Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:13–15
4:13–14Page 79
تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٣
These are the limits [set by] Allāh, and whoever obeys Allāh and His Messenger will be admitted by Him to gardens [in Paradise] under which rivers flow, abiding eternally therein; and that is the great attainment.
وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٤
And whoever disobeys Allāh and His Messenger and transgresses His limits - He will put him into the Fire to abide eternally therein, and he will have a humiliating punishment.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ .
صفحة ١٨٤
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى بَعْدَ بَيانِ سِهامِ المَوارِيثِ ذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ تَرْغِيبًا في الطّاعَةِ وتَرْهِيبًا عَنِ المَعْصِيَةِ فَقالَ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ.
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى ماذا ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى أحْوالِ المَوارِيثِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ إشارَةٌ إلى كُلِّ ما ذَكَرَهُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَهُنا مِن بَيانِ أمْوالِ الأيْتامِ وأحْكامِ الأنْكِحَةِ وأحْوالِ المَوارِيثِ وهو قَوْلُ الأصَمِّ. حُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ، وحُجَّةُ القَوْلِ الثّانِي أنَّ عَوْدَهُ إلى الأقْرَبِ إذا لَمْ يَمْنَعْ مِن عَوْدِهِ إلى الأبْعَدِ مانِعٌ يُوجِبُ عَوْدَهُ إلى الكُلِّ.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِحُدُودِ اللَّهِ المُقَدَّراتُ الَّتِي ذَكَرَها وبَيَّنَها، وحَدُّ الشَّيْءِ طَرَفُهُ الَّذِي يَمْتازُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، ومِنهُ حُدُودُ الدّارِ، والقَوْلُ الدّالُّ عَلى حَقِيقَةِ الشَّيْءِ يُسَمّى حَدًّا لَهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ يَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ، وغَيْرُهُ هو كُلُّ ما سِواهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهم: قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ مُخْتَصٌّ بِمَن أطاعَ أوْ عَصى في هَذِهِ التَّكالِيفِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وقالَ المُحَقِّقُونَ: بَلْ هو عامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ هَذا وغَيْرُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ فَوَجَبَ أنْ يَتَناوَلَ الكُلَّ. أقْصى ما في البابِ أنَّ هَذا العامَّ إنَّما ذُكِرَ عَقِيبَ تَكالِيفَ خاصَّةٍ، إلّا أنَّ هَذا القَدْرَ لا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ العُمُومِ، ألا تَرى أنَّ الوالِدَ قَدْ يُقْبِلُ عَلى ولَدِهِ ويُوَبِّخُهُ في أمْرٍ مَخْصُوصٍ، ثُمَّ يَقُولُ: احْذَرْ مُخالَفَتِي ومَعْصِيَتِي ويَكُونُ مَقْصُودُهُ مَنعَهُ مِن مَعْصِيَتِهِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، فَكَذا هَهُنا. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: (نُدْخِلْهُ جَنّاتٍ. نُدْخِلْهُ نارًا) بِالنُّونِ في الحَرْفَيْنِ، والباقُونَ بِالياءِ.
أمّا الأوَّلُ: فَعَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿سَنُلْقِي﴾ بِالنُّونِ.
وأمّا الثّانِي: فَوَجْهُهُ ظاهِرٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَهُنا سُؤالٌ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ﴾ إنَّما يَلِيقُ بِالواحِدِ، ثُمَّ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ إنَّما يَلِيقُ بِالجَمْعِ فَكَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُما ؟
الجَوابُ: أنَّ كَلِمَةَ (مَن) في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ مُفْرَدٌ في اللَّفْظِ جَمْعٌ في المَعْنى، فَلِهَذا صَحَّ الوَجْهانِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: انْتَصَبَ ”خالِدِينَ“ ”وخالِدًا“ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ في ”نُدْخِلْهُ“ والتَّقْدِيرُ: نُدْخِلْهُ خالِدًا في النّارِ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ فُسّاقَ أهْلِ الصَّلاةِ يَبْقَوْنَ مُخَلَّدِينَ في النّارِ. وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِمَن تَعَدّى في الحُدُودِ الَّتِي
صفحة ١٨٥
سَبَقَ ذِكْرُها وهي حُدُودُ المَوارِيثِ، أوْ يَدْخُلُ فِيها ذَلِكَ وغَيْرُهُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَلْزَمُ دُخُولُ مَن تَعَدّى في المَوارِيثِ في هَذا الوَعِيدِ، وذَلِكَ عامٌّ فِيمَن تَعَدّى وهو مِن أهْلِ الصَّلاةِ أوْ لَيْسَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى القَطْعِ بِالوَعِيدِ، وعَلى أنَّ الوَعِيدَ مُخَلِّدٌ، ولا يُقالُ: هَذا الوَعِيدُ مُخْتَصٌّ بِمَن تَعَدّى حُدُودَ اللَّهِ، وذَلِكَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا في حَقِّ الكافِرِ، فَإنَّهُ هو الَّذِي تَعَدّى جَمِيعَ حُدُودِ اللَّهِ، فَإنّا نَقُولُ: هَذا مَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنّا لَوْ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى تَعَدِّي جَمِيعِ حُدُودِ اللَّهِ خَرَجَتِ الآيَةُ عَنِ الفائِدَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى عَنِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ والمَجُوسِيَّةِ، فَتَعَدِّي جَمِيعِ حُدُودِهِ هو أنْ يَتْرُكَ جَمِيعَ هَذِهِ النَّواهِي، وتَرْكُها إنَّما يَكُونُ بِأنْ يَأْتِيَ اليَهُودِيَّةَ والمَجُوسِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ مَعًا، وذَلِكَ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ تَعَدِّيَ جَمِيعِ حُدُودِ اللَّهِ مُحالٌ، فَلَوْ كانَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ ذَلِكَ لَخَرَجَتِ الآيَةُ عَنْ كَوْنِها مُفِيدَةً، فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ مِنهُ أيُّ حَدٍّ كانَ مِن حُدُودِ اللَّهِ.
الثّانِي: هو أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَذْكُورَةٌ عَقِيبَ آياتِ قِسْمَةِ المَوارِيثِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ تَعَدِّي حُدُودِ اللَّهِ في الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآياتِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَسْقُطُ هَذا السُّؤالُ.
هَذا مُنْتَهى تَقْرِيرِ المُعْتَزِلَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولا بَأْسَ بِأنْ نُعِيدَ طَرَفًا مِنها في هَذا المَوْضِعِ فَنَقُولَ:
أجْمَعْنا عَلى أنَّ هَذا الوَعِيدَ مُخْتَصٌّ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ عَلى أنَّهُ إذا حَصَلَتِ التَّوْبَةُ لَمْ يَبْقَ هَذا الوَعِيدُ، فَكَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ العَفْوِ، فَإنَّ بِتَقْدِيرِ قِيامِ الدَّلالَةِ عَلى حُصُولِ العَفْوِ امْتَنَعَ بَقاءُ هَذا الوَعِيدِ عِنْدَ حُصُولِ العَفْوِ، ونَحْنُ قَدْ ذَكَرْنا الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ عَلى حُصُولِ العَفْوِ، ثُمَّ نَقُولُ: هَذا العُمُومُ مَخْصُوصٌ بِالكافِرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنّا إذا قُلْنا لَكم: ما الدَّلِيلُ عَلى أنَّ كَلِمَةَ (مَن) في مَعْرِضِ الشَّرْطِ تُفِيدُ العُمُومَ ؟ قُلْتُمْ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، والِاسْتِثْناءُ يُخْرِجُ مِنَ الكَلامِ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ فِيهِ، فَنَقُولُ: إنْ صَحَّ هَذا الدَّلِيلُ فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ مُخْتَصٌّ بِالكافِرِ: لِأنَّ جَمِيعَ المَعاصِي يَصِحُّ اسْتِثْناؤُها مِن هَذا اللَّفْظِ فَيُقالُ: ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ إلّا في الكُفْرِ، وإلّا في الفِسْقِ، وحُكْمُ الِاسْتِثْناءِ إخْراجُ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ﴾ في جَمِيعِ أنْواعِ المَعاصِي والقَبائِحِ، وذَلِكَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا في حَقِّ الكافِرِ، وقَوْلُهُ: الإتْيانُ بِجَمِيعِ المَعاصِي مُحالٌ؛ لِأنَّ الإتْيانَ بِاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ مَعًا مُحالٌ، فَنَقُولُ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي العُمُومَ إلّا إذا قامَ مُخَصِّصٌ عَقْلِيٌّ أوْ شَرْعِيٌّ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَسْقُطُ سُؤالُهم ويَقْوى ما ذَكَرْناهُ.
الوَجْهُ الثّانِي في بَيانِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالكافِرِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يُفِيدُ كَوْنَهُ فاعِلًا لِلْمَعْصِيَةِ والذَّنْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ لَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ عَيْنَ ذَلِكَ لَلَزِمَ التَّكْرارُ، وهو خِلافُ الأصْلِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الكُفْرِ، وقَوْلُهُ: بِأنّا نَحْمِلُ هَذِهِ الآيَةَ عَلى تَعَدِّي الحُدُودِ المَذْكُورَةِ في المَوارِيثِ.
قُلْنا: هَبْ أنَّهُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ يَسْقُطُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ السُّؤالِ بِهَذا الكَلامِ؛ لِأنَّ التَّعَدِّيَ في حُدُودِ المَوارِيثِ تارَةً يَكُونُ بِأنْ يَعْتَقِدَ أنَّ تِلْكَ التَّكالِيفَ والأحْكامَ حَقٌّ وواجِبَةُ القَبُولِ إلّا أنَّهُ يَتْرُكُها، وتارَةً يَكُونُ بِأنْ يَعْتَقِدَ أنَّها واقِعَةٌ لا عَلى وجْهِ الحِكْمَةِ والصَّوابِ، فَيَكُونُ هَذا هو الغايَةَ في تَعَدِّي الحُدُودِ، وأمّا الأوَّلُ فَلا يَكادُ يُطْلَقُ في حَقِّهِ أنَّهُ تَعَدّى حُدُودَ اللَّهِ، وإلّا لَزِمَ وُقُوعُ التَّكْرارِ كَما ذَكَرْناهُ، فَعَلِمْنا أنَّ هَذا الوَعِيدَ مُخْتَصٌّ بِالكافِرِ الَّذِي لا يَرْضى بِما ذَكَرَهُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن قِسْمَةِ المَوارِيثِ، فَهَذا ما يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الآيَةِ مِنَ المَباحِثِ، وأمّا بَقِيَّةُ الأسْئِلَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في سُورَةِ البَقَرَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
4:15Page 80
وَٱلَّٰتِي يَأۡتِينَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمۡ فَٱسۡتَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِنَّ أَرۡبَعَةٗ مِّنكُمۡۖ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمۡسِكُوهُنَّ فِي ٱلۡبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلۡمَوۡتُ أَوۡ يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلٗا ١٥
Those who commit immorality [i.e., unlawful sexual intercourse] of your women - bring against them four [witnesses] from among you. And if they testify,1 confine them [i.e., the guilty women] to houses until death takes them or Allāh ordains for them [another] way.2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكم فَإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ الأمْرَ بِالإحْسانِ إلى النِّساءِ ومُعاشَرَتِهِنَّ بِالجَمِيلِ، وما يَتَّصِلُ بِهَذا البابِ، ضَمَّ إلى ذَلِكَ التَّغْلِيظَ عَلَيْهِنَّ فِيما يَأْتِينَهُ مِنَ الفاحِشَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ إحْسانٌ إلَيْهِنَّ ونَظَرٌ لَهُنَّ في أمْرِ آخِرَتِهِنَّ، وأيْضًا فَفِيهِ فائِدَةٌ أُخْرى: وهو أنَ لا يَجْعَلَ أمْرُ اللَّهِ الرِّجالَ بِالإحْسانِ إلَيْهِنَّ سَبَبًا لِتَرْكِ إقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِنَّ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِهِنَّ في أنْواعِ المَفاسِدِ والمَهالِكِ، وأيْضًا فِيهِ فائِدَةٌ ثالِثَةٌ، وهي بَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَما يَسْتَوْفِي لِخَلْقِهِ فَكَذَلِكَ يَسْتَوْفِي عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ لَيْسَ في أحْكامِهِ مُحاباةٌ ولا بَيْنَهُ وبَيْنَ أحَدٍ قَرابَةٌ، وأنَّ مَدارَ هَذا الشَّرْعِ الإنْصافُ والِاحْتِرازُ في كُلِّ بابٍ عَنْ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، فَقالَ: ﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اللّاتِي: جَمْعُ الَّتِي، ولِلْعَرَبِ في جَمْعِ ”الَّتِي“ لُغاتٌ: اللّاتِي واللّاتِ واللَّواتِي واللَّواتِ. قالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ في الجَمْعِ مِن غَيْرِ الحَيَوانِ: الَّتِي، ومِنَ الحَيَوانِ: اللّاتِي، كَقَوْلِهِ: ﴿أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ [النساء: ٥] وقالَ في هَذِهِ: اللّاتِي واللّائِي، والفَرْقُ هو أنَّ الجَمْعَ مِن غَيْرِ الحَيَوانِ سَبِيلُهُ سَبِيلُ الشَّيْءِ الواحِدِ، وأمّا جَمْعُ الحَيَوانِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ عَنْ غَيْرِها بِخَواصٍّ وصِفاتٍ، فَهَذا هو الفَرْقُ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُسَوِّي بَيْنَ البابَيْنِ، فَيَقُولُ: ما فَعَلَتِ الهِنْداتُ الَّتِي مِن أمْرِها كَذا، وما فَعَلَتِ الأثْوابُ الَّتِي مِن قِصَّتِهِنَّ كَذا، والأوَّلُ هو المُخْتارُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَأْتِينَ الفاحِشَةَ﴾ أيْ يَفْعَلْنَها يُقالُ: أتَيْتُ أمْرًا قَبِيحًا، أيْ فَعَلْتُهُ قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] وقالَ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ [مريم: ٨٩] وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الإقْدامِ عَلى الفَواحِشِ بِهَذِهِ العِبارَةِ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا نَهى المُكَلَّفَ عَنْ فِعْلِ هَذِهِ المَعاصِي، فَهو تَعالى لا يُعِينُ المُكَلَّفَ عَلى فِعْلِها، بَلِ المُكَلَّفُ كَأنَّهُ ذَهَبَ إلَيْها مِن عِنْدِ نَفْسِهِ، واخْتارَها بِمُجَرَّدِ طَبْعِهِ، فَلِهَذِهِ الفائِدَةِ يُقالُ: إنَّهُ جاءَ إلى تِلْكَ الفاحِشَةِ وذَهَبَ إلَيْها، إلّا أنَّ هَذِهِ الدَّقِيقَةَ لا تَتِمُّ إلّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: يَأْتِينَ بِالفاحِشَةِ، وأمّا الفاحِشَةُ فَهِي الفِعْلَةُ القَبِيحَةُ وهي مَصْدَرٌ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ كالعاقِبَةِ يُقالُ: فَحُشَ الرَّجُلُ يَفْحُشُ فُحْشًا وفاحِشَةً، وأفْحَشَ إذا جاءَ بِالقَبِيحِ مِنَ القَوْلِ أوِ الفِعْلِ. وأجْمَعُوا عَلى أنَّ الفاحِشَةَ هَهُنا الزِّنا، وإنَّما أُطْلِقَ عَلى الزِّنا اسْمُ الفاحِشَةِ لِزِيادَتِها في القُبْحِ عَلى كَثِيرٍ مِنَ القَبائِحِ.
فَإنْ قِيلَ: الكُفْرُ أقْبَحُ مِنهُ، وقَتْلُ النَّفْسِ أقْبَحُ مِنهُ، ولا يُسَمّى ذَلِكَ فاحِشَةً.
قُلْنا: السَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّ القُوى المُدَبِّرَةَ لِبَدَنِ الإنْسانِ ثَلاثَةٌ: القُوَّةُ النّاطِقَةُ، والقُوَّةُ الغَضَبِيَّةُ والقُوَّةُ الشَّهْوانِيَّةُ، فَفَسادُ القُوَّةِ النّاطِقَةِ هو الكُفْرُ والبِدْعَةُ وما يُشْبِهُهُما، وفَسادُ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ هو القَتْلُ والغَضَبُ وما يُشْبِهُهُما، وفَسادُ القُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ هو الزِّنا واللِّواطُ والسَّحْقُ وما أشْبَهَها، وأخَسُّ هَذِهِ القُوى الثَّلاثَةِ: القُوَّةُ
صفحة ١٨٧
الشَّهْوانِيَّةُ، فَلا جَرَمَ كانَ فَسادُها أخَسَّ أنْواعِ الفَسادِ، فَلِهَذا السَّبَبِ خُصَّ هَذا العَمَلُ بِالفاحِشَةِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ الزِّنا، وذَلِكَ لِأنَّ المَرْأةَ إذا نُسِبَتْ إلى الزِّنا فَلا سَبِيلَ لِأحَدٍ عَلَيْها إلّا بِأنْ يَشْهَدَ أرْبَعَةُ رِجالٍ مُسْلِمُونَ عَلى أنَّها ارْتَكَبَتِ الزِّنا، فَإذا شَهِدُوا عَلَيْها أُمْسِكَتْ في بَيْتٍ مَحْبُوسَةً إلى أنْ تَمُوتَ أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ﴾ السَّحاقاتُ، وحَدُّهُنَّ الحَبْسُ إلى المَوْتِ وبِقَوْلِهِ: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٦] أهْلُ اللِّواطِ، وحَدُّهُما الأذى بِالقَوْلِ والفِعْلِ، والمُرادُ بِالآيَةِ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ النُّورِ: الزِّنا بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ، وحَدُّهُ في البِكْرِ الجَلْدُ، وفي المُحْصَنِ الرَّجْمُ، واحْتَجَّ أبُو مُسْلِمٍ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ﴾ مَخْصُوصٌ بِالنِّسْوانِ، وقَوْلَهُ: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ مَخْصُوصٌ بِالرِّجالِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿واللَّذانِ﴾ تَثْنِيَةُ الذُّكُورِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّذانِ﴾ الذَّكَرَ والأُنْثى إلّا أنَّهُ غَلَّبَ لَفْظَ المُذَكَّرِ.
قُلْنا: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما أفْرَدَ ذِكْرَ النِّساءِ مِن قَبْلُ، فَلَمّا أفْرَدَ ذِكْرَهُنَّ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ قَوْلَهُ: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ سَقَطَ هَذا الِاحْتِمالُ.
الثّانِي: هو أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يُحْتاجُ إلى التِزامِ النَّسْخِ في شَيْءٍ مِنَ الآياتِ، بَلْ يَكُونُ حُكْمُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها باقِيًا مُقَرَّرًا، وعَلى التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ يَحْتاجُ إلى التِزامِ النَّسْخِ، فَكانَ هَذا القَوْلُ أوْلى.
والثّالِثُ: أنَّ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ﴾ في الزِّنا وقَوْلُهُ: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ يَكُونُ أيْضًا في الزِّنا، فَيُفْضِي إلى تَكْرارِ الشَّيْءِ الواحِدِ في المَوْضِعِ الواحِدِ مَرَّتَيْنِ وإنَّهُ قَبِيحٌ، وعَلى الوَجْهِ الَّذِي قُلْناهُ لا يُفْضِي إلى ذَلِكَ فَكانَ أوْلى.
الرّابِعُ: أنَّ القائِلِينَ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الزِّنا فَسَّرُوا قَوْلَهُ: ﴿أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ بِالرَّجْمِ والجَلْدِ والتَّغْرِيبِ، وهَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ تَكُونُ عَلَيْهِنَّ لا لَهُنَّ. قالَ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وأمّا نَحْنُ فَإنّا نُفَسِّرُ ذَلِكَ بِأنْ يُسَهِّلَ اللَّهُ لَها قَضاءَ الشَّهْوَةِ بِطَرِيقِ النِّكاحِ، ثُمَّ قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ومِمّا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ ﷺ: ”«إذا أتى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُما زانِيانِ وإذا أتَتِ المَرْأةُ المَرْأةَ فَهُما زانِيَتانِ» “ واحْتَجُّوا عَلى إبْطالِ كَلامِ أبِي مُسْلِمٍ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا قَوْلٌ لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ المُتَقَدِّمِينَ فَكانَ باطِلًا.
والثّانِي: أنَّهُ رُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الثَّيِّبُ تُرْجَمُ والبِكْرُ تُجْلَدُ» “ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نازِلَةٌ في حَقِّ الزُّناةِ.
الثّالِثُ: أنَّ الصَّحابَةَ اخْتَلَفُوا في أحْكامِ اللِّواطِ، ولَمْ يَتَمَسَّكْ أحَدٌ مِنهم بِهَذِهِ الآيَةِ، فَعَدَمُ تَمَسُّكِهِمْ بِها مَعَ شِدَّةِ احْتِياجِهِمْ إلى نَصٍّ يَدُلُّ عَلى هَذا الحُكْمِ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ في اللِّواطَةِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ هَذا إجْماعٌ مَمْنُوعٌ فَلَقَدْ قالَ بِهَذا القَوْلِ مُجاهِدٌ، وهو مِن أكابِرِ المُفَسِّرِينَ، ولِأنّا بَيَّنّا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ اسْتِنْباطَ تَأْوِيلٍ جَدِيدٍ في الآيَةِ لَمْ يَذْكُرْهُ المُتَقَدِّمُونَ جائِزٌ.
صفحة ١٨٨
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ هَذا يَقْتَضِي نَسْخَ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.
والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ: أنَّ مَطْلُوبَ الصَّحابَةِ أنَّهُ هَلْ يُقامُ الحَدُّ عَلى اللُّوطِيِّ ؟ ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى ذَلِكَ بِالنَّفْيِ ولا بِالإثْباتِ، فَلِهَذا لَمْ يَرْجِعُوا إلَيْها.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: زَعَمَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّها غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، أمّا المُفَسِّرُونَ: فَقَدْ بَنَوْا هَذا عَلى أصْلِهِمْ، وهو أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في بَيانِ حُكْمِ الزِّنا، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الحُكْمَ لَمْ يَبْقَ وكانَتِ الآيَةُ مَنسُوخَةً، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا أيْضًا عَلى قَوْلَيْنِ:
فالأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ صارَتْ مَنسُوخَةً بِالحَدِيثِ وهو ما رَوى عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا البِكْرُ بِالبِكْرِ والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ البِكْرُ تُجْلَدُ وتُنْفى والثَّيِّبُ تُجْلَدَ وتُرْجَمُ» “ ثُمَّ إنَّ هَذا الحَدِيثَ صارَ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وعَلى هَذا الطَّرِيقِ يَثْبُتُ أنَّ القُرْآنَ قَدْ يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ وأنَّ السُّنَّةَ قَدْ تُنْسَخُ بِالقُرْآنِ خِلافَ قَوْلِ الشّافِعِيِّ: لا يُنْسَخُ واحِدٌ مِنهُما بِالآخَرِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ صارَتْ مَنسُوخَةً بِآيَةِ الجَلْدِ.
واعْلَمْ أنَّ أبا بَكْرٍ الرّازِيَّ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلى الطَّعْنِ في الشّافِعِيِّ قالَ: القَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ آيَةَ الجَلْدِ لَوْ كانَتْ مُتَقَدِّمَةً عَلى قَوْلِهِ: ”خُذُوا عَنِّي“ لَما كانَ لِقَوْلِهِ ”خُذُوا عَنِّي“ فائِدَةٌ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ”خُذُوا عَنِّي“ مُتَقَدِّمًا عَلى آيَةِ الجَلْدِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ آيَةُ الحَبْسِ مَنسُوخَةً بِالحَدِيثِ ويَكُونُ الحَدِيثُ مَنسُوخًا بِآيَةِ الجَلْدِ، فَحِينَئِذٍ ثَبَتَ أنَّ القُرْآنَ والسُّنَّةَ قَدْ يُنْسَخُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ.
واعْلَمْ أنَّ كَلامَ الرّازِيِّ ضَعِيفٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ في مَعالِمِ السُّنَنِ فَقالَ: لَمْ يَحْصُلِ النَّسْخُ في هَذِهِ الآيَةِ ولا في هَذا الحَدِيثِ البَتَّةَ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ إمْساكَهُنَّ في البُيُوتِ مَمْدُودٌ إلى غايَةِ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وذَلِكَ السَّبِيلُ كانَ مُجْمَلًا، فَلَمّا قالَ ﷺ: ”«خُذُوا عَنِّي الثَّيِّبُ تُرْجَمُ والبِكْرُ تُجْلَدُ وتُنْفى» “ صارَ هَذا الحَدِيثُ بَيانًا لِتِلْكَ الآيَةِ لا ناسِخًا لَها وصارَ أيْضًا مُخَصِّصًا لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ جَعْلَ هَذا الحَدِيثِ بَيانًا لِإحْدى الآيَتَيْنِ ومُخَصِّصًا لِلْآيَةِ الأُخْرى، أوْلى مِنَ الحُكْمِ بِوُقُوعِ النَّسْخِ مِرارًا، وكَيْفَ وآيَةُ الحَبْسِ مُجْمَلَةٌ قَطْعًا فَإنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ السَّبِيلَ كَيْفَ هو ؟ فَلا بُدَّ لَها مِنَ المُبِيِنِ، وآيَةُ الجَلْدِ مَخْصُوصَةٌ ولا بُدَّ لَها مِنَ المُخَصِّصِ، فَنَحْنُ جَعَلْنا هَذا الحَدِيثَ مُبَيِّنًا لِآيَةِ الحَبْسِ مُخَصِّصًا لِآيَةِ الجَلْدِ، وأمّا عَلى قَوْلِ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ فَقَدْ وقَعَ النَّسْخُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: آيَةُ الحَبْسِ صارَتْ مَنسُوخَةً بِدَلائِلِ الرَّجْمِ، فَظَهَرَ أنَّ الَّذِي قُلْناهُ هو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: في دَفْعِ كَلامِ الرّازِيِّ: إنَّكَ تُثْبِتُ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ آيَةُ الجَلْدِ مُتَقَدِّمَةً عَلى قَوْلِهِ: ”خُذُوا عَنِّي“ فَلِمَ قُلْتَ: إنَّهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مُتَأخِّرَةً عَنْهُ ؟ ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ذَكَرَ الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ ؟ وتَقْدِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] مَخْصُوصٌ بِالإجْماعِ في حَقِّ الثَّيِّبِ المُسْلِمِ، وتَأْخِيرُ بَيانِ المُخَصِّصِ عَنِ العامِّ المَخْصُوصِ غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَكَ وعِنْدَ أكْثَرِ المُعْتَزِلَةِ، لِما أنَّهُ يُوهِمُ التَّلْبِيسَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَثَبَتَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ إنَّما قالَ ذَلِكَ مُقارِنًا لِنُزُولِ قَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ سَقَطَ قَوْلُكَ: إنَّ الحَدِيثَ كانَ مُتَقَدِّمًا عَلى آيَةِ الجَلْدِ. هَذا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ أعْنِي آيَةَ الحَبْسِ نازِلَةٌ في حَقِّ الزُّناةِ،
صفحة ١٨٩
فَثَبَتَ أنَّ عَلى هَذا القَوْلِ لَمْ يُثْبِتِ الدَّلِيلُ كَوْنَها مَنسُوخَةً، وأمّا عَلى قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ فَظاهِرٌ أنَّها غَيْرُ مَنسُوخَةٍ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: القائِلُونَ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نازِلَةٌ في الزِّنا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن نِسائِكُمْ﴾ ؟
الجَوابُ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: المُرادُ، مِن زَوْجاتِكم كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] وقَوْلُهُ: ﴿مِن نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] .
وثانِيها: مِن نِسائِكم، أيْ مِنَ الحَرائِرِ كَقَوْلِهِ: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والغَرَضُ بَيانُ أنَّهُ لا حَدَّ عَلى الإماءِ.
وثالِثُها: مِن نِسائِكم، أيْ مِنَ المُؤْمِناتِ.
ورابِعُها: مِن نِسائِكم، أيْ مِنَ الثَّيِّباتِ دُونَ الأبْكارِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ﴾ ؟
الجَوابُ: فَخَلِّدُوهُنَّ مَحْبُوساتٍ في بُيُوتِكم، والحِكْمَةُ فِيهِ أنَّ المَرْأةَ إنَّما تَقَعُ في الزِّنا عِنْدَ الخُرُوجِ والبُرُوزِ، فَإذا حُبِسَتْ في البَيْتِ لَمْ تَقْدِرْ عَلى الزِّنا، وإذا اسْتَمَرَّتْ عَلى هَذِهِ الحالَةِ تَعَوَّدَتِ العَفافَ والفِرارَ عَنِ الزِّنا.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى ﴿يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ﴾ والمَوْتُ والتَّوَفِّي بِمَعْنًى واحِدٍ، فَصارَ في التَّقْدِيرِ: أوْ يُمِيتُهُنَّ المَوْتُ ؟
الجَوابُ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ: حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ مَلائِكَةُ المَوْتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [النحل: ٢٨] ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] أوْ حَتّى يَأْخُذَهُنَّ المَوْتُ ويَسْتَوْفِيَ أرْواحَهُنَّ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: إنَّكم تُفَسِّرُونَ قَوْلَهُ: ﴿أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ بِالحَدِيثِ وهو قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا البِكْرُ تُجْلَدُ والثَّيِّبُ تُرْجَمُ» “ وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ هَذا السَّبِيلَ عَلَيْها لا لَها، فَإنَّ الرَّجْمَ لا شَكَّ أنَّهُ أغْلَظُ مِنَ الحَبْسِ.
والجَوابُ: أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَسَّرَ السَّبِيلَ بِذَلِكَ فَقالَ: ”«خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ ورَجْمٌ بِالحِجارَةِ، والبِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ» “، ولَمّا فَسَّرَ الرَّسُولُ ﷺ السَّبِيلَ بِذَلِكَ وجَبَ القَطْعُ بِصِحَّتِهِ، وأيْضًا: لَهُ وجْهٌ في اللُّغَةِ، فَإنَّ المُخَلِّصَ مِنَ الشَّيْءِ هو سَبِيلٌ لَهُ، سَواءً كانَ أخَفَّ أوْ أثْقَلَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences