Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:140–147
4:140Page 100
وَقَدۡ نَزَّلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أَنۡ إِذَا سَمِعۡتُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ يُكۡفَرُ بِهَا وَيُسۡتَهۡزَأُ بِهَا فَلَا تَقۡعُدُواْ مَعَهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦٓ إِنَّكُمۡ إِذٗا مِّثۡلُهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ١٤٠
And it has already come down to you in the Book [i.e., the Qur’ān] that when you hear the verses of Allāh [recited], they are denied [by them] and ridiculed; so do not sit with them until they enter into another conversation. Indeed, you would then be like them.1 Indeed, Allāh will gather the hypocrites and disbelievers in Hell all together -
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ .
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا في مَجالِسِهِمْ يَخُوضُونَ في ذِكْرِ القُرْآنِ ويَسْتَهْزِءُونَ بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنْعامِ: ٦٨] . وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، ثُمَّ إنَّ أحْبارَ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ كانُوا يَفْعَلُونَ مِثْلَ فِعْلِ المُشْرِكِينَ، والقاعِدُونَ مَعَهم والمُوافِقُونَ لَهم عَلى ذَلِكَ الكَلامِ هُمُ المُنافِقُونَ، فَقالَ تَعالى مُخاطِبًا لِلْمُنافِقِينَ إنَّهُ: ﴿وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم فِي﴾
صفحة ٦٥
﴿الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها﴾ والمَعْنى: إذا سَمِعْتُمُ الكُفْرَ بِآياتِ اللَّهِ والِاسْتِهْزاءَ بِها، ولَكِنْ أوْقَعَ فِعْلَ السَّماعِ عَلى الآياتِ، والمُرادُ بِهِ سَماعُ الِاسْتِهْزاءِ. قالَ الكِسائِيُّ: وهو كَما يُقالُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ يُلامُ.
وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى: إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ حالَ ما يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا حاجَةَ إلى ما قالَ الكِسائِيُّ، فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِ الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ .
والمَعْنى: أيُّها المُنافِقُونَ أنْتُمْ مِثْلُ أُولَئِكَ الأحْبارِ في الكُفْرِ. قالَ أهْلُ العِلْمِ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن رَضِيَ بِالكُفْرِ فَهو كافِرٌ، ومَن رَضِيَ بِمُنْكَرٍ يَراهُ وخالَطَ أهْلَهُ وإنْ لَمْ يُباشِرْ كانَ في الإثْمِ بِمَنزِلَةِ المُباشِرِ بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لَفْظَ المِثْلِ هَهُنا، هَذا إذا كانَ الجالِسُ راضِيًا بِذَلِكَ الجُلُوسِ، فَأمّا إذا كانَ ساخِطًا لِقَوْلِهِمْ وإنَّما جَلَسَ عَلى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ والخَوْفِ فالأمْرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، ولِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ قُلْنا بِأنَّ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا يُجالِسُونَ اليَهُودَ، وكانُوا يَطْعَنُونَ في القُرْآنِ والرَّسُولِ كانُوا كافِرِينَ مِثْلَ أُولَئِكَ اليَهُودِ، والمُسْلِمُونَ الَّذِينَ كانُوا بِالمَدِينَةِ كانُوا بِمَكَّةَ يُجالِسُونَ الكُفّارَ الَّذِينَ كانُوا يَطْعَنُونَ في القُرْآنِ فَإنَّهم كانُوا باقِينَ عَلى الإيمانِ، والفَرْقُ أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يُجالِسُونَ اليَهُودَ مَعَ الِاخْتِيارِ، والمُسْلِمِينَ كانُوا يُجالِسُونَ الكُفّارَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَقَّقَ كَوْنَ المُنافِقِينَ مِثْلَ الكافِرِينَ في الكُفْرِ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ .
يُرِيدُ كَما أنَّهُمُ اجْتَمَعُوا عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِآياتِ اللَّهِ في الدُّنْيا فَكَذَلِكَ يَجْتَمِعُونَ في عَذابِ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ، وأرادَ ”جامِعٌ“ بِالتَّنْوِينِ لِأنَّهُ بَعْدُ ما جَمَعَهم، ولَكِنْ حَذَفَ التَّنْوِينَ اسْتِخْفافًا مِنَ اللَّفْظِ وهو مُرادٌ في الحَقِيقَةِ.
4:141Page 101
ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمۡ فَإِن كَانَ لَكُمۡ فَتۡحٞ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡ وَإِن كَانَ لِلۡكَٰفِرِينَ نَصِيبٞ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَسۡتَحۡوِذۡ عَلَيۡكُمۡ وَنَمۡنَعۡكُم مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا ١٤١
Those who wait [and watch] you. Then if you gain a victory from Allāh, they say, "Were we not with you?" But if the disbelievers have a success, they say [to them], "Did we not gain the advantage over you, but we protected you from the believers?" Allāh will judge between [all of] you on the Day of Resurrection, and never will Allāh give the disbelievers over the believers a way [to overcome them].1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ إمّا بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ، وإمّا صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ، وإمّا نَصْبٌ عَلى الذَّمِّ، وقَوْلُهُ ﴿يَتَرَبَّصُونَ﴾ أيْ: يَنْتَظِرُونَ ما يَحْدُثُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ أيْ: ظُهُورٌ عَلى اليَهُودِ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: ألَمْ نَكُنْ مَعَكم، أيْ: فَأعْطُونا قِسْمًا مِنَ الغَنِيمَةِ، وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ يَعْنِي اليَهُودَ نَصِيبٌ، أيْ: ظَفْرٌ عَلى المُسْلِمِينَ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم، يُقالُ: اسْتَحْوَذَ عَلى فُلانٍ، أيْ: غَلَبَ عَلَيْهِ وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ
صفحة ٦٦
الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: ألَمْ نَغْلِبْكم ونَتَمَكَّنْ مِن قَتْلِكم وأسْرِكم ثُمَّ لَمْ نَفْعَلْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، ونَمْنَعْكم مِنَ المُسْلِمِينَ بِأنْ ثَبَّطْناهم عَنْكم وخَيَّلْنا لَهم ما ضَعُفَتْ بِهِ قُلُوبُهم وتَوانَيْنا في مُظاهَرَتِهِمْ عَلَيْكم، فَهاتُوا لَنا نَصِيبًا مِمّا أصَبْتُمْ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ واليَهُودَ كانُوا قَدْ هَمُّوا بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ، ثُمَّ إنَّ المُنافِقِينَ حَذَّرُوهم عَنْ ذَلِكَ وبالَغُوا في تَنْفِيرِهِمْ عَنْهُ وأطْمَعُوهم أنَّهُ سَيَضْعُفُ أمْرُ مُحَمَّدٍ وسَيَقْوى أمْرُكم، فَإذا اتَّفَقَتْ لَهم صَوْلَةٌ عَلى المُسْلِمِينَ قالَ المُنافِقُونَ: ألَسْنا غَلَبْناكم عَلى رَأْيِكم في الدُّخُولِ في الإسْلامِ ومَنَعْناكم مِنهُ وقُلْنا لَكم بِأنَّهُ سَيَضْعُفُ أمْرُهُ ويَقْوى أمْرُكم، فَلَمّا شاهَدْتُمْ صِدْقَ قَوْلِنا فادْفَعُوا إلَيْنا نَصِيبًا مِمّا وجَدْتُمْ. والحاصِلُ أنَّ المُنافِقِينَ يَمُنُّونَ عَلى الكافِرِينَ بِأنّا نَحْنُ الَّذِينَ أرْشَدْناكم إلى هَذِهِ المَصالِحِ، فادْفَعُوا إلَيْنا نَصِيبًا مِمّا وجَدْتُمْ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ سَمّى ظَفْرَ المُسْلِمِينَ فَتْحًا، وظَفْرَ الكُفّارِ نَصِيبًا ؟
قُلْنا: تَعْظِيمًا لِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ واحْتِقارًا لِحَظِّ الكافِرِينَ، لِأنَّ ظَفْرَ المُؤْمِنِينَ أمْرٌ عَظِيمٌ تُفْتَحُ لَهُ أبْوابُ السَّماءِ حَتّى تَنْزِلَ المَلائِكَةُ بِالفَتْحِ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ، وأمّا ظَفْرُ الكافِرِينَ فَما هو إلّا حَظٌّ دَنِيءٌ يَنْقَضِي ولا يَبْقى مِنهُ إلّا الذَّمُّ في الدُّنْيا والعُقُوبَةُ في العاقِبَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى ما وضَعَ السَّيْفَ في الدُّنْيا عَنِ المُنافِقِينَ، بَلْ أخَّرَ عِقابَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: أنَّ المُرادَ بِهِ في القِيامَةِ بِدَلِيلِ أنَّهُ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ .
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ في الدُّنْيا ولَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالحُجَّةِ، والمَعْنى أنَّ حُجَّةَ المُسْلِمِينَ غالِبَةٌ عَلى حُجَّةِ الكُلِّ، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَغْلِبَهم بِالحُجَّةِ والدَّلِيلِ.
الثّالِثُ: هو أنَّهُ عامٌّ في الكُلِّ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، ولِلشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَسائِلُ: مِنها أنَّ الكافِرَ إذا اسْتَوْلى عَلى مالِ المُسْلِمِ وأحْرَزَهُ بِدارِ الحَرْبِ لَمْ يَمْلِكْهُ بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ، ومِنها: أنَّ الكافِرَ لَيْسَ لَهُ أنْ يَشْتَرِيَ عَبْدًا مُسْلِمًا بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ، ومِنها: أنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ الخِداعِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البَقَرَةِ: ٩] قالَ الزَّجّاجُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ﴾ أيْ: يُخادِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ، أيْ: يُظْهِرُونَ لَهُ الإيمانَ ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ كَما قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفَتْحِ: ١٠] وقَوْلُهُ ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ أيْ: مُجازِيهِمْ بِالعِقابِ عَلى خِداعِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّهُ تَعالى خادِعُهم في الآخِرَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى يُعْطِيهِمْ نُورًا كَما يُعْطِي المُؤْمِنِينَ، فَإذا وصَلُوا إلى الصِّراطِ انْطَفَأ نُورُهم وبَقُوا في الظُّلْمَةِ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧] .
4:142–143Page 101
إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٤٢
Indeed, the hypocrites [think to] deceive Allāh, but He is deceiving them. And when they stand for prayer, they stand lazily, showing [themselves to] the people and not remembering Allāh except a little,
مُّذَبۡذَبِينَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا ١٤٣
Wavering between them, [belonging] neither to these [i.e., the believers] nor to those [i.e., the disbelievers]. And whoever Allāh sends astray - never will you find for him a way.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ يَعْنِي: وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ مَعَ المُسْلِمِينَ قامُوا
صفحة ٦٧
كُسالى، أيْ: مُتَثاقِلِينَ مُتَباطِئِينَ وهو مَعْنى الكَسَلِ في اللُّغَةِ، وسَبَبُ ذَلِكَ الكَسَلِ أنَّهم يَسْتَثْقِلُونَها في الحالِ ولا يَرْجُونَ بِها ثَوابًا ولا مِن تَرْكِها عِقابًا، فَكانَ الدّاعِي لِلتَّرْكِ قَوِيًّا مِن هَذِهِ الوُجُوهِ، والدّاعِي إلى الفِعْلِ لَيْسَ إلّا خَوْفُ النّاسِ، والدّاعِي إلى الفِعْلِ مَتى كانَ كَذَلِكَ وقَعَ الفِعْلُ عَلى وجْهِ الكَسَلِ والفُتُورِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (كُسالى) بِضَمِّ الكافِ وفَتْحِها جَمْعُ كَسْلانٍ كَسُكارى في سَكْرانَ.
* *
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ والمَعْنى أنَّهم لا يَقُومُونَ إلى الصَّلاةِ إلّا لِأجْلِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، لا لِأجْلِ الدِّينِ.
فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى المُراآةِ وهي مُفاعَلَةٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ ؟
قُلْنا: إنَّ المُرائِيَ يُرِيهِمْ عَمَلَهُ وهم يُرُونَهُ اسْتِحْسانَ ذَلِكَ العَمَلِ، وفي قَوْلِهِ ﴿ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِذِكْرِ اللَّهِ الصَّلاةُ، والمَعْنى أنَّهم لا يُصَلُّونَ إلّا قَلِيلًا، لِأنَّهُ مَتى لَمْ يَكُنْ مَعَهم أحَدٌ مِنَ الأجانِبِ لَمْ يُصَلُّوا، وإذا كانُوا مَعَ النّاسِ فَعِنْدَ دُخُولِ وقْتِ الصَّلاةِ يَتَكَلَّفُونَ حَتّى يَصِيرُوا غائِبِينَ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِذِكْرِ اللَّهِ أنَّهم كانُوا في صَلاتِهِمْ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا، وهو الَّذِي يَظْهَرُ مِثْلُ التَّكْبِيراتِ، فَأمّا الَّذِي يَخْفى مِثْلُ القِراءَةِ والتَّسْبِيحاتِ فَهم لا يَذْكُرُونَها.
الثّالِثُ: المُرادُ أنَّهم لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ في جَمِيعِ الأوْقاتِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الوَقْتُ وقْتَ الصَّلاةِ أوْ لَمْ يَكُنْ وقْتَ الصَّلاةِ إلّا قَلِيلًا نادِرًا. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهَكَذا نَرى كَثِيرًا مِنَ المُتَظاهِرِينَ بِالإسْلامِ، ولَوْ صَحِبْتَهُ الأيّامَ واللَّيالِيَ لَمْ تَسْمَعْ مِنهُ تَهْلِيلَةً ولا تَسْبِيحَةً، ولَكِنَّ حَدِيثَ الدُّنْيا يَسْتَغْرِقُ بِهِ أيّامَهُ وأوْقاتَهُ لا يَفْتُرُ عَنْهُ.
الرّابِعُ: قالَ قَتادَةُ: إنَّما قِيلَ: إلّا قَلِيلًا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقْبَلْهُ، وما رَدَّهُ اللَّهُ تَعالى فَكَثِيرُهُ قَلِيلٌ، وما قَبِلَهُ اللَّهُ فَقَلِيلُهُ كَثِيرٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: مُذَبْذَبِينَ، إمّا حالٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُراءُونَ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مُذَبْذَبِينَ: أيْ: مُتَحَيِّرِينَ، وحَقِيقَةُ المُذَبْذَبِ الَّذِي يُذَبُّ عَنْ كِلا الجانِبَيْنِ، أيْ: يُرَدُّ ويُدْفَعُ فَلا يَقَرُّ في جانِبٍ واحِدٍ، إلّا أنَّ الذَّبْذَبَةَ فِيها تَكْرِيرٌ لَيْسَ في الذَّبِّ، فَكانَ المَعْنى كُلَّما مالَ إلى جانِبٍ ذُبَّ عَنْهُ.
واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ في ذَلِكَ أنَّ الفِعْلَ يَتَوَقَّفُ عَلى الدّاعِي، فَإنْ كانَ الدّاعِي إلى الفِعْلِ هو الأغْراضُ المُتَعَلِّقَةُ بِأحْوالِ هَذا العالَمِ كَثُرَ التَّذَبْذُبُ والِاضْطِرابُ؛ لِأنَّ مَنافِعَ هَذا العالَمِ وأسْبابَهُ مُتَغَيِّرَةٌ سَرِيعَةُ التَّبَدُّلِ، وإذا كانَ الفِعْلُ تَبَعًا لِلدّاعِي، والدّاعِي تَبَعًا لِلْمَقْصُودِ ثُمَّ إنَّ المَقْصُودَ سَرِيعُ التَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ لَزِمَ وُقُوعُ التَّغَيُّرِ في
صفحة ٦٨
المَيْلِ والرَّغْبَةِ، ورُبَّما تَعارَضَتِ الدَّواعِي والصَّوارِفُ فَيَبْقى الإنْسانُ في الحَيْرَةِ والتَّرَدُّدِ. أمّا مَن كانَ مَطْلُوبُهُ في فِعْلِهِ إنْشاءَ الخَيْراتِ الباقِيَةِ، واكْتِسابَ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ، وعَلِمَ أنَّ تِلْكَ المَطالِبَ أُمُورٌ باقِيَةٌ بَرِيئَةٌ عَنِ التَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ لا جَرَمَ كانَ هَذا الإنْسانُ ثابِتًا راسِخًا، فَلِهَذا المَعْنى وصَفَ اللَّهُ تَعالى أهْلَ الإيمانِ بِالثَّباتِ فَقالَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٧] وقالَ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٨] وقالَ: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفَجْرِ: ٢٦] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ (مُذَبْذِبِينَ) بِكَسْرِ الذّالِ الثّانِيَةِ، والمَعْنى يُذَبْذِبُونَ قُلُوبَهم أوْ دِينَهم أوْ رَأْيَهم، بِمَعْنى يَتَذَبْذَبُونَ كَما جاءَ صَلْصَلَ وتَصَلْصَلَ بِمَعْنًى، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: مُتَذَبْذِبِينَ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ: مُدَبْدِبِينَ بِالدّالِ المُهْمَلَةِ، وكَأنَّ المَعْنى أنَّهم تارَةً يَكُونُونَ في دُبَّةٍ وتارَةً في أُخْرى، فَلا يَبْقَوْنَ عَلى دُبَّةٍ واحِدَةٍ، والدُّبَّةُ الطَّرِيقَةُ وهي الَّتِي تَدِبُّ فِيها الدَّوابُّ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، أوْ بَيْنَ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، وكَلِمَةُ (ذَلِكَ) يُشارُ بِهِ إلى الجَماعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦٨] وذِكْرُ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ قَدْ جَرى في هَذِهِ القِصَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ وإذا جَرى ذِكْرُ الفَرِيقَيْنِ فَقَدْ جَرى ذِكْرُ الكُفْرِ والإيمانِ؛ قالَ قَتادَةُ: مَعْنى الآيَةِ لَيْسُوا مُؤْمِنِينَ مُخْلَصِينَ ولا مُشْرِكِينَ مُصَرِّحِينَ بِالشِّرْكِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الحَيْرَةَ في الدِّينِ إنَّما تَحْصُلُ بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى وقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾ يَقْتَضِي فاعِلًا قَدْ ذَبْذَبَهم وصَيَّرَهم مُتَحَيِّرِينَ مُتَرَدِّدِينَ، وذَلِكَ لَيْسَ بِاخْتِيارِ العَبْدِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا وقَعَ في قَلْبِهِ الدَّواعِي المُتَعارِضَةُ المُوجِبَةُ لِلتَّرَدُّدِ والحَيْرَةِ، فَلَوْ أرادَ أنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ التَّرَدُّدَ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ أصْلًا، ومَن رَجَعَ إلى نَفْسِهِ وتَأمَّلَ في أحْوالِهِ عَلِمَ أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْنا، وإذا كانَتْ تِلْكَ الذَّبْذَبَةُ لا بُدَّ لَها مِن فاعِلٍ، وثَبَتَ أنَّ فاعِلَها لَيْسَ هو العَبْدُ ثَبَتَ أنَّ فاعِلَها هو اللَّهُ تَعالى، فَثَبَتَ أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ يَقْتَضِي ذَمَّهم عَلى تَرْكِ طَرِيقَةِ المُؤْمِنِينَ وطَرِيقَةِ الكافِرِينَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى ما ذَمَّهم عَلى طَرِيقَةِ الكُفّارِ وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.
قُلْنا: إنَّ طَرِيقَةَ الكُفّارِ وإنْ كانَتْ خَبِيثَةً إلّا أنَّ طَرِيقَةَ النِّفاقِ أخْبَثُ مِنها، ولِذَلِكَ فَإنَّهُ تَعالى ذَمَّ الكُفّارَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ في آيَتَيْنِ، وذَمَّ المُنافِقِينَ في بِضْعَ عَشْرَةَ آيَةً، وما ذاكَ إلّا أنَّ طَرِيقَةَ النِّفاقِ أخْبَثُ مِن طَرِيقَةِ الكُفّارِ، فَهو تَعالى إنَّما ذَمَّهم لا لِأنَّهم تَرَكُوا الكُفْرَ، بَلْ لِأنَّهم عَدَلُوا عَنْهُ إلى ما هو أخْبَثُ مِنهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلِهِمْ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ذِكْرَ هَذا الكَلامِ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الذَّبْذَبَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإلّا لَمْ يَتَّصِلْ هَذا الكَلامُ بِما قَبْلَهُ.
والثّانِي: أنَّهُ تَصْرِيحٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أضَلَّهُ عَنِ الدِّينِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: مَعْنى هَذا الإضْلالِ سَلْبُ الألْطافَ، أوْ هو عِبارَةٌ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالضَّلالِ، أوْ هو عِبارَةٌ عَنْ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُضِلُّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ، وهَذِهِ الوُجُوهُ قَدْ تَكَلَّمْنا عَلَيْها مِرارًا.
4:144–145Page 101
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينًا ١٤٤
O you who have believed, do not take the disbelievers as allies instead of the believers. Do you wish to give Allāh against yourselves a clear case?
إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا ١٤٥
Indeed, the hypocrites will be in the lowest depths of the Fire - and never will you find for them a helper -
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَمَّ المُنافِقِينَ بِأنَّهم مَرَّةً إلى الكَفَرَةِ ومَرَّةً إلى المُسْلِمِينَ مِن غَيْرِ أنْ يَسْتَقِرُّوا مَعَ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ، نَهى المُسْلِمِينَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَفْعَلُوا مِثْلَ فِعْلِهِمْ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الأنْصارَ بِالمَدِينَةِ كانَ لَهم في بَنِي قُرَيْظَةَ رَضاعٌ وحِلْفٌ ومَوَدَّةٌ، فَقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَن نَتَوَلّى ؟ فَقالَ: المُهاجِرِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
والوَجْهُ الثّانِي: ما قالَهُ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وهو أنَّ هَذا نَهْيٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُوالاةِ المُنافِقِينَ، يَقُولُ: قَدْ بَيِّنْتُ لَكم أخْلاقَ المُنافِقِينَ ومَذاهِبَهم فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ .
فَإنْ حَمَلْنا الآيَةَ الأُولى عَلى أنَّهُ تَعالى نَهى المُؤْمِنِينَ عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ كانَ مَعْنى الآيَةِ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ سُلْطانًا مُبِينًا عَلى كَوْنِكم مُنافِقِينَ، والمُرادُ: أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِأهْلِ دِينِ اللَّهِ وهُمُ الرَّسُولُ وأُمَّتُهُ، وإنْ حَمَلْنا الآيَةَ الأُولى عَلى المُنافِقِينَ كانَ المَعْنى: أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم في عِقابِكم حُجَّةً بِسَبَبِ مُوالاتِكم لِلْمُنافِقِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ اللَّيْثُ: الدَّرْكُ أقْصى قَعْرِ الشَّيْءِ كالبَحْرِ ونَحْوِهِ، فَعَلى هَذا المُرادُ بِالدَّرْكِ الأسْفَلِ أقْصى قَعْرِ جَهَنَّمَ، وأصْلُ هَذا مِنَ الإدْراكِ بِمَعْنى اللُّحُوقِ، ومِنهُ إدْراكُ الطَّعامِ وإدْراكُ الغُلامِ، فالدَّرْكُ ما يُلْحَقُ بِهِ مِنَ الطَّبَقَةِ، وظاهِرُهُ أنَّ جَهَنَّمَ طَبَقاتٌ، والظّاهِرُ أنَّ أشَدَّها أسْفَلُها. قالَ الضَّحّاكُ: الدَّرَجُ إذا كانَ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، والدَّرْكُ إذا كانَ بَعْضُها أسْفَلَ مِن بَعْضٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ بِسُكُونِ الرّاءِ والباقُونَ بِفَتْحِها، قالَ الزَّجّاجُ: هُما لُغَتانِ مِثْلَ الشَّمْعِ والشَّمَعِ، إلّا أنَّ الِاخْتِيارَ فَتْحُ الرّاءِ لِأنَّهُ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا، قالَ أبُو حاتِمٍ: جَمْعُ الدَّرَكِ أدْراكٌ كَقَوْلِهِمْ: جَمَلٌ وأجْمالٌ، وفَرَسٌ وأفْراسٌ، وجَمْعُ الدَّرْكِ أدْرُكٌ مِثْلَ فَلْسٍ وأفْلُسٌ وكَلْبٍ وأكْلُبٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالُ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ المُنافِقِينَ إنَّهم في الدَّرْكِ الأسْفَلِ وقالَ في آلِ فِرْعَوْنَ ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافِرٍ: ٤٦] فَأيُّهُما أشَدُّ عَذابًا، المُنافِقُونَ أمْ آلُ فِرْعَوْنَ ؟ وأجابَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ أشَدَّ العَذابِ إنَّما يَكُونُ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وقَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ الفَرِيقانِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لَمّا كانَ المُنافِقُ أشَدَّ عَذابًا مِنَ الكافِرِ لِأنَّهُ مِثْلُهُ في الكُفْرِ، وضُمَّ إلَيْهِ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ
صفحة ٧٠
الكُفْرِ، وهو الِاسْتِهْزاءُ بِالإسْلامِ وبِأهْلِهِ، وبِسَبَبِ أنَّهم لَمّا كانُوا يُظْهِرُونَ الإسْلامَ يُمْكِنُهُمُ الِاطِّلاعُ عَلى أسْرارِ المُسْلِمِينَ ثُمَّ يُخْبِرُونَ الكُفّارَ بِذَلِكَ فَكانَتْ تَتَضاعَفُ المِحْنَةُ مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ جَعَلَ اللَّهُ عَذابَهم أزْيَدَ مِن عَذابِ الكُفّارِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ وهَذا تَهْدِيدٌ لَهم. واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا عَلى إثْباتِ الشَّفاعَةِ في حَقِّ الفُسّاقِ مِن أهْلِ الصَّلاةِ، قالُوا: إنَّهُ تَعالى خَصَّ المُنافِقِينَ بِهَذا التَّهْدِيدِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ حاصِلًا في حَقِّ غَيْرِ المُنافِقِينَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ زَجْرًا عَنِ النِّفاقِ مِن حَيْثُ أنَّهُ نِفاقٌ، ولَيْسَ هَذا اسْتِدْلالًا بِدَلِيلِ الخِطابِ، بَلْ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ فِيهِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ في مَعْرِضِ الزَّجْرِ عَنِ النِّفاقِ، فَلَوْ حَصَلَ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِهِ لَمْ يَبْقَ زَجْرًا عَنْهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ نِفاقٌ.
4:146–147Page 101
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَٱعۡتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخۡلَصُواْ دِينَهُمۡ لِلَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَسَوۡفَ يُؤۡتِ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١٤٦
Except for those who repent, correct themselves, hold fast to Allāh, and are sincere in their religion for Allāh, for those will be with the believers. And Allāh is going to give the believers a great reward.
مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمٗا ١٤٧
What would Allāh do with [i.e., gain from] your punishment if you are grateful and believe? And ever is Allāh Appreciative1 and Knowing.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ فِيها تَغْلِيظاتٌ عَظِيمَةٌ عَلى المُنافِقِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى شَرَطَ في إزالَةِ العِقابِ عَنْهم أُمُورًا أرْبَعَةً:
أوَّلُها: التَّوْبَةُ.
وثانِيها: إصْلاحُ العَمَلِ، فالتَّوْبَةُ عَنِ القَبِيحِ، وإصْلاحُ العَمَلِ عِبارَةٌ عَنِ الإقْدامِ عَلى الحَسَنِ.
وثالِثُها: الِاعْتِصامُ بِاللَّهِ؛ وهو أنْ يَكُونَ غَرَضُهُ مِنَ التَّوْبَةِ وإصْلاحِ العَمَلِ طَلَبَ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى لا طَلَبَ مَصْلَحَةِ الوَقْتِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَطْلُوبُهُ جَلْبَ المَنافِعِ ودَفْعَ المَضارِّ لَتَغَيَّرَ عَنِ التَّوْبَةِ وإصْلاحِ العَمَلِ سَرِيعًا، أمّا إذا كانَ مَطْلُوبُهُ مَرْضاةَ اللَّهِ تَعالى وسَعادَةَ الآخِرَةِ والِاعْتِصامَ بِدِينِ اللَّهِ بَقِيَ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ ولَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْها.
ورابِعُها: الإخْلاصُ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى أمَرَهم:
أوَّلًا: بِتَرْكِ القَبِيحِ.
وثانِيًا: بِفِعْلِ الحَسَنِ.
وثالِثًا: أنْ يَكُونَ غَرَضُهم في ذَلِكَ التَّرْكِ والفِعْلِ طَلَبَ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى.
ورابِعًا: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الغَرَضُ وهو طَلَبُ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى خالِصًا وأنْ لا يَمْتَزِجَ بِهِ غَرَضٌ آخَرُ.
فَإذا حَصَلَتْ هَذِهِ الشَّرائِطُ الأرْبَعَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ فَأُولَئِكَ مُؤْمِنُونَ، ثُمَّ أوْقَعَ أجْرَ المُؤْمِنِينَ في التَّشْرِيفِ لِانْضِمامِ المُنافِقِينَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وهَذِهِ القَرائِنُ دالَّةٌ عَلى أنَّ حالَ المُنافِقِ شَدِيدٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أيُعَذِّبُكم لِأجْلِ التَّشَفِّي، أمْ لِطَلَبِ النَّفْعِ، أمْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ ؟ كُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ في حَقِّهِ لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ لِذاتِهِ عَنِ الحاجاتِ، مُنَزَّهٌ عَنْ جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، وإنَّما المَقْصُودُ مِنهُ حَمْلُ
صفحة ٧١
المُكَلَّفِينَ عَلى فِعْلِ الحَسَنِ والِاحْتِرازِ عَنِ القَبِيحِ، فَإذا أتَيْتُمْ بِالحَسَنِ وتَرَكْتُمُ القَبِيحَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكَرَمِهِ أنْ يُعَذِّبَكم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى قَوْلِنا، وذَلِكَ لِأنَّها دالَّةٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ ما خَلَقَ خَلْقًا لِأجْلِ التَّعْذِيبِ والعِقابِ، فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ أحَدًا لِغَرَضِ التَّعْذِيبِ، وأيْضًا الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ فاعِلَ الشُّكْرِ والإيمانِ هو العَبْدُ، ولَيْسَ ذَلِكَ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى، وإلّا لَصارَ التَّقْدِيرُ: ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إذا خَلَقَ الشُّكْرَ والإيمانَ فِيكم، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا غَيْرُ مُنْتَظِمٍ، وقَدْ سَبَقَ الجَوابُ عَنْ هَذِهِ الكَلِماتِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أصْحابُنا: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا يُعَذِّبُ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لِأنّا نَفْرِضُ الكَلامَ فِيمَن شَكَرَ وآمَنَ ثُمَّ أقْدَمَ عَلى الشُّرْبِ أوِ الزِّنا، فَهَذا وجَبَ أنْ لا يُعاقَبَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ فَإنْ قالُوا: لا نُسَلِّمُ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ، قُلْنا: ذَكَرْنا الوُجُوهَ الكَثِيرَةَ في هَذا الكِتابِ عَلى أنَّهُ مُؤْمِنٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في تَقَدُّمِ الشُّكْرِ عَلى الإيمانِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ: إنْ آمَنتُمْ وشَكَرْتُمْ، لِأنَّ الإيمانَ مُقَدَّمٌ عَلى سائِرِ الطّاعاتِ.
الثّانِي: إذا قُلْنا: الواوُ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ فالسُّؤالُ زائِلٌ.
الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ إذا نَظَرَ في نَفْسِهِ رَأى النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ حاصِلَةً في تَخْلِيقِها وتَرْتِيبِها فَيَشْكُرُ شُكْرًا مُجْمَلًا، ثُمَّ إذا تَمَّمَ النَّظَرَ في مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ آمَنَ بِهِ ثُمَّ شَكَرَ شُكْرًا مُفَصَّلًا، فَكانَ ذَلِكَ الشُّكْرُ المُجْمَلُ مُقَدَّمًا عَلى الإيمانِ، فَلِهَذا قَدَّمَهُ عَلَيْهِ في الذِّكْرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالشُّكْرِ سَمّى جَزاءَ الشُّكْرِ شُكْرًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، فالمُرادُ مِنَ الشّاكِرِ في حَقِّهِ تَعالى كَوْنُهُ مُثِيبًا عَلى الشُّكْرِ، والمُرادُ مِن كَوْنِهِ عَلِيمًا أنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، فَلا يَقَعُ الغَلَطُ لَهُ ألْبَتَّةَ، فَلا جَرَمَ يُوصِلُ الثَّوابَ إلى الشّاكِرِ والعِقابَ إلى المُعْرِضِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences