Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Sad 38:52–64
38:52–54Page 456
۞ وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ أَتۡرَابٌ ٥٢
And with them will be women limiting [their] glances1 and of equal age.
هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ٥٣
This is what you, [the righteous], are promised for the Day of Account.
إِنَّ هَٰذَا لَرِزۡقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ ٥٤
Indeed, this is Our provision; for it there is no depletion.
اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ذِكْرٌ﴾ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما شَرَحَ ذِكْرَ أحْوالِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِأجْلِ أنْ يَصْبِرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى تَحَمُّلِ سَفاهَةِ قَوْمِهِ، فَلَمّا تَمَّمَ بَيانَ هَذا الطَّرِيقِ وأرادَ أنْ يَذَكُرَ عَقِيبَهُ طَرِيقًا آخَرَ يُوجِبُ الصَّبْرَ عَلى سَفاهَةِ الجُهّالِ، وأرادَ أنْ يُمَيِّزَ أحَدَ البابَيْنِ عَنِ الآخَرِ، لا جَرَمَ قالَ: ﴿هَذا ذِكْرٌ﴾، ثُمَّ شَرَعَ في تَقْرِيرِ البابِ الثّانِي فَقالَ: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ كَما أنَّ المُصَنِّفَ إذا تَمَّمَ كَلامًا قالَ هَذا بابٌ، ثُمَّ شَرَعَ في بابٍ آخَرَ، وإذا فَرَغَ الكاتِبُ مِن فَصْلٍ مِن كِتابِهِ وأرادَ الشُّرُوعَ في آخَرَ قالَ: هَذا، وقَدْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا أتَمَّ ذِكْرَ أهْلِ الجَنَّةِ وأرادَ أنْ يُرْدِفَهُ بِذِكْرِ أهْلِ النّارِ قالَ: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ﴾ [ص: ٥٥] .
الوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنَّ المُرادَ هَذا شَرَفٌ وذِكْرٌ جَمِيلٌ لِهَؤُلاءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا، والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ .
فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ كَفّارِ قُرَيْشٍ سَفاهَتَهم عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِأنْ وصَفُوهُ بِأنَّهُ ساحِرٌ كَذّابٌ، وقالُوا لَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ فَعِنْدَ هَذا أمَرَ مُحَمَّدًا بِالصَّبْرِ عَلى تِلْكَ السَّفاهَةِ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ لازِمٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الأنْبِياءَ المُتَقَدِّمِينَ صَبَرُوا عَلى المَكارِهِ والشَّدائِدَ، فَيَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَقْتَدِيَ بِهِمْ في هَذا المَعْنى.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن أطاعَ اللَّهَ كانَ لَهُ مِنَ الثَّوابِ كَذا وكَذا، ومَن خالَفَهُ كانَ لَهُ مِنَ العِقابِ كَذا وكَذا، وكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ الصَّبْرَ عَلى تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا نَظْمٌ حَسَنٌ وتَرْتِيبٌ لَطِيفٌ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ المَآبُ المَرْجِعُ. واحْتَجَّ القائِلُونَ بِقِدَمِ الأرْواحِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِكُلِّ آيَةٍ تَشْتَمِلُ عَلى لَفْظِ الرُّجُوعِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ، أنَّ لَفْظَ الرُّجُوعِ إنَّما يَصْدُقُ لَوْ كانَتْ هَذِهِ الأرْواحُ مَوْجُودَةً قَبْلَ الأجْسادِ، وكانَتْ في حَضْرَةِ جَلالِ اللَّهِ ثُمَّ تَعَلَّقَتْ بِالأبْدانِ، فَعِنْدَ انْفِصالِها عَنِ الأبْدانِ يُسَمّى ذَلِكَ رُجُوعًا. وجَوابُهُ: أنَّ هَذا إنْ دَلَّ فَإنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ الأرْواحَ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الأبْدانِ، ولا يَدُلُّ عَلى قِدَمِ الأرْواحِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ وهو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٩١
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَأْوِيلِ هَذا اللَّفْظِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ مُفَتَّحَةً لَهم أبْوابُها، والعَرَبُ تَجْعَلُ الألِفَ واللّامَ خَلَفًا مِنَ الإضافَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسَنِ الوَجْهِ، فالألِفُ واللّامُ في الوَجْهِ بَدَلٌ مِنَ الإضافَةِ.
والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ”مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ“ مِنها.
الثّالِثُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿الأبْوابُ﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، وتَقْدِيرُهُ مُفَتَّحَةً هي الأبْوابُ، كَقَوْلِكَ ضَرَبَ زَيْدٌ اليَدَ والرِّجْلَ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرٍ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مُبْتَدَأٌ و”مُفَتَّحَةٌ“ خَبَرُهُ، وكَّلاهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ مِن أحْوالِ أهْلِ الجَنَّةِ في هَذِهِ الآيَةِ أشْياءَ:
الأوَّلُ: أحْوالُ مَساكِنِهِمْ، فَقَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: كَوْنُها جَنّاتٍ وبَساتِينَ.
والثّانِي: كَوْنُها دائِمَةً آمِنَةً مِنَ الِانْقِضاءِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ المَلائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِالجِنانِ إذا رَأوْا صاحِبَ الجَنَّةِ فَتَحُوا لَهُ أبْوابَها وحَيَّوْهُ بِالسَّلامِ، فَيَدْخُلُ كَذَلِكَ مَحْفُوفًا بِالمَلائِكَةِ عَلى أعَزِّ حالٍ وأجْمَلِ هَيْئَةٍ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزُّمَرِ: ٧٣] .
الثّانِي: أنَّ تِلْكَ الأبْوابَ كُلَّما أرادُوا انْفِتاحَها انْفَتَحَتْ لَهم، وكُلَّما أرادُوا انْغِلاقَها انْغَلَقَتْ لَهم.
الثّالِثُ: المُرادُ مِن هَذا الفَتْحِ، وصْفُ تِلْكَ المَساكِنِ بِالسِّعَةِ، ومُسافَرَةُ العُيُونِ فِيها، ومُشاهِدَةُ الأحْوالِ اللَّذِيذَةِ الطَّيِّبَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ كَوْنَهم مُتَّكِئِينَ في الجَنَّةِ، وذَكَرَ في سائِرِ الآياتِ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ الِاتِّكاءِ، فَقالَ في آيَةٍ: ﴿عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٧٦] .
البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ حالٌ قُدِّمَتْ عَلى العامِلِ فِيها وهو قَوْلُهُ: ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾ والمَعْنى يَدْعُونَ في الجَنّاتِ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ والمَعْنى بِألْوانِ الفاكِهَةِ وألْوانِ الشَّرابِ، والتَّقْدِيرُ بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ كَثِيرٍ، والسَّبَبُ في ذِكْرِ هَذا المَعْنى أنَّ دِيارَ العَرَبِ حارَةٌ قَلِيلَةُ الفَواكِهِ والأشْرِبَةِ، فَرَغَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أمْرَ المَسْكَنِ وأمْرَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ أمْرَ المَنكُوحِ، فَقالَ: ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ، وبِالجُمْلَةِ فالمَعْنى ”كَوْنُهُنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ“ عَنْ غَيْرِهِمْ مَقْصُوراتُ القَلْبِ عَلى مَحَبَّتِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿أتْرابٌ﴾ أيْ عَلى سِنٍّ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ كَوْنُ الجَوارِي أتْرابًا، ويُحْتَمَلُ كَوْنُهُنَّ أتْرابًا لِلْأزْواجِ، قالَ القَفّالُ: والسَّبَبُ في اعْتِبارِ هَذِهِ الصِّفَةِ، أنَّهُنَّ لَمّا تَشابَهْنَ في الصِّفَةِ والسِّنِّ والحِلْيَةِ كانَ المَيْلُ إلَيْهِنَّ عَلى السَّوِيَّةِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ الغَيْرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُتَّقِينَ بِالثَّوابِ المَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ دَوامِ الثَّوابِ فَقالَ: ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ .
38:55–64Page 456
هَٰذَاۚ وَإِنَّ لِلطَّٰغِينَ لَشَرَّ مَـَٔابٖ ٥٥
This [is so]. But indeed, for the transgressors is an evil place of return -
جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَا فَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ٥٦
Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the resting place.
هَٰذَا فَلۡيَذُوقُوهُ حَمِيمٞ وَغَسَّاقٞ ٥٧
This - so let them taste it - is scalding water and [foul] purulence.
وَءَاخَرُ مِن شَكۡلِهِۦٓ أَزۡوَٰجٌ ٥٨
And other [punishments] of its type [in various] kinds.
هَٰذَا فَوۡجٞ مُّقۡتَحِمٞ مَّعَكُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِهِمۡۚ إِنَّهُمۡ صَالُواْ ٱلنَّارِ ٥٩
[Its inhabitants will say], "This is a company bursting in with you. No welcome for them. Indeed, they will burn in the Fire."
قَالُواْ بَلۡ أَنتُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِكُمۡۖ أَنتُمۡ قَدَّمۡتُمُوهُ لَنَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ ٦٠
They will say, "Nor you! No welcome for you. You, [our leaders], brought this upon us, and wretched is the settlement."
قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَٰذَا فَزِدۡهُ عَذَابٗا ضِعۡفٗا فِي ٱلنَّارِ ٦١
They will say, "Our Lord, whoever brought this upon us - increase for him double punishment in the Fire."
وَقَالُواْ مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالٗا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلۡأَشۡرَارِ ٦٢
And they will say, "Why do we not see men whom we used to count among the worst?1
أَتَّخَذۡنَٰهُمۡ سِخۡرِيًّا أَمۡ زَاغَتۡ عَنۡهُمُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ ٦٣
Is it [because] we took them in ridicule, or has [our] vision turned away from them?"
إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقّٞ تَخَاصُمُ أَهۡلِ ٱلنَّارِ ٦٤
Indeed, that is truth [i.e., reality] - the quarreling of the people of the Fire.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ ثَوابَ المُتَّقِينَ، وصَفَ بَعْدَهُ عِقابَ الطّاغِينَ، لِيَكُونَ الوَعِيدُ مَذْكُورًا عَقِيبَ الوَعْدِ، والتَّرْهِيبُ عَقِيبَ التَّرْغِيبِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن أحْوالِ النّارِ أنْواعًا:
فالأوَّلُ: مَرْجِعُهم ومَآبُهم، فَقالَ: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وهَذا في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حالَ الطّاغِينَ مُضادٌّ لِحالِ المُتَّقِينَ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالطّاغِينَ، فَأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوهُ عَلى الكُفّارِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أصْحابِ الكَبائِرِ سَواءٌ كانُوا كَفّارًا أوْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ.
واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَآبُهم شَرًّا مِن مَآبِ غَيْرِهِمْ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، لِأنَّ الفاسِقَ لا يَتَّخِذُ المُؤْمِنَ سِخْرِيًّا.
الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ ذَمٍّ، والِاسْمُ المُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلى الكامِلِ، والكامِلُ في الطُّغْيانِ هو الكافِرُ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العَلَقِ: ٦] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَصْفَ بِالطُّغْيانِ قَدْ يَحْصُلُ في حَقِّ صاحِبِ الكَبِيرَةِ، ولِأنَّ كُلَّ مَن تَجاوَزَ عَنْ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى وتَعَدّاها فَقَدْ طَغى. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَعْنى أنَّ الَّذِينَ طَغَوْا وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ، أيْ شَرُّ مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ بِأنَّ الطّاغِينَ لَهم شَرُّ مَآبٍ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعْرافِ: ٤١] شَبَّهَ اللَّهُ ما تَحْتَهم مِنَ النّارِ بِالمِهادِ الَّذِي يَفْتَرِشُهُ النّائِمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ هَذا حَمِيمٌ وغَسّاقٌ فَلْيَذُوقُوهُ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ هَذا فَلْيَذُوقُوهُ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ: حَمِيمٌ وغَسّاقٌ.
صفحة ١٩٣
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الغَساقُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ الَّذِي يُغْسَقُ مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ، يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ إذا سالَ دَمْعُها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: هو القَيْحُ الَّذِي يَسِيلُ مِنهم يَجْتَمِعُ فَيُسْقَوْنَهُ.
الثّانِي: قِيلَ الحَمِيمُ يَحْرِقُ بِحَرِّهِ، والغَسّاقُ يَحْرِقُ بِبَرْدِهِ، وذَكَرَ الأزْهَرِيُّ: أنَّ الغاسِقَ البارِدُ، ولِهَذا قِيلَ لِلَّيْلِ غاسِقٌ لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ.
الثّالِثُ: أنَّ الغَسّاقَ المُنْتِنُ، حَكى الزَّجّاجُ لَوْ قُطِرَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ في المَشْرِقِ لَأنْتَنَتْ أهْلَ المَغْرِبِ، ولَوْ قُطِرَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ في المَغْرِبِ لَأنْتَنَتْ أهْلَ المَشْرِقِ.
الرّابِعُ: قالَ كَعْبٌ: الغَسّاقُ عَيْنٌ في جَهَنَّمَ يَسِيلُ إلَيْها سُمُّ كُلِّ ذاتِ حُمَةٍ مِن عَقْرَبٍ وحَيَّةٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ ”غَسّاقٌ“ بِتَشْدِيدِ السِّينِ حَيْثُ كانَ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الِاخْتِيارُ التَّخْفِيفُ لِأنَّهُ إذا شَدَّدَ لَمْ يَخْلُ مِن أنْ يَكُونَ اسْمًا أوْ صِفَةً، فَإنْ كانَ اسْمًا فالأسْماءُ لَمْ تَجِئْ عَلى هَذا الوَزْنِ إلّا قَلِيلًا، وإنْ كانَ صِفَةً فَقَدْ أُقِيمَ مَقامَ المَوْصُوفِ والأصْلُ أنْ لا يَجُوزَ ذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عُمَرَ ”وأُخَرُ“ بِضَمِّ الألْفِ عَلى جَمْعِ أُخْرى أيْ أصْنافٌ أُخَرُ مِنَ العَذابِ، وهو قِراءَةُ مُجاهِدٍ، والباقُونَ ”آخَرُ“ عَلى الواحِدِ أيْ عَذابٌ آخَرُ، أمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَقَوْلُهُ وأُخَرُ أيْ ومَذُوقاتٍ أُخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ، أيْ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ، أزْواجٌ أيْ أجْناسٌ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فالتَّقْدِيرُ وعَذابٌ أوْ مَذُوقٌ آخَرُ، وأزْواجٌ صِفَةٌ لِآخَرَ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ وهم حَمِيمٌ وغَسّاقٌ وآخَرُ مِن شَكْلِهِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”مِن شِكْلِهِ“ بِالكَسْرِ وهي لُغَةٌ، وأمّا الغَنْجُ فَبِالكَسْرِ لا غَيْرُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ مَسْكَنَ الطّاغِينَ ومَأْكُولَهم حَكى أحْوالَهُمُ الَّذِينَ كانُوا أحِبّاءً لَهم في الدُّنْيا أوَّلًا، ثُمَّ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أعْداءً لَهم في الدُّنْيا ثانِيًا.
أمّا الأوَّلُ: فَهو قَوْلُهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا حِكايَةُ كَلامِ رُؤَساءِ أهْلِ النّارِ، يَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، بِدَلِيلِ أنَّ ما حُكِيَ بَعْدَ هَذا مِن أقْوالِ الأتْباعِ وهو قَوْلُهُ: ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ كَلامُ الخَزَنَةِ لِرُؤَساءِ الكَفَرَةِ في أتْباعِهِمْ، وقَوْلَهُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ كَلامُ الرُّؤَساءِ، وقَوْلُهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيْ هَذا جَمْعٌ كَثِيفٌ قَدِ اقْتَحَمَ مَعَكُمُ النّارَ كَما كانُوا قَدِ اقْتَحَمُوا مَعَكم في الجَهْلِ والضَّلالِ، ومَعْنى اقْتَحَمَ مَعَكُمُ النّارَ أيْ دَخَلَ النّارَ في صُحْبَتِكم، والِاقْتِحامُ رُكُوبُ الشِّدَّةِ والدُّخُولُ فِيها، والقَحْمَةُ الشِّدَّةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ دُعاءٌ مِنهم عَلى أتْباعِهِمْ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يَدْعُو لَهُ: مَرْحَبًا، أيْ أتَيْتَ رَحْبًا في البِلادِ لا ضَيْفًا، أوْ رَحُبَتْ بِلادُكَ رُحْبًا، ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهِ كَلِمَةُ لا في دُعاءِ السُّوءِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِهِمْ﴾ بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ أنَّهم صالُو النّارِ تَعْلِيلٌ لِاسْتِيجابِهِمُ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعْرافِ: ٣٨] ”قالُوا“ أيِ الأتْباعُ ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ يُرِيدُونَ أنَّ الدُّعاءَ الَّذِي دَعَوْتُمْ بِهِ عَلَيْنا أيُّها الرُّؤَساءُ أنْتُمْ أحَقُّ بِهِ، وعَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ والضَّمِيرُ لِلْعَذابِ أوْ لِصِلِيِّهِمْ، فَإنْ قِيلَ ما
صفحة ١٩٤
مَعْنى تَقْدِيمِهِمُ العَذابَ لَهم ؟ قُلْنا الَّذِي أوْجَبَ التَّقْدِيمَ هو عَمَلُ السُّوءِ. قالَ تَعالى: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٥٠، ٥١] إلّا أنَّ الرُّؤَساءَ لَمّا كانُوا هُمُ السَّبَبُ فِيهِ بِإغْوائِهِمْ وكانَ العَذابُ جَزاءُهم عَلَيْهِ قِيلَ أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا، فَجَعَلَ الرُّؤَساءَ هُمُ المُقَدَّمِينَ وجَعَلَ الجَزاءَ هو المُقَدَّمُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدَّمْتُمُوهُ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الطُّغْيانِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ: بِئْسَ المُسْتَقَرُّ والمَسْكَنُ جَهَنَّمُ، ثُمَّ قالَتِ الأتْباعُ ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾ أيْ مُضاعَفًا ومَعْناهُ ذا ضَعْفٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا﴾ [الأعْرافِ: ٣٨] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحْزابِ: ٦٧، ٦٨] فَإنْ قِيلَ كُلُّ مِقْدارٍ يُفْرَضُ مِنَ العَذابِ فَإنْ كانَ بِقَدْرِ الِاسْتِحْقاقِ لَمْ يَكُنْ مُضاعَفًا، وإنْ كانَ زائِدًا عَلَيْهِ كانَ ظالِمًا وإنَّهُ لا يَجُوزُ. قُلْنا المُرادُ مِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ومَن سَنَّ سَنَةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» والمَعْنى أنَّهُ يَكُونُ أحَدُ القِسْمَيْنِ عَذابَ الضَّلالِ، والثّانِي عَذابَ الإضْلالِ واللَّهُ أعْلَمُ.
وهَهُنا آخِرُ شَرْحِ أحْوالِ الكُفّارِ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أحْبابًا لَهم في الدُّنْيا، وأمّا شَرْحُ أحْوالِهِمْ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أعْداءً لَهم في الدُّنْيا فَهو قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ يَعْنِي أنَّ الكُفّارَ إذا نَظَرُوا إلى جَوانِبِ جَهَنَّمَ فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ يَعْنُونَ فُقَراءَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا يَؤُبَهُ بِهِمْ، وسَمَّوْهم مِنَ الأشْرارِ، إمّا بِمَعْنى الأراذِلِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ ولا جَدْوى، أوْ لِأنَّهم كانُوا عَلى خِلافِ دِينِهِمْ فَكانُوا عِنْدَهم أشْرارًا. ثُمَّ قالُوا: ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (مِنَ الأشْرارِ اتَّخَذْناهم ) بِوَصْلِ ألْفِ (اتَّخَذْناهم) والباقُونَ بِفَتْحِها عَلى الِاسْتِفْهامِ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ وبِالوَصْلِ يُقْرَأُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ مُتَقَدِّمٌ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾، ولِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَشُكُّونَ في اتِّخاذِهِمُ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا سِخْرِيًّا، لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَ عَنْهم بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٠] فَكَيْفَ يَحْسُنُ أنْ يَسْتَفْهِمُوا عَنْ شَيْءٍ عَلِمُوهُ ؟ أجابَ الفَرّاءُ عَنْهُ بِأنْ قالَ: هَذا مِنَ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ التَّعْجِيبُ والتَّوْبِيخُ، ومِثْلُ هَذا الِاسْتِفْهامِ جائِزٌ عَنِ الشَّيْءِ المَعْلُومِ، أمّا وجْهُ قَوْلِ مَن ألْحَقَ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلَيْهِ لِيُعادِلَ قَوْلَهُ: ﴿أأتَّخَذْناهُمْ﴾ بِأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ﴾ فَإنْ قِيلَ فَما الجُمْلَةُ المُعادِلَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿أمْ زاغَتْ﴾ عَلى القِراءَةِ الأُولى ؟ قُلْنا إنَّها مَحْذُوفَةٌ والمَعْنى المَقْصُودُونَ هم أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”سُخْرِيًّا“ بِضَمِّ السِّينِ والباقُونَ بِكَسْرِها، وقِيلَ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقِيلَ بِالكَسْرِ هو الهُزْءُ وبِالضَّمِّ هو التَّذْلِيلُ والتَّسْخِيرُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في نَظْمِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ بِناءً عَلى القِراءَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، أمّا القِراءَةُ عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ فالتَّقْدِيرُ ما لَنا لا نَراهم حاضِرِينَ لِأجْلِ أنَّهم لِحَقارَتِهِمْ تَرَكُوا، أوْ لِأجْلِ أنَّهم زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ووَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْ حَقارَتِهِمْ بِقَوْلِهِمْ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وأمّا القِراءَةُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ، فالتَّقْدِيرُ لِأجْلِ أنّا قَدِ اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا وما كانُوا كَذَلِكَ فَلَمْ يَدْخُلُوا النّارَ، أمْ لِأجْلِ أنَّهُ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذِهِ المُناظَرَةَ قالَ: إنَّ ذَلِكَ الَّذِي حَكَيْنا عَنْهم لَحَقٌّ لا بُدَّ وأنْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم ما هو، فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ وإنَّما سَمّى اللَّهُ تَعالى تِلْكَ الكَلِماتِ تُخاصُمًا لِأنَّ قَوْلَ
صفحة ١٩٥
الرُّؤَساءِ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ وقَوْلَ الأتْباعِ ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ مِن بابِ الخُصُومَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences