Ar-RaziSad · 38:41–51

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Sad 38:41–51

38:41Page 455

وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَآ أَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِنُصۡبٖ وَعَذَابٍ ٤١

And remember Our servant Job, when he called to his Lord, "Indeed, Satan has touched me with hardship and torment."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الثّالِثَةُ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واعْلَمْ أنَّ داوُدَ وسُلَيْمانَ كانا مِمَّنْ أفاضَ اللَّهُ عَلَيْهِ أصْنافَ الآلاءِ والنَّعْماءِ، وأيُّوبَ كانَ مِمَّنْ خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْواعِ البَلاءِ، والمَقْصُودُ مِن جَمِيعِ هَذِهِ القِصَصِ الِاعْتِبارُ. كَأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: يا مُحَمَّدُ اصْبِرْ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِكَ فَإنَّهُ ما كانَ في الدُّنْيا أكْثَرُ نِعْمَةً ومالًا وجاهًا مِن داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وما كانَ أكْثَرَ بَلاءً ومِحْنَةً مِن أيُّوبَ، فَتَأمَّلْ في أحْوالِ هَؤُلاءِ لِتَعْرِفَ أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا لا تَنْتَظِمُ لِأحَدٍ، وأنَّ العاقِلَ لا بُدَّ لَهُ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”أيُّوبَ“ عَطْفُ بَيانٍ، وإذْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ ﴿أنِّي مَسَّنِيَ﴾ أيْ بِأنِّي مَسَّنِي حِكايَةً لِكَلامِهِ الَّذِي ناداهُ بِسَبَبِهِ، ولَوْ لَمْ يَحْكِ لَقالَ بِأنَّهُ مَسَّهُ لِأنَّهُ غائِبٌ، وقُرِئَ: ﴿بِنُصْبٍ﴾ بِضَمِّ النُّونِ وفَتْحِها مَعَ سُكُونِ الصّادِ وفَتْحِها وضَمِّها، فالنُّصْبِ والنَّصَبِ، كالرُّشْدِ والرَّشَدِ، والعُدْمِ والعَدَمِ، والسُّقْمِ والسَّقَمِ، والنُّصْبُ عَلى أصْلِ المَصْدَرِ، والنَّصَبُ تَثْقِيلُ نُصْبٍ، والمَعْنى واحِدٌ، وهو التَّعَبُ والمَشَقَّةُ والعَذابُ والألَمُ.

واعْلَمْ أنَّهُ كانَ قَدْ حَصَلَ عِنْدَهُ نَوْعانِ مِنَ المَكْرُوهِ: الغَمُّ الشَّدِيدُ بِسَبَبِ زَوالِ الخَيْراتِ وحُصُولِ المَكْرُوهاتِ، والألَمُ الشَّدِيدُ في الجِسْمِ، ولَمّا حَصَلَ هَذانِ النَّوْعانِ لا جَرَمَ، ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى لَفْظَيْنِ وهُما النُّصْبُ والعَذابُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِلنّاسِ في هَذا المَوْضِعِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ الآلامَ والأسْقامَ الحاصِلَةَ في جِسْمِهِ إنَّما حَصَلَتْ بِفِعْلِ الشَّيْطانِ.

الثّانِي: أنَّها إنَّما حَصَلَتْ بِفِعْلِ اللَّهِ، والعَذابُ المُضافُ في هَذِهِ الآيَةِ إلى الشَّيْطانِ هو عَذابُ الوَسْوَسَةِ، وإلْقاءُ الخَواطِرِ الفاسِدَةِ.

وأمّا القَوْلُ الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ ما رُوِيَ أنَّ إبْلِيسَ سَألَ رَبَّهُ، فَقالَ هَلْ في عَبِيدِكَ مَن لَوْ سَلَّطْتَنِي عَلَيْهِ يَمْتَنِعُ مِنِّي ؟ فَقالَ اللَّهُ: نَعَمْ عَبْدِي أيُّوبُ، فَجَعَلَ يَأْتِيهِ بِوَساوِسِهِ وهو يَرى إبْلِيسَ عِيانًا ولا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ، فَقالَ: يا رَبِّ إنَّهُ قَدِ امْتَنَعَ عَلَيَّ فَسَلِّطْنِي عَلى مالِهِ، وكانَ يَجِيئُهُ ويَقُولُ لَهُ: هَلَكَ مِن مالِكِ كَذا وكَذا، فَيَقُولُ: اللَّهُ أعْطى واللَّهُ أخَذَ، ثُمَّ يَحْمَدُ اللَّهَ، فَقالَ: يا رَبِّ إنَّ أيُّوبَ لا يُبالِي بِمالِهِ فَسَلِّطْنِي عَلى ولَدِهِ، فَجاءَ وزَلْزَلَ الدّارَ فَهَلَكَ أوْلادُهُ بِالكُلِّيَّةِ، فَجاءَهُ وأخْبَرَهُ بِهِ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ، فَقالَ: يا رَبِّ لا يُبالِي بِمالِهِ ووَلَدِهِ فَسَلِّطْنِي عَلى جَسَدِهِ، فَأذِنَ فِيهِ، فَنَفَخَ في جَلْدِ أيُّوبَ، وحَدَثَتْ أسْقامٌ عَظِيمَةٌ وآلامٌ شَدِيدَةٌ فِيهِ، فَمَكَثَ في ذَلِكَ البَلاءِ سِنِينَ، حَتّى صارَ بِحَيْثُ اسْتَقْذَرَهُ أهْلُ بَلَدِهِ، فَخَرَجَ إلى الصَّحْراءِ وما كانَ يَقْرُبُ مِنهُ أحَدٌ، فَجاءَ الشَّيْطانُ إلى امْرَأتِهِ، وقالَ لَوْ أنَّ زَوْجَكِ اسْتَعانَ بِي لَخَلَّصْتُهُ مِن هَذا البَلاءِ، فَذَكَرَتِ المَرْأةُ ذَلِكَ لِزَوْجِها، فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ عافاهُ اللَّهُ لَيَجْلِدَنَّها مِائَةَ جَلْدَةٍ، وعِنْدَ هَذِهِ الواقِعَةِ قالَ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ فَأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ، وأوْحى إلَيْهِ أنِ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ فَأظْهَرَ اللَّهُ مِن تَحْتِ رِجْلِهِ عَيْنًا بارِدَةً طَيِّبَةً فاغْتَسَلَ مِنها، فَأذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ داءٍ في

صفحة ١٨٦

ظاهِرِهِ وباطِنِهِ، ورَدَّ عَلَيْهِ أهْلَهُ ومالَهُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الشَّيْطانَ لا قُدْرَةَ لَهُ البَتَّةَ عَلى إيقاعِ النّاسِ في الأمْراضِ والآلامِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنّا لَوْ جَوَّزْنا حُصُولَ المَوْتِ والحَياةِ والصِّحَّةِ والمَرَضِ مِنَ الشَّيْطانِ، فَلَعَلَّ الواحِدَ مِنّا إنَّما وجَدَ الحَياةَ بِفِعْلِ الشَّيْطانِ، ولَعَلَّ كُلَّ ما حَصَلَ عِنْدَنا مِنَ الخَيْراتِ والسِّعاداتِ، فَقَدْ حَصَلَ بِفِعْلِ الشَّيْطانِ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لَنا سَبِيلٌ إلى أنْ نَعْرِفَ أنَّ مُعْطِيَ الحَياةِ والمَوْتِ والصِّحَّةِ والسُّقْمِ، هو اللَّهُ تَعالى.

الثّانِي: أنَّ الشَّيْطانَ لَوْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ فَلِمَ لا يَسْعى في قَتْلِ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ، ولِمَ لا يُخَرِّبُ دُورَهم، ولِمَ لا يَقْتُلُ أوْلادَهم.

الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الشَّيْطانِ أنَّهُ قالَ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٢] فَصَرَّحَ بِأنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ في حَقِّ البَشَرِ إلّا عَلى إلْقاءِ الوَساوِسِ والخَواطِرِ الفاسِدَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ الشَّيْطانَ هو الَّذِي ألْقاهُ في تِلْكَ الأمْراضِ والآفاتِ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: لَمْ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ الفاعِلَ لِهَذِهِ الأحْوالِ هو اللَّهُ تَعالى لَكِنْ عَلى وفْقِ التِماسِ الشَّيْطانِ ؟ قُلْنا: فَإذا كانَ لا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرافِ بِأنَّ خالِقَ تِلْكَ الآلامِ والأسْقامِ هو اللَّهُ تَعالى، فَأيُّ فائِدَةٍ في جَعْلِ الشَّيْطانِ واسِطَةً في ذَلِكَ ؟ بَلِ الحَقُّ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ أنَّهُ بِسَبَبِ إلْقاءِ الوَساوِسِ الفاسِدَةِ والخَواطِرِ الباطِنَةِ كانَ يُلْقِيهِ في أنْواعِ العَذابِ والعَناءِ، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا في أنَّ تِلْكَ الوَساوِسَ كَيْفَ كانَتْ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ عِلَّتَهُ كانَتْ شَدِيدَةَ الألَمِ، ثُمَّ طالَتْ مُدَّةُ تِلْكَ العِلَّةِ واسْتَقْذَرَهُ النّاسُ ونَفَرُوا عَنْ مُجاوَرَتِهِ، ولَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الأمْوالِ البَتَّةَ. وامْرَأتُهُ كانَتْ تَخْدِمُ النّاسَ وتُحَصِّلُ لَهُ قَدْرَ القُوتِ، ثُمَّ بَلَغَتْ نَفْرَةُ النّاسِ عَنْهُ إلى أنْ مَنَعُوا امْرَأتَهُ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ ومِنَ الِاشْتِغالِ بِخِدْمَتِهِمْ، والشَّيْطانُ كانَ يُذَكِّرُهُ النِّعَمَ الَّتِي كانَتْ والآفاتِ الَّتِي حَصَلَتْ، وكانَ يَحْتالُ في دَفْعِ تِلْكَ الوَساوِسِ، فَلَمّا قَوِيَتْ تِلْكَ الوَساوِسُ في قَلْبِهِ خافَ وتَضَرَّعَ إلى اللَّهِ، وقالَ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ لِأنَّهُ كُلَّما كانَتْ تِلْكَ الخَواطِرُ أكْثَرَ كانَ ألَمُ قَلْبِهِ مِنها أشَدَّ.

الثّانِي: أنَّها لَمّا طالَتْ مُدَّةُ المَرَضِ جاءَهُ الشَّيْطانُ وكانَ يُقَنِّطُهُ مِن رَبِّهِ ويُزَيِّنُ لَهُ أنْ يَجْزَعَ فَخافَ مِن تَأكُّدِ خاطِرِ القُنُوطِ في قَلْبِهِ فَتَضَرَّعَ إلى اللَّهِ تَعالى وقالَ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ .

الثّالِثُ: قِيلَ: إنَّ الشَّيْطانَ لَمّا قالَ لِامْرَأتِهِ لَوْ أطاعَنِي زَوْجُكِ أزَلْتُ عَنْهُ هَذِهِ الآفاتِ فَذَكَرَتِ المَرْأةُ لَهُ ذَلِكَ، فَغَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّ الشَّيْطانَ طَمِعَ في دَيْنِهِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَتَضَرَّعَ إلى اللَّهِ تَعالى وقالَ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ .

الرّابِعُ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّهُ بَقِيَ أيُّوبُ في البَلاءِ ثَمانَ عَشْرَةَ سَنَةً حَتّى رَفَضَهُ القَرِيبُ والبَعِيدُ إلّا رَجُلَيْنِ، ثُمَّ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: لَقَدْ أذْنَبَ أيُّوبُ ذَنْبًا ما أتى بِهِ أحَدٌ مِنَ العالَمِينَ، ولَوْلاهُ ما وقَعَ في مِثْلِ هَذا البَلاءِ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِأيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: لا أدْرِي ما تَقُولانِ غَيْرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنِّي كُنْتُ أمُرُّ عَلى الرَّجُلَيْنِ يَتَنازَعانِ فَيَذْكُرانِ اللَّهَ تَعالى فَأرْجِعُ إلى بَيْتِي فَأنْفِرُ عَنْهُما كَراهِيَةَ أنْ يُذْكَرَ اللَّهُ تَعالى إلّا في الحَقِّ» .

الخامِسُ: قِيلَ إنَّ امْرَأتَهُ كانَتْ تَخْدِمُ النّاسَ فَتَأْخُذُ مِنهم قَدْرَ القُوتِ وتَجِيءُ بِهِ إلى أيُّوبَ، فاتَّفَقَ أنَّهم ما اسْتَخْدَمُوها البَتَّةَ وطَلَبَ بَعْضُ النِّساءِ مِنها قَطْعَ إحْدى ذُؤابَتَيْها عَلى أنْ تُعْطِيَها قَدْرَ القُوتِ فَفَعَلَتْ، ثُمَّ في اليَوْمِ الثّانِي فَعَلَتْ مِثْلَ ذَلِكَ فَلَمْ يَبْقَ لَها ذُؤابَةٌ. وكانَ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا أرادَ أنْ يَتَحَرَّكَ عَلى فِراشِهِ تَعَلَّقَ بِتِلْكَ الذُّؤابَةِ، فَلَمّا لَمْ يَجِدِ الذُّؤابَةَ وقَعَتِ الخَواطِرُ المُؤْذِيَةُ في قَلْبِهِ واشْتَدَّ غَمُّهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ .

السّادِسُ: قالَ في بَعْضِ الأيّامِ: يا رَبُّ لَقَدْ عَلِمْتَ ما اجْتَمَعَ عَلَيَّ أمْرانِ إلّا آثَرْتُ

صفحة ١٨٧

طاعَتَكَ، ولَمّا أعْطَيْتَنِي المالَ كُنْتُ لِلْأرامِلِ قَيِّمًا، ولِابْنِ السَّبِيلِ مُعِينًا، ولِلْيَتامى أبًا ! فَنُودِيَ مِن غَمامَةٍ يا أيُّوبُ مِمَّنْ كانَ ذَلِكَ التَّوْفِيقُ ؟ فَأخَذَ أيُّوبُ التُّرابَ ووَضْعَهُ عَلى رَأْسِهِ، وقالَ مِنكَ يا رَبِّ ثُمَّ خافَ مِنَ الخاطِرِ الأوَّلِ فَقالَ: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ وقَدْ ذَكَرُوا أقْوالًا أُخْرى، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ، وسَمِعْتُ بَعْضَ اليَهُودِ يَقُولُ: إنَّ لِمُوسى بْنِ عِمْرانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كِتابًا مُفْرَدًا في واقِعَةِ أيُّوبَ، وحاصِلُ ذَلِكَ الكِتابِ أنَّ أيُّوبَ كانَ رَجُلًا كَثِيرَ الطّاعَةِ لِلَّهِ تَعالى مُواظِبًا عَلى العِبادَةِ، مُبالِغًا في التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهُ وقَعَ في البَلاءِ الشَّدِيدِ والعَناءِ العَظِيمِ، فَهَلْ كانَ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ أمْ لا ؟ فَإنْ كانَ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ ما أتى بِجُرْمٍ في الزَّمانِ السّابِقِ حَتّى يَجْعَلَ ذَلِكَ العَذابَ في مُقابَلَةِ ذَلِكَ الجُرْمِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الثَّوابِ فالإلَهُ الحَكِيمُ الرَّحِيمُ قادِرٌ عَلى إيصالِ كُلِّ خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ إلَيْهِ مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ تِلْكَ الآلامِ الطَّوِيلَةِ والأسْقامِ الكَرِيهَةِ. وحِينَئِذٍ لا يَبْقى في تِلْكَ الأمْراضِ والآفاتِ فائِدَةٌ، وهَذِهِ كَلِماتٌ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ وهي دالَّةٌ عَلى أنَّ أفْعالَ ذِي الجَلالِ مُنَزَّهَةٌ عَنِ التَّعْلِيلِ بِالمَصالِحِ والمَفاسِدِ، والحَقُّ الصَّرِيحُ أنَّهُ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٣] .

38:42–44Page 455

ٱرۡكُضۡ بِرِجۡلِكَۖ هَٰذَا مُغۡتَسَلُۢ بَارِدٞ وَشَرَابٞ ٤٢

[So he was told], "Strike [the ground] with your foot; this is a [spring for a] cool bath and drink."

وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٤٣

And We granted him his family and a like [number] with them as mercy from Us and a reminder for those of understanding.

وَخُذۡ بِيَدِكَ ضِغۡثٗا فَٱضۡرِب بِّهِۦ وَلَا تَحۡنَثۡۗ إِنَّا وَجَدۡنَٰهُ صَابِرٗاۚ نِّعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞ ٤٤

[We said], "And take in your hand a bunch [of grass] and strike with it and do not break your oath."1 Indeed, We found him patient, an excellent servant. Indeed, he was one repeatedly turning back [to Allāh].

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَفْظُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ النُّصْبَ والعَذابَ إنَّما حَصَلَ مِنَ الشَّيْطانِ ثُمَّ ذَلِكَ العَذابُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ عِبارَةٌ عَمّا حَصَلَ في بَدَنِهِ مِنَ الأمْراضِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي عِبارَةٌ عَنِ الأحْزانِ الحاصِلَةِ في قَلْبِهِ بِسَبَبِ إلْقاءِ الوَساوِسِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَيَلْزَمُ إثْباتُ الفِعْلِ لِلشَّيْطانِ، وأجابَ أصْحابُنا رَحِمَهُمُ اللَّهُ بِأنّا لا نُنْكِرُ إثْباتَ الفِعْلِ لِلشَّيْطانِ، لَكِنّا نَقُولُ: فِعْلُ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى عَلى التَّفْصِيلِ المَعْلُومِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ لَمّا شَكى مِنَ الشَّيْطانِ، فَكَأنَّهُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يُزِيلَ عَنْهُ تِلْكَ البَلِيَّةَ فَأجابَهُ اللَّهُ إلَيْهِ بِأنْ قالَ لَهُ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ والرَّكْضُ هو الدَّفْعُ القَوِيُّ بِالرِّجْلِ، ومِنهُ رَكْضُكَ الفَرَسَ، والتَّقْدِيرُ: قُلْنا لَهُ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ، قِيلَ إنَّهُ ضَرَبَ بِرِجْلِهِ تِلْكَ الأرْضَ فَنَبَعَتْ عَيْنٌ فَقِيلَ: ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ أيْ هَذا ماءٌ تَغْتَسِلُ بِهِ فَيَبْرَأُ باطِنُكَ، وظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ نَبَعَتْ لَهُ عَيْنٌ واحِدَةٌ مِنَ الماءِ اغْتَسَلَ فِيهِ وشَرِبَ مِنهُ.

والمُفَسِّرُونَ قالُوا نَبَعَتْ لَهُ عَيْنانِ فاغْتَسَلَ مِن إحْداهُما وشَرِبَ مِنَ الأُخْرى، فَذَهَبَ الدّاءُ مِن ظاهِرِهِ ومِن باطِنِهِ بِإذْنِ اللَّهِ، وقِيلَ ضَرَبَ بِرِجْلِهِ اليُمْنى فَنَبَعَتْ عَيْنٌ حارَّةٌ فاغْتَسَلَ مِنها ثُمَّ بِاليُسْرى فَنَبَعَتْ عَيْنٌ بارِدَةٌ فَشَرِبَ مِنها.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ﴾ فَقَدْ قِيلَ هم عَيْنُ أهْلِهِ وزِيادَةُ مَثَلِهِمْ، وقِيلَ غَيْرُهم مِثْلُهم، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ هو الظّاهِرُ فَلا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: مَعْناهُ أزَلْنا عَنْهُمُ السَّقَمَ فَعادُوا أصِحّاءَ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ حَضَرُوا عِنْدَهُ بَعْدَ أنْ غابُوا عَنْهُ واجْتَمَعُوا بَعْدَ أنْ تَفَرَّقُوا. وقالَ بَعْضُهم: بَلْ تَمَكَّنَ مِنهم وتَمَكَّنُوا مِنهُ فِيما يَتَّصِلُ بِالعِشْرَةِ وبِالخِدْمَةِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومِثْلَهم مَعَهُمْ﴾ فالأقْرَبُ أنَّهُ تَعالى مَتَّعَهُ بِصِحَّتِهِ وبِمالِهِ وقَوّاهُ حَتّى كَثُرَ نَسْلُهُ وصارَ أهْلُهُ ضِعْفَ ما كانَ وأضْعافَ ذَلِكَ، وقالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُرادُ بِهِبَةِ الأهْلِ أنَّهُ تَعالى أحْياهم بَعْدَ أنْ هَلَكُوا.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿رَحْمَةً مِنّا﴾ أيْ إنَّما فَعَلْنا كُلَّ هَذِهِ الأفْعالِ عَلى سَبِيلِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ، لا عَلى سَبِيلِ اللُّزُومِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ يَعْنِي سَلَّطْنا البَلاءَ عَلَيْهِ أوَّلًا فَصَبَرَ ثُمَّ أزَلْنا عَنْهُ البَلاءَ وأوْصَلْناهُ إلى

صفحة ١٨٨

الآلاءِ والنَّعْماءِ، تَنْبِيهًا لِأُولِي الألْبابِ عَلى أنَّ مَن صَبَرَ ظَفَرَ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى ما وقَعَ ابْتِداءُ الكَلامِ بِهِ وهو قَوْلُهُ لِمُحَمَّدٍ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ يَعْنِي إنَّما فَعَلْناها لِهَذِهِ الأغْراضِ والمَقاصِدِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ وأحْكامَهُ مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ والمَصالِحِ والكَلامُ في هَذا البابِ قَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى ”ارْكُضْ“، والضِّغْثُ الحُزْمَةُ الصَّغِيرَةُ مِن حَشِيشٍ أوْ رَيْحانٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى تَقَدُّمِ يَمِينٍ مِنهُ، وفي الخَبَرِ أنَّهُ حَلَفَ عَلى أهْلِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ حَلَفَ عَلَيْها، ويَبْعُدُ ما قِيلَ إنَّها رَغَّبَتْهُ في طاعَةِ الشَّيْطانِ، ويَبْعُدُ أيْضًا ما رُوِيَ أنَّها قَطَعَتِ الذَّوائِبَ عَنْ رَأْسِها لِأنَّ المُضْطَرَّ إلى الطَّعامِ يُباحُ لَهُ ذَلِكَ، بَلِ الأقْرَبُ أنَّها خالَفَتْهُ في بَعْضِ المُهِمّاتِ، وذَلِكَ أنَّها ذَهَبَتْ في بَعْضِ المُهِمّاتِ فَأبْطَأتْ فَحَلَفَ في مَرَضِهِ لِيَضْرِبَنَّها مِائَةً إذا بَرِئَ، ولَمّا كانَتِ حَسَنَةَ الخِدْمَةِ لَهُ لا جَرَمَ حَلَّلَ اللَّهُ يَمِينَهُ بِأهْوَنِ شَيْءٍ عَلَيْهِ وعَلَيْها، وهَذِهِ الرُّخْصَةُ باقِيَةٌ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ أُتِيَ بِمُجَذَّمٍ خَبَثَ بِأمَةٍ فَقالَ: ”«خُذُوا عِثْكالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ فاضْرِبُوهُ بِهِ ضَرْبَةً» “ .

ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا﴾ فَإنْ قِيلَ كَيْفَ وجَدَهُ صابِرًا وقَدْ شَكى إلَيْهِ، والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ اشْتَكى مِنَ الشَّيْطانِ إلَيْهِ وما شَكى مِنهُ إلى أحَدٍ.

الثّانِي: أنَّ الألَمَ حِينَ كانَ عَلى الجَسَدِ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا، فَلَمّا عَظُمَتِ الوَساوِسُ خافَ عَلى القَلْبِ والدِّينِ فَتَضَرَّعَ.

الثّالِثُ: أنَّ الشَّيْطانَ عَدُوٌّ، والشِّكايَةُ مِنَ العَدُوِّ إلى الحَبِيبِ لا تَقْدَحُ في الصَّبْرِ، ثُمَّ قالَ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَشْرِيفَ ”نِعْمَ العَبْدُ“ إنَّما حَصَلَ لِكَوْنِهِ أوّابًا، وسَمِعْتُ بَعْضَهم قالَ: لَما نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ في حَقِّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ تارَةً، وفي حَقِّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أُخْرى عَظُمَ الغَمُّ في قُلُوبِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ في حَقِّ سُلَيْمانَ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، فَإنِ احْتَجْنا إلى اتِّفاقِ مَمْلَكَةٍ مِثْلِ مَمْلَكَةِ سُلَيْمانَ حَتّى نَجِدَ هَذا التَّشْرِيفَ لَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ، وإنِ احْتَجْنا إلى تَحَمُّلِ بَلاءٍ مِثْلِ أيُّوبَ لَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ السَّبِيلُ إلى تَحْصِيلِهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنْفالِ: ٤٠] والمُرادُ أنَّكَ إنْ لَمْ تَكُنْ ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ فَأنا ﴿نِعْمَ المَوْلى﴾ [الأنْفالِ: ٤٠] وإنْ كانَ مِنكَ الفُضُولُ، فَمِنِّي الفَضْلُ، وإنْ كانَ مِنكَ التَّقْصِيرُ، فَمِنِّي الرَّحْمَةُ والتَّيْسِيرُ.

38:45–51Page 456

وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٥

And remember Our servants, Abraham, Isaac and Jacob - those of strength and [religious] vision.

إِنَّآ أَخۡلَصۡنَٰهُم بِخَالِصَةٖ ذِكۡرَى ٱلدَّارِ ٤٦

Indeed, We chose them for an exclusive quality: remembrance of the home [of the Hereafter].

وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٧

And indeed they are, to Us, among the chosen and outstanding.

وَٱذۡكُرۡ إِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ وَكُلّٞ مِّنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٨

And remember Ishmael, Elisha and Dhul-Kifl, and all are among the outstanding.

هَٰذَا ذِكۡرٞۚ وَإِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ لَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٤٩

This is a reminder. And indeed, for the righteous is a good place of return -

جَنَّٰتِ عَدۡنٖ مُّفَتَّحَةٗ لَّهُمُ ٱلۡأَبۡوَٰبُ ٥٠

Gardens of perpetual residence, whose doors will be opened to them.

مُتَّكِـِٔينَ فِيهَا يَدۡعُونَ فِيهَا بِفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ وَشَرَابٖ ٥١

Reclining within them, they will call therein for abundant fruit and drink.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

صفحة ١٨٩

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”عَبْدَنا“ عَلى الواحِدِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ويَقُولُ إنَّ قَوْلَهُ: ”عَبْدَنا“ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا التَّشْرِيفُ مَخْصُوصًا بِأعْظَمِ النّاسِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ وهو إبْراهِيمُ، وقَرَأ الباقُونَ: ”عِبادَنا“ قالُوا: لِأنَّ غَيْرَ إبْراهِيمَ مِنَ الأنْبِياءِ قَدْ أُجْرِيَ عَلَيْهِ هَذا الوَصْفُ فَجاءَ في عِيسى: ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٩] وفي أيُّوبَ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ وفي نُوحٍ: ﴿إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسْراءِ: ٣] فَمَن قَرَأ ”عَبْدَنا“ جَعَلَ إبْراهِيمَ وحْدَهُ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، ثُمَّ عَطَفَ ذُرِّيَّتَهُ عَلى عَبْدِنا وهي إسْحاقُ ويَعْقُوبُ، ومَن قَرَأ ”عِبادَنا“ جَعَلَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ عَطْفَ بَيانٍ لِعِبادِنا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ”فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ“ إلى أنْ قالَ: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ﴾ أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ صَبْرَ إبْراهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ، وصَبْرَ إسْحاقَ لِلذَّبْحِ، وصَبْرَ يَعْقُوبَ حِينَ فَقَدَ ولَدَهُ وذَهَبَ بَصَرُهُ. ثُمَّ قالَ: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾، واعْلَمْ أنَّ اليَدَ آلَةٌ لِأكْثَرِ الأعْمالِ والبَصَرُ آلَةٌ لِأقْوى الإدْراكاتِ، فَحَسُنَ التَّعْبِيرُ عَنِ العَمَلِ بِاليَدِ وعَنِ الإدْراكِ بِالبَصَرِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ النَّفْسُ النّاطِقَةُ الإنْسانِيَّةُ لَها قُوَّتانِ عامِلَةٌ وعالِمَةٌ، أمّا القُوَّةُ العامِلَةُ فَأشْرَفُ ما يَصْدُرُ عَنْها طاعَةُ اللَّهِ، وأمّا القُوَّةُ العالِمَةُ فَأشْرَفُ ما يَصْدُرُ عَنْها مَعْرِفَةُ اللَّهِ، وما سِوى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ مِنَ الأعْمالِ والمَعارِفِ فَكالعَبَثِ والباطِلِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ إشارَةٌ إلى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿بِخالِصَةٍ﴾ قُرِئَ بِالتَّنْوِينِ والإضافَةِ فَمَن نُوَّنَ كانَ التَّقْدِيرُ (أخْلَصْناهم) أيْ جَعَلْناهم خالِصِينِ لَنا بِسَبَبِ خَصْلَةٍ خالِصَةٍ لا شَوْبَ فِيها وهي ذِكْرى الدّارِ، ومَن قَرَأ بِالإضافَةِ فالمَعْنى بِما خَلَصَ مِن ذِكْرى الدّارِ، يَعْنِي أنَّ ذِكْرى الدّارِ قَدْ تَكُونُ لِلَّهِ وقَدْ تَكُونُ لِغَيْرِ اللَّهِ، فالمَعْنى إنّا أخْلَصْناهم بِسَبَبِ ما خَلَصَ مِن هَذا الذِّكْرِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ذِكْرى الدّارِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُمُ اسْتَغْرَقُوا في ذِكْرى الدّارِ الآخِرَةِ وبَلَغُوا في هَذا الذِّكْرِ إلى حَيْثُ نَسُوا الدُّنْيا.

الثّانِي: المُرادُ حُصُولُ الذِّكْرِ الجَلِيلِ الرَّفِيعِ لَهم في الدّارِ الآخِرَةِ.

الثّالِثُ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى أبْقى لَهُمُ الذِّكْرَ الجَمِيلَ في الدُّنْيا وقَبِلَ دُعاءَهم في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ أيِ المُخْتارِينَ مِن أبْناءِ جِنْسِهِمْ والأخْيارُ جَمْعُ خَيِّرٍ أوْ خَيْرٌ عَلى التَّخْفِيفِ كَأمْواتٍ في جَمْعِ مَيِّتٍ أوْ مَيْتٍ، واحْتَجَّ العُلَماءُ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ عِصْمَةِ الأنْبِياءِ، قالُوا لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ أخْيارًا عَلى الإطْلاقِ، وهَذا يَعُمُّ حُصُولُ الخَيْرِيَّةِ في جَمِيعِ الأفْعالِ والصِّفاتِ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ وبِدَلِيلِ دَفْعِ الإجْمالِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ وهم قَوْمٌ آخَرُونَ مِنَ الأنْبِياءِ تَحَمَّلُوا الشَّدائِدَ في دِينِ اللَّهِ، وقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ في شَرْحِ هَذِهِ الأسْماءِ، وفي صِفاتِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ وفي سُورَةِ الأنْعامِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في قَصَصِ الأنْبِياءِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском