Ar-RaziAn‑Nisa · 4:23

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:23

4:23Page 81

حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمۡ أُمَّهَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُمۡ وَعَمَّٰتُكُمۡ وَخَٰلَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُ ٱلۡأَخِ وَبَنَاتُ ٱلۡأُخۡتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِيٓ أَرۡضَعۡنَكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمۡ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمۡ تَكُونُواْ دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ وَحَلَٰٓئِلُ أَبۡنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنۡ أَصۡلَٰبِكُمۡ وَأَن تَجۡمَعُواْ بَيۡنَ ٱلۡأُخۡتَيۡنِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٢٣

Prohibited to you [for marriage] are your mothers, your daughters, your sisters, your father's sisters, your mother's sisters, your brother's daughters, your sister's daughters, your [milk] mothers who nursed you, your sisters through nursing, your wives' mothers, and your step-daughters under your guardianship [born] of your wives unto whom you have gone in. But if you have not gone in unto them, there is no sin upon you. And [also prohibited are] the wives of your sons who are from your [own] loins, and that you take [in marriage] two sisters simultaneously, except for what has already occurred.1 Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.

النَّوْعُ السّادِسُ: مِنَ التَّكالِيفِ المُتَعَلِّقَةِ بِالنِّساءِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآياتِ:

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى تَحْرِيمِ أرْبَعَةَ عَشَرَ صِنْفًا مِنَ النِّسْوانِ: سَبْعَةٌ مِنهُنَّ مِن جِهَةِ النَّسَبِ، وهُنَّ الأُمَّهاتُ والبَناتُ والأخَواتُ والعَمّاتُ والخالاتُ وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ، وسَبْعَةٌ أُخْرى لا مِن جِهَةِ النَّسَبِ وهُنَّ: الأُمَّهاتُ مِنَ الرَّضاعَةِ والأخَواتُ مِنَ الرَّضاعَةِ وأُمَّهاتُ النِّساءِ وبَناتُ النِّساءِ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَ بِالنِّساءِ، وأزْواجُ الأبْناءِ والآباءِ، إلّا أنَّ أزْواجَ الأبْناءِ مَذْكُورَةٌ هَهُنا، وأزْواجُ الآباءِ مَذْكُورَةٌ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَهَبَ الكَرْخِيُّ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُجْمَلَةٌ قالَ: لِأنَّهُ أُضِيفَ التَّحْرِيمُ فِيها إلى الأُمَّهاتِ والبَناتِ، والتَّحْرِيمُ لا يُمْكِنُ إضافَتُهُ إلى الأعْيانِ، وإنَّما يُمْكِنُ إضافَتُهُ إلى الأفْعالِ، وذَلِكَ الفِعْلُ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ، فَلَيْسَتْ إضافَةُ هَذا التَّحْرِيمِ إلى بَعْضِ الأفْعالِ الَّتِي لا يُمْكِنُ إيقاعُها في ذَواتِ الأُمَّهاتِ والبَناتِ، أوْلى مِن بَعْضٍ، فَصارَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً مِن هَذا الوَجْهِ.

والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ تَقْدِيمَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ تَحْرِيمُ نِكاحِهِنَّ.

الثّانِي: أنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ المُرادَ مِنهُ تَحْرِيمُ نِكاحِهِنَّ، والأصْلُ فِيهِ أنَّ الحُرْمَةَ والإباحَةَ إذا أُضِيفَتا إلى الأعْيانِ، فالمُرادُ

صفحة ٢٢

تَحْرِيمُ الفِعْلِ المَطْلُوبِ مِنها في العُرْفِ، فَإذا قِيلَ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ، فَهِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ المُرادَ تَحْرِيمُ أكْلِهِما، وإذا قِيلَ: حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم، فَهِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ المُرادَ تَحْرِيمُ نِكاحِهِنَّ، ولَمّا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا لِإحْدى مَعانٍ ثَلاثٍ» “ فَهِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ المُرادَ لا يَحِلُّ إراقَةُ دَمِهِ، وإذا كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ مَعْلُومَةً بِالضَّرُورَةِ كانَ إلْقاءُ الشُّبُهاتِ فِيها جارِيًا مَجْرى القَدْحِ في البَدِيهِيّاتِ وشِبْهِ السُّوفِسْطائِيَّةِ، فَكانَتْ في غايَةِ الرَّكاكَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

بَلى عِنْدِي فِيهِ بَحْثٌ مِن وُجُوهٍ أُخْرى:

أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ مَذْكُورٌ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأنَّ فاعِلَ التَّحْرِيمِ هو اللَّهُ تَعالى، وما لَمْ يُثْبَتْ ذَلِكَ لَمْ تُفِدِ الآيَةُ شَيْئًا آخَرَ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِالإجْماعِ، فَهَذِهِ الآيَةُ وحْدَها لا تُفِيدُ شَيْئًا، بَلْ لا بُدَّ مَعَها مِنَ الإجْماعِ عَلى هَذِهِ المُقَدِّمَةِ.

وثانِيها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ لَيْسَ نَصًّا في ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ عَلى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ، فَإنَّ القَدْرَ المَذْكُورَ في الآيَةِ يُمْكِنُ تَقْسِيمُهُ إلى المُؤَبَّدِ، وإلى المُؤَقَّتِ، كَأنَّهُ تَعالى تارَةً قالَ: حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم إلى الوَقْتِ الفُلانِيِّ فَقَطْ، وأُخْرى: حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم مُؤَبَّدًا مُخَلَّدًا، وإذا كانَ القَدْرُ المَذْكُورُ في الآيَةِ صالِحًا لِأنْ يُجْعَلَ مَوْرِدًا لِلتَّقْسِيمِ بِهَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، لَمْ يَكُنْ نَصًّا في التَّأْبِيدِ، فَإذَنْ هَذا التَّأْبِيدَ لا يُسْتَفادُ مِن ظاهِرِ الآيَةِ، بَلْ مِن دَلالَةٍ مُنْفَصِلَةٍ.

وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ خِطابُ مُشافَهَةٍ فَيُخَصَّصُ بِأُولَئِكَ الحاضِرِينَ، فَإثْباتُ هَذا التَّحْرِيمِ في حَقِّ الكُلِّ إنَّما يُسْتَفادُ مِن دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ إخْبارٌ عَنْ ثُبُوتِ هَذا التَّحْرِيمِ في الماضِي، وظاهِرُ اللَّفْظِ غَيْرُ مُتَناوِلٍ لِلْحاضِرِ والمُسْتَقْبَلِ فَلا يُعْرَفُ ذَلِكَ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.

وخامِسُها: أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ قَدْ حَرَّمَ عَلى كُلِّ أحَدٍ جَمِيعَ أُمَّهاتِهِمْ وجَمِيعَ بَناتِهِمْ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ المَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى قابَلَ الجَمْعَ بِالجَمْعِ، فَيَقْتَضِي مُقابَلَةَ الفَرْدِ بِالفَرْدِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ حَرَّمَ عَلى كُلِّ أحَدٍ أُمَّهُ خاصَّةً، وبِنْتَهُ خاصَّةً، وهَذا فِيهِ نَوْعُ عُدُولٍ عَنِ الظّاهِرِ، وسادِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: (حُرِّمَتْ) يُشْعِرُ ظاهِرُهُ بِسَبْقِ الحِلِّ، إذْ لَوْ كانَ أبَدًا مَوْصُوفًا بِالحُرْمَةِ لَكانَ قَوْلُهُ: (حُرِّمَتْ) تَحْرِيمًا لِما هو في نَفْسِهِ حَرامٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إيجادَ المَوْجُودِ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ﴾ لَيْسَ تَجْدِيدَ التَّحْرِيمِ حَتّى يَلْزَمَ الإشْكالُ المَذْكُورُ، بَلِ المُرادُ الإخْبارُ عَنْ حُصُولِ التَّحْرِيمِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ وحْدَهُ غَيْرُ كافٍ في إثْباتِ المَطْلُوبِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ حُرْمَةَ الأُمَّهاتِ والبَناتِ كانَتْ ثابِتَةً مِن زَمَنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى هَذا الزَّمانِ، ولَمْ يَثْبُتْ حِلُّ نِكاحِهِنَّ في شَيْءٍ مِنَ الأدْيانِ الإلَهِيَّةِ، بَلْ إنَّ زِرادِشْتَ رَسُولَ المَجُوسِ قالَ بِحِلِّهِ، إلّا أنَّ أكْثَرَ المُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ كانَ كَذّابًا، أمّا نِكاحُ الأخَواتِ فَقَدْ نُقِلَ أنَّ ذَلِكَ كانَ مُباحًا في زَمَنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما حَكَمَ اللَّهُ بِإباحَةِ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الضَّرُورَةِ، ورَأيْتُ بَعْضَ المَشايِخِ أنْكَرَ ذَلِكَ، وقالَ: إنَّهُ تَعالى كانَ يَبْعَثُ الحَوارِيَ مِنَ الجَنَّةِ لِيُزَوَّجَ بِهِنَّ أبْناءُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ زَوْجاتُ أبْنائِهِ وأزْواجُ بَناتِهِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ هَذا النَّسْلُ مِن أوْلادِ آدَمَ فَقَطْ، وذَلِكَ بِالإجْماعِ باطِلٌ.

وذَكَرَ العُلَماءُ أنَّ السَّبَبَ لِهَذا التَّحْرِيمِ: أنَّ الوَطْءَ إذْلالٌ وإهانَةٌ، فَإنَّ الإنْسانَ يَسْتَحِي مِن ذِكْرِهِ ولا يُقْدِمُ عَلَيْهِ إلّا في المَوْضِعِ الخالِي، وأكْثَرُ أنْواعِ الشَّتْمِ لا يَكُونُ إلّا بِذِكْرِهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ وجَبَ صَوْنُ الأُمَّهاتِ عَنْهُ لِأنَّ إنْعامَ الأُمِّ

صفحة ٢٣

عَلى الوَلَدِ أعْظَمُ وُجُوهِ الإنْعامِ، فَوَجَبَ صَوْنُها عَنْ هَذا الإذْلالِ، والبِنْتُ بِمَنزِلَةِ جُزْءٍ مِنَ الإنْسانِ وبَعْضٍ مِنهُ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي» “ فَيَجِبُ صَوْنُها عَنْ هَذا الإذْلالِ؛ لِأنَّ المُباشَرَةَ مَعَها تَجْرِي مَجْرى الإذْلالِ، وكَذا القَوْلُ في البَقِيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ولْنَشْرَعِ الآنَ في التَّفاصِيلِ فَنَقُولُ:

* * *

النَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ المُحَرَّماتِ: الأُمَّهاتُ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الأُمَّهاتُ جَمْعُ الأُمِّ والأُمُّ في الأصْلِ أُمَّهَةٌ فَأُسْقِطَ الهاءُ في التَّوْحِيدِ قالَ الشّاعِرُ:

أُمَّهَتِى خِنْدِفُ والياسُ أبِي

وقَدْ تُجْمَعُ الأُمُّ عَلى أُمّاتٍ بِغَيْرِ هاءٍ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في الحَيَوانِ غَيْرِ الآدَمِيِّ قالَ الرّاعِي:

كانَتْ نَجائِبُ مُنْذِرٍ ومُحَرِّقٍ ∗∗∗ أُمّاتُهُنَّ وطَرْقُهُنَّ فَحِيَلا

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كُلُّ امْرَأةٍ رَجَعَ نَسَبُكَ إلَيْها بِالوِلادَةِ مِن جِهَةِ أبِيكَ أوْ مِن جِهَةِ أُمِّكَ بِدَرَجَةٍ أوْ بِدَرَجاتٍ، بِإناثٍ رَجَعْتَ إلَيْها أوْ بِذُكُورٍ فَهي أُمُّكَ. ثُمَّ هَهُنا بَحْثٌ وهو أنَّ لَفْظَ الأُمِّ لا شَكَّ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الأُمِّ الأصْلِيَّةِ، فَأمّا في الجَدّاتِ فَإمّا أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا، فَإنْ كانَ لَفْظُ الأُمِّ حَقِيقَةً في الأُمِّ الأصْلِيَّةِ وفي الجَدّاتِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ لَفْظًا مُتَواطِئًا أوْ مُشْتَرَكًا، فَإنْ كانَ لَفْظًا مُتَواطِئًا أعْنِي أنْ يَكُونَ لَفْظُ الأُمِّ مَوْضُوعًا بِإزاءِ قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ الأُمِّ الأصْلِيَّةِ وبَيْنَ سائِرِ الجَدّاتِ فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ نَصًّا في تَحْرِيمِ الأُمِّ الأصْلِيَّةِ وفي تَحْرِيمِ جَمِيعِ الجَدّاتِ، وأمّا إنْ كانَ لَفْظُ الأُمِّ مُشْتَرَكًا في الأُمِّ الأصْلِيَّةِ وفي الجَدّاتِ؛ فَهَذا يَتَفَرَّعُ عَلى أنَّ اللَّفْظَ المُشْتَرَكَ بَيْنَ أمْرَيْنِ هَلْ يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ فِيهِما مَعًا أمْ لا ؟ فَمَن جَوَّزَهُ حَمَلَ اللَّفْظَ هَهُنا عَلى الكُلِّ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ تَحْرِيمُ الجَدّاتِ مَنصُوصًا عَلَيْهِ، ومَن قالَ: لا يَجُوزُ، فالقائِلُونَ بِذَلِكَ لَهم طَرِيقانِ في هَذا المَوْضِعِ: أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَ الأُمِّ لا شَكَّ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ هَهُنا الأُمُّ الأصْلِيَّةُ، فَتَحْرِيمُ نِكاحِها مُسْتَفادٌ مِن هَذا الوَجْهِ، وأمّا تَحْرِيمُ نِكاحِ الجَدّاتِ فَغَيْرُ مُسْتَفادٍ مِن هَذا النَّصِّ، بَلْ مِنَ الإجْماعِ، والثّانِي: أنَّهُ تَعالى تَكَلَّمَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَرَّتَيْنِ، يُرِيدُ في كُلِّ مَرَّةٍ مَفْهُومًا آخَرَ، أمّا إذا قُلْنا: لَفْظُ الأُمِّ حَقِيقَةٌ في الأُمِّ الأصْلِيَّةِ مَجازٌ في الجَدّاتِ، فَقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ الواحِدِ دَفْعَةً واحِدَةً في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ مَعًا، وحِينَئِذٍ يَرْجِعُ الطَّرِيقانِ اللَّذانِ ذَكَرْناهُما فِيما إذا كانَ لَفْظُ الأُمِّ حَقِيقَةً في الأُمِّ الأصْلِيَّةِ، وفي الجَدّاتِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ بِأُمِّهِ ودَخَلَ بِها يَلْزَمُهُ الحَدُّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لا يَلْزَمُهُ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّ وُجُودَ هَذا النِّكاحِ وعَدَمَهُ بِمَثابَةٍ واحِدَةٍ، فَكانَ هَذا الوَطْءُ زِنًا مَحْضًا فَيَلْزَمُهُ الحَدُّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] إنَّما قُلْنا: إنَّ وُجُودَ هَذا النِّكاحِ وعَدَمَهُ بِمَثابَةٍ واحِدَةٍ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ وقَدْ عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى مِن هَذِهِ الآيَةِ: تَحْرِيمُ نِكاحِها، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: المَوْجُودُ لَيْسَ إلّا صِيغَةَ الإيجابِ والقَبُولِ، فَلَوْ حَصَلَ هَذا الِانْعِقادُ، فَإمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ حَصَلَ في الحَقِيقَةِ أوْ في حُكْمِ الشَّرْعِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ صِيغَةَ الإيجابِ والقَبُولِ كَلامٌ وهو عَرَضٌ لا يَبْقى، والقَبُولُ لا يُوجَدُ إلّا بَعْدَ الإيجابِ، وحُصُولُ الِانْعِقادِ بَيْنَ المَوْجُودِ والمَعْدُومِ مُحالٌ. والثّانِي: باطِلٌ؛ لِأنَّ الشَّرْعَ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ بُطْلانَ هَذا

صفحة ٢٤

العَقْدِ قَطْعًا، ومَعَ كَوْنِ هَذا العَقْدِ باطِلًا قَطْعًا في حُكْمِ الشَّرْعِ، كَيْفَ يُمْكِنُ القَوْلُ بِأنَّهُ مُنْعَقِدٌ شَرْعًا ؟ فَثَبَتَ أنَّ وُجُودَ هَذا العَقْدِ وعَدَمَهُ بِمَثابَةٍ واحِدَةٍ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَباقِي التَّفْرِيعِ والتَّقْرِيرِ ما تَقَدَّمَ.

* * *

النَّوْعُ الثّانِي مِنَ المُحَرَّماتِ: البَناتُ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: كُلُّ أُنْثى يَرْجِعُ نَسَبُها إلَيْكَ بِالوِلادَةِ بِدَرَجَةٍ أوْ بِدَرَجاتٍ، بِإناثٍ أوْ بِذُكُورٍ فَهي بِنْتُكَ، وأمّا بِنْتُ الِابْنِ وبِنْتُ البِنْتِ فَهَلْ تُسَمّى بِنْتًا حَقِيقَةً أوْ مَجازًا ؟ فالبَحْثُ فِيهِ عَيْنُ ما ذَكَرْناهُ في الأُمَّهاتِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: البِنْتُ المَخْلُوقَةُ مِن ماءِ الزِّنا لا تَحْرُمُ عَلى الزّانِي. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: تَحْرُمُ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّها لَيْسَتْ بِنْتًا لَهُ فَوَجَبَ أنْ لا تَحْرُمَ، إنَّما قُلْنا: إنَّها لَيْسَتْ بِنْتًا لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ أبا حَنِيفَةَ إمّا أنْ يُثْبِتَ كَوْنَها بِنْتًا لَهُ بِناءً عَلى الحَقِيقَةِ، وهي كَوْنُها مَخْلُوقَةً مِن مائِهِ، أوْ بِناءً عَلى حُكْمِ الشَّرْعِ بِثُبُوتِ هَذا النَّسَبِ، والأوَّلُ باطِلٌ عَلى مَذْهَبِهِ طَرْدًا وعَكْسًا، أمّا الطَّرْدُ فَهو أنَّهُ إذا اشْتَرى جارِيَةً بِكْرًا وافْتَضَّها وحَبَسَها في دارِهِ فَأتَتْ بِوَلَدٍ، فَهَذا الوَلَدُ مَعْلُومٌ أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن مائِهِ مَعَ أنَّ أبا حَنِيفَةَ قالَ: لا يَثْبُتُ نَسَبُها إلّا عَنِ الِاسْتِلْحاقِ، ولَوْ كانَ السَّبَبُ هو كَوْنَ الوَلَدِ مُتَخَلِّقًا مِن مائِهِ لَما تَوَقَّفَ في ثُبُوتِ هَذا النَّسَبِ بِغَيْرِ الِاسْتِلْحاقِ، وأمّا العَكْسُ فَهو أنَّ المَشْرِقِيَّ إذا تَزَوَّجَ بِالمَغْرِبِيَّةِ وحَصَلَ هُناكَ ولَدٌ، فَأبُو حَنِيفَةَ أثْبَتَ النَّسَبَ هُنا مَعَ القَطْعِ بِأنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِن مائِهِ، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِجَعْلِ التَّخْلِيقِ مِن مائِهِ سَبَبًا لِلنَّسَبِ باطِلٌ طَرْدًا وعَكْسًا عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ، وأمّا إذا قُلْنا: النَّسَبُ إنَّما يَثْبُتُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ، فَهَهُنا أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ لا نَسَبَ لِوَلَدِ الزِّنا مِنَ الزّانِي، ولَوِ انْتَسَبَ إلى الزّانِي لَوَجَبَ عَلى القاضِي مَنعُهُ مِن ذَلِكَ الِانْتِسابِ، فَثَبَتَ أنَّ انْتِسابَها إلَيْهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لا بِناءً عَلى الحَقِيقَةِ، ولا بِناءً عَلى حُكْمِ الشَّرْعِ.

الوَجْهُ الثّانِي: التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الوَلَدُ لِلْفِراشِ ولِلْعاهِرِ الحَجَرُ» “ فَقَوْلُهُ: الوَلَدُ لِلْفِراشِ يَقْتَضِي حَصْرَ النَّسَبِ في الفِراشِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: لَوْ كانَتْ بِنْتًا لَهُ لَأخَذَتِ المِيراثَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] ولَثَبَتَتْ لَهُ وِلايَةُ الإجْبارِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«زَوِّجُوا بَناتِكُمُ الأكْفاءَ» “ ولَوَجَبَ عَلَيْهِ نَفَقَتُها وحَضانَتُها، ولَحَلَّتِ الخَلْوَةُ بِها، فَلَمّا لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عَلِمْنا انْتِفاءَ البِنْتِيَّةِ، وإذا ثَبَتَ أنَّها لَيْسَتْ بِنْتًا لَهُ وجَبَ أنْ يَحِلَّ التَّزَوُّجُ بِها؛ لِأنَّ حُرْمَةَ التَّزَوُّجِ بِها إمّا لِلْبِنْتِيَّةِ، أوْ لِأجْلِ أنَّ الزِّنا يُوجِبُ حُرْمَةَ المُصاهَرَةِ، وهَذا الحَصْرُ ثابِتٌ بِالإجْماعِ، والبِنْتِيَّةُ باطِلَةٌ كَما ذَكَرْنا، وحُرْمَةُ المُصاهَرَةِ بِسَبَبِ الزِّنا أيْضًا باطِلَةٌ كَما تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ المَسْألَةِ، فَثَبَتَ أنَّها غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ عَلى الزّانِي، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ المُحَرَّماتِ: الأخَواتُ: ويَدْخُلُ فِيهِ الأخَواتُ مِنَ الأبِ والأُمِّ مَعًا، والأخَواتُ مِنَ الأبِ فَقَطْ، والأخَواتُ مِنَ الأُمِّ فَقَطْ.

النَّوْعُ الرّابِعُ والخامِسُ: العَمّاتُ والخالاتُ. قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: كُلُّ ذَكَرٍ رَجَعَ نَسَبُكَ إلَيْهِ فَأُخْتُهُ عَمَّتُكَ، وقَدْ تَكُونُ العَمَّةُ مِن جِهَةِ الأُمِّ وهي أُخْتُ أبِي أُمِّكَ، وكُلُّ أُنْثى رَجَعَ نَسَبُكَ إلَيْها بِالوِلادَةِ فَأُخْتُها خالَتُكَ، وقَدْ تَكُونُ الخالَةُ مِن جِهَةِ الأبِ وهي أُخْتُ أُمِّ أبِيكَ.

النَّوْعُ السّادِسُ والسّابِعُ: بَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ: والقَوْلُ في بَناتِ الأخِ وبَناتِ الأُخْتِ كالقَوْلِ في

صفحة ٢٥

بَناتِ الصُّلْبِ. فَهَذِهِ الأقْسامُ السَّبْعَةُ مُحَرَّمَةٌ في نَصِّ الكِتابِ بِالأنْسابِ والأرْحامِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: كُلُّ امْرَأةٍ حَرَّمَ اللَّهُ نِكاحَها لِلنَّسَبِ والرَّحِمِ، فَتَحْرِيمُها مُؤَبَّدٌ لا يَحِلُّ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وأمّا اللَّواتِي يَحِلُّ نِكاحُهُنَّ ثُمَّ يَصِرْنَ مُحَرَّماتٍ بِسَبَبٍ طارِئٍ، فَهُنَّ اللّاتِي ذُكِرْنَ في باقِي الآيَةِ.

* * *

النَّوْعُ الثّامِنُ والتّاسِعُ:

﴿وأُمَّهاتُكُمُ اللّاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُمَّهاتُكُمُ اللّاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: المُرْضِعاتُ سَمّاهُنَّ أُمَّهاتٍ لِأجْلِ الحُرْمَةِ، كَما أنَّهُ تَعالى سَمّى أزْواجَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] لِأجْلِ الحُرْمَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى نَصَّ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى حُرْمَةِ الأُمَّهاتِ والأخَواتِ مِن جِهَةِ الرَّضاعَةِ إلّا أنَّ الحُرْمَةَ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلَيْهِنَّ؛ لِأنَّهُ ﷺ قالَ: ”«يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» “ وإنَّما عَرَفْنا أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ بِدَلالَةِ هَذِهِ الآياتِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا سَمّى المُرْضِعَةَ أُمًّا، والمُرْضِعَةَ أُخْتًا، فَقَدْ نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَعالى أجْرى الرَّضاعَ مَجْرى النَّسَبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى حَرَّمَ بِسَبَبِ النَّسَبِ سَبْعًا: اثْنَتانِ مِنها هُما المُنْتَسِبَتانِ بِطَرِيقِ الوِلادَةِ، وهَمّا الأُمَّهاتُ والبَناتُ، وخَمْسٌ مِنها بِطَرِيقِ الأُخُوَّةِ، وهُنَّ الأخَواتُ والعَمّاتُ والخالاتُ وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَعَ بَعْدَ ذَلِكَ في أحْوالِ الرَّضاعِ ذَكَرَ مِن هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ صُورَةً واحِدَةً تَنْبِيهًا بِها عَلى الباقِي، فَذَكَرَ مِن قِسْمِ قَرابَةِ الوِلادَةِ الأُمَّهاتِ، ومِن قِسْمِ قَرابَةِ الأُخُوَّةِ الأخَواتِ، ونَبَّهَ بِذِكْرِ هَذَيْنِ المِثالَيْنِ مِن هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ عَلى أنَّ الحالَ في بابِ الرَّضاعِ كالحالِ في النَّسَبِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أكَّدَ هَذا البَيانَ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ: ”«يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» “ فَصارَ صَرِيحُ الحَدِيثِ مُطابِقًا لِمَفْهُومِ الآيَةِ، وهَذا بَيانٌ لَطِيفٌ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أُمُّ الإنْسانِ مِنَ الرَّضاعِ هي الَّتِي أرْضَعَتْهُ، وكَذَلِكَ كُلُّ امْرَأةٍ انْتَسَبَتْ إلى تِلْكَ المُرْضِعَةِ بِالأُمُومَةِ، إمّا مِن جِهَةِ النَّسَبِ أوْ مِن جِهَةِ الرَّضاعِ، والحالُ في الأبِ كَما في الأُمِّ، وإذا عَرَفْتَ الأُمَّ والأبَ فَقَدْ عَرَفْتَ البِنْتَ أيْضًا بِذَلِكَ الطَّرِيقِ، وأمّا الأخَواتُ فَثَلاثَةٌ: الأُولى أُخْتُكَ لِأبِيكَ وأُمِّكَ، وهي الصَّغِيرَةُ الأجْنَبِيَّةُ الَّتِي أرْضَعَتْها أُمُّكَ بِلَبَنِ أبِيكَ، سَواءٌ أرْضَعَتْها مَعَكَ أوْ مَعَ ولَدٍ قَبْلَكَ أوْ بَعْدَكَ، والثّانِيَةُ أُخْتُكَ لِأبِيكَ دُونَ أُمِّكَ، وهي الَّتِي أرْضَعَتْها زَوْجَةُ أبِيكَ بِلَبَنِ أبِيكَ، والثّالِثَةُ أُخْتُكَ لِأُمِّكَ دُونَ أبِيكَ، وهي الَّتِي أرْضَعَتْها أُمُّكَ بِلَبَنٍ آخَرَ، وإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ سَهُلَ عَلَيْكَ مَعْرِفَةُ العَمّاتِ والخالاتِ وبَناتِ الأخِ وبَناتِ الأُخْتِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: الرَّضاعُ يَحْرُمُ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ خَمْسَ رَضَعاتٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الرَّضْعَةُ الواحِدَةُ كافِيَةٌ، وقَدْ مَرَّتْ هَذِهِ المَسْألَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، واحْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى عَلَّقَ هَذا الِاسْمَ يَعْنِي الأُمُومَةَ والأُخُوَّةَ بِفِعْلِ الرَّضاعِ، فَحَيْثُ حَصَلَ هَذا الفِعْلُ وجَبَ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الحُكْمُ، ثُمَّ سَألَ نَفْسَهُ فَقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأُمَّهاتُكُمُ اللّاتِي أرْضَعْنَكُمْ﴾

صفحة ٢٦

بِمَنزِلَةِ قَوْلِ القائِلِ: وأُمَّهاتُكُمُ اللّاتِي أعْطَيْنَكم، وأُمَّهاتُكُمُ اللّاتِي كَسَوْنَكم، وهَذا يَقْتَضِي تَقَدُّمَ حُصُولِ صِفَةِ الأُمُومَةِ والأُخْتِيَّةِ عَلى فِعْلِ الرَّضاعِ، بَلْ لَوْ أنَّهُ تَعالى قالَ: اللّاتِي أرْضَعْنَكم هُنَّ أُمَّهاتُكم لَكانَ مَقْصُودُكم حاصِلًا.

وأجابَ عَنْهُ بِأنْ قالَ: الرَّضاعُ هو الَّذِي يَكْسُوها سِمَةَ الأُمُومَةِ، فَلَمّا كانَ الِاسْمُ مُسْتَحَقًّا بِوُجُودِ الرَّضاعِ كانَ الحُكْمُ مُعَلَّقًا بِهِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ وأُمَّهاتُكُمُ اللّاتِي كَسَوْنَكم؛ لِأنَّ اسْمَ الأُمُومَةِ غَيْرُ مُسْتَفادٍ مِنَ الكِسْوَةِ، قالَ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ مَفْهُومٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما رُوِيَ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فَقالَ: قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لا بَأْسَ بِالرَّضْعَةِ ولا بِالرَّضْعَتَيْنِ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: قَضاءُ اللَّهِ خَيْرٌ مِن قَضاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ قالَ: فَعَقَلَ ابْنُ عُمَرَ مِن ظاهِرِ اللَّفْظِ التَّحْرِيمَ بِالرَّضاعِ القَلِيلِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الجَوابَ رَكِيكٌ جِدًّا، أمّا قَوْلُهُ: إنَّ اسْمَ الأُمُومَةِ إنَّما جاءَ مِن فِعْلِ الرَّضاعِ فَنَقُولُ: وهَلِ النِّزاعُ إلّا فِيهِ ؟ فَإنَّ عِنْدِي أنَّ اسْمَ الأُمُومَةِ إنَّما جاءَ مِنَ الرَّضاعِ خَمْسَ مَرّاتٍ، وعِنْدَكَ إنَّما جاءَ مِن أصْلِ الرَّضاعِ، وأنْتَ إنَّما تَمَسَّكْتَ بِهَذِهِ الآيَةِ لِإثْباتِ هَذا الأصْلِ، فَإذا أثْبَتَّ التَّمَسُّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا الأصْلِ كُنْتَ قَدْ أثْبَتَّ الدَّلِيلَ بِالمَدْلُولِ وإنَّهُ دَوْرٌ وساقِطٌ، وأمّا التَّمَسُّكُ بِأنَّ ابْنَ عُمَرَ فَهِمَ مِنَ الآيَةِ حُصُولَ التَّحْرِيمِ بِمُجَرَّدِ فِعْلِ الرَّضاعِ، فَهو مُعارَضٌ بِما أنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ ما فَهِمَهُ مِنهُ، وكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مِن فُقَهاءِ الصَّحابَةِ ومِنَ العُلَماءِ بِلِسانِ العَرَبِ، فَكَيْفَ جُعِلَ فَهْمُ أحَدِهِما حُجَّةً ولَمْ يُجْعَلْ فَهْمُ الآخَرِ حُجَّةً عَلى قَوْلِ خَصْمِهِ ؟ ولَوْلا التَّعَصُّبُ الشَّدِيدُ المُعْمِي لِلْقَلْبِ لَما خَفِيَ ضَعْفُ هَذِهِ الكَلِماتِ، ثُمَّ إنَّ أبا بَكْرٍ الرّازِيَّ أخَذَ يَتَمَسَّكُ في إثْباتِ مَذْهَبِهِ بِالأحادِيثِ والأقْيِسَةِ، ومَن تَكَلَّمَ في أحْكامِ القُرْآنِ وجَبَ أنْ لا يَذْكُرَ إلّا ما يَسْتَنْبِطُهُ مِنَ الآيَةِ، فَأمّا ما سِوى ذَلِكَ فَإنَّما يَلِيقُ بِكُتُبِ الفِقْهِ.

* * *

النَّوْعُ العاشِرُ: مِنَ المُحَرَّماتِ:

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: يَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ الأُمَّهاتُ الأصْلِيَّةُ وجَمِيعُ جَدّاتِها مِن قِبَلِ الأبِ والأُمِّ كَما بَيَّنّا مِثْلَهُ في النَّسَبِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَذْهَبُ الأكْثَرِينَ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ أنَّ مَن تَزَوَّجَ بِامْرَأةٍ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُمُّها سَواءٌ دَخَلَ بِها أوْ لَمْ يَدْخُلْ، وزَعَمَ جَمْعٌ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ أُمَّ المَرْأةِ إنَّما تَحْرُمُ بِالدُّخُولِ بِالبِنْتِ كَما أنَّ الرَّبِيبَةَ إنَّما تَحْرُمُ بِالدُّخُولِ بِأُمِّها، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ وزَيْدٍ وابْنِ عُمَرَ وابْنِ الزُّبَيْرِ وجابِرٍ، وأظْهَرِ الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وحُجَّتُهم أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ حُكْمَيْنِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكم ورَبائِبُكُمُ اللّاتِي في حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ثُمَّ ذَكَرَ شَرْطًا وهو قَوْلُهُ: ﴿مِن نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّرْطُ مُعْتَبَرًا في الجُمْلَتَيْنِ مَعًا، وحُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها ولَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلى عَوْدِ ذَلِكَ الشَّرْطِ إلَيْهِ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِبَقائِهِ عَلى عُمُومِهِ، وإنَّما قُلْنا إنَّ هَذا الشَّرْطَ غَيْرُ عائِدٍ لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: وهو أنَّ

صفحة ٢٧

الشَّرْطَ لا بُدَّ مِن تَعْلِيقِهِ بِشَيْءٍ سَبَقَ ذِكْرُهُ فَإذا عَلَّقْناهُ بِإحْدى الجُمْلَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ بِنا حاجَةٌ إلى تَعْلِيقِهِ بِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، فَكانَ تَعْلِيقُهُ بِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ تَرْكًا لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ.

الثّانِي: وهو أنَّ عُمُومَ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَعْلُومٌ، وعَوْدُ الشَّرْطِ إلَيْهِ مُحْتَمَلٌ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّرْطُ مُخْتَصًّا بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ فَقَطْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الجُمْلَتَيْنِ مَعًا، والقَوْلُ بِعَوْدِ هَذا الشَّرْطِ إلى الجُمْلَتَيْنِ تَرْكٌ لِظاهِرِ العُمُومِ بِمُخَصَّصٍ مَشْكُوكٍ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ.

الثّالِثُ: وهو أنَّ هَذا الشَّرْطَ لَوْ عادَ إلى الجُمْلَةِ الأُولى، فَإمّا أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلَيْها، وإمّا أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِها وبِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ أيْضًا، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَلْزَمُ القَوْلُ بِتَحْرِيمِ الرَّبائِبِ مُطْلَقًا، وذَلِكَ باطِلٌ بِالإجْماعِ، والثّانِي باطِلٌ أيْضًا؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَصِيرُ نَظْمُ الآيَةِ هَكَذا: وأُمَّهاتُ نِسائِكم مِن نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ، فَيَكُونُ المُرادُ بِكَلِمَةِ ”مِن“ هَهُنا التَّمْيِيزَ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ورَبائِبُكُمُ اللّاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، فَيَكُونُ المُرادُ بِكَلِمَةِ ”مِن“ هَهُنا ابْتِداءَ الغايَةِ كَما يَقُولُ: بَناتُ الرَّسُولِ مِن خَدِيجَةَ، فَيَلْزَمُ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ الواحِدِ المُشْتَرَكِ في كِلا مَفْهُومَيْهِ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ فَيُقالَ: إنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ لِلِاتِّصالِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ما أنا مِن دَدٍ ولا الدَّدُ مِنِّي» “ ومَعْنى مُطْلَقِ الِاتِّصالِ حاصِلٌ في النِّساءِ والرَّبائِبِ مَعًا.

الوَجْهُ الرّابِعُ في الدَّلالَةِ عَلى ما قُلْناهُ: ما رَوى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا نَكَحَ الرَّجُلُ المَرْأةَ فَلا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّها، دَخَلَ بِالبِنْتِ أوْ لَمْ يَدْخُلْ، وإذا تَزَوَّجَ الأُمَّ فَلَمْ يَدْخُلْ بِها ثُمَّ طَلَّقَها فَإنْ شاءَ تَزَوَّجَ البِنْتَ»، وطَعَنَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في صِحَّةِ هَذا الحَدِيثِ، وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يُفْتِي بِنِكاحِ أُمِّ المَرْأةِ إذا طَلَّقَ بِنْتَها قَبْلَ المَسِيسِ وهو يَوْمَئِذٍ بِالكُوفَةِ، فاتَّفَقَ أنْ ذَهَبَ إلى المَدِينَةِ فَصادَفَهم مُجْمِعِينَ عَلى خِلافِ فَتْواهُ، فَلَمّا رَجَعَ إلى الكُوفَةِ لَمْ يَدْخُلْ دارَهُ حَتّى ذَهَبَ إلى ذَلِكَ الرَّجُلِ وقَرَعَ عَلَيْهِ البابَ وأمَرَهُ بِالنُّزُولِ عَنْ تِلْكَ المَرْأةِ.

ورَوى قَتادَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أنَّ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ قالَ: الرَّجُلُ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ وأرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّها فَإنْ طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ تَزَوَّجَ أُمَّها، وإنْ ماتَتْ لَمْ يَتَزَوَّجْ أُمَّها، واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما فَرَّقَ بَيْنَ المَوْتِ والطَّلاقِ في التَّحْرِيمِ؛ لِأنَّ الطَّلاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِن أحْكامِ الدُّخُولِ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْها عِدَّةٌ ؟ وأمّا المَوْتُ فَلَمّا كانَ في حُكْمِ الدُّخُولِ في بابِ وُجُوبِ العِدَّةِ، لا جَرَمَ جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَبًا لِهَذا التَّحْرِيمِ.

* * *

النَّوْعُ الحادِيَ عَشَرَ مِنَ المُحَرَّماتِ:

﴿ورَبائِبُكُمُ اللّاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَبائِبُكُمُ اللّاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الرَّبائِبُ: جَمْعُ رَبِيبَةٍ، وهي بِنْتُ امْرَأةِ الرَّجُلِ مِن غَيْرِهِ، ومَعْناها مَرْبُوبَةٌ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ

صفحة ٢٨

هُوَ يَرِبُّها، يُقالُ: رَبَبْتُ فُلانًا أرُبُّهُ، ورَبَبْتُهُ أُرَبِّيهِ بِمَعْنًى واحِدٍ، والحُجُورُ جَمْعُ حِجْرٍ، وفِيهِ لُغَتانِ، قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: حَجْرُ الإنْسانِ وحِجْرُهُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ أيْ في تَرْبِيَتِكم، يُقالُ: فُلانٌ في حِجْرِ فُلانٍ إذا كانَ في تَرْبِيَتِهِ، والسَّبَبُ في هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ أنَّ كُلَّ مَن رَبّى طِفْلًا أجْلَسَهُ في حِجْرِهِ، فَصارَ الحِجَرُ عِبارَةً عَنِ التَّرْبِيَةِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ في حَضانَةِ فُلانٍ، وأصْلُهُ مِنَ الحِضْنِ الَّذِي هو الإبْطُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في حُجُورِكم أيْ: في بُيُوتِكم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском