الفَلَكِيّاتِ أسْبابًا وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ فَفِيهِ مَقامانِ مِنَ البَحْثِ:
أحَدُهُما: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ.
والثّانِي: في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِها بِما قَبْلَها.
أمّا المَقامُ الأوَّلُ: فَقَوْلُهُ: ﴿جُنْدٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وما لِلْإيهامِ كَقَوْلِهِ جِئْتُ لِأمْرٍ ما، وعِنْدِي طَعامٌ ما، و﴿مِنَ الأحْزابِ﴾ صِفَةٌ لِجُنْدٍ و﴿مَهْزُومٌ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿هُنالِكَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِجُنْدٍ أيْ جُنْدٌ ثابِتٌ هُنالِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَهْزُومٍ مَعْناهُ أنَّ الجُنْدَ مِنَ الأحْزابِ مَهْزُومٌ هُنالِكَ، أيْ في ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي كانُوا يَذْكُرُونَ فِيهِ هَذِهِ الكَلِماتِ الطّاعِنَةَ في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وأمّا المَقامُ الثّانِي: فَهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ إنْ كانُوا يَمْلِكُونَ السَّماواتِ والأرْضَ فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ، ذَكَرَ عَقِيبَهُ أنَّهم جُنْدٌ مِنَ الأحْزابِ ضَعِيفُونَ، فَكَيْفَ يَكُونُونَ مالِكِي السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، قالَ قَتادَةُ: هُنالِكَ إشارَةٌ إلى يَوْمِ بَدْرٍ فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِمَكَّةَ أنَّهُ سَيُهْزَمُ جُنْدُ المُشْرِكِينَ فَجاءَ تَأْوِيلُها يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، والأصْوَبُ عِنْدِي حَمْلُهُ عَلى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْنى أنَّهم جُنْدٌ سَيَصِيرُونَ مُنْهَزِمِينَ في المَوْضِعِ الَّذِي ذَكَرُوا فِيهِ هَذِهِ الكَلِماتِ، وذَلِكَ المَوْضِعُ هو مَكَّةُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم سَيَصِيرُونَ مُنْهَزِمِينَ في مَكَّةَ وما ذاكَ إلّا يَوْمَ الفَتْحِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences