Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:157–162
4:157Page 103
وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا ١٥٧
And [for] their saying, "Indeed, we have killed the Messiah, Jesus the son of Mary, the messenger of Allāh." And they did not kill him, nor did they crucify him; but [another] was made to resemble him to them. And indeed, those who differ over it are in doubt about it. They have no knowledge of it except the following of assumption. And they did not kill him, for certain.1
وسادِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ .
وهَذا يَدُلُّ عَلى كُفْرٍ عَظِيمٍ مِنهم لِأنَّهم قالُوا فَعَلْنا ذَلِكَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا راغِبِينَ في قَتْلِهِ مُجْتَهِدِينَ في ذَلِكَ، فَلا شَكَّ أنَّ هَذا القَدْرَ كُفْرٌ عَظِيمٌ.
فَإنْ قِيلَ: اليَهُودُ كانُوا كافِرِينَ بِعِيسى أعْداءً لَهُ عامِدِينَ لِقَتْلِهِ يُسَمُّونَهُ السّاحِرَ ابْنَ السّاحِرَةِ والفاعِلَ ابْنَ
صفحة ٧٩
الفاعِلَةِ، فَكَيْفَ قالُوا: إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ؟
والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهم قالُوهُ عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٧] وكَقَوْلِ كُفّارِ قُرَيْشٍ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحِجْرِ: ٦] .
والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَضَعَ اللَّهُ الذِّكْرَ الحَسَنَ مَكانَ ذِكْرِهِمُ القَبِيحَ في الحِكايَةِ عَنْهم رَفْعًا لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَمّا كانُوا يَذْكُرُونَهُ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ اليَهُودِ أنَّهم زَعَمُوا أنَّهم قَتَلُوا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فاللَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في هَذِهِ الدَّعْوى وقالَ: ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ وفي الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﴿شُبِّهَ﴾ مُسْنَدٌ إلى ماذا ؟ إنْ جَعَلْتَهُ مُسْنَدًا إلى المَسِيحِ فَهو مُشَبَّهٌ بِهِ ولَيْسَ بِمُشَبَّهٍ، وإنْ أسْنَدْتَهُ إلى المَقْتُولِ فالمَقْتُولُ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ.
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، وهو كَقَوْلِكَ: خُيِّلَ إلَيْهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنْ وقَعَ لَهُمُ الشَّبَهُ.
الثّانِي: أنْ يُسْنَدَ إلى ضَمِيرِ المَقْتُولِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما قَتَلُوهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ وقَعَ القَتْلُ عَلى غَيْرِهِ فَصارَ ذَلِكَ الغَيْرُ مَذْكُورًا بِهَذا الطَّرِيقِ، فَحَسُنَ إسْنادُ ﴿شُبِّهَ﴾ إلَيْهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ إنْ جازَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُلْقِي شَبَهَ إنْسانٍ عَلى إنْسانٍ آخَرَ فَهَذا يَفْتَحُ بابَ السَّفْسَطَةِ، فَإنّا إذا رَأيْنا زَيْدًا فَلَعَلَّهُ لَيْسَ بِزَيْدٍ، ولَكِنَّهُ أُلْقِيَ شَبَهُ زَيْدٍ عَلَيْهِ، وعِنْدَ ذَلِكَ لا يَبْقى النِّكاحُ والطَّلاقُ والمِلْكُ مَوْثُوقًا بِهِ، وأيْضًا يُفْضِي إلى القَدْحِ في التَّواتُرِ لِأنَّ خَبَرَ التَّواتُرِ إنَّما يُفِيدُ العِلْمَ بِشَرْطِ انْتِهائِهِ في الآخِرَةِ إلى المَحْسُوسِ، فَإذا جَوَّزْنا حُصُولَ مِثْلِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ في المَحْسُوساتِ تَوَجَّهَ الطَّعْنُ في التَّواتُرِ، وذَلِكَ يُوجِبُ القَدْحَ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ، ولَيْسَ لِمُجِيبٍ أنْ يُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِزَمانِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأنّا نَقُولُ: لَوْ صَحَّ ما ذَكَرْتُمْ فَذاكَ إنَّما يُعْرَفُ بِالدَّلِيلِ والبُرْهانِ، فَمَن لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ الدَّلِيلَ وذَلِكَ البُرْهانَ وجَبَ أنْ لا يَقْطَعَ بِشَيْءٍ مِنَ المَحْسُوساتِ ووَجَبَ أنْ لا يَعْتَمِدَ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأخْبارِ المُتَواتِرَةِ، وأيْضًا فَفي زَمانِنا إنِ انْسَدَّتِ المُعْجِزاتُ فَطَرِيقُ الكَراماتِ مَفْتُوحٌ، وحِينَئِذٍ يَعُودُ الِاحْتِمالُ المَذْكُورُ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ، وبِالجُمْلَةِ فَفَتْحُ هَذا البابِ يُوجِبُ الطَّعْنَ في التَّواتُرِ، والطَّعْنُ فِيهِ يُوجِبُ الطَّعْنَ في نُبُوَّةِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، فَهَذا فَرْعٌ يُوجِبُ الطَّعْنَ في الأُصُولِ فَكانَ مَرْدُودًا.
والجَوابُ: اخْتَلَفَتْ مَذاهِبُ العُلَماءِ في هَذا المَوْضِعِ وذَكَرُوا وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ: إنَّ اليَهُودَ لَمّا قَصَدُوا قَتْلَهُ رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى السَّماءِ، فَخافَ رُؤَساءُ اليَهُودِ مِن وُقُوعِ الفِتْنَةِ مِن عَوامِّهِمْ فَأخَذُوا إنْسانًا وقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ ولَبَّسُوا عَلى النّاسِ أنَّهُ المَسِيحُ، والنّاسُ ما كانُوا يَعْرِفُونَ المَسِيحَ إلّا بِالِاسْمِ لِأنَّهُ كانَ قَلِيلَ المُخالَطَةِ لِلنّاسِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ زالَ السُّؤالُ. لا يُقالُ: إنَّ النَّصارى يَنْقُلُونَ عَنْ أسْلافِهِمْ أنَّهم شاهَدُوهُ مَقْتُولًا، لِأنّا نَقُولُ: إنَّ تَواتُرَ النَّصارى يَنْتَهِي إلى أقْوامٍ قَلِيلِينَ لا يَبْعُدُ اتِّفاقُهم عَلى الكَذِبِ.
والطَّرِيقُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ألْقى شَبَهَهُ عَلى إنْسانٍ آخَرَ ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ اليَهُودَ لَمّا عَلِمُوا أنَّهُ
صفحة ٨٠
حاضِرٌ في البَيْتِ الفُلانِيِّ مَعَ أصْحابِهِ أمَرَ يَهُوذا رَأْسُ اليَهُودِ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ يُقالُ لَهُ طَيْطايُوسُ أنْ يَدْخُلَ عَلى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويُخْرِجَهُ لِيَقْتُلَهُ، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ أخْرَجَ اللَّهُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن سَقْفِ البَيْتِ وألْقى عَلى ذَلِكَ الرَّجُلِ شَبَهَ عِيسى فَظَنُّوهُ هو فَصَلَبُوهُ وقَتَلُوهُ.
الثّانِي: وكَّلُوا بِعِيسى رَجُلًا يَحْرُسُهُ وصَعِدَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الجَبَلِ ورُفِعَ إلى السَّماءِ، وألْقى اللَّهُ شَبَهَهُ عَلى ذَلِكَ الرَّقِيبِ فَقَتَلُوهُ وهو يَقُولُ لَسْتُ بِعِيسى.
الثّالِثُ: أنَّ اليَهُودَ لَمّا هَمُّوا بِأخْذِهِ وكانَ مَعَ عِيسى عَشَرَةٌ مِن أصْحابِهِ فَقالَ لَهم: مَن يَشْتَرِي الجَنَّةَ بِأنْ يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي ؟ فَقالَ واحِدٌ مِنهم أنا، فَألْقى اللَّهُ شَبَهَ عِيسى عَلَيْهِ فَأُخْرِجَ وقُتِلَ، ورَفَعَ اللَّهُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
الرّابِعُ: كانَ رَجُلٌ يَدَّعِي أنَّهُ مِن أصْحابِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وكانَ مُنافِقًا فَذَهَبَ إلى اليَهُودِ ودَلَّهم عَلَيْهِ، فَلَمّا دَخَلَ مَعَ اليَهُودِ لِأخْذِهِ ألْقى اللَّهُ تَعالى شَبَهَهُ عَلَيْهِ فَقُتِلَ وصُلِبَ. وهَذِهِ الوُجُوهُ مُتَعارِضَةٌ مُتَدافِعَةٌ واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.
* *
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهم هُمُ النَّصارى وذَلِكَ لِأنَّهم بِأسْرِهِمْ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ اليَهُودَ قَتَلُوهُ، إلّا أنَّ كِبارَ فِرَقِ النَّصارى ثَلاثَةٌ: النُّسْطُورِيَّةُ، والمَلْكانِيَّةُ، واليَعْقُوبِيَّةُ.
أمّا النُّسْطُورِيَّةُ فَقَدْ زَعَمُوا أنَّ المَسِيحَ صُلِبَ مِن جِهَةِ ناسُوتِهِ لا مِن جِهَةِ لاهُوتِهِ، وأكْثَرُ الحُكَماءِ يَرَوْنَ ما يَقْرُبُ مِن هَذا القَوْلِ، قالُوا: لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ هَذا الهَيْكَلِ بَلْ هو إمّا جِسْمٌ شَرِيفٌ مُنْسابٌ في هَذا البَدَنِ، وإمّا جَوْهَرٌ رُوحانِيٌّ مُجَرَّدٌ في ذاتِهِ وهو مُدَبِّرٌ في هَذا البَدَنِ، فالقَتْلُ إنَّما ورَدَ عَلى هَذا الهَيْكَلِ، وأمّا النَّفْسُ الَّتِي هي في الحَقِيقَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فالقَتْلُ ما ورَدَ عَلَيْهِ، لا يُقالُ: فَكُلُّ إنْسانٍ كَذَلِكَ فَما الوَجْهُ لِهَذا التَّخْصِيصِ ؟ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ نَفْسَهُ كانَتْ قُدُسِيَّةً عُلْوِيَّةً سَماوِيَّةً شَدِيدَةَ الإشْراقِ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ عَظِيمَةَ القُرْبِ مِن أرْواحِ المَلائِكَةِ، والنَّفْسُ مَتى كانَتْ كَذَلِكَ لَمْ يَعْظُمْ تَألُّمُها بِسَبَبِ القَتْلِ وتَخْرِيبِ البَدَنِ، ثُمَّ إنَّها بَعْدَ الِانْفِصالِ عَنْ ظُلْمَةِ البَدَنِ تَتَخَلَّصُ إلى فُسْحَةِ السَّماواتِ وأنْوارِ عالَمِ الجَلالِ فَيَعْظُمُ بَهْجَتُها وسَعادَتُها هُناكَ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ غَيْرُ حاصِلَةٍ لِكُلِّ النّاسِ بَلْ هي غَيْرُ حاصِلَةٍ مِن مَبْدَأِ خِلْقَةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى قِيامِ القِيامَةِ إلّا لِأشْخاصٍ قَلِيلِينَ، فَهَذا هو الفائِدَةُ في تَخْصِيصِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذِهِ الحالَةِ.
وأمّا المَلْكانِيَّةُ فَقالُوا: القَتْلُ والصَّلْبُ وصَلا إلى اللّاهُوتِ بِالإحْساسِ والشُّعُورِ لا بِالمُباشَرَةِ. وقالَتِ اليَّعْقُوبِيَّةُ: القَتْلُ والصَّلْبُ وقَعا بِالمَسِيحِ الَّذِي هو جَوْهَرٌ مُتَوَلِّدٌ مِن جَوْهَرَيْنِ، فَهَذا هو شَرْحُ مَذاهِبِ النَّصارى في هَذا البابِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ﴾ .
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ اخْتَلَفُوا هُمُ اليَهُودُ، وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا قَتَلُوا الشَّخْصَ المُشَبَّهَ بِهِ كانَ الشَّبَهُ قَدْ أُلْقِيَ عَلى وجْهِهِ ولَمْ يُلْقَ عَلَيْهِ شَبَهُ جَسَدِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَلَمّا قَتَلُوهُ ونَظَرُوا إلى بَدَنِهِ قالُوا: الوَجْهُ وجْهُ عِيسى والجَسَدُ جَسَدُ غَيْرِهِ.
الثّانِي: قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ اليَهُودَ حَبَسُوا عِيسى مَعَ عَشْرٍ مِن
صفحة ٨١
الحَوارِيِّينَ في بَيْتٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ لِيُخْرِجَهُ ويَقْتُلَهُ، فَألْقى اللَّهُ شَبَهَ عِيسى عَلَيْهِ ورُفِعَ إلى السَّماءِ، فَأخَذُوا ذَلِكَ الرَّجُلَ وقَتَلُوهُ عَلى أنَّهُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ثُمَّ قالُوا: إنْ كانَ هَذا عِيسى فَأيْنَ صاحِبُنا، وإنْ كانَ صاحِبَنا فَأيْنَ عِيسى ؟ فَذَلِكَ اخْتِلافُهم فِيهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: العَمَلُ بِالقِياسِ اتِّباعٌ لِلظَّنِّ، واتِّباعُ الظَّنِّ مَذْمُومٌ في كِتابِ اللَّهِ بِدَلِيلِ أنَّهُ إنَّما ذَكَرَهُ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى وصَفَ اليَهُودَ والنَّصارى هَهُنا في مَعْرِضِ الذَّمِّ بِهَذا فَقالَ: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ وقالَ في سُورَةِ الأنْعامِ في مَذَمَّةِ الكُفّارِ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنْعامِ: ١١٦] وقالَ في آيَةٍ أُخْرى ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [يُونُسَ: ٣٦] وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ مَذْمُومٌ.
والجَوابُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ العَمَلَ بِالقِياسِ اتِّباعٌ لِلظَّنِّ، فَإنَّ الدَّلِيلَ القاطِعَ لَمّا دَلَّ عَلى العَمَلِ بِالقِياسِ كانَ الحُكْمُ المُسْتَفادُ مِنَ القِياسِ مَعْلُومًا لا مَظْنُونًا، وهَذا الكَلامُ لَهُ غَوْرٌ وفِيهِ بَحْثٌ.
* *
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: يَقِينُ عَدَمِ القَتْلِ، والآخَرُ يَقِينُ عَدَمِ الفِعْلِ، فَعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهم شاكُّونَ في أنَّهُ هَلْ قَتَلُوهُ أمْ لا ؟ ثُمَّ أخْبَرَ مُحَمَّدًا بِأنَّ اليَقِينَ حاصِلٌ بِأنَّهم ما قَتَلُوهُ، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي يَكُونُ المَعْنى أنَّهم شاكُّونَ في أنَّهُ هَلْ قَتَلُوهُ هو ؟ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّهم قَتَلُوا ذَلِكَ الشَّخْصَ الَّذِي قَتَلُوهُ لا عَلى يَقِينٍ أنَّهُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَلْ حِينَما قَتَلُوهُ كانُوا شاكِّينَ في أنَّهُ هَلْ هو عِيسى أمْ لا، والِاحْتِمالُ الأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ وهَذا الكَلامُ إنَّما يَصِحُّ إذا تَقَدَّمَ القَطْعُ واليَقِينُ بِعَدَمِ القَتْلِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ بِإدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ والباقُونَ بِتَرْكِ الإدْغامِ، حُجَّتُهُما قُرْبُ مَخْرَجِ اللّامِ مِنَ الرّاءِ، والرّاءُ أقْوى مِنَ اللّامِ بِحُصُولِ التَّكْرِيرِ فِيها، ولِهَذا لَمْ يَجُزْ إدْغامُ الرّاءِ في اللّامِ لِأنَّ الأنْقَصَ يُدْغَمُ في الأفْضَلِ، وحُجَّةُ الباقِينَ أنَّ الرّاءَ واللّامَ حَرْفانِ مِن كَلِمَتَيْنِ فالأوْلى تَرْكُ الإدْغامِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُشَبِّهَةُ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ في إثْباتِ الجِهَةِ.
والجَوابُ: المُرادُ الرَّفْعُ إلى مَوْضِعٍ لا يَجْرِي فِيهِ حُكْمُ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٠] وقالَ تَعالى: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النِّساءِ: ١٠٠] وكانَتِ الهِجْرَةُ في ذَلِكَ الوَقْتِ إلى المَدِينَةِ، وقالَ إبْراهِيمُ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصّافّاتِ: ٩٩] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رَفْعُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى السَّماءِ ثابِتٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في آلِ عِمْرانَ: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٥] واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ عَقِيبَ
صفحة ٨٢
ما شَرَحَ أنَّهُ وصَلَ إلى عِيسى أنْواعٌ كَثِيرَةٌ مِنَ البَلاءِ والمِحْنَةِ أنَّهُ رَفَعَهُ إلَيْهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ رَفْعَهُ إلَيْهِ أعْظَمُ في بابِ الثَّوابِ مِنَ الجَنَّةِ ومِن كُلِّ ما فِيها مِنَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَفْتَحُ عَلَيْكَ بابَ مَعْرِفَةِ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ.
4:158–159Page 103
بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٥٨
Rather, Allāh raised him to Himself. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.
وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا ١٥٩
And there is none from the People of the Scripture but that he will surely believe in him [i.e., Jesus] before his death.1 And on the Day of Resurrection he will be against them a witness.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ .
والمُرادُ مِنَ العِزَّةِ كَمالُ القُدْرَةِ، ومِنَ الحِكْمَةِ كَمالُ العِلْمِ، فَنَبَّهَ بِهَذا عَلى أنَّ رَفْعَ عِيسى مِنَ الدُّنْيا إلى السَّماواتِ وإنْ كانَ كالمُتَعَذِّرِ عَلى البَشَرِ لَكِنَّهُ لا تَعَذُّرَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِي وإلى حِكْمَتِي، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسْراءِ: ١] فَإنَّ الإسْراءَ وإنْ كانَ مُتَعَذِّرًا بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَةِ مُحَمَّدٍ إلّا أنَّهُ سَهْلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَةِ الحَقِّ سُبْحانَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ فَضائِحَ اليَهُودِ وقَبائِحَ أفْعالِهِمْ وشَرَحَ أنَّهم قَصَدُوا قَتْلَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَيَّنَ أنَّهُ ما حَصَلَ لَهم ذَلِكَ المَقْصُودُ، وأنَّهُ حَصَلَ لِعِيسى أعْظَمُ المَناصِبِ وأجَلُّ المَراتِبِ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ اليَهُودَ الَّذِينَ كانُوا مُبالِغِينَ في عَداواتِهِ لا يَخْرُجُ أحَدٌ مِنهم مِنَ الدُّنْيا إلّا بَعْدَ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ فَقالَ: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ (إنْ) بِمَعْنى (ما) النّافِيَةِ كَقَوْلِهِ ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مَرْيَمَ: ٧١] فَصارَ التَّقْدِيرُ: وما أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ. ثُمَّ إنّا نَرى أكْثَرَ اليَهُودِ يَمُوتُونَ ولا يُؤْمِنُونَ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: ما رُوِيَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قالَ: قالَ الحَجّاجُ: إنِّي ما قَرَأْتُها إلّا وفي نَفْسِي مِنها شَيْءٌ، يَعْنِي هَذِهِ الآيَةَ، فَإنِّي أضْرِبُ عُنُقَ اليَهُودِيِّ ولا أسْمَعُ مِنهُ ذَلِكَ. فَقُلْتُ: إنَّ اليَهُودِيَّ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ وجْهَهُ ودُبُرَهُ، وقالُوا: يا عَدُوَّ اللَّهِ أتاكَ عِيسى نَبِيًّا فَكَذَّبْتَ بِهِ، فَيَقُولُ آمَنتُ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، وتَقُولُ لِلنَّصْرانِيِّ: أتاكَ عِيسى نَبِيًّا فَزَعَمْتَ أنَّهُ هو اللَّهُ وابْنُ اللَّهِ، فَيَقُولُ: آمَنتُ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَأهْلُ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ولَكِنْ حَيْثُ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ الإيمانُ، فاسْتَوى الحَجّاجُ جالِسًا وقالَ: عَمَّنْ نَقَلْتَ هَذا ؟ فَقُلْتُ: حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ، فَأخَذَ يَنْكُتُ في الأرْضِ بِقَضِيبٍ ثُمَّ قالَ: لَقَدْ أخَذْتَها مِن عَيْنٍ صافِيَةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ كَذَلِكَ فَقالَ لَهُ عِكْرِمَةُ: فَإنْ خَرَّ مِن سَقْفِ بَيْتٍ أوِ احْتَرَقَ أوْ أكَلَهُ سَبُعٌ، قالَ: يَتَكَلَّمُ بِها في الهَواءِ ولا تَخْرُجُ رُوحُهُ حَتّى يُؤْمِنَ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: (إلّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) بِضَمِّ النُّونِ عَلى مَعْنى: وإنْ مِنهم أحَدٌ إلّا سَيُؤْمِنُونَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ؛ لِأنَّ أحَدًا يَصْلُحُ لِلْجَمِيعِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: والفائِدَةُ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى بِإيمانِهِمْ بِعِيسى قَبْلَ مَوْتِهِمْ أنَّهم مَتى عَلِمُوا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإيمانِ بِهِ لا مَحالَةَ فَلِأنْ يُؤْمِنُوا بِهِ حالَ ما يَنْفَعُهم ذَلِكَ الإيمانُ أوْلى مِن أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ حالَ ما لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ الإيمانُ.
والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ عَنْ أصْلِ السُّؤالِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أيْ: قَبْلَ مَوْتِ عِيسى، والمُرادُ أنَّ
صفحة ٨٣
أهْلَ الكِتابِ الَّذِينَ يَكُونُونَ مَوْجُودِينَ في زَمانِ نُزُولِهِ لا بُدَّ وأنْ يُؤْمِنُوا بِهِ: قالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ: إنَّهُ لا يُمْنَعُ نُزُولَهُ مِنَ السَّماءِ إلى الدُّنْيا إلّا أنَّهُ إنَّما يَنْزِلُ عِنْدَ ارْتِفاعِ التَّكالِيفِ أوْ بِحَيْثُ لا يُعْرَفُ، إذْ لَوْ نَزَلَ مَعَ بَقاءِ التَّكالِيفِ عَلى وجْهٍ يُعْرَفُ أنَّهُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَكانَ إمّا أنْ يَكُونَ نَبِيًّا ولا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، أوْ غَيْرَ نَبِيٍّ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ عَلى الأنْبِياءِ، وهَذا الإشْكالُ عِنْدِي ضَعِيفٌ لِأنَّ انْتِهاءَ الأنْبِياءِ إلى مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَعِنْدَ مَبْعَثِهِ انْتَهَتْ تِلْكَ المُدَّةُ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَصِيرَ بَعْدَ نُزُولِهِ تَبَعًا لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ قِيلَ: يَشْهَدُ عَلى اليَهُودِ أنَّهم كَذَّبُوهُ وطَعَنُوا فِيهِ، وعَلى النَّصارى أنَّهم أشْرَكُوا بِهِ، وكَذَلِكَ كُلُّ نَبِيٍّ شاهِدٌ عَلى أُمَّتِهِ.
4:160–161Page 103
فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرٗا ١٦٠
For wrongdoing on the part of the Jews, We made unlawful for them [certain] good foods which had been lawful to them, and for their averting from the way of Allāh many [people],
وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٦١
And [for] their taking of usury while they had been forbidden from it, and their consuming of the people's wealth unjustly. And We have prepared for the disbelievers among them a painful punishment.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ فَضائِحَ أعْمالِ اليَهُودِ وقَبائِحَ الكافِرِينَ وأفْعالِهِمْ ذَكَرَ عَقِيبَهُ تَشْدِيدَهُ تَعالى عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، أمّا تَشْدِيدُهُ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا فَهو أنَّهُ تَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ كانَتْ مُحَلَّلَةً لَهم قَبْلَ ذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنْعامِ: ١٤٦] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ ما هو كالعِلَّةِ المُوجِبَةِ لِهَذِهِ التَّشْدِيداتِ.
واعْلَمْ أنَّ أنْواعَ الذُّنُوبِ مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: الظُّلْمِ لِلْخَلْقِ، والإعْراضِ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ، أمّا ظُلْمُ الخَلْقِ فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ إنَّهم مَعَ ذَلِكَ في غايَةِ الحِرْصِ في طَلَبِ المالِ، فَتارَةً يُحَصِّلُونَهُ بِالرِّبا مَعَ أنَّهم نُهُوا عَنْهُ، وتارَةً بِطَرِيقِ الرِّشْوَةِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائِدَةِ: ٤٢] فَهَذِهِ الأرْبَعَةُ هي الذُّنُوبُ المُوجِبَةُ لِلتَّشْدِيدِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، أمّا التَّشْدِيدُ في الدُّنْيا فَهو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ عَلَيْهِمْ، وأمّا التَّشْدِيدُ في الآخِرَةِ فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ .
4:162Page 103
لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ مِنۡهُمۡ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَۚ وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَٱلۡمُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أُوْلَٰٓئِكَ سَنُؤۡتِيهِمۡ أَجۡرًا عَظِيمًا ١٦٢
But those firm in knowledge among them and the believers believe in what has been revealed to you, [O Muḥammad], and what was revealed before you. And the establishers of prayer [especially] and the givers of zakāh and the believers in Allāh and the Last Day - those We will give a great reward.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ طَرِيقَةَ الكُفّارِ والجُهّالِ مِنَ اليَهُودِ وصَفَ طَرِيقَةَ المُؤْمِنِينَ مِنهم فَقالَ: ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ .
صفحة ٨٤
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ الثّابِتُونَ فِيهِ، وهم في الحَقِيقَةِ المُسْتَدِلُّونَ بِأنَّ المُقَلِّدَ يَكُونُ بِحَيْثُ إذا شُكِّكَ يَشُكُّ، وأمّا المُسْتَدِلُّ فَإنَّهُ لا يَتَشَكَّكُ البَتَّةَ، فالرّاسِخُونَ هُمُ المُسْتَدِلُّونَ والمُؤْمِنُونَ، يَعْنِي المُؤْمِنِينَ مِنهم أوِ المُؤْمِنِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وارْتَفَعَ الرّاسِخُونَ عَلى الِابْتِداءِ و(يُؤْمِنُونَ) خَبَرُهُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ وعائِشَةَ أنَّهُما قالا: إنَّ في المُصْحَفِ لَحْنًا وسَتُقِيمُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها.
واعْلَمْ أنَّ هَذا بَعِيدٌ لِأنَّ هَذا المُصْحَفَ مَنقُولٌ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَيْفَ يُمْكِنُ ثُبُوتُ اللَّحْنِ فِيهِ.
الثّانِي: وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ: إنَّهُ نُصِبَ عَلى المَدْحِ لِبَيانِ فَضْلِ الصَّلاةِ، قالُوا: إذا قُلْتَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الكَرِيمِ، فَلَكَ أنْ تَجُرَّ الكَرِيمَ لِكَوْنِهِ صِفَةً لِزَيْدٍ، ولَكَ أنْ تَنْصِبَهُ عَلى تَقْدِيرِ أعْنِي، وإنْ شِئْتَ رَفَعْتَ عَلى تَقْدِيرِ هو الكَرِيمُ، وعَلى هَذا يُقالُ: جاءَنِي قَوْمُكَ المُطْعِمِينَ في المَحَلِّ والمُغِيثُونَ في الشَّدائِدِ، والتَّقْدِيرُ جاءَنِي قَوْمُكَ أعْنِي المَطْعِمِينِ في المَحَلِّ وهُمُ المُغِيثُونَ في الشَّدائِدِ فَكَذا هَهُنا تَقْدِيرُ الآيَةِ: أعْنِي المُقِيمِينَ الصَّلاةَ وهُمُ المُؤْتُونَ الزَّكاةَ، طَعَنَ الكِسائِيُّ في هَذا القَوْلِ وقالَ: النَّصْبُ عَلى المَدْحِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ تَمامِ الكَلامِ، وهَهُنا لَمْ يَتِمَّ الكَلامُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ مُنْتَظِرٌ لِلْخَبَرِ، والخَبَرُ هو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ .
والجَوابُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الكَلامَ لا يَتِمُّ إلّا عِنْدَ قَوْلِهِ: (أُولَئِكَ) لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الخَبَرَ هو قَوْلُهُ: (يُؤْمِنُونَ) وأيْضًا لِمَ لا يَجُوزُ الِاعْتِراضُ بِالمَدْحِ بَيْنَ الِاسْمِ والخَبَرِ؛ وما الدَّلِيلُ عَلى امْتِناعِهِ ؟ فَهَذا القَوْلُ هو المُعْتَمَدُ في هَذِهِ الآيَةِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو اخْتِيارُ الكِسائِيِّ، وهو أنَّ المُقِيمِينَ خُفِضَ بِالعَطْفِ عَلى (ما) في قَوْلِهِ: ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ والمَعْنى: والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، ثُمَّ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: (والمُؤْمِنُونَ) قَوْلَهُ: ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ والمُرادُ بِالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ الأنْبِياءُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَخْلُ شَرْعُ أحَدٍ مِنهم مِنَ الصَّلاةِ. قالَ تَعالى في سُورَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أعْدادًا مِنهم ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ وإقامَ الصَّلاةِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٧٣] وقِيلَ: المُرادُ بِالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ المَلائِكَةُ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهُمُ الصّافُّونَ وهُمُ المُسَبِّحُونَ وأنَّهم يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ، فَقَوْلُهُ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ يَعْنِي: يُؤْمِنُونَ بِالكُتُبِ، وقَوْلُهُ: ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ يُؤْمِنُونَ بِالرُّسُلِ.
الرّابِعُ: جاءَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ”والمُقِيمُونَ الصَّلاةَ“ بِالواوِ، وهي قِراءَةُ مالِكِ بْنِ دِينارٍ والجَحْدَرِيِّ وعِيسى الثَّقَفِيِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ:
الأوَّلُ: العُلَماءُ بِأحْكامِ اللَّهِ تَعالى فَقَطْ.
والثّانِي: العُلَماءُ بِذاتِ اللَّهِ وصِفاتِ اللَّهِ فَقَطْ.
والثّالِثُ: العُلَماءُ بِأحْكامِ اللَّهِ وبِذاتِ اللَّهِ، أمّا الفَرِيقُ الأوَّلُ فَهُمُ العالِمُونَ بِأحْكامِ اللَّهِ وتَكالِيفِهِ وشَرائِعِهِ.
وأمّا الثّانِي: فَهُمُ العالِمُونَ بِذاتِ اللَّهِ وبِصِفاتِهِ الواجِبَةِ والجائِزَةِ والمُمْتَنِعَةِ.
وأمّا الثّالِثُ: فَهُمُ المَوْصُوفُونَ بِالعامِلِينَ وهم أكابِرُ العُلَماءِ، وإلى هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ أشارَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ”«جالِسِ العُلَماءَ وخالِطِ الحُكَماءَ ورافِقِ الكُبَراءَ» “ . وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى وصَفَهم
صفحة ٨٥
بِكَوْنِهِمْ راسِخِينَ في العِلْمِ، ثُمَّ شَرَحَ ذَلِكَ فَبَيَّنَ أوَّلًا: كَوْنَهم عالِمِينَ بِأحْكامِ اللَّهِ تَعالى، وعامِلِينَ بِتِلْكَ الأحْكامِ، فَأمّا عِلْمُهم بِأحْكامِ اللَّهِ فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ وأمّا عَمَلُهم بِتِلْكَ الأحْكامِ فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ وخَصَّهُما بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِما أشْرَفَ الطّاعاتِ لِأنَّ الصَّلاةَ أشْرَفُ الطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ، والزَّكاةَ أشْرَفُ الطّاعاتِ المالِيَّةِ، ولَمّا شَرَحَ كَوْنَهم عالِمِينَ بِأحْكامِ اللَّهِ وعامِلِينَ بِها شَرَحَ بَعْدَ ذَلِكَ كَوْنَهم عالِمِينَ بِاللَّهِ، وأشْرَفُ المَعارِفِ العِلْمُ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ، فالعِلْمُ بِالمَبْدَأِ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ والعِلْمُ بِالمَعادِ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ ولَمّا شَرَحَ هَذِهِ الأقْسامَ ظَهَرَ كَوْنُ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ عالِمِينَ بِأحْكامِ اللَّهِ تَعالى وعامِلِينَ بِها، وظَهَرَ كَوْنُهم عالِمِينَ بِاللَّهِ وبِأحْوالِ المَعادِ، وإذا حَصَلَتْ هَذِهِ العُلُومُ والمَعارِفُ ظَهَرَ كَوْنُهم راسِخِينَ في العِلْمِ لِأنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَجاوَزَ هَذا المَقامَ في الكَمالِ وعُلُوِّ الدَّرَجَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences