Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:163–170
4:163–165Page 104
۞ إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا ١٦٣
Indeed, We have revealed to you, [O Muḥammad], as We revealed to Noah and the prophets after him. And We revealed to Abraham, Ishmael, Isaac, Jacob, the Descendants,1 Jesus, Job, Jonah, Aaron, and Solomon; and to David We gave the book [of Psalms].
وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا ١٦٤
And [We sent] messengers about whom We have related [their stories] to you before and messengers about whom We have not related to you. And Allāh spoke to Moses with [direct] speech.
رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٦٥
[We sent] messengers as bringers of good tidings and warners so that mankind will have no argument against Allāh after the messengers. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ ﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى أنَّ اليَهُودَ سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ، وذَكَرَ تَعالى بَعْدَهُ أنَّهم لا يَطْلُبُونَ ذَلِكَ لِأجْلِ الِاسْتِرْشادِ ولَكِنْ لِأجْلِ العِنادِ واللَّجاجِ، وحَكى أنْواعًا كَثِيرَةً مِن فَضائِحِهِمْ وقَبائِحِهِمْ، وامْتَدَّ الكَلامُ إلى هَذا المَقامِ، شَرَعَ الآنَ في الجَوابِ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ فَقالَ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ والمَعْنى: أنّا تَوافَقْنا عَلى نُبُوَّةِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وجَمِيعِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ، وعَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيْهِمْ، ولا طَرِيقَ إلى العِلْمِ بِكَوْنِهِمْ أنْبِياءَ اللَّهِ ورُسُلَهُ إلّا ظُهُورُ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِمْ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم نَوْعٌ آخَرُ مِنَ المُعْجِزاتِ عَلى التَّعْيِينِ، وما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ كِتابًا بِتَمامِهِ مِثْلَ ما أنْزَلَ إلى مُوسى، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ عَدَمُ إنْزالِ الكِتابِ عَلى هَؤُلاءِ دُفْعَةً واحِدَةً قادِحًا في نُبُوَّتِهِمْ، بَلْ كَفى في إثْباتِ نُبُوَّتِهِمْ ظُهُورُ نَوْعٍ واحِدٍ مِن أنْواعِ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِمْ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ زائِلَةٌ، وأنَّ إصْرارَ اليَهُودِ عَلى طَلَبِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ باطِلٌ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ
صفحة ٨٦
إثْباتَ المَدْلُولِ يَتَوَقَّفُ عَلى ثُبُوتِ الدَّلِيلِ، ثُمَّ إذا حَصَلَ الدَّلِيلُ وتَمَّ فالمُطالَبَةُ بِدَلِيلٍ آخَرَ تَكُونُ طَلَبًا لِلزِّيادَةِ وإظْهارًا لِلتَّعَنُّتِ واللَّجاجِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ لِأحَدٍ بِأنَّهُ لِمَ أعْطى هَذا الرَّسُولَ هَذِهِ المُعْجِزَةَ وذَلِكَ الرَّسُولَ الآخَرَ مُعْجِزًا آخَرَ، وهَذا الجَوابُ المَذْكُورُ هَهُنا هو الجَوابُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٣] يَعْنِي أنَّكَ إنَّما ادَّعَيْتَ الرِّسالَةَ، والرَّسُولُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُعْجِزَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ، وذَلِكَ قَدْ حَصَلَ، وأمّا أنْ تَأْتِيَ بِكُلِّ ما يُطْلَبُ مِنكَ فَذاكَ لَيْسَ مِن شَرْطِ الرِّسالَةِ، فَهَذا جَوابٌ مُعْتَمَدٌ عَنِ الشُّبْهَةِ الَّتِي أوْرَدَها اليَهُودُ، وهو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: الإيحاءُ الإعْلامُ عَلى سَبِيلِ الخَفاءِ، قالَ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ١١] أيْ: أشارَ إلَيْهِمْ، وقالَ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي﴾ [المائِدَةِ: ١١١] وقالَ ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النَّحْلِ: ٦٨] ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ [القَصَصِ: ٧] والمُرادُ بِالوَحْيِ في هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثَةِ الإلْهامُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالُوا: إنَّما بَدَأ تَعالى بِذِكْرِ نُوحٍ لِأنَّهُ أوَّلُ نَبِيٍّ شَرَعَ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِهِ الأحْكامَ والحَلالَ والحَرامَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ ثُمَّ خَصَّ بَعْضَ النَّبِيِّينَ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِمْ أفْضَلَ مِن غَيْرِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٨] .
واعْلَمْ أنَّ الأنْبِياءَ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ سِوى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - اثْنا عَشَرَ ولَمْ يُذْكَرْ مُوسى مَعَهم، وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ قالُوا: إنْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ نَبِيًّا فَأْتِنا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ دُفْعَةً واحِدَةً كَما أتى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالتَّوْراةِ دُفْعَةً واحِدَةً، فاللَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِأنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ الِاثْنَيْ عَشَرَ كُلُّهم كانُوا أنْبِياءَ ورُسُلًا مَعَ أنَّ واحِدًا مِنهم ما أتى بِكِتابٍ مِثْلِ التَّوْراةِ دُفْعَةً واحِدَةً، ثُمَّ خَتَمَ ذِكْرَ الأنْبِياءِ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ يَعْنِي أنَّكُمُ اعْتَرَفْتُمْ بِأنَّ الزَّبُورَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهُ ما نَزَلَ عَلى داوُدَ دُفْعَةً واحِدَةً في ألْواحٍ مِثْلَ ما نَزَلَتِ التَّوْراةُ دُفْعَةً واحِدَةً عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الألْواحِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ نُزُولَ الكِتابِ لا عَلى الوَجْهِ الَّذِي نَزَلَتِ التَّوْراةُ لا يَقْدَحُ في كَوْنِ الكِتابِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهَذا إلْزامٌ حَسَنٌ قَوِيٌّ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الزَّبُورُ الكِتابُ، وكُلُّ كِتابٍ زَبُورٌ، وهو فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالرَّسُولِ والرَّكُوبِ والحَلُوبِ، وأصْلُهُ مِن زَبَرْتُ بِمَعْنى كَتَبْتُ، وقَدْ ذَكَرْنا ما فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿جاءُوا بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٤] .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ: (زُبُورًا) بِضَمِّ الزّايِ في كُلِّ القُرْآنِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، حُجَّةُ حَمْزَةَ أنَّ الزَّبُورَ مَصْدَرٌ في الأصْلِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في المَفْعُولِ كَقَوْلِهِمْ: ضَرْبُ الأمِيرِ ونَسْجُ فُلانٍ، فَصارَ اسْمًا ثُمَّ جُمِعَ عَلى زُبُرٍ كَشُهُودٍ وشُهُدٍ، والمَصْدَرُ إذا أُقِيمَ مَقامَ المَفْعُولِ فَإنَّهُ يَجُوزُ جَمْعُهُ كَما يُجْمَعُ الكِتابُ عَلى كُتُبٍ، فَعَلى هَذا، الزَّبُورُ الكِتابُ، والزُّبُرُ بِضَمِّ الزّايِ: الكُتُبُ، أمّا قِراءَةُ الباقِينَ فَهي أوْلى لِأنَّها أشْهَرُ، والقِراءَةُ بِها أكْثَرُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ .
صفحة ٨٧
واعْلَمْ أنَّهُ انْتَصَبَ قَوْلُهُ: (رُسُلًا) بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ أحْوالَ بَعْضِ الأنْبِياءِ في القُرْآنِ، والأكْثَرُونَ غَيْرُ مَذْكُورِينَ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ والمُرادُ أنَّهُ بَعَثَ كُلَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ وخَصَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالتَّكَلُّمِ مَعَهُ، ولَمْ يَلْزَمْ مِن تَخْصِيصِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذا التَّشْرِيفِ الطَّعْنُ في نُبُوَّةِ سائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، فَكَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ مِن تَخْصِيصِ مُوسى بِإنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِ دُفْعَةً واحِدَةً طَعْنٌ فِيمَن أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الكِتابَ لا عَلى هَذا الوَجْهِ، وعَنْ إبْراهِيمَ ويَحْيى بْنِ وثّابٍ أنَّهُما قَرَآ (وكَلَّمَ اللَّهَ) بِالنَّصْبِ، وقالَ بَعْضُهم: وكَلَّمَ اللَّهُ مَعْناهُ وجَرَحَ اللَّهُ مُوسى بِأظْفارِ المِحَنِ ومَخالِبِ الفِتَنِ وهَذا تَفْسِيرٌ باطِلٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في انْتِصابِ قَوْلِهِ (رُسُلًا) وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الأوْجَهُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَدْحِ.
والثّانِي: أنَّهُ انْتَصَبَ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ورُسُلًا﴾ .
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أوْحَيْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا فَيَكُونُ مَنصُوبًا عَلى الحالِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ أيْضًا جَوابٌ عَنْ شُبْهَةِ اليَهُودِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ المَقْصُودَ مِن بِعْثَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يُبَشِّرُوا الخَلْقَ عَلى اشْتِغالِهِمْ بِعُبُودِيَّةِ اللَّهِ، وأنْ يُنْذِرُوهم عَلى الإعْراضِ عَنِ العُبُودِيَّةِ، فَهَذا هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِنَ البِعْثَةِ، فَإذا حَصَلَ هَذا المَقْصُودُ فَقَدْ كَمُلَ الغَرَضُ وتَمَّ المَطْلُوبُ، وهَذا المَقْصُودُ الأصْلِيُّ حاصِلٌ بِإنْزالِ الكِتابِ المُشْتَمِلِ عَلى بَيانِ هَذا المَطْلُوبِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَخْتَلِفُ حالُ هَذا المَطْلُوبِ بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ الكِتابُ مَكْتُوبًا في الألْواحِ أوْ لَمْ يَكُنْ، وبِأنْ يَكُونَ نازِلًا دُفْعَةً واحِدَةً أوْ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا، بَلْ لَوْ قِيلَ: إنَّ إنْزالَ الكِتابِ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا أقْرَبُ إلى المَصْلَحَةِ لَكانَ أوْلى لِأنَّ الكِتابَ إذا نَزَلَ دُفْعَةً واحِدَةً كَثُرَتِ التَّكالِيفُ وتَوَجَّهَتْ بِأسْرِها عَلى المُكَلَّفِينَ فَيَثْقُلُ عَلَيْهِمْ قَبُولُها، ولِهَذا السَّبَبِ أصَرَّ قَوْمُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى التَّمَرُّدِ ولَمْ يَقْبَلُوا تِلْكَ التَّكالِيفَ، أمّا إذا نَزَلَ الكِتابُ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بَلْ يُنْزِلُ التَّكالِيفَ شَيْئًا فَشَيْئًا وجُزْءًا فَجُزْءًا، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الِانْقِيادُ والطّاعَةُ مِنَ القَوْمِ وحاصِلُ هَذا الجَوابِ أنَّ المَقْصُودَ مِن بِعْثَةِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ هو الإعْذارُ والإنْذارُ، وهَذا المَقْصُودُ حاصِلٌ سَواءٌ نَزَلَ الكِتابُ دُفْعَةً واحِدَةً أوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَكانَ اقْتِراحُ اليَهُودِ في إنْزالِ الكِتابِ دُفْعَةً واحِدَةً اقْتِراحًا فاسِدًا. وهَذا أيْضًا جَوابٌ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ في غايَةِ الحُسْنِ، ثُمَّ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ يَعْنِي هَذا الَّذِي يَطْلُبُونَهُ مِنَ الرَّسُولِ أمْرٌ هَيِّنٌ في القُدْرَةِ، ولَكِنَّكم طَلَبْتُمُوهُ عَلى سَبِيلِ اللَّجاجِ وهو تَعالى عَزِيزٌ، وعِزَّتُهُ تَقْتَضِي أنْ لا يُجابَ المُتَعَنِّتُ إلى مَطْلُوبِهِ فَكَذَلِكَ حِكْمَتُهُ تَقْتَضِي هَذا الِامْتِناعَ لِعِلْمِهِ تَعالى بِأنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَبَقُوا مُصِرِّينَ عَلى لَجاجِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أعْطى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا التَّشْرِيفَ ومَعَ ذَلِكَ فَقَوْمُهُ بَقُوا مَعَهُ عَلى المُكابَرَةِ والإصْرارِ واللَّجاجِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ وُجُوبَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى لا يَثْبُتُ إلّا بِالسَّمْعِ قالُوا لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَبْلَ البِعْثَةِ يَكُونُ لِلنّاسِ حُجَّةٌ في تَرْكِ الطّاعاتِ والعِباداتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسْراءِ: ١٥] وقَوْلُهُ: (ولَوْ أنّا)
صفحة ٨٨
﴿أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ [طه: ١٣٤] .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ العَبْدَ قَدْ يَحْتَجُّ عَلى الرَّبِّ، وأنَّ الَّذِي يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ مِن أنَّهُ تَعالى لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ، وأنَّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ كَما يَشاءُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، قالُوا: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ يَقْتَضِي أنَّ لَهم عَلى اللَّهِ حُجَّةً قَبْلَ الرُّسُلِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ أهْلِ السُّنَّةِ.
والجَوابُ: المُرادُ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ، أيْ: ما يُشْبِهُ الحُجَّةَ فِيما بَيْنَكم. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وتَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا عَلى أنَّ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ عَدَمَ إرْسالِ الرُّسُلِ إذا كانَ يَصْلُحُ عُذْرًا فَبِأنْ يَكُونَ عَدَمُ المُكْنَةِ والقُدْرَةِ صالِحًا لِأنْ يَكُونَ عُذْرًا كانَ أوْلى، وجَوابُهُ المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ واللَّهُ أعْلَمُ.
4:166Page 104
لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشۡهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيۡكَۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَشۡهَدُونَۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا ١٦٦
But Allāh bears witness to that which He has revealed to you. He has sent it down with His knowledge, and the angels bear witness [as well]. And sufficient is Allāh as Witness.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾
وفِي الآيَةِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (لَكِنْ) لا يُبْتَدَأُ بِهِ لِأنَّهُ اسْتِدْراكٌ عَلى ما سَبَقَ، وفي ذَلِكَ المُسْتَدْرَكِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآياتِ بِأسْرِها جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ [النِّساءِ: ١٥٣] وهَذا الكَلامُ يَتَضَمَّنُ أنَّ هَذا القُرْآنَ لَيْسَ كِتابًا نازِلًا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهم وإنْ شَهِدُوا بِأنَّ القُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ مِنَ السَّماءِ لَكِنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ بِأنَّهُ نازِلٌ عَلَيْهِ مِنَ السَّماءِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ قالَ القَوْمُ: نَحْنُ لا نَشْهَدُ لَكَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: شَهادَةُ اللَّهِ إنَّما عُرِفَتْ بِسَبَبِ أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِ هَذا القُرْآنَ البالِغَ في الفَصاحَةِ في اللَّفْظِ والشَّرَفِ في المَعْنى إلى حَيْثُ عَجَزَ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ عَنْ مُعارَضَتِهِ، فَكانَ ذَلِكَ مُعْجِزًا وإظْهارُ المُعْجِزَةِ شَهادَةٌ بِكَوْنِ المُدَّعِي صادِقًا، ولَمّا كانَتْ شَهادَتُهُ إنَّما عُرِفَتْ بِواسِطَةِ إنْزالِ القُرْآنِ لا جَرَمَ قالَ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ أيْ: يَشْهَدُ لَكَ بِالنُّبُوَّةِ بِواسِطَةِ هَذا القُرْآنِ الَّذِي أنْزَلَهُ إلَيْكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ.
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ بَيَّنَ صِفَةَ ذَلِكَ الإنْزالِ وهو أنَّهُ تَعالى أنْزَلَهُ بِعِلْمٍ تامٍّ وحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، فَصارَ قَوْلُهُ ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ جارِيًا مَجْرى قَوْلِ القائِلِ: كَتَبْتُ بِالقَلَمِ وقَطَعْتُ بِالسِّكِّينِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ وصْفُ القُرْآنِ بِغايَةِ الحُسْنِ ونِهايَةِ الكَمالِ، وهَذا مِثْلُ ما يُقالُ في الرَّجُلِ المَشْهُورِ بِكَمالِ الفَضْلِ والعِلْمِ إذا صَنَّفَ كِتابًا واسْتَقْصى في تَحْرِيرِهِ: إنَّهُ إنَّما صَنَّفَ هَذا بِكَمالِ عِلْمِهِ وفَضْلِهِ، يَعْنِي أنَّهُ اتَّخَذَ جُمْلَةَ عُلُومِهِ آلَةً ووَسِيلَةً إلى تَصْنِيفِ هَذا الكِتابِ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى وصْفِ ذَلِكَ التَّصْنِيفِ بِغايَةِ الجَوْدَةِ ونِهايَةِ الحُسْنِ، فَكَذا هَهُنا واللَّهُ أعْلَمُ.
صفحة ٨٩
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أصْحابُنا: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ لِلَّهِ تَعالى عِلْمًا، وذَلِكَ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى إثْباتِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، ولَوْ كانَ عِلْمُهُ نَفْسَ ذاتِهِ لَزِمَ إضافَةُ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ وهو مُحالٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ وإنَّما تُعْرَفُ شَهادَةُ المَلائِكَةِ لَهُ بِذَلِكَ لِأنَّ ظُهُورَ المُعْجِزِ عَلى يَدِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى شَهِدَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ، وإذا شَهِدَ اللَّهُ لَهُ بِذَلِكَ فَقَدْ شَهِدَتِ المَلائِكَةُ لا مَحالَةَ بِذَلِكَ لِما ثَبَتَ في القُرْآنِ أنَّهم لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ، والمَقْصُودُ كَأنَّهُ قِيلَ: يا مُحَمَّدُ إنْ كَذَّبَكَ هَؤُلاءِ اليَهُودُ فَلا تُبالِ بِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى وهو إلَهُ العالَمِينَ يُصَدِّقُكَ في ذَلِكَ، ومَلائِكَةُ السَّماواتِ السَّبْعِ يُصَدِّقُونَكَ في ذَلِكَ، ومَن صَدَّقَهُ رَبُّ العالَمِينَ ومَلائِكَةُ العَرْشِ والكُرْسِيِّ والسَّمَواتِ السَّبْعِ أجْمَعُونَ لَمْ يَلْتَفِتْ إلى تَكْذِيبِ أخَسِّ النّاسِ، وهم هَؤُلاءِ اليَهُودُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ والمَعْنى: وكَفى اللَّهُ شَهِيدًا، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ في مِثْلِ هَذا.
4:167–169Page 104
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدۡ ضَلُّواْ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١٦٧
Indeed, those who disbelieve and avert [people] from the way of Allāh have certainly gone far astray.
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ طَرِيقًا ١٦٨
Indeed, those who disbelieve and commit wrong [or injustice] - never will Allāh forgive them, nor will He guide them to a path,
إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ١٦٩
Except the path of Hell; they will abide therein forever. And that, for Allāh, is [always] easy.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن صِفاتِ اليَهُودِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، والمُرادُ أنَّهم كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ وبِالقُرْآنِ وصَدُّوا غَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وذَلِكَ بِإلْقاءِ الشُّبُهاتِ في قُلُوبِهِمْ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ رَسُولًا لَأتى بِكِتابِهِ دُفْعَةً واحِدَةً مِنَ السَّماءِ كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ عَلى مُوسى، وقَوْلُهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في التَّوْراةِ أنَّ شَرِيعَةَ مُوسى لا تُبَدَّلُ ولا تُنْسَخُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُهم: إنَّ الأنْبِياءَ لا يَكُونُونَ إلّا مِن ولَدِ هارُونَ وداوُدَ، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أشَدَّ النّاسِ ضَلالًا مَن كانَ ضالًّا ويَعْتَقِدُ في نَفْسِهِ أنَّهُ مُحِقٌّ، ثُمَّ إنَّهُ يَتَوَسَّلُ بِذَلِكَ الضَّلالِ إلى اكْتِسابِ المالِ والجاهِ، ثُمَّ إنَّهُ يَبْذُلُ كُنْهَ جُهْدِهِ في إلْقاءِ غَيْرِهِ في مِثْلِ ذَلِكَ الضَّلالِ، فَهَذا الإنْسانُ لا شَكَّ أنَّهُ قَدْ بَلَغَ في الضَّلالِ إلى أقْصى الغاياتِ وأعْظَمِ النِّهاياتِ، فَلِهَذا قالَ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ولَمّا وصَفَ تَعالى كَيْفِيَّةَ ضَلالِهِمْ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَهم فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا﴾ مُحَمَّدًا بِكِتْمانِ ذِكْرِ بِعْثَتِهِ وظَلَمُوا عَوامَّهم بِإلْقاءِ الشُّبَهاتِ في قُلُوبِهِمْ ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ .
واعْلَمْ أنّا إنْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ لَمْ يُحْتَجْ إلى إضْمارِ شَرْطٍ في هَذا الوَعِيدِ، لِأنّا نَحْمِلُ الوَعِيدَ في الآيَةِ عَلى أقْوامٍ عَلِمَ اللَّهُ مِنهم أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الِاسْتِغْراقِ أضْمَرْنا فِيهِ شَرْطَ عَدَمِ التَّوْبَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لا يَهْدِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ إلى الجَنَّةِ بَلْ يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ جَهَنَّمَ ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ انْتَصَبَ خالِدِينَ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى لا لِيَهْدِيَهم لِأنَّهُ
صفحة ٩٠
بِمَنزِلَةِ نُعاقِبُهم خالِدِينَ، وانْتَصَبَ (أبَدًا) عَلى الظَّرْفِ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ والمَعْنى لا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَكانَ إيصالُ الألَمِ إلَيْهِمْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إلى غَيْرِ النِّهايَةِ يَسِيرًا عَلَيْهِ وإنْ كانَ مُتَعَذِّرًا عَلى غَيْرِهِ.
4:170Page 104
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلۡحَقِّ مِن رَّبِّكُمۡ فَـَٔامِنُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ وَإِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١٧٠
O mankind, the Messenger has come to you with the truth from your Lord, so believe; it is better for you. But if you disbelieve - then indeed, to Allāh belongs whatever is in the heavens and earth. And ever is Allāh Knowing and Wise.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكم فَآمِنُوا خَيْرًا لَكم وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ عَنْ شُبْهَةِ اليَهُودِ عَلى الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ وبَيَّنَ فَسادَ طَرِيقَتِهِمْ ذَكَرَ خِطابًا عامًّا يَعُمُّهم ويَعُمُّ غَيْرَهم في الدَّعْوَةِ إلى دِينِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَقالَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكُمْ﴾ وهَذا الحَقُّ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ جاءَ بِالقُرْآنِ، والقُرْآنُ مُعْجِزٌ فَيَلْزَمُ أنَّهُ جاءَ بِالحَقِّ مِن رَبِّهِ.
والثّانِي: أنَّهُ جاءَ بِالدَّعْوَةِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ والإعْراضِ عَنْ غَيْرِهِ، والعَقْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا هو الحَقُّ، فَيَلْزَمُ أنَّهُ جاءَ بِالحَقِّ مِن رَبِّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ يَعْنِي: فَآمِنُوا يَكُنْ ذَلِكَ الإيمانُ خَيْرًا لَكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ، أيْ: أحْمَدَ عاقِبَةً مِنَ الكُفْرِ، وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ إيمانِكم لِأنَّهُ مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ وخالِقُهُما، ومَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُحْتاجًا إلى شَيْءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ قادِرًا عَلى إنْزالِ العَذابِ الشَّدِيدِ عَلَيْكم لَوْ كَفَرْتُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: أنَّكم إنْ كَفَرْتُمْ فَلَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَهُ عَبِيدٌ يَعْبُدُونَهُ ويَنْقادُونَ لِأمْرِهِ وحُكْمِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أيْ: عَلِيمًا لا يَخْفى عَلَيْهِ مِن أعْمالِ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ شَيْءٌ، و(حَكِيمًا) لا يَضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنهم ولا يُسَوِّي بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ والمُسِيءِ والمُحْسِنِ، وهو كَقَوْلِهِ ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences