Ar-RaziSad · 38:24–32

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Sad 38:24–32, continued

الثّالِثُ: لَعَلَّ القَوْمَ تابُوا إلى اللَّهِ وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ لَهم لِأجْلِ أنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهم فاسْتَغْفَرَ وتَضَرَّعَ إلى اللَّهِ، فَغَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهم بِسَبَبِ شَفاعَتِهِ ودُعائِهِ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ مُحْتَمَلَةٌ ظاهِرَةٌ، والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِن أمْثالِ هَذِهِ الوُجُوهِ، وإذا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِما ذَكَرْناهُ ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ ولا ظَنِّيٌّ عَلى التِزامِ المُنْكَراتِ الَّتِي يَذْكُرُونَها، فَما الَّذِي يَحْمِلُنا عَلى التِزامِها والقَوْلِ بِها، والَّذِي يُؤَكِّدُ أنَّ الَّذِي ذَكَرْناهُ أقْرَبُ وأقْوى أنْ يُقالَ خَتَمَ اللَّهُ هَذِهِ القِصَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ ومِثْلُ هَذِهِ الخاتِمَةِ إنَّما تَحْسُنُ مِن حَقِّ مَن صَدَرَ مِنهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ في الخِدْمَةِ والطّاعَةِ، وتَحَمَّلَ أنْواعًا مِنَ الشَّدائِدِ في المُوافَقَةِ والِانْقِيادِ، أمّا إذا كانَ المَذْكُورُ السّابِقُ هو الإقْدامَ عَلى الجُرْمِ والذَّنْبِ فَإنَّ مِثْلَ هَذِهِ الخاتِمَةِ لا تَلِيقُ بِهِ، قالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ؛ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أُتِيَ بِمِنبَرٍ رَفِيعٍ ويُوضَعُ في الجَنَّةِ، ويُقالُ يا داوُدُ مَجِّدْنِي بِذَلِكَ الصَّوْتِ الحَسَنِ الرَّخِيمِ الَّذِي كُنْتَ تُمَجِّدُنِي بِهِ في الدُّنْيا واللَّهُ أعْلَمُ، بَقِيَ هَهُنا مَباحِثُ:

الأوَّلُ: قُرِئَ فَتَناهُ وفَتَنّاهُ عَلى أنَّ الألِفَ ضَمِيرُ المَلَكَيْنِ.

الثّانِي: المَشْهُورُ أنَّ الِاسْتِغْفارَ إنَّما كانَ بِسَبَبِ قِصَّةِ النَّعْجَةِ والنِّعاجِ، وقِيلَ أيْضًا إنَّما كانَ بِسَبَبِ أنَّهُ حَكَمَ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ قَبْلَ أنْ سَمِعَ كَلامَ الثّانِي وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ.

الثّالِثُ: قَوْلُهُ؛ ﴿وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الرُّكُوعِ، وأمّا السُّجُودُ فَقَدْ ثَبَتَ بِالأخْبارِ وكَذَلِكَ البُكاءُ الشَّدِيدُ في مُدَّةِ أرْبَعِينَ يَوْمًا ثَبَتَ بِالأخْبارِ.

الرّابِعُ: أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ هَذا المَوْضِعَ لَيْسَ فِيهِ سَجْدَةُ التِّلاوَةِ، قالَ: لِأنَّهُ تَوْبَةُ نَبِيٍّ فَلا تُوجِبُ سَجْدَةَ التِّلاوَةِ.

الخامِسُ: اسْتَشْهَدَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَذِهِ الآيَةِ في سُجُودِ التِّلاوَةِ عَلى أنَّ الرُّكُوعَ يَقُومُ مَقامَ السُّجُودِ.

صفحة ١٧٤

38:26–29Page 454

يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ ٢٦

[We said], "O David, indeed We have made you a successor upon the earth, so judge between the people in truth and do not follow [your own] desire, as it will lead you astray from the way of Allāh." Indeed, those who go astray from the way of Allāh will have a severe punishment for having forgotten the Day of Account.

وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا بَٰطِلٗاۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ ٢٧

And We did not create the heaven and the earth and that between them aimlessly. That is the assumption of those who disbelieve, so woe to those who disbelieve from the Fire.

أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلۡمُفۡسِدِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلۡمُتَّقِينَ كَٱلۡفُجَّارِ ٢٨

Or should We treat those who believe and do righteous deeds like corrupters in the land? Or should We treat those who fear Allāh like the wicked?

كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٩

[This is] a blessed Book which We have revealed to you, [O Muḥammad], that they might reflect upon its verses and that those of understanding would be reminded.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ الكَلامَ في شَرْحِ القِصَّةِ أرْدَفَها بِبَيانِ أنَّهُ تَعالى فَوَّضَ إلى داوُدَ خِلافَةَ الأرْضِ، وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ القَوْلِ المَشْهُورِ في تِلْكَ القِصَّةِ، لِأنَّ مِنَ البَعِيدِ جِدًّا أنْ يُوصَفَ الرَّجُلُ بِكَوْنِهِ ساعِيًا في سَفْكِ دِماءِ المُسْلِمِينَ، راغِبًا في انْتِزاعِ أزْواجِهِمْ مِنهم، ثُمَّ يَذْكُرُ عَقِيبَهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَوَّضَ خِلافَةَ الأرْضِ إلَيْهِ، ثُمَّ نَقُولُ في تَفْسِيرِ كَوْنِهِ خَلِيفَةً وجْهانِ:

الأوَّلُ: جَعَلْناكَ تَخْلُفُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، وفي سِياسَةِ النّاسِ لِأنَّ خَلِيفَةَ الرَّجُلِ مَن يَخْلُفُهُ، وذَلِكَ إنَّما يُعْقَلُ في حَقِّ مَن يَصِحُّ عَلَيْهِ الغَيْبَةُ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ.

الثّانِي: إنّا جَعَلْناكَ مالِكًا لِلنّاسِ ونافِذَ الحُكْمِ فِيهِمْ، فَبِهَذا التَّأْوِيلِ يُسَمّى خَلِيفَةً، ومِنهُ يُقالُ خُلَفاءُ اللَّهِ في أرْضِهِ، وحاصِلُهُ أنَّ خَلِيفَةَ الرَّجُلِ يَكُونُ نافِذَ الحُكْمِ في رَعِيَّتِهِ، وحَقِيقَةُ الخِلافَةِ مُمْتَنِعَةٌ في حَقِّ اللَّهِ، فَلَمّا امْتَنَعَتِ الحَقِيقَةُ جُعِلَتِ اللَّفْظَةُ مُفِيدَةً اللُّزُومَ في تِلْكَ الحَقِيقَةِ وهو نَفاذُ الحُكْمِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ واعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ خُلِقَ مَدَنِيًّا بِالطَّبْعِ، لِأنَّ الإنْسانَ الواحِدَ لا يَنْتَظِمُ مَصالِحُهُ إلّا عِنْدَ وُجُودِ مَدِينَةٍ تامَّةٍ حَتّى أنَّ هَذا يَحْرُثُ، وذَلِكَ يَطْحَنُ، وذَلِكَ يَخْبِزُ، وذَلِكَ يَنْسِجُ، وهَذا يَخِيطُ، وبِالجُمْلَةِ فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَشْغُولًا بِمُهِمٍّ، ويَنْتَظِمُ مِن أعْمالِ الجَمِيعِ مَصالِحُ الجَمِيعِ. فَثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ، وعِنْدَ اجْتِماعِهِمْ في المَوْضِعِ الواحِدِ يَحْصُلُ بَيْنَهم مُنازَعاتٌ ومُخاصَماتٌ، ولا بُدَّ مِن إنْسانٍ قادِرٍ قاهِرٍ يَقْطَعُ تِلْكَ الخُصُوماتِ وذَلِكَ هو السُّلْطانُ الَّذِي يَنْفُذُ حُكْمُهُ عَلى الكُلِّ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَنْتَظِمُ مَصالِحُ الخَلْقِ إلّا بِسُلْطانٍ قاهِرٍ سائِسٍ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ السُّلْطانَ القاهِرَ السّائِسَ إنْ كانَ حُكْمُهُ عَلى وفْقِ هَواهُ ولِطَلَبِ مَصالِحِ دُنْياهُ عَظُمَ ضَرَرُهُ عَلى الخَلْقِ فَإنَّهُ يَجْعَلُ الرَّعِيَّةَ فِداءً لِنَفْسِهِ ويَتَوَسَّلُ بِهِمْ إلى تَحْصِيلِ مَقاصِدِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى تَخْرِيبِ العالَمِ ووُقُوعِ الهَرْجِ والمَرْجِ في الخَلْقِ، وذَلِكَ يُفْضِي بِالآخِرَةِ إلى هَلاكِ ذَلِكَ المَلِكِ، أمّا إذا كانَتْ أحْكامُ ذَلِكَ المَلِكِ مُطابِقَةً لِلشَّرِيعَةِ الحَقَّةِ الإلَهِيَّةِ انْتَظَمَتْ مَصالِحُ العالَمِ، واتَّسَعَتْ أبْوابُ الخَيْراتِ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ. فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ يَعْنِي

صفحة ١٧٥

لا بُدَّ مِن حاكِمٍ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ فَكُنْ أنْتَ ذَلِكَ الحاكِمَ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، وتَفْسِيرُهُ أنَّ مُتابَعَةَ الهَوى تُوجِبُ الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، والضَّلالُ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يُوجِبُ سُوءَ العَذابِ، فَيَنْتُجُ أنَّ مُتابَعَةَ الهَوى تُوجِبُ سُوءَ العَذابِ.

أمّا المَقامُ الأوَّلُ: وهو أنَّ مُتابَعَةَ الهَوى تُوجِبُ الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَتَقْرِيرُهُ أنَّ الهَوى يَدْعُو إلى الِاسْتِغْراقِ في اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، والِاسْتِغْراقُ فِيها يَمْنَعُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِطَلَبِ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي هي الباقِياتُ الصّالِحاتُ، لِأنَّهُما حالَتانِ مُتَضادَّتانِ فَبِقَدْرِ ما يَزْدادُ أحَدُهُما يَنْقُصُ الآخَرُ.

أمّا المَقامُ الثّانِي: وهو أنَّ الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يُوجِبُ سُوءَ العَذابِ، فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ لِأنَّ الإنْسانَ إذا عَظُمَ إلْفُهُ بِهَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ ونَسِيَ بِالكُلِّيَّةِ أحْوالَهُ الرُّوحانِيّاتِ، فَإذا ماتَ فَقَدْ فارَقَ المَحْبُوبَ والمَعْشُوقَ، ودَخَلَ دِيارًا لَيْسَ لَهُ بِأهْلِ تِلْكَ الدِّيارِ إلْفٌ ولَيْسَ لِعَيْنِهِ قُوَّةُ مُطالَعَةِ أنْوارِ تِلْكَ الدِّيارِ، فَكَأنَّهُ فارَقَ المَحْبُوبَ ووَصَلَ إلى المَكْرُوهِ، فَكانَ لا مَحالَةَ في أعْظَمِ العَناءِ والبَلاءِ، فَثَبَتَ أنَّ مُتابَعَةَ الهَوى تُوجِبُ الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وثَبَتَ أنَّ الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يُوجِبُ العَذابَ، وهَذا بَيانٌ في غايَةِ الكَمالِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ يَعْنِي أنَّ السَّبَبَ الأوَّلَ لِحُصُولِ ذَلِكَ الضَّلالِ هو نِسْيانُ يَوْمِ الحِسابِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُتَذَكِّرًا لِيَوْمِ الحِسابِ لَما أعْرَضَ عَنْ إعْدادِ الزّادِ لِيَوْمِ المَعادِ، ولَما صارَ مُسْتَغْرِقًا في هَذِهِ اللَّذّاتِ الفاسِدَةِ.

رُوِيَ عَنْ بَعْضِ خُلَفاءِ بَنِي مَرْوانَ أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ هَلْ سَمِعْتَ ما بَلَغَنا أنَّ الخَلِيفَةَ لا يَجْرِي عَلَيْهِ القَلَمُ ولا يَكْتُبُ عَلَيْهِ مَعْصِيَةً ؟ فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، الخُلَفاءُ أفْضَلُ أمِ الأنْبِياءُ ؟! ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ . ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الرُّومِ: ٨] وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خالِقًا لِأعْمالِ العِبادِ، قالَ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى الكُفْرِ والفِسْقِ، وكُلُّها أباطِيلُ. فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ ما خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا دَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ أعْمالَ العِبادِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ وعِنْدَ المُجَبِّرَةِ أنَّهُ خَلَقَ الكافِرَ لِأجْلِ أنْ يَكْفُرَ، والكُفْرُ باطِلٌ، وقَدْ خَلَقَ الباطِلَ، ثُمَّ أكَّدَ تَعالى ذَلِكَ بِأنْ قالَ: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ كُلُّ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ فَهو كافِرٌ، فَهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ مَذْهَبَ المُجَبِّرَةِ عَيْنُ الكُفْرِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا رَحِمَهُمُ اللَّهُ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لِأعْمالِ العِبادِ، فَقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لِكُلِّ ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ، وأعْمالُ العِبادِ حاصِلَةٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى خالِقًا لَها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ الخَلْقَ في هَذا العالَمِ، فَإمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ خَلَقَهم لِلْإضْرارِ أوْ لِلْإنْفاعِ أوْ لا لِلْإنْفاعِ ولا لِلْإضْرارِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ ذَلِكَ لا

صفحة ١٧٦

يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ، والثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ هَذِهِ الحالَةَ حاصِلَةٌ حِينَ كانُوا مَعْدُومِينَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ إنَّهُ خَلَقَهم لِلْإنْفاعِ، فَنَقُولُ وذَلِكَ الإنْفاعُ، إمّا أنْ يَكُونَ في حَياةِ الدُّنْيا أوْ في حَياةِ الآخِرَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا قَلِيلَةٌ ومَضارَّها كَثِيرَةٌ، وتَحَمُّلُ المَضارِّ الكَثِيرَةِ لِلْمَنفَعَةِ القَلِيلَةِ لا يَلِيقُ بِالحِكْمَةِ، ولَمّا بَطَلَ هَذا القِسْمُ ثَبَتَ القَوْلُ بِوُجُودِ حَياةٍ أُخْرى بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وذَلِكَ هو القَوْلُ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الدَّلِيلَ يُمْكِنُ تَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وقَدْ لَخَّصْناها في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ بِالِاسْتِقْصاءِ، فَلا سَبِيلَ إلى التَّكْرِيرِ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا، وإذا لَمْ يَكُنْ خَلْقُهُما باطِلًا كانَ القَوْلُ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ لازِمًا، وأنَّ كُلَّ مَن أنْكَرَ القَوْلَ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ كانَ شاكًّا في حِكْمَةِ اللَّهِ في خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ أنَّ إنْكارَ الحَشْرِ والنَّشْرِ يُوجِبُ الشَّكَّ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى بَيَّنَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، فَقالَ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ وتَقْرِيرُهُ أنّا نَرى في الدُّنْيا مَن أطاعَ اللَّهَ واحْتَرَزَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ في الفَقْرِ والزَّمانَةِ وأنْواعِ البَلاءِ، ونَرى الكَفَرَةَ والفُسّاقَ في الرّاحَةِ والغِبْطَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَشْرٌ ونَشْرٌ ومَعادٌ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حالُ المُطِيعِ أدْوَنَ مِن حالِ العاصِي، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ، وإذا كانَ ذَلِكَ قادِحًا في الحِكْمَةِ، ثَبَتَ أنَّ إنْكارَ الحَشْرِ والنَّشْرِ يُوجِبُ إنْكارَ حِكْمَةِ اللَّهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ هَذا القُرْآنَ لِأجْلِ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ والهِدايَةِ، وهَذا يُفِيدُ أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ أفْعالَ اللَّهِ مُعَلَّلَةٌ بِرِعايَةِ المَصالِحِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أرادَ الإيمانَ والخَيْرَ والطّاعَةَ مِنَ الكُلِّ بِخِلافِ قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّهُ أرادَ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَقْرِيرِ نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ فَنَقُولُ: لِسائِلٍ أنْ يَسْألَ فَيَقُولَ إنَّهُ تَعالى حَكى في أوَّلِ السُّورَةِ عَنِ المُسْتَهْزِئِينَ مِنَ الكُفّارِ، أنَّهم بالَغُوا في إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ، وقالُوا: ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم ذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ الجَوابَ، بَلْ قالَ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِذِكْرِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ القَوْلَ بِالقِيامَةِ حَقٌّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أطْنَبَ في شَرْحِ قِصَّةِ داوُدَ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِمَسْألَةِ إثْباتِ حِكْمَةِ اللَّهِ بِقِصَّةِ داوُدَ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ إثْباتَ حِكْمَةِ اللَّهِ وفَرَّعَ عَلَيْهِ إثْباتَ أنَّ القَوْلَ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ حَقٌّ، ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ شَرِيفٌ فاضِلٌ كَثِيرُ النَّفْعِ والخَيْرِ، ولا تَعَلُّقَ لِهَذا الفَصْلِ بِالكَلِماتِ المُتَقَدِّمَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتْ هَذِهِ الفُصُولُ فُصُولًا مُتَبايِنَةً لا تَعَلُّقَ لِلْبَعْضِ مِنها بِالبَعْضِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ وصْفُ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ كِتابًا شَرِيفًا فاضِلًا ؟ هَذا تَمامُ السُّؤالِ.

والجَوابُ أنْ نَقُولَ: إنَّ العُقَلاءَ قالُوا مَنِ ابْتُلِيَ بِخَصْمٍ جاهِلٍ مُصِرٍّ مُتَعَصِّبٍ، ورَآهُ قَدْ خاضَ في ذَلِكَ التَّعَصُّبِ والإصْرارِ، وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَقْطَعَ الكَلامَ مَعَهُ في تِلْكَ المَسْألَةِ، لِأنَّهُ كُلَّما كانَ خَوْضُهُ في تَقْرِيرِهِ أكْثَرَ كانَتْ نَفْرَتُهُ عَنِ القَبُولِ أشَدَّ، فالطَّرِيقُ حِينَئِذٍ أنْ يَقْطَعَ الكَلامَ مَعَهُ في تِلْكَ المَسْألَةِ، وأنْ يَخُوضَ في كَلامٍ آخَرَ أجْنَبِيٍّ عَنِ المَسْألَةِ الأُولى بِالكُلِّيَّةِ، ويُطْنِبَ في ذَلِكَ الكَلامِ الأجْنَبِيِّ، بِحَيْثُ يَنْسى ذَلِكَ المُتَعَصِّبُ تِلْكَ المَسْألَةَ الأُولى، فَإذا اشْتَغَلَ خاطِرُهُ بِهَذا الكَلامِ الأجْنَبِيِّ ونَسِيَ المَسْألَةَ الأُولى، فَحِينَئِذٍ

صفحة ١٧٧

يُدْرِجُ في أثْناءِ الكَلامِ في هَذا الفَصْلِ الأجْنَبِيِّ مُقَدِّمَةً مُناسِبَةً لِذَلِكَ المَطْلُوبِ الأوَّلِ، فَإنَّ ذَلِكَ المُتَعَصِّبَ يُسَلِّمُ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ، فَإذا سَلَّمَها، فَحِينَئِذٍ يَتَمَسَّكُ بِها في إثْباتِ المَطْلُوبِ الأوَّلِ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ ذَلِكَ الخَصْمُ المُتَعَصِّبُ مُنْقَطِعًا مُفْحَمًا، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ الكُفّارَ بَلَغُوا في إنْكارِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ إلى حَيْثُ قالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، اقْطَعِ الكَلامَ مَعَهم في هَذِهِ المَسْألَةِ، واشَرَعْ في كَلامٍ آخَرَ أجْنَبِيٍّ بِالكُلِّيَّةِ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ، وهي قِصَّةُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِهَذِهِ القِصَّةِ بِمَسْألَةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أطْنَبَ في شَرْحِ تِلْكَ القِصَّةِ، ثُمَّ قالَ في آخِرِ القِصَّةِ: ﴿ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ وكُلُّ مَن سَمِعَ هَذا قالَ نِعْمَ ما فَعَلَ حَيْثُ أمَرَهُ بِالحُكْمِ بِالحَقِّ، ثُمَّ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وأنا لا آمُرُكَ بِالحَقِّ فَقَطْ، بَلْ أنا مَعَ أنِّي رَبُّ العالَمِينَ لا أفْعَلُ إلّا بِالحَقِّ، ولا أقْضِي بِالباطِلِ، فَهَهُنا الخَصْمُ يَقُولُ نِعْمَ ما فَعَلَ حَيْثُ لَمْ يَقْضِ إلّا بِالحَقِّ، فَعِنْدَ هَذا يُقالُ لَمّا سَلَّمْتَ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِالحَقِّ لا بِالباطِلِ، لَزِمَكَ أنْ تُسَلِّمَ صِحَّةَ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ الكافِرُ راجِحًا عَلى المُسْلِمِ في إيصالِ الخَيْراتِ إلَيْهِ، وذَلِكَ ضِدُّ الحِكْمَةِ وعَيْنُ الباطِلِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ اللَّطِيفِ أوْرَدَ اللَّهُ تَعالى الإلْزامَ القاطِعَ عَلى مُنْكِرِي الحَشْرِ والنَّشْرِ إيرادًا لا يُمْكِنُهُمُ الخَلاصُ عَنْهُ، فَصارَ ذَلِكَ الخَصْمُ الَّذِي بَلَغَ في إنْكارِ المَعادِ إلى حَدِّ الِاسْتِهْزاءِ مُفْحَمًا مُلْزَمًا بِهَذا الطَّرِيقِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الدَّقِيقَةَ في الإلْزامِ في القُرْآنِ، لا جَرَمَ وصْفَ القُرْآنَ بِالكَمالِ والفَضْلِ، فَقالَ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ فَإنَّ مَن لَمْ يَتَدَبَّرْ ولَمْ يَتَأمَّلْ ولَمْ يُساعِدْهُ التَّوْفِيقُ الإلَهِيُّ لَمْ يَقِفْ عَلى هَذِهِ الأسْرارِ العَجِيبَةِ المَذْكُورَةِ في هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ، حَيْثُ يَراهُ في ظاهِرِ الحالِ مَقْرُونًا بِسُوءِ التَّرْتِيبِ، وهو في الحَقِيقَةِ مُشْتَمِلٌ عَلى أكْمَلِ جِهاتِ التَّرْتِيبِ، فَهَذا ما حَضَرَنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

38:30–32Page 455

وَوَهَبۡنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيۡمَٰنَۚ نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ٣٠

And to David We gave Solomon. An excellent servant, indeed he was one repeatedly turning back [to Allāh].

إِذۡ عُرِضَ عَلَيۡهِ بِٱلۡعَشِيِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلۡجِيَادُ ٣١

[Mention] when there were exhibited before him in the afternoon the poised [standing] racehorses.

فَقَالَ إِنِّيٓ أَحۡبَبۡتُ حُبَّ ٱلۡخَيۡرِ عَن ذِكۡرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتۡ بِٱلۡحِجَابِ ٣٢

And he said, "Indeed, I gave preference to the love of good [things] over the remembrance of my Lord until it [i.e., the sun] disappeared into the curtain [of darkness]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾

واعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الثّانِيَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ فِيهِ مَباحِثُ:

الأوَّلُ: نَقُولُ المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ في ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: هو سُلَيْمانُ، وقِيلَ: داوُدُ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ أقْرَبُ المَذْكُورَيْنِ، ولِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو داوُدَ، لِأنَّ وصْفَهُ بِهَذا المَعْنى قَدْ تَقَدَّمَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ﴾ فَلَوْ قُلْنا لَفْظُ الأوّابِ هَهُنا أيْضًا صِفَةُ داوُدَ لَزِمَ التَّكْرارُ، ولَوْ قُلْنا إنَّهُ صِفَةٌ لِسُلَيْمانَ لَزِمَ كَوْنُ الِابْنِ شَبِيهًا لِأبِيهِ في صِفاتِ الكَمالِ في الفَضِيلَةِ، فَكانَ هَذا أوْلى.

صفحة ١٧٨

البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ قالَ أوَّلًا ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لِلتَّعْلِيلِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما كانَ ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ لِأنَّهُ كانَ أوّابًا، فَيَلْزَمُ أنَّ كُلَّ مَن كانَ كَثِيرَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى في أكْثَرِ الأوْقاتِ وفي أكْثَرِ المُهِمّاتِ كانَ مَوْصُوفًا بِأنَّهُ ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ وهَذا هو الحَقُّ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ، لِأنَّ كَمالَ الإنْسانِ في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، ورَأْسُ المَعارِفِ ورَئِيسُها مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، ورَأْسُ الطّاعاتِ ورَئِيسُها الِاعْتِرافُ بِأنَّهُ لا يَتِمُّ شَيْءٌ مِنَ الخَيْراتِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ كَثِيرَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى فَكانَ أوّابًا، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن كانَ أوّابًا وجَبَ أنْ يَكُونَ ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ .

أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ هو إذْ كانَ مِن أعْمالِهِ أنَّهُ فَعَلَ كَذا.

الثّانِي: أنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ. والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ كَذا وكَذا، والعَشِيُّ هو مِن حِينِ العَصْرِ إلى آخَرِ النَّهارِ عُرِضَ الخَيْلُ عَلَيْهِ لِيَنْظُرَ إلَيْها ويَقِفَ عَلى كَيْفِيَّةِ أحْوالِها، والصّافِناتُ الجِيادُ الخَيْلُ وُصِفَتْ بِوَصْفَيْنِ:

الصِّفَةُ الأُولى: الصّافِناتُ، قالَ صاحِبُ ”الصِّحاحِ“: الصّافِنُ الَّذِي يَصْفِنُ قَدَمَيْهِ، وفي الحَدِيثِ ”«كُنّا إذا صَلَّيْنا خَلْفَهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قُمْنا صُفُونًا» “ أيْ قُمْنا صافِنِينَ أقْدامَنا، وأقُولُ: عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فالصُّفُونُ صِفَةٌ دالَّةٌ عَلى فَضِيلَةِ الفَرَسِ.

والصِّفَةُ الثّانِيَةُ لِلْخَيْلِ في هَذِهِ الآيَةِ الجِيادُ، قالَ المُبَرِّدُ: والجِيادُ جَمْعُ جَوادُ وهو الشَّدِيدُ الجَرْيِ، كَما أنَّ الجَوادُ مِنَ النّاسِ هو السَّرِيعُ البَذْلِ، فالمَقْصُودُ وصَفُها بِالفَضِيلَةِ والكَمالِ حالَتَيْ وُقُوفِها وحَرَكَتِها. أمّا حالُ وُقُوفِها فَوَصَفَها بِالصُّفُونِ، وأمّا حالُ حَرَكَتِها فَوَصَفَها بِالجَوْدَةِ، يَعْنِي أنَّها إذا وقَفَتْ كانَتْ ساكِنَةً مُطَمْئِنَةً في مَواقِفِها عَلى أحْسَنِ الأشْكالِ، فَإذا جَرَتْ كانَتْ سِراعًا في جَرْيِها، فَإذا طَلَبَتْ لَحِقَتْ، وإذا طُلِبَتْ لَمْ تُلْحَقْ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وُجُوهٌ.

الأوَّلُ: أنْ يُضَمَّنَ أحْبَبْتُ مَعْنى فِعْلٍ يَتَعَدّى بِعَنْ، كَأنَّهُ قِيلَ أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي.

والثّانِي: أنَّ أحْبَبْتُ بِمَعْنى ألْزَمْتُ، والمَعْنى أنِّي ألْزَمْتُ حُبَّ الخَيْلِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي، أيْ عَنْ كِتابِ رَبِّي وهو التَّوْراةُ، لِأنَّ ارْتِباطَ الخَيْلِ كَما أنَّهُ في القُرْآنِ مَمْدُوحٌ فَكَذَلِكَ في التَّوْراةِ مَمْدُوحٌ.

والثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يُحِبُّ شَيْئًا لَكِنَّهُ يُحِبُّ أنْ لا يُحِبَّهُ، كالمَرِيضِ الَّذِي يَشْتَهِي ما يَزِيدُ في مَرَضِهِ، والأبُ الَّذِي يُحِبُّ ولَدَهُ الرَّدِيءَ، وأمّا مَن أحَبَّ شَيْئًا، وأحَبَّ أنْ يُحِبَّهُ كانَ ذَلِكَ غايَةَ المَحَبَّةِ، فَقَوْلُهُ أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ بِمَعْنى أحْبَبْتُ حُبِّي لِهَذِهِ الخَيْلِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ بِمَعْنى أنَّ هَذِهِ المَحَبَّةَ الشَّدِيدَةَ إنَّما حَصَلَتْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وأمْرِهِ لا عَنِ الشَّهْوَةِ والهَوى، وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ الوُجُوهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ أقُولُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿رُدُّوها﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عائِدًا إلى الشَّمْسِ، لِأنَّهُ جَرى ذَكْرُ ما لَهُ تُعَلُّقٌ بِها وهو العَشِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عائِدًا إلى الصّافِناتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ مُتَعَلِّقًا بِالشَّمْسِ والثّانِي بِالصّافِناتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ، فَهَذِهِ احْتِمالاتٌ أرْبَعَةٌ لا مَزِيدَ عَلَيْها.

فالأوَّلُ: أنْ يَعُودَ الضَّمِيرانِ مَعًا إلى الصّافِناتِ، كَأنَّهُ قالَ حَتّى تَوارَتِ الصّافِناتُ بِالحِجابِ رُدُّوا الصّافِناتِ عَلَيَّ.

والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ

صفحة ١٧٩

الضَّمِيرانِ مَعًا عائِدِينَ إلى الشَّمْسِ، كَأنَّهُ قالَ حَتّى تَوارَتِ الشَّمْسُ بِالحِجابِ رَدُّوا الشَّمْسَ، ورُوِيَ «أنَّهُ ﷺ لَمّا اشْتَغَلَ بِالخَيْلِ فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ، فَسَألَ اللَّهَ أنْ يَرُدَّ الشَّمْسَ» فَقَوْلُهُ: ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ إشارَةٌ إلى طَلَبِ رَدِّ الشَّمْسِ، وهَذا الِاحْتِمالُ عِنْدِي بِعِيدٌ والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ الصّافِناتِ مَذْكُورَةٌ تَصْرِيحًا، والشَّمْسُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى المَذْكُورِ أوْلى مِن عَوْدِهِ إلى المُقَدَّرِ.

الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ وظاهِرُ هَذا اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقُولُ: إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي. وكانَ يُعِيدُ هَذِهِ الكَلِماتِ إلى أنْ تَوارَتْ بِالحِجابِ، فَلَوْ قُلْنا: المُرادُ حَتّى تَوارَتِ الصّافِناتُ بِالحِجابِ كانَ مَعْناهُ أنَّهُ حِينَ وقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْها حالَ جَرْيِها كانَ يَقُولُ هَذِهِ الكَلِمَةَ إلى أنْ غابَتْ عَنْ عَيْنِهِ وذَلِكَ مُناسِبٌ، ولَوْ قُلْنا: المُرادُ حَتّى تَوارَتِ الشَّمْسُ بِالحِجابِ كانَ مَعْناهُ أنَّهُ كانَ يُعِيدُ عَيْنَ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِن وقْتِ العَصْرِ إلى وقْتِ المَغْرِبِ، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ.

الثّالِثُ: أنّا لَوْ حَكَمْنا بِعَوْدِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ حَتّى تَوارَتْ إلى الشَّمْسِ وحَمَلْنا اللَّفْظَ عَلى أنَّهُ تَرَكَ صَلاةَ العَصْرِ كانَ هَذا مُنافِيًا لِقَوْلِهِ: ﴿أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ فَإنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ لَوْ كانَتْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لَما نَسِيَ الصَّلاةَ ولَما تَرَكَ ذِكْرَ اللَّهِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ بِتَقْدِيرِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَقِيَ مَشْغُولًا بِتِلْكَ الخَيْلِ حَتّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وفاتَتْ صَلاةُ العَصْرِ، فَكانَ ذَلِكَ ذَنْبًا عَظِيمًا وجُرْمًا قَوِيًّا، فالألْيَقُ بِهَذِهِ الحالَةِ التَّضَرُّعُ والبُكاءُ والمُبالَغَةُ في إظْهارِ التَّوْبَةِ، فَأمّا أنْ يَقُولَ عَلى سَبِيلِ التَّهَوُّرِ والعَظَمَةِ لِإلَهِ العالَمِ ورَبِّ العالَمِينَ، رُدُّوها عَلَيَّ، بِمِثْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ العارِيَةِ عَنْ كُلِّ جِهاتِ الأدَبِ عَقِيبَ ذَلِكَ الجُرْمِ العَظِيمِ، فَهَذا لا يَصْدُرُ عَنْ أبْعَدِ النّاسِ عَنِ الخَيْرِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ إسْنادُهُ إلى الرَّسُولِ المُطَهَّرِ المُكَرَّمِ ! .

الخامِسُ: أنَّ القادِرَ عَلى تَحْرِيكِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ هو اللَّهُ تَعالى فَكانَ يَجِبُ أنْ يَقُولَ رُدَّها عَلَيَّ ولا يَقُولَ رُدُّوها عَلَيَّ، فَإنْ قالُوا: إنَّما ذَكَرَ صِيغَةَ الجَمْعِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَعْظِيمِ المُخاطَبِ، فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿رُدُّوها﴾ لَفْظٌ مُشْعِرٌ بِأعْظَمِ أنْواعِ الإهانَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذا اللَّفْظِ رِعايَةُ التَّعْظِيمِ ؟ ! .

السّادِسُ: أنَّ الشَّمْسَ لَوْ رَجَعَتْ بَعْدَ الغُرُوبِ لَكانَ ذَلِكَ مُشاهَدًا لِكُلِّ أهْلِ الدُّنْيا، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَتَوَفَّرَتِ الدَّواعِي عَلى نَقْلِهِ وإظْهارِهِ، وحَيْثُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ ذَلِكَ عَلِمْنا فَسادَهُ.

السّابِعُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ وعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى أقْرَبِ المَذْكُورَيْنَ أوْلى، وأقْرَبُ المَذْكُورَيْنَ هو الصّافِناتُ الجِيادُ، وأمّا العَشِيُّ فَأبْعَدُهُما، فَكانَ عَوْدُ ذَلِكَ الضَّمِيرِ إلى الصّافِناتِ أوْلى، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ حَمْلَ قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ عَلى تُوارِي الشَّمْسِ، وأنَّ حَمْلَ قَوْلِهِ: ﴿رُدُّوها﴾ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ طَلَبُ أنْ يَرُدَّ اللَّهُ الشَّمْسَ بَعْدَ غُرُوبِها كَلامٌ في غايَةِ البُعْدِ عَنِ النَّظْمِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском