Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:148–156
4:148Page 102
۞ لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلۡجَهۡرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ إِلَّا مَن ظُلِمَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ١٤٨
Allāh does not like the public mention of evil except by one who has been wronged. And ever is Allāh Hearing and Knowing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا هَتَكَ سِتْرَ المُنافِقِينَ وفَضَحَهم وكانَ هَتْكُ السِّتْرِ غَيْرَ لائِقٍ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ، ذَكَرَ تَعالى ما يَجْرِي مَجْرى العُذْرِ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى لا يُحِبُّ إظْهارَ الفَضائِحِ والقَبائِحِ إلّا في حَقِّ مَن عَظُمَ ضَرَرُهُ وكَثُرَ مَكْرُهُ وكَيْدُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَجُوزُ إظْهارُ فَضائِحِهِ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اذْكُرُوا الفاسِقَ بِما فِيهِ كَيْ تَحْذَرَهُ النّاسُ» وهَؤُلاءِ المُنافِقُونَ قَدْ كانَ كَثُرَ مَكْرُهم وكَيْدُهم وظُلْمُهم في حَقِّ المُسْلِمِينَ وعَظُمَ ضَرَرُهم، فَلِهَذا المَعْنى ذَكَرَ اللَّهُ فَضائِحَهم وكَشَفَ أسْرارَهم.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ إذا تابُوا وأخْلَصُوا صارُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ يَتُوبُ بَعْضُهم ويُخْلِصُ في تَوْبَتِهِ
صفحة ٧٢
ثُمَّ لا يَسْلَمُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ التَّعْيِيرِ والذَّمِّ مِن بَعْضِ المُسْلِمِينَ بِسَبَبِ ما صَدَرَ عَنْهُ في الماضِي مِنَ النِّفاقِ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى لا يُحِبُّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ، ولا يَرْضى بِالجَهْرِ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظَلَمَ نَفْسَهُ وأقامَ عَلى نِفاقِهِ فَإنَّهُ لا يَكْرَهُ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ مِن عِبادِهِ فِعْلَ القَبائِحِ ولا يَخْلُقُها، وذَلِكَ لِأنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنْ إرادَتِهِ، فَلَمّا قالَ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ عَلِمْنا أنَّهُ لا يُرِيدُ ذَلِكَ، وأيْضًا لَوْ كانَ خالِقًا لِأفْعالِ العِبادِ لَكانَ مُرِيدًا لَها، ولَوْ كانَ مُرِيدًا لَها لَكانَ قَدْ أحَبَّ إيجادَ الجَهْرِ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ، وإنَّهُ خِلافُ الآيَةِ.
والجَوابُ: المَحَبَّةُ عِنْدَنا عِبارَةٌ عَنْ إعْطاءِ الثَّوابِ عَلى الفِعْلِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى أرادَهُ ولَكِنَّهُ ما أحَبَّهُ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أهْلُ العِلْمِ: إنَّهُ تَعالى لا يُحِبُّ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ، ولا غَيْرَ الجَهْرِ أيْضًا، ولَكِنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذا الوَصْفَ لِأنَّ كَيْفِيَّتَهُ الواقِعَةَ أوْجَبَتْ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النِّساءِ: ٩٤] والتَّبَيُّنُ واجِبٌ في الطَّعْنِ والإقامَةِ، فَكَذا هَهُنا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن ظُلِمَ﴾ قَوْلانِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا أوْ مُتَّصِلًا.
القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ عَلى تَقْدِيرِ: إلّا جَهْرَ مَن ظُلِمَ. ثُمَّ حُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ.
الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: المَصْدَرُ هَهُنا أُقِيمَ مَقامَ الفاعِلِ، والتَّقْدِيرُ: لا يُحِبُّ اللَّهُ المُجاهِرَ بِالسُّوءِ إلّا مَن ظُلِمَ.
القَوْلُ الثّانِي: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ، لَكِنَّ المَظْلُومَ لَهُ أنْ يَجْهَرَ بِظُلامَتِهِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المَظْلُومُ ماذا يَفْعَلُ ؟ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ قَتادَةُ وابْنُ عَبّاسٍ: لا يُحِبُّ اللَّهُ رَفْعَ الصَّوْتِ بِما يَسُوءُ غَيْرَهُ إلّا المَظْلُومَ فَإنَّ لَهُ أنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالدُّعاءِ عَلى مَن ظَلَمَهُ.
الثّانِي: قالَ مُجاهِدٌ: إلّا أنْ يُخْبِرَ بِظُلْمِ ظالِمِهِ لَهُ.
الثّالِثُ: لا يَجُوزُ إظْهارُ الأحْوالِ المَسْتُورَةِ المَكْتُومَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ سَبَبًا لِوُقُوعِ النّاسِ في الغِيبَةِ ووُقُوعِ ذَلِكَ الإنْسانِ في الرِّيبَةِ، لَكِنْ مَن ظُلِمَ فَيَجُوزُ إظْهارُ ظُلْمِهِ بِأنْ يَذْكُرَ أنَّهُ سُرِقَ أوْ غُصِبَ، وهَذا قَوْلُ الأصَمِّ.
الرّابِعُ: قالَ الحَسَنُ: إلّا أنْ يَنْتَصِرَ مِن ظالِمِهِ. قِيلَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في «أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإنَّ رَجُلًا شَتَمَهُ فَسَكَتَ مِرارًا، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: شَتَمَنِي وأنْتَ جالِسٌ، فَلَمّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ قُمْتَ، قالَ: إنَّ مَلَكًا كانَ يُجِيبُ عَنْكَ، فَلَمّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ ذَهَبَ ذَلِكَ المَلَكُ وجاءَ الشَّيْطانُ، فَلَمْ أجْلِسْ عِنْدَ مَجِيءِ الشَّيْطانِ»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَرَأ جَماعَةٌ مِنَ الكِبارِ: الضَّحّاكُ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ”إلّا مَن ظَلَمَ“ بِفَتْحِ الظّاءِ، وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ كَلامٌ تامٌّ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن ظُلِمَ﴾ كَلامٌ مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنْ مَن ظَلَمَ فَدَعُوهُ وخَلُّوهُ، وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يَعْنِي لَكِنْ مَن ظَلَمَ نَفْسَهُ فَإنَّهُ يَجْهَرُ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ ظُلْمًا واعْتِداءً.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا والتَّقْدِيرُ: ”إلّا مَن
صفحة ٧٣
ظَلَمَ“ فَإنَّهُ يَجُوزُ الجَهْرُ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ مَعَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ وهو تَحْذِيرٌ مِنَ التَّعَدِّي في الجَهْرِ المَأْذُونِ فِيهِ، يَعْنِي فَلْيَتَّقِ اللَّهَ ولا يَقُلْ إلّا الحَقَّ ولا يَقْذِفْ مَسْتُورًا بِسُوءٍ فَإنَّهُ يَصِيرُ عاصِيًا لِلَّهِ بِذَلِكَ، وهو تَعالى سُمَيْعٌ لِما يَقُولُهُ عَلِيمٌ بِما يُضْمِرُهُ.
4:149Page 102
إِن تُبۡدُواْ خَيۡرًا أَوۡ تُخۡفُوهُ أَوۡ تَعۡفُواْ عَن سُوٓءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّٗا قَدِيرًا ١٤٩
If [instead] you show [some] good or conceal it or pardon an offense - indeed, Allāh is ever Pardoning and Competent.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾
اعْلَمْ أنَّ مَعاقِدَ الخَيْراتِ عَلى كَثْرَتِها مَحْصُورَةٌ في أمْرَيْنِ: صِدْقٌ مَعَ الحَقِّ، وخُلُقٌ مَعَ الخَلْقِ، والَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالخَلْقِ مَحْصُورٌ في قِسْمَيْنِ: إيصالُ نَفْعٍ إلَيْهِمْ ودَفْعُ ضَرَرٍ عَنْهم، فَقَوْلُهُ ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ﴾ إشارَةٌ إلى إيصالِ النَّفْعِ إلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ ﴿أوْ تَعْفُوا﴾ إشارَةٌ إلى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم، فَدَخَلَ في هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ جَمِيعُ أنْواعِ الخَيْرِ وأعْمالِ البِرِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنِ الجانِبَيْنِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ، فَعَلَيْكم أنْ تَقْتَدُوا بِسُنَّةِ اللَّهِ تَعالى وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
الثّانِي: إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا لِمَن عَفا، قَدِيرًا عَلى إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِ.
الثّالِثُ: قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أقْدَرُ عَلى عَفْوِ ذُنُوبِكَ مِنكَ عَلى عَفْوِ صاحِبِكَ.
4:150–151Page 102
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ١٥٠
Indeed, those who disbelieve in Allāh and His messengers and wish to discriminate between Allāh and His messengers and say, "We believe in some and disbelieve in others," and wish to adopt a way in between -
أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗاۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٥١
Those are the disbelievers, truly. And We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ عَلى طَرِيقَةِ المُنافِقِينَ عادَ يَتَكَلَّمُ عَلى مَذاهِبِ اليَهُودِ والنَّصارى ومُناقَضاتِهِمْ وذَكَرَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ مِن هَذا الجِنْسِ أنْواعًا:
النَّوْعُ الأوَّلُ: مِن أباطِيلِهِمْ: إيمانُهم بِبَعْضِ الأنْبِياءِ دُونَ البَعْضِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ فَإنَّ اليَهُودَ آمَنُوا بِمُوسى والتَّوْراةِ وكَفَرُوا بِعِيسى والإنْجِيلِ، والنَّصارى آمَنُوا بِعِيسى والإنْجِيلِ وكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أيْ: يُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أيْ: بَيْنَ الإيمانِ بِالكُلِّ وبَيْنَ الكُفْرِ بِالكُلِّ سَبِيلًا أيْ: واسِطَةً، وهي الإيمانُ بِالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٧٤
المَسْألَةُ الأُولى: في خَبَرِ ”إنَّ“ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ جَمَعُوا المَخازِيَ.
والثّانِي: هو قَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ والأوَّلُ أحْسَنُ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ أبْلَغُ لِأنَّهُ إذا حُذِفَ الجَوابُ ذَهَبَ الوَهْمُ كُلَّ مَذْهَبٍ مِنَ العَيْبِ، وإذا ذُكِرَ بَقِيَ مُقْتَصِرًا عَلى المَذْكُورِ.
والثّانِي: أنَّهُ رَأْسُ الآيَةِ، والأحْسَنُ أنْ لا يَكُونَ الخَبَرُ مُنْفَصِلًا عَنِ المُبْتَدَأِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهم إنَّما كانُوا كافِرِينَ حَقًّا لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ البَعْضِ لَيْسَ إلّا المُعْجِزَ، وإذا كانَ دَلِيلًا عَلى النُّبُوَّةِ لَزِمَ القَطْعُ بِأنَّهُ حَيْثُ حَصَلَ حَصَلَتِ النُّبُوَّةِ فَإنْ جَوَّزْنا في بَعْضِ المَواضِعِ حُصُولَ المُعْجِزِ بِدُونِ الصِّدْقِ تَعَذَّرَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى الصِّدْقِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الكُفْرُ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ، فَثَبَتَ أنَّ مَن لَمْ يَقْبَلْ نُبُوَّةَ أحَدٍ مِنهم لَزِمَهُ الكُفْرُ بِجَمِيعِهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ يَلْزَمُهُمُ الكُفْرُ بِكُلِّ الأنْبِياءِ، ولَكِنْ لَيْسَ إذا تَوَجَّهَ بَعْضُ الإلْزاماتِ عَلى الإنْسانِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الإنْسانُ قائِلًا بِهِ، فَإلْزامُ الكُفْرِ غَيْرٌ، والتِزامُ الكُفْرِ غَيْرٌ، والقَوْمُ لَمّا لَمْ يَلْتَزِمُوا ذَلِكَ فَكَيْفَ يُقْضى عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ.
قُلْنا: الإلْزامُ إذا كانَ خَفِيًّا بِحَيْثُ يُحْتاجُ فِيهِ إلى فِكْرٍ وتَأمُّلٍ كانَ الأمْرُ فِيهِ كَما ذَكَرْتُمْ، أمّا إذا كانَ جَلِيًّا واضِحًا لَمْ يَبْقَ بَيْنَ الإلْزامِ والِالتِزامِ فَرْقٌ.
والثّانِي: وهو أنَّ قَبُولَ بَعْضِ الأنْبِياءِ إنْ كانَ لِأجْلِ الِانْقِيادِ لِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى وحُكْمِهِ وجَبَ قَبُولُ الكُلِّ، وإنْ كانَ لِطَلَبِ الرِّياسَةِ كانَ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ كُفْرًا بِكُلِّ الأنْبِياءِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ (حَقًّا) وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ انْتَصَبَ عَلى مِثْلِ قَوْلِكَ: زَيْدٌ أخُوكَ حَقًّا، والتَّقْدِيرُ: أخْبَرْتُكَ بِهَذا المَعْنى إخْبارًا حَقًّا.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ كُفْرًا حَقًّا. طَعَنَ الواحِدِيُّ فِيهِ وقالَ: الكُفْرُ لا يَكُونُ حَقًّا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
والجَوابُ أنَّ المُرادَ بِهَذا الحَقِّ الكامِلُ، والمَعْنى أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ كُفْرًا كامِلًا ثابِتًا حَقًّا يَقِينًا.
4:152Page 102
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمۡ يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ أُوْلَٰٓئِكَ سَوۡفَ يُؤۡتِيهِمۡ أُجُورَهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٥٢
But they who believe in Allāh and His messengers and do not discriminate between any of them - to those He is going to give their rewards. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ أرْدَفَهُ بِالوَعْدِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما قالَ: ﴿ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ مَعَ أنَّ التَّفْرِيقَ يَقْتَضِي شَيْئَيْنِ فَصاعِدًا إلّا أنَّ ”أحَدًا“ لَفْظٌ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: صِحَّةُ الِاسْتِثْناءِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحْزابِ: ٣٢] .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اثْنَيْنِ مِنهم أوْ بَيْنَ جَماعَةٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَمَسَّكَ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ العَفْوِ وعَدَمِ الإحْباطِ فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى وعَدَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ بِأنَّهُ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهم، والمَفْهُومُ مِنهُ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهم عَلى ذَلِكَ الإيمانِ، وإلّا لَمْ تَصْلُحْ هَذِهِ
صفحة ٧٥
الآيَةُ لِأنْ تَكُونَ تَرْغِيبًا في الإيمانِ، وذَلِكَ يُوجِبُ القَطْعَ بِعَدَمِ الإحْباطِ، والقَطْعَ بِالعَفْوِ وبِالإخْراجِ مِنَ النّارِ بَعْدَ الإدْخالِ فِيها.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ (يُؤْتِيهِمْ) بِالياءِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى اسْمِ اللَّهِ، والباقُونَ بِالنُّونِ، وذَلِكَ أوْلى لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ أفْخَمُ.
والثّانِي: أنَّهُ مُشاكَلٌ لِقَوْلِهِ (وأعْتَدْنا) .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ مَعْناهُ أنَّ إيتاءَها كائِنٌ لا مَحالَةَ وإنْ تَأخَّرَ فالغَرَضُ بِهِ تَوْكِيدُ الوَعْدِ وتَحْقِيقُهُ لا كَوْنُهُ مُتَأخِّرًا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ والمُرادُ أنَّهُ وعَدَهم بِالثَّوابِ ثُمَّ أخْبَرَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ يَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ ويَعْفُو عَنْها ويَغْفِرُها.
4:153–154Page 102
يَسۡـَٔلُكَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيۡهِمۡ كِتَٰبٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ فَقَدۡ سَأَلُواْ مُوسَىٰٓ أَكۡبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ بِظُلۡمِهِمۡۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَعَفَوۡنَا عَن ذَٰلِكَۚ وَءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا ١٥٣
The People of the Scripture ask you to bring down to them a book from the heaven. But they had asked of Moses [even] greater than that and said, "Show us Allāh outright," so the thunderbolt struck them for their wrongdoing. Then they took the calf [for worship] after clear evidences had come to them, and We pardoned that. And We gave Moses a clear authority.
وَرَفَعۡنَا فَوۡقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمۡ وَقُلۡنَا لَهُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُلۡنَا لَهُمۡ لَا تَعۡدُواْ فِي ٱلسَّبۡتِ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ١٥٤
And We raised over them the mount for [refusal of] their covenant; and We said to them, "Enter the gate bowing humbly"; and We said to them, "Do not transgress on the sabbath"; and We took from them a solemn covenant.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾ ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِن جَهالاتِ اليَهُودِ، فَإنَّهم قالُوا: إنْ كُنْتَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَأْتِنا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ جُمْلَةً كَما جاءَ مُوسى بِالألْواحِ. وقِيلَ: طَلَبُوا أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ إلى فُلانٍ وكِتابًا إلى فُلانٍ بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وقِيلَ: كِتابًا نُعايِنُهُ حِينَ يُنَزَّلُ، وإنَّما اقْتَرَحُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ لِأنَّ مُعْجِزاتِ الرَّسُولِ كانَتْ قَدْ تَقَدَّمَتْ وحَصَلَتْ، فَكانَ طَلَبُ الزِّيادَةِ مِن بابِ التَّعَنُّتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ وإنَّما أسْنَدَ السُّؤالَ إلَيْهِمْ وإنْ وُجِدَ مِن آبائِهِمْ في أيّامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهُمُ النُّقَباءُ السَّبْعُونَ لِأنَّهم كانُوا عَلى مَذْهَبِهِمْ وراضِينَ بِسُؤالِهِمْ ومُشاكِلِينَ لَهم في التَّعَنُّتِ.
واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ بَيانُ ما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّعَنُّتِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ مُوسى لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ كِتابٌ مِنَ السَّماءِ لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ القَدْرِ، بَلْ طَلَبُوا مِنهُ الرُّؤْيَةَ عَلى سَبِيلِ المُعايَنَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ طَلَبَ هَؤُلاءِ لِنُزُولِ الكِتابِ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ لَيْسَ لِأجْلِ الِاسْتِرْشادِ بَلْ لِمَحْضِ العِنادِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ وهَذِهِ
صفحة ٧٦
القِصَّةُ قَدْ فَسَّرْناها في سُورَةِ البَقَرَةِ، واسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى نَفْيِ الرُّؤْيَةِ قَدْ أجَبْنا عَنْهُ هُناكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ والمَعْنى بَيانُ كَمالِ جَهالاتِهِمْ وإصْرارِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ، فَإنَّهم ما اكْتَفَوْا بَعْدَ نُزُولِ التَّوْراةِ عَلَيْهِمْ بِطَلَبِ الرُّؤْيَةِ جَهْرَةً، بَلْ ضَمُّوا إلَيْهِ عِبادَةَ العِجْلِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى غايَةِ بُعْدِهِمْ عَنْ طَلَبِ الحَقِّ والدِّينِ، والمُرادُ بِالبَيِّناتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ أُمُورٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ ما أراهم مِنَ الصّاعِقَةِ بَيِّناتٍ، فَإنَّ الصّاعِقَةَ وإنْ كانَتْ شَيْئًا واحِدًا إلّا أنَّها كانَتْ دالَّةً عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى عِلْمِهِ وعَلى قِدَمِهِ، وعَلى كَوْنِهِ مُخالِفًا لِلْأجْسامِ والأعْراضِ وعَلى صِدْقِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في دَعْوى النُّبُوَّةِ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ بِالبَيِّناتِ: إنْزالُ الصّاعِقَةِ وإحْياؤُهم بَعْدَما أماتَهم.
وثالِثُها: أنَّهم إنَّما عَبَدُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ أنْ شاهَدُوا مُعْجِزاتِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّتِي كانَ يُظْهِرُها في زَمانِ فِرْعَوْنَ، وهي العَصا واليَدُ البَيْضاءُ وفَلْقُ البَحْرِ وغَيْرُها مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الكَلامِ أنَّ هَؤُلاءِ يَطْلُبُونَ مِنكَ يا مُحَمَّدُ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فاعْلَمْ يا مُحَمَّدُ أنَّهم لا يَطْلُبُونَهُ مِنكَ إلّا عِنادًا ولَجاجًا، فَإنَّ مُوسى قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ هَذا الكِتابَ وأنْزَلَ عَلَيْهِ سائِرَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ، ثُمَّ إنَّهم طَلَبُوا الرُّؤْيَةَ عَلى سَبِيلِ العِنادِ وأقْبَلُوا عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم مَجْبُولُونَ عَلى اللَّجاجِ والعِنادِ والبُعْدِ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ﴾ يَعْنِي لَمْ نَسْتَأْصِلْ عَبَدَةَ العِجْلِ ﴿وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾ يَعْنِي أنَّ قَوْمَ مُوسى وإنْ كانُوا قَدْ بالَغُوا في إظْهارِ اللَّجاجِ والعِنادِ مَعَهُ لَكِنّا نَصَرْناهُ وقَوَّيْناهُ فَعَظُمَ أمْرُهُ وضَعُفَ خَصْمُهُ، وفِيهِ بِشارَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى سَبِيلِ التَّنْبِيهِ، والرَّمْزُ بِأنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ وإنْ كانُوا يُعانِدُونَهُ فَإنَّهُ بِالآخِرَةِ يَسْتَوْلِي عَلَيْهِمْ ويَقْهَرُهم، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْهم سائِرَ جَهالاتِهِمْ وإصْرارَهم عَلى أباطِيلِهِمْ:
فَأحَدُها: أنَّهُ تَعالى رَفَعَ فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهم أعْطَوُا المِيثاقَ عَلى أنْ لا يَرْجِعُوا عَنِ الدِّينِ، ثُمَّ رَجَعُوا عَنْهُ وهَمُّوا بِالرُّجُوعِ، فَرَفَعَ اللَّهُ فَوْقَهُمُ الطُّورَ حَتّى يَخافُوا فَلا يَنْقُضُوا المِيثاقَ.
الثّانِي: أنَّهُمُ امْتَنَعُوا عَنْ قَبُولِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ فَرَفَعَ اللَّهُ الجَبَلَ فَوْقَهم حَتّى قَبِلُوا، وصارَ المَعْنى: ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ لِأجْلِ أنْ يُعْطُوا المِيثاقَ بِقَبُولِ الدِّينِ.
الثّالِثُ: أنَّهم أعْطَوُا المِيثاقَ عَلى أنَّهم إنْ هَمُّوا بِالرُّجُوعِ عَنِ الدِّينِ فاللَّهُ يُعَذِّبُهم بِأيِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ أرادَ، فَلَمّا هَمُّوا بِتَرْكِ الدِّينِ أظَلَّ اللَّهُ الطُّورَ عَلَيْهِمْ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ﴾ .
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ ومَضى بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾، فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: لا تَعْدُوا بِاقْتِناصِ السَّمَكِ فِيهِ، قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ عَدا عَلَيْهِ أشَدَّ العَداءِ والعَدْوِ والعُدْوانِ، أيْ: ظَلَمَهُ وجاوَزَ الحَدَّ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا﴾ [الأنْعامِ: ١٠٨] .
الثّانِي: لا تَعْدُوا في السَّبْتِ مِنَ العَدْوِ بِمَعْنى الحَضَرِ، والمُرادُ: النَّهْيُ عَنِ العَمَلِ والكَسْبِ يَوْمَ السَّبْتِ، كَأنَّهُ قالَ لَهم: اسْكُنُوا عَنِ العَمَلِ في هَذا اليَوْمِ واقْعُدُوا في مَنازِلِكم فَأنا الرَّزّاقُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ: ”لا تَعْدُّوا“ ساكِنَةَ العَيْنِ مُشَدَّدَةَ الدّالِ، وأرادَ: لا تَعْتَدُوا، وحُجَّتُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ [البَقَرَةِ: ٦٥] فَجاءَ في هَذِهِ القِصَّةِ بِعَيْنِها افْتَعَلُوا، ثُمَّ أدْغَمَ التّاءَ في الدّالِ لِتَقارُبِهِما ولِأنَّ الدّالَ تَزِيدُ عَلى التّاءِ في الجَهْرِ، وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ يُنْكِرُونَ الجَمْعَ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ إذا
صفحة ٧٧
كانَ الثّانِي مِنهُما مُدْغَمًا ولَمْ يَكُنِ الأوَّلُ حَرْفَ لِينٍ نَحْوَ دابَّةٍ وشابَّةٍ، وقِيلْ لَهم، ويَقُولُونَ: إنَّ المَدَّ يَصِيرُ عِوَضًا عَنِ الحَرَكَةِ، ورَوى ورْشٌ عَنْ نافِعٍ ”لا تَعَدُّوا“ بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا أدْغَمَ التّاءَ في الدّالِ نَقَلَ حَرَكَتَها إلى العَيْنِ، والباقُونَ (تَعْدُوا) بِضَمِّ الدّالِ وسُكُونِ العَيْنِ حَقِيقَةً.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القَفّالُ: المِيثاقُ الغَلِيظُ هو العَهْدُ المُؤَكَّدُ غايَةَ التَّوْكِيدِ، وذَلِكَ بَيِّنٌ فِيما يَدَّعُونَهُ مِنَ التَّوْراةِ.
4:155–156Page 103
فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَلۡ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٥٥
And [We cursed them]1 for their breaking of the covenant and their disbelief in the signs of Allāh and their killing of the prophets without right and their saying, "Our hearts are wrapped" [i.e., sealed against reception]. Rather, Allāh has sealed them because of their disbelief, so they believe not, except for a few.2
وَبِكُفۡرِهِمۡ وَقَوۡلِهِمۡ عَلَىٰ مَرۡيَمَ بُهۡتَٰنًا عَظِيمٗا ١٥٦
And [We cursed them] for their disbelief and their saying against Mary a great slander1
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في مُتَعَلِّقِ الباءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكَذا، لَعَنّاهم وسَخِطْنا عَلَيْهِمْ، والحَذْفُ أفْخَمُ لِأنَّ عِنْدَ الحَذْفِ يَذْهَبُ الوَهْمُ كُلَّ مَذْهَبٍ، ودَلِيلُ المَحْذُوفِ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ مِن صِفاتِ الذَّمِّ فَيَدُلُّ عَلى اللَّعْنِ.
الثّانِي: أنَّ مُتَعَلِّقَ الباءِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٦٠] وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ وزَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ الآيَتَيْنِ بَعِيدٌ جِدًّا، فَجَعْلُ أحَدِهِما بَدَلًا عَنِ الآخَرِ بَعِيدٌ.
الثّانِي: أنَّ تِلْكَ الجِناياتِ المَذْكُورَةَ عَظِيمَةٌ جِدًّا لِأنَّ كُفْرَهم بِاللَّهِ وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ وإنْكارَهم لِلتَّكْلِيفِ بِقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ أعْظَمُ الذُّنُوبِ، وذِكْرُ الذُّنُوبِ العَظِيمَةِ إنَّما يَلِيقُ أنْ يُفَرَّعَ عَلَيْهِ العُقُوبَةُ العَظِيمَةُ، وتَحْرِيمُ بَعْضِ المَأْكُولاتِ عُقُوبَةٌ خَفِيفَةٌ فَلا يَحْسُنُ تَعْلِيقُهُ بِتِلْكَ الجِناياتِ العَظِيمَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ (ما) في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ صِلَةٌ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَبِنَقْضِهِمْ مِيثاقَهم، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٥٩] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى أدْخَلَ حَرْفَ الباءِ عَلى أُمُورٍ:
أوَّلُها: نَقْضُ المِيثاقِ.
وثانِيها: كُفْرُهم بِآياتِ اللَّهِ، والمُرادُ مِنهُ كُفْرُهم بِالمُعْجِزاتِ، وقَدْ بَيَّنّا فِيما تَقَدَّمَ أنَّ مَن أنْكَرَ مُعْجِزَةَ رَسُولٍ واحِدٍ فَقَدْ أنْكَرَ جَمِيعَ مُعْجِزاتِ الرُّسُلِ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ.
وثالِثُها: قَتْلُهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وذَكَرْنا تَفْسِيرَهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ورابِعُها: قَوْلُهم ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ وذَكَرَ القَفّالُ فِيهِ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ غُلْفًا جَمْعُ غِلافٍ، والأصْلُ غُلُفٌ بِتَحْرِيكِ اللّامِ فَخَفَّفَ بِالتَّسْكِينِ، كَما قِيلَ كُتْبٌ ورُسْلٌ بِتَسْكِينِ التّاءِ والسِّينِ، والمَعْنى عَلى هَذا أنَّهم قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ، أيْ: أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ فَلا حاجَةَ بِنا إلى عِلْمٍ سِوى ما عِنْدَنا، فَكَذَّبُوا الأنْبِياءَ بِهَذا القَوْلِ.
والثّانِي: أنَّ غُلْفًا جَمْعُ أغْلَفَ وهو المُتَغَطِّي بِالغِلافِ أيْ: بِالغِطاءِ، والمَعْنى عَلى هَذا أنَّهم قالُوا قُلُوبُنا في أغْطِيَةٍ فَهي لا تَفْقَهُ ما تَقُولُونَ، نَظِيرُهُ ما حَكى اللَّهُ في قَوْلِهِ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ٥] .
* *
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ .
فَإنْ حَمَلْنا الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ عَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ كانَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في ادِّعائِهِمْ أنَّ قُلُوبَهم أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ وبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى طَبَعَ عَلَيْها وخَتَمَ عَلَيْها فَلا يَصِلُ أثَرُ الدَّعْوَةِ والبَيانِ إلَيْها، وهَذا يَلِيقُ بِمَذْهَبِنا، وإنْ حَمَلْنا الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ عَلى التَّأْوِيلِ الثّانِي كانَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في ادِّعائِهِمْ أنَّ قُلُوبَهم في الأكِنَّةِ والأغْطِيَةِ، وهَذا يَلِيقُ بِمَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، إلّا أنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ أوْلى، وهو المُطابِقُ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: لا يُؤْمِنُونَ إلّا بِمُوسى والتَّوْراةِ، وهَذا إخْبارٌ مِنهم عَلى حَسَبِ دَعْواهم وزَعْمِهِمْ، وإلّا فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ مَن يَكْفُرُ بِرَسُولٍ واحِدٍ وبِمُعْجِزَةٍ واحِدَةٍ فَإنَّهُ لا يُمْكِنُهُ الإيمانُ بِأحَدٍ مِنَ الرُّسُلِ البَتَّةَ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهم لَمّا نَسَبُوا مَرْيَمَ إلى الزِّنا لِإنْكارِهِمْ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى خَلْقِ الوَلَدِ مِن دُونِ الأبِ، ومُنْكِرُ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ كافِرٌ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُهُ أنْ يَقُولَ: كُلُّ ولَدٍ وُلِدَ فَهو مَسْبُوقٌ بِوالِدٍ لا إلى أوَّلٍ، وذَلِكَ يُوجِبُ القَوْلَ بِقِدَمِ العالَمِ والدَّهْرِ، والقَدْحَ في وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ، فالقَوْمُ لا شَكَّ أنَّهم:
أوَّلًا: أنْكَرُوا قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى خَلْقِ الوَلَدِ مِن دُونِ الأبِ.
وثانِيًا: نَسَبُوا مَرْيَمَ إلى الزِّنا، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وبِكُفْرِهِمْ﴾ هو إنْكارُهم قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى، وبِقَوْلِهِ: ﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ نِسْبَتُهم إيّاها إلى الزِّنا، ولَمّا حَصَلَ التَّغَيُّرُ لا جَرَمَ حَسُنَ العَطْفُ، وإنَّما صارَ هَذا الطَّعْنُ بُهْتانًا عَظِيمًا لِأنَّهُ ظَهَرَ عِنْدَ وِلادَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الكَراماتِ والمُعْجِزاتِ ما دَلَّ عَلى بَراءَتِها مِن كُلِّ عَيْبٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٢٥] ونَحْوَ كَلامِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حالَ كَوْنِهِ طِفْلًا مُنْفَصِلًا عَنْ أُمِّهِ، فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ دَلائِلُ قاطِعَةٌ عَلى بَراءَةِ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - مِن كُلِّ رِيبَةٍ، فَلا جَرَمَ وصَفَ اللَّهُ تَعالى طَعْنَ اليَهُودِ فِيها بِأنَّهُ بُهْتانٌ عَظِيمٌ، وكَذَلِكَ وصَفَ طَعْنَ المُنافِقِينَ في عائِشَةَ بِأنَّهُ بُهْتانٌ عَظِيمٌ حَيْثُ قالَ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النُّورِ: ١٦] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّوافِضَ الَّذِينَ يَطْعَنُونَ في عائِشَةَ بِمَنزِلَةِ اليَهُودِ الَّذِينَ يَطْعَنُونَ في مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences