Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Sad 38:75–85
38:75–79Page 457
قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسۡجُدَ لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ أَسۡتَكۡبَرۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡعَالِينَ ٧٥
[Allāh] said, "O Iblees, what prevented you from prostrating to that which I created with My hands?1 Were you arrogant [then], or were you [already] among the haughty?"
قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ ٧٦
He said, "I am better than him. You created me from fire and created him from clay."
قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ ٧٧
[Allāh] said, "Then get out of it [i.e., Paradise], for indeed, you are expelled.
وَإِنَّ عَلَيۡكَ لَعۡنَتِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ٧٨
And indeed, upon you is My curse until the Day of Recompense."
قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ٧٩
He said, "My Lord, then reprieve me until the Day they are resurrected."
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ مَن أثْبَتَ الأعْضاءَ والجَوارِحَ لِلَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ في إثْباتِ يَدَيْنِ لِلَّهِ تَعالى، بِأنْ قالُوا ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، والآياتُ الكَثِيرَةُ وارِدَةٌ عَلى وفْقِ هَذِهِ الآيَةِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِهِ.
واعْلَمْ أنَّ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى نَفْيِ كَوْنِهِ تَعالى جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأعْضاءِ، قَدْ سَبَقَتْ، إلّا أنّا نَذْكُرُ هَهُنا نُكَتًا جارِيَةً مَجْرى الإلْزاماتِ الظّاهِرَةِ.
فالأوَّلُ: أنَّ مَن قالَ إنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ، فَإمّا أنْ يُثْبِتَ الأعْضاءَ الَّتِي ورَدَ ذِكْرُها في القُرْآنِ ولا يَزِيدَ عَلَيْها، وإمّا أنْ يَزِيدَ عَلَيْها، فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَزِمَهُ إثْباتُ صُورَةٍ لا يُمْكِنُ أنْ يُزادَ عَلَيْها في القُبْحِ، لِأنَّهُ يَلْزَمُهُ إثْباتُ وجْهٍ بِحَيْثُ لا يُوجَدُ مِنهُ إلّا مُجَرَّدُ رُقْعَةِ الوَجْهِ لِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القَصَصِ: ٨٨] ويَلْزَمُهُ أنْ يُثْبِتَ في تِلْكَ الرُّقْعَةِ عُيُونًا كَثِيرَةً لِقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ [القَمَرِ: ١٤] وأنْ يُثْبِتَ جَنْبًا واحِدًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٥٦] وأنْ يُثْبِتَ عَلى ذَلِكَ الجَنْبِ أيْدِيَ كَثِيرَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ لَهُ يَدانِ فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كِلاهُما عَلى جانِبٍ واحِدٍ لِقَوْلِهِ ﷺ: «الحَجَرُ الأسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ في الأرْضِ» وأنْ يُثْبِتَ لَهُ ساقًا واحِدًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القَلَمِ: ٤٢] فَيَكُونُ الحاصِلُ مِن هَذِهِ الصُّورَةِ، مُجَرَّدَ رُقْعَةِ الوَجْهِ
صفحة ٢٠٠
ويَكُونُ عَلَيْها عُيُونٌ كَثِيرَةٌ، وجَنْبٌ واحِدٌ ويَكُونُ عَلَيْهِ أيْدٍ كَثِيرَةٌ وساقٌ واحِدٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ أقْبَحُ الصُّوَرِ، ولَوْ كانَ هَذا عَبْدًا لَمْ يَرْغَبْ أحَدٌ في شِرائِهِ، فَكَيْفَ يَقُولُ العاقِلُ إنَّ رَبَّ العالَمِينَ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصُّورَةِ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ لا يَقْتَصِرَ عَلى الأعْضاءِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ، بَلْ يَزِيدُ ويَنْقُصُ عَلى وفْقِ التَّأْوِيلاتِ، فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ مَذْهَبُهُ في الحَمْلِ عَلى مُجَرَّدِ الظَّواهِرِ، ولا بُدَّ لَهُ مِن قَبُولِ دَلائِلِ العَقْلِ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: في إبْطالِ قَوْلِهِمْ إنَّهم إذا أثْبَتُوا الأعْضاءَ لِلَّهِ تَعالى، فَإنْ أثْبَتُوا لَهُ عُضْوَ الرَّجُلِ فَهو رَجُلٌ، وإنْ أثْبَتُوا لَهُ عُضْوَ النِّساءِ فَهو أُنْثى، وإنْ نَفَوْهُما فَهو خَصِيٌّ أوْ عِنِّينٌ، وتَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ في ذاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، إمّا أنْ يَكُونَ جِسْمًا صُلْبًا لا يَنْغَمِزُ البَتَّةَ، فَيَكُونُ حَجَرًا صُلْبًا، وإمّا أنْ يَكُونَ قابِلًا لِلِانْغِمازِ، فَيَكُونُ لَيِّنًا قابِلًا لِلتَّفَرُّقِ والتَّمَزُّقِ. وتَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ إنْ كانَ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَحَرَّكَ عَنْ مَكانِهِ، كانَ كالزَّمِنِ المُقْعَدِ العاجِزِ، وإنْ كانَ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ أنْ يَتَحَرَّكَ عَنْ مَكانِهِ، كانَ مَحَلًّا لِلتَّغَيُّراتِ، فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٧٦] .
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: إنْ كانَ لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ ولا يَنامُ ولا يَتَحَرَّكُ كانَ كالمَيِّتِ، وإنْ كانَ يَفْعَلُ هَذِهِ الأشْياءَ، كانَ إنْسانًا كَثِيرَ التُّهْمَةِ مُحْتاجًا إلى الأكْلِ والشُّرْبِ والوِقاعِ وذَلِكَ باطِلٌ.
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنَّهم يَقُولُونَ إنَّهُ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنَ العَرْشِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَنَقُولُ لَهم حِينَ نُزُولِهِ: هَلْ يَبْقى مُدَبِّرًا لِلْعَرْشِ ويَبْقى مُدَبِّرًا لِلسَّماءِ الدُّنْيا حِينَ كانَ عَلى العَرْشِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى في النُّزُولِ فائِدَةٌ، وإنْ لَمْ يَبْقَ مُدَبِّرًا لِلْعَرْشِ فَعِنْدَ نُزُولِهِ يَصِيرُ مَعْزُولًا عَنْ إلَهِيَّةِ العَرْشِ والسَّماواتِ.
الحُجَّةُ السّابِعَةُ: أنَّهم يَقُولُونَ إنَّهُ تَعالى أعْظَمُ مِنَ العَرْشِ، وإنَّ العَرْشَ لا نِسْبَةَ لِعَظَمَتِهِ إلى عَظَمَةِ الكُرْسِيِّ، وعَلى هَذا التَّرْتِيبِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ السَّماءُ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَةِ اللَّهِ كالذَّرَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ، فَإذا نَزَلَ فَإمّا أنْ يُقالَ إنَّ الإلَهَ يَصِيرُ صَغِيرًا بِحَيْثُ تَسَعُهُ السَّماءُ الدُّنْيا، وإمّا أنْ يُقالَ إنَّ السَّماءَ الدُّنْيا تَصِيرُ أعْظَمَ مِنَ العَرْشِ، وكُلُّ ذَلِكَ باطِلٌ.
الحُجَّةُ الثّامِنَةُ: ثَبَتَ أنَّ العالَمَ كُرَةٌ، فَإنْ كانَ فَوْقَ بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمٍ كانَ تَحْتَ بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمٍ آخَرِينَ وذَلِكَ باطِلٌ، وإنْ كانَ فَوْقَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ جِسْمًا مُحِيطًا بِهَذا العالَمِ مِن كُلِّ الجَوانِبِ، فَيَكُونُ إلَهُ العالَمِ عَلى هَذا القَوْلِ فَلَكًا مِنَ الأفْلاكِ.
الحُجَّةُ التّاسِعَةُ: لَمّا كانَتِ الأرْضُ كُرَةً، وكانَتِ السَّماواتُ كُراتٍ، فَكُلُّ ساعَةٍ تُفْرَضُ السّاعاتُ فَإنَّها تَكُونُ ثُلْثَ اللَّيْلِ في حَقِّ أقْوامٍ مُعَيَّنِينَ مِن سُكّانِ كُرَةِ العَوارِضِ، فَلَوْ نَزَلَ مِنَ العَرْشِ في ثُلْثِ اللَّيْلِ وجَبَ أنْ يَبْقى أبَدًا نازِلًا عَنِ العَرْشِ، وأنْ لا يَرْجِعَ إلى العَرْشِ البَتَّةَ.
الحُجَّةُ العاشِرَةُ: أنّا إنَّما زَيَّفْنا إلَهِيَّةَ الشَّمْسِ والقَمَرِ لِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ العُيُوبِ:
أوَّلُها: كَوْنُهُ مُؤَلَّفًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ.
وثانِيها: كَوْنُهُ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا.
وثالِثُها: كَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِالحَرَكَةِ والسُّكُونِ والطُّلُوعِ
صفحة ٢٠١
والغُرُوبِ، فَإذا كانَ إلَهُ المُشَبِّهَةِ مُؤَلَّفًا مِنَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ كانَ مُرَكَّبًا، فَإذا كانَ عَلى العَرْشِ كانَ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا، وإنْ كانَ يَنْزِلُ مِنَ العَرْشِ ويَرْجِعُ إلَيْهِ كانَ مَوْصُوفًا بِالحَرَكَةِ والسُّكُونِ، فَهَذِهِ الصِّفاتُ الثَّلاثَةُ إنْ كانَتْ مُنافِيَةً لِلْإلَهِيَّةِ وجَبَ تَنْزِيهُ الإلَهِ عَنْها بِأسْرِها، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ المُشَبِّهَةِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مُنافِيَةً لِلْإلَهِيَّةِ فَحِينَئِذٍ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى الطَّعْنِ في إلَهِيَّةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ.
الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ولَفْظُ الأحَدِ مُبالَغَةٌ في الوَحْدَةِ، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَهُ مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ [محمد: ٣٨] ولَوْ كانَ مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ لَكانَ مُحْتاجًا إلَيْها، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ غَنِيًّا عَلى الإطْلاقِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الأعْضاءِ والأجْزاءِ لِلَّهِ مُحالٌ، ولَمّا ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ وُجُوبُ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ هَذِهِ الأعْضاءِ - فَنَقُولُ: ذَكَرَ العُلَماءُ في لَفْظِ اليَدِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ اليَدَ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: ما لِي بِهَذا الأمْرِ مِن يَدٍ، أيْ: مِن قُوَّةٍ وطاقَةٍ، قالَ تَعالى: ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] .
الثّانِي: اليَدُ عِبارَةٌ عَنِ النِّعْمَةِ؛ يُقالُ: أيادِي فُلانٍ في حَقِّ فُلانٍ ظاهِرَةٌ، والمُرادُ النِّعَمُ، والمُرادُ بِاليَدَيْنِ النِّعَمُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ أوْ نِعَمُ الدِّينِ والدُّنْيا.
الثّالِثُ: أنَّ لَفْظَ اليَدِ قَدْ يُزادُ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِ القائِلِ لِمَن جَنى بِاللِّسانِ: هَذا ما كَسَبَتْ يَداكَ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] .
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: حَمْلُ اليَدِ عَلى القُدْرَةِ هَهُنا غَيْرُ جائِزٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي إثْباتَ اليَدَيْنِ، فَلَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةً عَنِ القُدْرَةِ لَزِمَ إثْباتُ قُدْرَتَيْنِ لِلَّهِ، وهو باطِلٌ.
والثّانِي: أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي أنَّ كَوْنَ آدَمَ مَخْلُوقًا بِاليَدَيْنِ يُوجِبُ فَضِيلَتَهُ وكَوْنَهُ مَسْجُودًا لِلْمَلائِكَةِ، فَلَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةً عَنِ القُدْرَةِ لَكانَ آدَمُ مَخْلُوقًا بِالقُدْرَةِ، لَكِنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ مَخْلُوقَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، فَكَما أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَخْلُوقٌ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى، فَكَذَلِكَ إبْلِيسُ مَخْلُوقٌ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ عِبارَةً عَنِ القُدْرَةِ، لَمْ تَكُنْ هَذِهِ العِلَّةُ عِلَّةً، لِكَوْنِ آدَمَ مَسْجُودًا لِإبْلِيسَ أوْلى مِن أنْ يَكُونَ إبْلِيسُ مَسْجُودًا لِآدَمَ، وحِينَئِذٍ يَخْتَلُّ نَظْمُ الآيَةِ ويَبْطُلُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ جاءَ في الحَدِيثِ أنَّهُ ﷺ قالَ: «كِلْتا يَدَيْهِ يُمْنى» ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الوَصْفَ لا يَلِيقُ بِالقُدْرَةِ.
وأمّا التَّأْوِيلُ الثّانِي: وهو حَمْلُ اليَدَيْنِ عَلى النِّعْمَتَيْنِ، فَهو أيْضًا باطِلٌ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى كَثِيرَةٌ كَما قالَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اليَدَ لا تَزِيدُ عَلى الِاثْنَتَيْنِ.
الثّانِي: لَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةً عَنِ النِّعْمَةِ، فَنَقُولُ: النِّعْمَةُ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ آدَمُ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعالى، بَلْ يَكُونُ مَخْلُوقًا لِبَعْضِ المَخْلُوقاتِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِمَزِيدِ النُّقْصانِ أوْلى مِن أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِمَزِيدِ الكَمالِ.
الثّالِثُ: لَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةً عَنِ النِّعْمَةِ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] مَعْناهُ: تَبارَكَ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ المُلْكُ، ولَكانَ قَوْلُهُ: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ مَعْناهُ: بِنِعْمَتِكَ الخَيْرُ، ولَكانَ قَوْلُهُ: ﴿يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤] مَعْناهُ: نِعْمَتاهُ مَبْسُوطَتانِ، ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ فاسِدٌ.
وأمّا التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُهُ: إنَّ لَفْظَ اليَدِ قَدْ يُذْكَرُ زِيادَةً لِأجْلِ التَّأْكِيدِ، فَنَقُولُ: لَفْظُ اليَدِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في
صفحة ٢٠٢
حَقِّ مَن يَكُونُ هَذا العُضْوُ حاصِلًا لَهُ، وفي حَقِّ مَن لا يَكُونُ هَذا العُضْوُ حاصِلًا في حَقِّهِ.
أمّا الأوَّلُ: فَكَقَوْلِهِمْ في حَقِّ مَن جَنى بِلِسانِهِ: هَذا ما كَسَبَتْ يَداكَ، والسَّبَبُ في هَذا أنَّ مَحَلَّ القُدْرَةِ هو اليَدُ، فَأطْلَقَ اسْمَ اليَدِ عَلى القُدْرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَصِيرُ المُرادُ مِن لَفْظِ اليَدِ القُدْرَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ إبْطالُ هَذا الوَجْهِ.
وأمّا الثّانِي: فَكَقَوْلِهِ ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] وقَوْلِهِ: (بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ) إلّا أنّا نَقُولُ: هَذا المَجازُ بِهَذا اللَّفْظِ مَذْكُورٌ، والمَجازُ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، ولا يَكُونُ مُطَّرِدًا، فَلا جَرَمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا المَعْنى إنَّما حَصَلَ بِيَدِ العَذابِ وبِيَدِ السّاعَةِ، ونَحْنُ نُسَلِّمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] قَدْ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ التَّأْكِيدُ والصِّلَةُ، أمّا المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ هَذا اللَّفْظُ، بَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وإنْ كانَ القِياسُ في المَجازاتِ باطِلًا فَقَدْ سَقَطَ كَلامُكم بِالكُلِّيَّةِ، فَهَذا مُنْتَهى البَحْثِ في هَذا البابِ.
والَّذِي تَلَخَّصَ عِنْدِي في هَذا البابِ أنَّ السُّلْطانَ العَظِيمَ لا يَقْدِرُ عَلى عَمَلِ شَيْءٍ بِيَدِهِ إلّا إذا كانَتْ غايَةُ عِنايَتِهِ مَصْرُوفَةً إلى ذَلِكَ العَمَلِ، فَإذا كانَتِ العِنايَةُ الشَّدِيدَةُ مِن لَوازِمِ العَمَلِ بِاليَدِ أمْكَنَ جَعْلُهُ مَجازًا عَنْهُ عِنْدَ قِيامِ الدَّلائِلِ القاهِرَةِ، فَهَذا ما لَخَّصْناهُ في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ فالمَعْنى: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ أمْ كُنْتَ أبَدًا مِنَ المُتَكَبِّرِينَ العالِينَ، فَأجابَ إبْلِيسُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ فالمَعْنى: أنِّي لَوْ كُنْتُ مُساوِيًا لَهُ في الشَّرَفِ لَكانَ يَقْبُحُ أمْرِي بِسُجُودِي لَهُ، فَكَيْفَ وأنا خَيْرٌ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ كَوْنَهُ خَيْرًا مِنهُ بِأنَّ أصْلَهُ مِنَ النّارِ، والنّارُ أشْرَفُ مِنَ الطِّينِ، فَصَحَّ أنَّ أصْلَهُ خَيْرٌ مِن أصْلِ آدَمَ، ومَن كانَ أصْلُهُ خَيْرًا مِن أصْلِهِ فَهو خَيْرٌ مِنهُ، فَهَذِهِ مُقَدِّماتٌ ثَلاثٌ:
38:80–85Page 457
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ٨٠
[Allāh] said, "So indeed, you are of those reprieved
إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ ٨١
Until the Day of the time well-known."
قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٨٢
[Iblees] said, "By Your might, I will surely mislead them all
إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٨٣
Except, among them, Your chosen servants."
قَالَ فَٱلۡحَقُّ وَٱلۡحَقَّ أَقُولُ ٨٤
[Allāh] said, "The truth [is My oath], and the truth I say -
لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٨٥
[That] I will surely fill Hell with you and those of them that follow you all together."
المُقَدِّمَةُ الأُولى: أنَّ إبْلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] .
المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ النّارَ أفْضَلُ مِنَ الطِّينِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الأجْرامَ الفَلَكِيَّةَ أشْرَفُ مِنَ الأجْرامِ العُنْصُرِيَّةِ، والنّارُ أقْرَبُ العَناصِرِ مِنَ الفَلَكِ، والأرْضُ أبْعَدُها عَنْهُ، فَوَجَبَ كَوْنُ النّارِ أفْضَلَ مِنَ الأرْضِ.
الثّانِي: أنَّ النّارَ خَلِيفَةُ الشَّمْسِ والقَمَرِ في إضاءَةِ هَذا العالَمِ عِنْدَ غَيْبَتِهِما، والشَّمْسُ والقَمَرُ أشْرَفُ مِنَ الأرْضِ، فَخَلِيفَتُهُما في الإضاءَةِ أفْضَلُ مِنَ الأرْضِ.
الثّالِثُ: أنَّ الكَيْفِيَّةَ الفاعِلَةَ الأصْلِيَّةَ، إمّا الحَرارَةُ أوِ البُرُودَةُ، والحَرارَةُ أفْضَلُ مِنَ البُرُودَةِ؛ لِأنَّ الحَرارَةَ تُناسِبُ الحَياةَ، والبُرُودَةُ تُناسِبُ المَوْتَ.
الرّابِعُ: الأرْضُ كَثِيفَةٌ والنّارُ لَطِيفَةٌ، واللَّطافَةُ أشْرَفُ مِنَ الكَثافَةِ.
الخامِسُ: النّارُ مُشْرِقَةٌ والأرْضُ مُظْلِمَةٌ، والنُّورُ خَيْرٌ مِنَ الظُّلْمَةِ.
السّادِسُ: النّارُ خَفِيفَةٌ تُشْبِهُ الرُّوحَ، والأرْضُ ثَقِيلَةٌ تُشْبِهُ الجَسَدَ، والرُّوحُ أفْضَلُ مِنَ الجَسَدِ، فالنّارُ أفْضَلُ مِنَ الأرْضِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ الأطِبّاءَ أطْبَقُوا عَلى أنَّ العُنْصُرَيْنِ الثَّقِيلَيْنِ أعْوَنُ عَلى تَرْكِيبِ الأجْسادِ، وأنَّ العُنْصُرَيْنِ الخَفِيفَيْنِ أعَوْنُ عَلى تَوَلُّدِ الأرْواحِ.
السّابِعُ: النّارُ صاعِدَةٌ والأرْضُ هابِطَةٌ، والصّاعِدُ أفْضَلُ مِنَ الهابِطِ.
الثّامِنُ: أنَّ أوَّلَ بُرُوجِ الفَلَكِ هو الحَمَلُ، لِأنَّهُ هو الَّذِي يَبْدَأُ مِن نُقْطَةِ الِاسْتِواءِ الشَّمالِيِّ، ثُمَّ إنَّ الحَمَلَ عَلى طَبِيعَةِ النّارِ، وأشْرَفُ أعْضاءِ الحَيَوانِ القَلْبُ والرُّوحُ، وهُما عَلى طَبِيعَةِ النّارِ، وأخَسُّ أعْضاءِ الحَيَوانِ هو العَظْمُ، وهو بارِدٌ يابِسٌ أرْضِيٌّ.
التّاسِعُ: أنَّ الأجْسامَ الأرْضِيَّةَ كُلَّما كانَتْ أشَدَّ نُورانِيَّةً ومُشابَهَةً بِالنّارِ كانَتْ أشْرَفَ، وكُلَّما كانَتْ أكْثَرَ غُبْرَةً وكَثافَةً وكُدُورَةً ومُشابَهَةً بِالأرْضِ كانَتْ أخَسَّ، مِثالُهُ: الأجْسامُ الشَّبِيهَةُ بِالنّارِ الذَّهَبُ والياقُوتُ
صفحة ٢٠٣
والأحْجارُ الصّافِيَةُ النُّورانِيَّةُ، ومِثالُهُ أيْضًا مِنَ الثِّيابِ الإبْرَيْسَمُ وما يُتَّخَذُ مِنهُ، وأمّا أنَّ كَلَّ ما كانَ أكْثَرَ أرْضِيَّةً وغُبْرَةً فَهو أخَسُّ، فالأمْرُ ظاهِرٌ.
العاشِرُ: أنَّ القُوَّةَ الباصِرَةَ قُوَّةٌ في غايَةِ الشَّرَفِ والجَلالَةِ، ولا يَتِمُّ عَمَلُها إلّا بِالشُّعاعِ وهو جِسْمٌ شَبِيهٌ بِالنّارِ.
الحادِيَ عَشَرَ: أنَّ أشْرَفَ أجْسامِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ هو الشَّمْسُ، ولا شَكَّ أنَّهُ شَبِيهٌ بِالنّارِ في صُورَتِهِ وطَبِيعَتِهِ وأثَرِهِ.
الثّانِيَ عَشَرَ: أنَّ النُّضْجَ والهَضْمَ والحَياةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالحَرارَةِ، ولَوْلا قُوَّةُ الحَرارَةِ لَما تَمَّ المِزاجُ وتَوَلَّدَتِ المُرَكَّباتُ.
الثّالِثَ عَشَرَ: أنَّ أقْوى العَناصِرِ الأرْبَعَةِ في قُوَّةِ الفِعْلِ هو النّارُ، وأكْمَلُها في قُوَّةِ الِانْفِعالِ هو الأرْضُ، والفِعْلُ أفْضَلُ مِنَ الِانْفِعالِ، فالنّارُ أفْضَلُ مِنَ الأرْضِ. أمّا القائِلُونَ بِتَفْضِيلِ الأرْضِ عَلى النّارِ فَذَكَرُوا أيْضًا وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ الأرْضَ أمِينٌ مُصْلِحٌ، فَإذا أوْدَعْتَها حَبَّةً رَدَّتْها إلَيْكَ شَجَرَةً مُثْمِرَةً، والنّارُ خائِنَةٌ تُفْسِدُ كُلَّ ما أسْلَمْتَهُ إلَيْها.
الثّانِي: أنَّ الحِسَّ البَصَرِيَّ أثْنى عَلى النّارِ، فَلْيَسْتَمِعْ ما يَقُولُهُ الحِسُّ اللَّمْسِيُّ.
الثّالِثُ: أنَّ الأرْضَ مُسْتَوْلِيَةٌ عَلى النّارِ، فَإنَّها تُطْفِئُ النّارَ، وأمّا النّارُ فَإنَّها لا تُؤَثِّرُ في الأرْضِ الخالِصَةِ.
وأمّا المُقَدِّمَةُ الثّالِثَةُ: فَهي أنَّ مَن كانَ أصْلُهُ خَيْرًا مِن أصْلِهِ فَهو خَيْرٌ مِنهُ، فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ كاذِبَةٌ جِدًّا، وذَلِكَ لِأنَّ أصْلَ الرَّمادِ النّارُ، وأصْلَ البَساتِينِ النَّزِهَةِ والأشْجارِ المُثْمِرَةِ هو الطِّينُ، ومَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الأشْجارَ المُثْمِرَةَ خَيْرٌ مِنَ الرَّمادِ، وأيْضًا فَهَبْ أنَّ اعْتِبارَ هَذِهِ الجِهَةِ يُوجِبُ الفَضِيلَةَ، إلّا أنَّ هَذا يُمْكِنُ أنْ يَصِيرَ مُعارَضًا بِجِهَةٍ أُخْرى تُوجِبُ الرُّجْحانَ، مِثْلَ إنْسانٍ نَسِيبٍ عارٍ عَنْ كُلِّ الفَضائِلِ، فَإنَّ نَسَبَهُ يُوجِبُ رُجْحانَهُ، إلّا أنَّ الَّذِي لا يَكُونُ نَسِيبًا قَدْ يَكُونُ كَثِيرَ العِلْمِ والزُّهْدِ، فَيَكُونُ هو أفْضَلَ مِن ذَلِكَ النَّسِيبِ بِدَرَجاتٍ لا حَدَّ لَها، فالمُقَدِّمَةُ الكاذِبَةُ في القِياسِ الَّذِي ذَكَرَهُ إبْلِيسُ هو هَذِهِ المُقَدِّمَةُ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَبْ أنَّ إبْلِيسَ أخْطَأ في هَذا القِياسِ، لَكِنْ كَيْفَ لَزِمَهُ الكُفْرُ مِن تِلْكَ المُخالَفَةِ ؟ وبَيانُ هَذا السُّؤالِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (اسْجُدُوا) أمْرٌ، والأمْرُ لا يَقْتَضِي الوُجُوبَ بَلِ النَّدْبَ، ومُخالَفَةُ النَّدْبِ لا تُوجِبُ العِصْيانَ فَضْلًا عَنِ الكُفْرِ، وأيْضًا فالَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ فَهم لا يُنْكِرُونَ كَوْنَهُ مُحْتَمِلًا لِلنَّدْبِ احْتِمالًا ظاهِرًا، ومَعَ قِيامِ هَذا الِاحْتِمالِ الظّاهِرِ كَيْفَ يَلْزَمُ العِصْيانُ فَضْلًا عَنِ الكُفْرِ.
الثّانِي: هَبْ أنَّهُ لِلْوُجُوبِ، إلّا أنَّ إبْلِيسَ ما كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، فَأمْرُ المَلائِكَةِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ لا يَدْخُلُ فِيهِ إبْلِيسُ.
الثّالِثُ: هَبْ أنَّهُ يَتَناوَلُهُ إلّا أنَّ تَخْصِيصَ العامِّ بِالقِياسِ جائِزٌ، فَخَصَّصَ نَفْسَهُ عَنْ عُمُومِ ذَلِكَ الأمْرِ بِالقِياسِ.
الرّابِعُ: هَبْ أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ كانَ مَأْمُورًا بِهِ إلّا أنَّ هَذا القَدْرَ يُوجِبُ العِصْيانَ ولا يُوجِبُ الكُفْرَ، فَكَيْفَ لَزِمَهُ الكُفْرُ، الجَوابُ: هَبْ أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ لا تَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ، ولَكِنْ يَجُوزُ أنْ يَنْضَمَّ إلَيْها مِنَ القَرائِنِ ما يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ، وهَهُنا حَصَلَتْ تِلْكَ القَرائِنُ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ فَلَمّا أتى إبْلِيسُ بِقِياسِهِ الفاسِدِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ القِياسَ لِيَتَوَسَّلَ بِهِ إلى القَدْحِ في أمْرِ اللَّهِ وتَكْلِيفِهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ الكُفْرَ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ إبْلِيسَ لَمّا ذَكَرَ هَذا القِياسَ الفاسِدَ، قالَ تَعالى: ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ ذِكْرَ الحُكْمِ عَقِيبَ الوَصْفِ المُناسِبِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الحُكْمِ
صفحة ٢٠٤
مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ، وهَهُنا الحُكْمُ بِكَوْنِهِ رَجِيمًا ورَدَ عَقِيبَ ما حُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ خَصَّصَ النَّصَّ بِالقِياسِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ النَّصِّ بِالقِياسِ يُوجِبُ هَذا الحُكْمَ، وقَوْلُهُ: (مِنها) أيْ: مِنَ الجَنَّةِ أوْ مِنَ السَّماواتِ، والرَّجِيمُ المَرْجُومُ، وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مَجازٌ عَنِ الطَّرْدِ، لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَن طُرِدَ فَقَدْ يُرْمى بِالحِجارَةِ وهو الرَّجْمُ، فَلَمّا كانَ الرَّجْمُ مِن لَوازِمِ الطَّرْدِ جُعِلَ الرَّجْمُ كِنايَةً عَنِ الطَّرْدِ، فَإنْ قالُوا: الطَّرْدُ هو اللَّعْنُ فَلَوْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: (رَجِيمٌ) عَلى الطَّرْدِ لَكانَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ تَكْرارًا، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنّا نَحْمِلُ الرَّجْمَ عَلى الطَّرْدِ مِنَ الجَنَّةِ أوْ مِنَ السَّماواتِ، ونَحْمِلُ اللَّعْنَ عَلى الطَّرْدِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ.
والثّانِي: أنّا نَحْمِلُ الرَّجْمَ عَلى الطَّرْدِ، ونَحْمِلُ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ عَلى أنَّ ذَلِكَ الطَّرْدَ يَمْتَدُّ إلى آخِرِ القِيامَةِ فَيَكُونُ هَذا فائِدَةً زائِدَةً، ولا يَكُونُ تَكْرِيرًا.
والقَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الرَّجِيمِ أنْ نَحْمِلَهُ عَلى الحَقِيقَةِ، وهو كَوْنُ الشَّياطِينِ مَرْجُومِينَ بِالشُّهُبِ، واللَّهُ أعْلَمُ. فَإنْ قِيلَ: كَلِمَةُ ”إلى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ يَقْتَضِي انْقِطاعَ تِلْكَ اللَّعْنَةِ عِنْدَ مَجِيءِ يَوْمِ الدِّينِ، أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ بِأنَّ اللَّعْنَةَ باقِيَةٌ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَإذا جاءَ يَوْمُ القِيامَةِ جُعِلَ مَعَ اللَّعْنَةِ أنْواعٌ مِنَ العَذابِ تَصِيرُ اللَّعْنَةُ مَعَ حُضُورِها مَنسِيَّةً.
واعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ لَمّا صارَ مَلْعُونًا قالَ: ﴿فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قِيلَ: إنَّما طَلَبَ الإنْظارَ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، لِأجْلِ أنْ يَتَخَلَّصَ مِنَ المَوْتِ، لِأنَّهُ إذا نُظِرَ إلى يَوْمِ البَعْثِ لَمْ يَمُتْ قَبْلَ يَوْمِ البَعْثِ وعِنْدَ مَجِيءِ يَوْمِ البَعْثِ لا يَمُوتُ أيْضًا، فَحِينَئِذٍ يَتَخَلَّصُ مِنَ المَوْتِ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ومَعْناهُ: إنَّكَ مِنَ المَنظَرِينَ إلى يَوْمٍ يَعْلَمُهُ اللَّهُ ولا يَعْلَمُهُ أحَدٌ سِواهُ، فَقالَ إبْلِيسُ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ وهو قَسَمٌ بِعَزَّةِ اللَّهِ وسُلْطانِهِ ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ فَهَهُنا أضافَ الإغْواءَ إلى نَفْسِهِ، وهو عَلى مَذْهَبِ القَدَرِ، وقالَ مَرَّةً أُخْرى: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي﴾ فَأضافَ الإغْواءَ إلى اللَّهِ عَلى ما هو مَذْهَبُ الجَبْرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُتَحَيِّرٌ في هَذِهِ المَسْألَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ فَفِيهِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: قِيلَ: غَرَضُ إبْلِيسَ مِن ذِكْرِهِ هَذا الِاسْتِثْناءَ أنْ لا يَقَعَ في كَلامِهِ الكَذِبُ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرْ هَذا الِاسْتِثْناءَ، وادَّعى أنَّهُ يُغْوِي الكُلَّ، لَكانَ يَظْهَرُ كَذِبُهُ حِينَ يَعْجَزُ عَنْ إغْواءِ عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ، فَكَأنَّ إبْلِيسَ قالَ: إنَّما ذَكَرْتُ هَذا الِاسْتِثْناءَ لِئَلّا يَقَعَ الكَذِبُ في هَذا الكَلامِ، وعَنْ هَذا يُقالُ: إنَّ الكَذِبَ شَيْءٌ يَسْتَنْكِفُ مِنهُ إبْلِيسُ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالمُسْلِمِ الإقْدامُ عَلَيْهِ ؟ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] ؟ قُلْنا: إنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَقُلْ: إنِّي لَمْ أقْصِدْ إغْواءَ عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ، بَلْ قالَ: لَأُغْوِيَنَّهم، وهو وإنْ كانَ يَقْصِدُ الإغْواءَ إلّا أنَّهُ لا يُغْوِيهِمْ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ إبْلِيسَ لا يُغْوِي عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، وقالَ تَعالى في صِفَةِ يُوسُفَ: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] فَنَصِلُ مِن مَجْمُوعِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّ إبْلِيسَ ما أغْوى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَذِبِ الحَشْوِيَّةِ فِيما يَنْسُبُونَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ القَبائِحِ.
صفحة ٢٠٥
واعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ لَمّا ذَكَرَ هَذا الكَلامَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ ﴿فالحَقُّ﴾ بِالرَّفْعِ ﴿والحَقَّ﴾ بِالنَّصْبِ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ فِيهِما. أمّا الرَّفْعُ فَتَقْدِيرُهُ: فالحَقُّ قَسَمِي، وأمّا النَّصْبُ فَعَلى القَسَمِ، أيْ: فَبِالحَقِّ، كَقَوْلِكَ: واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾ انْتُصِبَ قَوْلُهُ: ”والحَقَّ“ بِقَوْلِهِ: ﴿أقُولُ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِنكَ﴾ أيْ: مِن جِنْسِكَ، وهُمُ الشَّياطِينُ ﴿ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿أجْمَعِينَ﴾ تَأْكِيدٌ لِماذا ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يُؤَكَّدَ بِهِ الضَّمِيرُ في ”مِنهم“، أوِ الكافُ في ”مِنكَ“ مَعَ ”مَن تَبِعَكَ“، ومَعْناهُ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ المَتْبُوعِينَ والتّابِعِينَ، لا أتْرُكُ مِنهم أحَدًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في حَقِّ إبْلِيسَ: ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَهَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ، فَلَوْ آمَنَ لانْقَلَبَ خَبَرُ اللَّهِ الصِّدْقُ كَذِبًا، وهو مُحالٌ، فَكانَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهُ مُحالًا مَعَ أنَّهُ أمَرَ بِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ فاللَّهُ تَعالى عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ يُغْوِيهِمْ، وسَمِعَ مِنهُ هَذِهِ الدَّعْوى، وكانَ قادِرًا عَلى مَنعِهِ عَنْ ذَلِكَ، والقادِرُ عَلى المَنعِ إذا لَمْ يَمْنَعْ كانَ راضِيًا بِهِ، فَإنْ قالُوا: لَعَلَّ ذَلِكَ المَنعَ مُفْسِدٌ، قُلْنا: هَذا قَوْلٌ فاسِدٌ، لِأنَّ ذَلِكَ المَنعَ يُخَلِّصُ إبْلِيسَ عَنِ الإضْلالِ، ويُخَلِّصُ بَنِي آدَمَ عَنِ الضَّلالِ، وهَذا عَيْنُ المَصْلَحَةِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلَأُ جَهَنَّمَ مِنَ الكَفَرَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكْفُرُوا لَزِمَ الكَذِبُ والجَهْلُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى.
الرّابِعُ: أنَّهُ لَوْ أرادَ أنْ لا يَكْفُرَ الكافِرُ لَوَجَبَ أنْ يُبْقِيَ الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ، وأنْ يُمِيتَ إبْلِيسَ والشَّياطِينَ، وحَيْثُ قَلَبَ الأمْرَ عَلِمْنا أنَّهُ فاسِدٌ.
الخامِسُ: أنَّ تَكْلِيفَ أُولَئِكَ الكُفّارِ بِالإيمانِ يَقْتَضِي تَكْلِيفَهم بِالإيمانِ بِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي هي دالَّةٌ عَلى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ألْبَتَّةَ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَصِيرُوا مُكَلَّفِينَ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ألْبَتَّةَ، وذَلِكَ تَكْلِيفٌ بِما لا يُطاقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences