Ar-RaziAn‑Nisa · 4:25–29

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:25–29, continued

والجَوابُ: أنّا نَخْتارُ القِسْمَ الثّانِيَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ جَعْلَ هَذا الإحْصانِ شَرْطًا لِأنْ يَجِبَ في زِناها خَمْسُونَ جَلْدَةً، بَلِ المَعْنى أنَّ حَدَّ الزِّنا يُغَلَّظُ عِنْدَ التَّزَوُّجِ، فَهَذِهِ إذا زَنَتَ وقَدْ تَزَوَّجَتْ فَحَدُّها خَمْسُونَ جَلْدَةً لا يَزِيدُ عَلَيْهِ، فَبِأنْ يَكُونَ قَبْلَ التَّزَوُّجِ هَذا القَدْرُ أيْضًا أوْلى، وهَذا مِمّا يَجْرِي مَجْرى المَفْهُومِ بِالنَّصِّ؛ لِأنَّ عِنْدَ حُصُولِ ما يُغَلِّظُ الحَدَّ، لَما وجَبَ تَخْفِيفُ الحَدِّ لِمَكانِ الرِّقِّ، فَبِأنْ يَجِبَ هَذا القَدْرُ عِنْدَما لا يُوجَدُ ذَلِكَ المُغَلِّظُ كانَ أوْلى واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

صفحة ٥٣

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الخَوارِجُ اتَّفَقُوا عَلى إنْكارِ الرَّجْمِ، واحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وهو أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلى الأمَةِ نِصْفَ ما عَلى الحُرَّةِ المُحْصَنَةِ، فَلَوْ وجَبَ عَلى الحُرَّةِ المُحْصَنَةِ الرَّجْمُ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ الواجِبُ عَلى الأمَةِ نِصْفَ الرَّجْمِ وذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّ الواجِبَ عَلى الحُرَّةِ المُتَزَوِّجَةِ لَيْسَ إلّا الجَلْدَ، والجَوابُ عَنْهُ ما ذَكَرْناهُ في المَسْألَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ النُّورِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] .

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ الفُقَهاءَ صَيَّرُوا هَذِهِ الآيَةَ أصْلًا في نُقْصانِ حُكْمِ العَبْدِ عَنْ حُكْمِ الحُرِّ في غَيْرِ الحَدِّ، وإنْ كانَ في الأُمُورِ ما لا يَجِبُ ذَلِكَ فِيهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ﴾ ولَمْ يَخْتَلِفُوا في أنَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى نِكاحِ الإماءِ فَكَأنَّهُ قالَ: فَمِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكم، والعَنَتُ هو الضَّرَرُ الشَّدِيدُ الشّاقُّ، قالَ تَعالى فِيما رَخَّصَ فِيهِ مُخالَطَةَ اليَتامى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] أيْ لَشَدَّدَ الأمْرَ عَلَيْكم فَألْزَمَكم تَمْيِيزَ طَعامِكم مِن طَعامِهِمْ فَلَحِقَكم بِذَلِكَ ضَرَرٌ شَدِيدٌ، وقالَ: ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]، أيْ: أحَبُّوا أنْ تَقَعُوا في الضَّرَرِ الشَّدِيدِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الشَّبَقَ الشَّدِيدَ والغُلْمَةَ العَظِيمَةَ رُبَّما تَحْمِلُ عَلى الزِّنا فَيَقَعُ في الحَدِّ في الدُّنْيا وفي العَذابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ، فَهَذا هو العَنَتُ، والثّانِي: أنَّ الشَّبَقَ الشَّدِيدَ والغُلْمَةَ العَظِيمَةَ قَدْ تُؤَدِّي بِالإنْسانِ إلى الأمْراضِ الشَّدِيدَةِ، أمّا في حَقِّ النِّساءِ فَقَدْ تُؤَدِّي إلى اخْتِناقِ الرَّحِمِ، وأمّا في حَقِّ الرِّجالِ فَقَدْ تُؤَدِّي إلى أوْجاعِ الوَرِكَيْنِ والظَّهْرِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لِأنَّهُ هو اللّائِقُ بِبَيانِ القُرْآنِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ أنَّ نِكاحَ الإماءِ بَعْدَ رِعايَةِ شَرائِطِهِ الثَّلاثَةِ أعْنِي عَدَمَ القُدْرَةِ عَلى التَّزَوُّجِ بِالحُرَّةِ، ووُجُودَ العَنَتِ، وكَوْنَ الأمَةِ مُؤْمِنَةً: الأوْلى تَرْكُهُ لِما بَيَّنّا مِنَ المَفاسِدِ الحاصِلَةِ في هَذا النِّكاحِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ الِاشْتِغالَ بِالنِّكاحِ أفْضَلُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالنَّوافِلِ، فَإنْ كانَ مَذْهَبُهم أنَّ الِاشْتِغالَ بِالنِّكاحِ مُطْلَقًا أفْضَلُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالنَّوافِلِ، سَواءٌ كانَ النِّكاحُ نِكاحَ الحُرَّةِ أوْ نِكاحَ الأمَةِ، فَهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ صَرِيحٌ في بُطْلانِ قَوْلِهِمْ، وإنْ قالُوا: إنّا لا نُرَجِّحُ نِكاحَ الأمَةِ عَلى النّافِلَةِ، فَحِينَئِذٍ يَسْقُطُ هَذا الِاسْتِدْلالُ، إلّا أنَّ هَذا التَّفْصِيلَ ما رَأيْتُهُ في شَيْءٍ مِن كُتُبِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهَذا كالمُؤَكِّدِ لِما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الأوْلى تَرْكُ هَذا النِّكاحِ، يَعْنِي أنَّهُ وإنْ حَصَلَ ما يَقْتَضِي المَنعَ مِن هَذا الكَلامِ إلّا أنَّهُ تَعالى أباحَهُ لَكم لِاحْتِياجِكم إلَيْهِ، فَكانَ ذَلِكَ مِن بابِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.

4:26Page 82

يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٦

Allāh wants to make clear to you [the lawful from the unlawful] and guide you to the [good] practices of those before you and to accept your repentance. And Allāh is Knowing and Wise.

﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

صفحة ٥٤

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالُوا: إنَّهُ قَدْ تُقامُ اللّامُ مَقامَ ”أنْ“ في أرَدْتَ وأمَرْتَ، فَيُقالُ: أرَدْتَ أنْ تَذْهَبَ، وأرَدْتَ لِتَذْهَبَ، وأمَرْتُكَ أنْ تَقُومَ، وأمَرْتُكَ لِتَقُومَ، قالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: ٨] يَعْنِي يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا، وقالَ: ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] .

والوَجْهُ الثّانِي: أنْ نَقُولَ: إنَّ في الآيَةِ إضْمارًا، والتَّقْدِيرُ: يُرِيدُ اللَّهُ إنْزالَ هَذِهِ الآياتِ لِيُبَيِّنَ لَكم دِينَكم وشَرْعَكم، وكَذا القَوْلُ في سائِرِ الآياتِ الَّتِي ذَكَرُوها، فَقَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي يُرِيدُونَ كَيْدَهم وعِنادَهم لِيُطْفِئُوا، وأُمِرْنا بِما أُمِرْنا لِنُسْلِمَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ مَعْناهُما شَيْءٌ واحِدٌ، والتَّكْرِيرُ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ وهَذا ضَعِيفٌ، والحَقُّ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ هو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَنا هَذِهِ التَّكالِيفَ، ومَيَّزَ فِيها الحَلالَ مِنَ الحَرامِ والحَسَنَ مِنَ القَبِيحِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ ما بَيَّنَ تَحْرِيمَهُ لَنا وتَحْلِيلَهُ لَنا مِنَ النِّساءِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ، فَقَدْ كانَ الحُكْمُ أيْضًا كَذَلِكَ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ والمِلَلِ.

والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ ذَلِكَ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ تَعالى يَهْدِيكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم في بَيانِ ما لَكم فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ كَما بَيَّنَهُ لَهم، فَإنَّ الشَّرائِعَ والتَّكالِيفَ وإنْ كانَتْ مُخْتَلِفَةً في نَفْسِها، إلّا أنَّها مُتَّفِقَةٌ في بابِ المَصالِحِ.

وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ المَعْنى: أنَّهُ يَهْدِيكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم مِن أهْلِ الحَقِّ لِتَجْتَنِبُوا الباطِلَ وتَتَّبِعُوا الحَقَّ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ القاضِي: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى كَما أرادَ مِنّا نَفْسَ الطّاعَةِ، فَلا جَرَمَ بَيَّنَها وأزالَ الشُّبْهَةَ عَنْها، كَذَلِكَ وقَعَ التَّقْصِيرُ والتَّفْرِيطُ مِنّا، فَيُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْنا؛ لِأنَّ المُكَلَّفَ قَدْ يُطِيعُ فَيَسْتَحِقُّ الثَّوابَ، وقَدْ يَعْصِي فَيَحْتاجُ إلى التَّلافِي بِالتَّوْبَةِ.

واعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ إشْكالًا: وهو أنَّ الحَقَّ إمّا أنْ يَكُونَ ما يَقُولُ أهْلُ السُّنَّةِ مِن أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، وإمّا أنْ يَكُونَ الحَقُّ ما تَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لَيْسَ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعالى، والآيَةُ مُشْكِلَةٌ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ. أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: فَلِأنَّ عَلى هَذا القَوْلِ كُلَّ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعالى فَإنَّهُ يَحْصُلُ، فَإذا أرادَ أنْ يَتُوبَ عَلَيْنا وجَبَ أنْ يَحْصُلَ التَّوْبَةُ لِكُلِّنا، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي: فَهو تَعالى يُرِيدُ مِنّا أنْ نَتُوبَ بِاخْتِيارِنا وفِعْلِنا، وقَوْلُهُ: ﴿ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ظاهِرُهُ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَخْلُقُ التَّوْبَةَ فِينا ويَحْصُلُ لَنا هَذِهِ التَّوْبَةُ، فَهَذِهِ الآيَةُ مُشْكِلَةٌ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ.

والجَوابُ أنْ نَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَفْعَلُ التَّوْبَةَ فِينا، والعَقْلُ أيْضًا مُؤَكِّدٌ لَهُ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ عِبارَةٌ عَنِ النَّدَمِ في الماضِي، والعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ في المُسْتَقْبَلِ، والنَّدَمُ والعَزْمُ مِن بابِ الإراداتِ، والإرادَةُ لا يُمْكِنُ إرادَتُها، وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَإذَنِ الإرادَةُ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ فِعْلَ الإنْسانِ، فَعَلِمْنا أنَّ هَذا النَّدَمَ وهَذا العَزْمَ لا يَحْصُلانِ إلّا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى، فَصارَ هَذا البُرْهانُ العَقْلِيُّ دالًّا عَلى صِحَّةِ

صفحة ٥٥

ما أشْعَرَ بِهِ ظاهِرُ القُرْآنِ، وهو أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَتُوبُ عَلَيْنا، فَأمّا قَوْلُهُ: لَوْ تابَ عَلَيْنا لَحَصَلَتْ هَذِهِ التَّوْبَةُ، فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ الأُمَّةِ، وقَدْ تابَ عَلَيْهِمْ في نِكاحِ الأُمَّهاتِ والبَناتِ وسائِرِ المَنهِيّاتِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآياتِ، وحَصَلَتْ هَذِهِ التَّوْبَةُ لَهم، فَزالَ الإشْكالُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ عَلِيمٌ بِأحْوالِكم، حَكِيمٌ في كُلِّ ما يَفْعَلُهُ بِكم ويَحْكُمُ عَلَيْكم.

4:27Page 83

وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا ٢٧

Allāh wants to accept your repentance, but those who follow [their] passions want you to digress [into] a great deviation.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾

فِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ: المَجُوسُ كانُوا يُحِلُّونَ الأخَواتِ وبَناتِ الإخْوَةِ والأخَواتِ، فَلَمّا حَرَّمَهُنَّ اللَّهُ تَعالى قالُوا: إنَّكم تُحِلُّونَ بِنْتَ الخالَةِ والعَمَّةِ، والخالَةُ والعَمَّةُ عَلَيْكم حَرامٌ، فانْكِحُوا أيْضًا بَناتِ الأخِ والأُخْتِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ التَّوْبَةَ مِنَ الكُلِّ، والطّاعَةَ مِنَ الكُلِّ. قالَ أصْحابُنا: هَذا مُحالٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَلِمَ مِنَ الفاسِقِ أنَّهُ لا يَتُوبُ، وعِلْمُهُ بِأنَّهُ لا يَتُوبُ مَعَ تَوْبَتِهِ ضِدّانِ، وذَلِكَ العِلْمُ مُمْتَنِعُ الزَّوالِ، ومَعَ وُجُوبِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ كانَتْ إرادَةُ الضِّدِّ الآخَرِ إرادَةً لِما عَلِمَ كَوْنَهُ مُحالًا، وذَلِكَ مُحالٌ، وأيْضًا إذا كانَ هو تَعالى يُرِيدُ التَّوْبَةَ مِنَ الكُلِّ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا، ثُمَّ يَحْصُلُ مُرادُ الشَّيْطانِ لا مُرادُ الرَّحْمَنِ، فَحِينَئِذٍ نَفاذُ الشَّيْطانِ في مُلْكِ الرَّحْمَنِ أتَمُّ مِن نَفاذِ الرَّحْمَنِ في مُلْكِ نَفْسِهِ وذَلِكَ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ حَصَلَتْ هَذِهِ التَّوْبَةُ لَهم.

4:28Page 83

يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا ٢٨

And Allāh wants to lighten for you [your difficulties]; and mankind was created weak.

ثُمَّ قالَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في التَّخْفِيفِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ إباحَةُ نِكاحِ الأمَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ، والباقُونَ قالُوا: هَذا عامٌّ في كُلِّ أحْكامِ الشَّرْعِ، وفي جَمِيعِ ما يَسَّرَهُ لَنا وسَهَّلَهُ عَلَيْنا، إحْسانًا مِنهُ إلَيْنا، ولَمْ يُثْقِلِ التَّكْلِيفَ عَلَيْنا كَما ثَقَّلَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«جِئْتُكم بِالحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ» “ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لِلَّهِ تَعالى، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ، فالكافِرُ يُخْلَقُ فِيهِ الكُفْرُ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: لا تَكْفُرْ، فَهَذا أعْظَمُ وُجُوهِ التَّثْقِيلِ، ولا يَخْلُقُ فِيهِ الإيمانَ ولا قُدْرَةَ

صفحة ٥٦

لِلْعَبْدِ عَلى خَلْقِ الإيمانِ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: آمِن، وهَذا أعْظَمُ وُجُوهِ التَّثْقِيلِ. قالَ: ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ غَيْرُ واقِعٍ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ وُجُوهِ التَّثْقِيلِ.

والجَوابُ: أنَّهُ مُعارَضٌ بِالعِلْمِ والدّاعِي، وأكْثَرِ ما ذَكَرْناهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لِضَعْفِ الإنْسانِ خَفَّفَ تَكْلِيفَهُ ولَمْ يُثْقِلْ، والأقْرَبُ أنَّهُ يُحْمَلُ الضَّعْفُ في هَذا المَوْضِعِ لا عَلى ضَعْفِ الخِلْقَةِ، بَلْ يُحْمَلُ عَلى كَثْرَةِ الدَّواعِي إلى اتِّباعِ الشَّهْوَةِ واللَّذَّةِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ كالوَجْهِ في أنْ يَضْعُفَ عَنِ احْتِمالِ خِلافِهِ. وإنَّما قُلْنا: إنَّ هَذا الوَجْهَ أوْلى؛ لِأنَّ الضَّعْفَ في الخِلْقَةِ والقُوَّةِ لَوْ قَوّى اللَّهُ داعِيَتَهُ إلى الطّاعَةِ كانَ في حُكْمِ القَوِيِّ، والقَوِيُّ في الخِلْقَةِ والآلَةِ إذا كانَ ضَعِيفَ الدَّواعِي إلى الطّاعَةِ صارَ في حُكْمِ الضَّعِيفِ، فالتَّأْثِيرُ في هَذا البابِ لِضَعْفِ الدّاعِيَةِ وقُوَّتِها، لا لِضَعْفِ البَدَنِ وقُوَّتِهِ، هَذا كُلُّهُ كَلامُ القاضِي، وهو كَلامٌ حَسَنٌ، ولَكِنَّهُ يَهْدِمُ أصْلَهُ، وذَلِكَ لَمّا سَلَّمَ أنَّ المُؤَثِّرَ في وُجُودِ الفِعْلِ وعَدَمِهِ قُوَّةُ الدّاعِيَةِ وضَعْفُها، فَلَوْ تَأمَّلَ لَعَلِمَ أنَّ قُوَّةَ الدّاعِيَةِ وضَعْفَها لا بُدَّ لَهُ مِن سَبَبٍ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ لِداعِيَةٍ أُخْرى مِنَ العَبْدِ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ كانَ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ، فَذاكَ هو الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، وبَطَلَ القَوْلُ بِالِاعْتِزالِ بِالكُلِّيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ثَمانُ آياتٍ في سُورَةِ النِّساءِ هي خَيْرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وغَرَبَتْ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١] ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠] ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٧] .

ويَقُولُ مُحَمَّدٌ الرّازِيُّ مُصَنِّفُ هَذا الكِتابِ خَتَمَ اللَّهُ لَهُ بِالحُسْنى: اللَّهُمَّ اجْعَلْنا بِفَضْلِكَ ورَحْمَتِكَ أهْلًا لَها يا أكْرَمَ الأكْرَمِينَ ويا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ.

4:29Page 83

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٢٩

O you who have believed, do not consume one another's wealth unjustly1 but only [in lawful] business by mutual consent. And do not kill yourselves [or one another]. Indeed, Allāh is to you ever Merciful.

النَّوْعُ الثّامِنُ: مِنَ التَّكالِيفِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكم ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكم ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾

اعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ كَيْفِيَّةَ التَّصَرُّفِ في النُّفُوسِ بِسَبَبِ النِّكاحِ ذَكَرَ بَعْدَهُ كَيْفِيَّةَ التَّصَرُّفِ في الأمْوالِ.

والثّانِي: قالَ القاضِي: لَمّا ذَكَرَ ابْتِغاءَ النِّكاحِ بِالأمْوالِ وأمَرَ بِإيفاءِ المُهُورِ والنَّفَقاتِ، بَيَّنَ مِن بَعْدُ كَيْفَ التَّصَرُّفُ في الأمْوالِ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾

صفحة ٥٧

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى خَصَّ الأكْلَ هَهُنا بِالذِّكْرِ وإنْ كانَتْ سائِرُ التَّصَرُّفاتِ الواقِعَةِ عَلى الوَجْهِ الباطِلِ مُحَرَّمَةً؛ لِما أنَّ المَقْصُودَ الأعْظَمَ مِنَ الأمْوالِ: الأكْلُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الباطِلِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ اسْمٌ لِكُلِّ ما لا يَحِلُّ في الشَّرْعِ، كالرِّبا، والغَصْبِ، والسَّرِقَةِ، والخِيانَةِ، وشَهادَةِ الزُّورِ، وأخْذِ المالِ بِاليَمِينِ الكاذِبَةِ، وجَحْدِ الحَقِّ. وعِنْدِي أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ يَقْتَضِي كَوْنَها مُجْمَلَةً؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: لا تَأْكُلُوا أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلْتُمُوها بَيْنَكم بِطَرِيقٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، فَإنَّ الطُّرُقَ المَشْرُوعَةَ لَمّا لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً هَهُنا عَلى التَّفْصِيلِ صارَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً لا مَحالَةَ.

والثّانِي: ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: أنَّ الباطِلَ هو كُلُّ ما يُؤْخَذُ مِنَ الإنْسانِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ لا تَكُونُ الآيَةُ مُجْمَلَةً، لَكِنْ قالَ بَعْضُهم: إنَّها مَنسُوخَةٌ، قالُوا: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَحَرَّجَ النّاسُ مِن أنْ يَأْكُلُوا عِنْدَ أحَدٍ شَيْئًا، وشَقَّ ذَلِكَ عَلى الخَلْقِ، فَنَسَخَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ في سُورَةِ النُّورِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾ الآيَةَ. وأيْضًا: ظاهِرُ الآيَةِ - إذا فَسَّرْنا الباطِلَ بِما ذَكَرْناهُ - تَحْرُمُ الصَّدَقاتُ والهِباتُ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: هَذا لَيْسَ بِنَسْخٍ، وإنَّما هو تَخْصِيصٌ؛ ولِهَذا رَوى الشَّعْبِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ، ما نُسِخَتْ، ولا تُنْسَخُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ يَدْخُلُ تَحْتَهُ أكْلُ مالِ الغَيْرِ بِالباطِلِ، وأكْلُ مالِ نَفْسِهِ بِالباطِلِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أمْوالَكُمْ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ القِسْمانِ مَعًا، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ غَيْرِهِ وعَنْ قَتْلِ نَفْسِهِ بِالباطِلِ. أمّا أكْلُ مالِ نَفْسِهِ بِالباطِلِ فَهو إنْفاقُهُ في مَعاصِي اللَّهِ، وأمّا أكْلُ مالِ غَيْرِهِ بِالباطِلِ فَقَدْ عَدَدْناهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (تِجارَةً) بِالنَّصْبِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ. أمّا مَن نَصَبَ فَعَلى ”كانَ“ النّاقِصَةِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ تِجارَةً، وأمّا مَن رَفَعَ فَعَلى ”كانَ“ التّامَّةِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا أنْ تُوجَدَ وتَحْصُلَ تِجارَةٌ. وقالَ الواحِدِيُّ: والِاخْتِيارُ الرَّفْعُ؛ لِأنَّ مَن نَصَبَ أضْمَرَ التِّجارَةَ فَقالَ: تَقْدِيرُهُ إلّا أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ تِجارَةً، والإضْمارُ قَبْلَ الذِّكْرِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ وإنْ كانَ جائِزًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (إلّا) فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ التِّجارَةَ عَنْ تَراضٍ لَيْسَ مِن جِنْسِ أكْلِ المالِ بِالباطِلِ، فَكانَ ”إلّا“ هَهُنا بِمَعْنى ”بَلْ“، والمَعْنى: لَكِنْ يَحِلُّ أكْلُهُ بِالتِّجارَةِ عَنْ تَراضٍ.

الثّانِي: أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وأضْمَرَ شَيْئًا فَقالَ: التَّقْدِيرُ: لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وإنْ تَراضَيْتُمْ كالرِّبا وغَيْرِهِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ.

واعْلَمْ أنَّهُ كَما يَحِلُّ المُسْتَفادُ مِنَ التِّجارَةِ، فَقَدْ يَحِلُّ أيْضًا المالُ المُسْتَفادُ مِنَ الهِبَةِ، والوَصِيَّةِ، والإرْثِ، وأخْذِ الصَّدَقاتِ، والمَهْرِ، وأُرُوشِ الجِناياتِ، فَإنَّ أسْبابَ المِلْكِ كَثِيرَةٌ سِوى التِّجارَةِ.

صفحة ٥٨

فَإنْ قُلْنا: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ فَلا إشْكالَ، فَإنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَهُنا سَبَبًا واحِدًا مِن أسْبابِ المِلْكِ ولَمْ يَذْكُرْ سائِرَها، لا بِالنَّفْيِ ولا بِإثْباتٍ.

وإنْ قُلْنا: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ. كانَ ذَلِكَ حُكْمًا بِأنَّ غَيْرَ التِّجارَةِ لا يُفِيدُ الحِلَّ، وعِنْدَ هَذا لا بُدَّ إمّا مِنَ النَّسْخِ أوِ التَّخْصِيصِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: النَّهْيُ في المُعامَلاتِ يَدُلُّ عَلى البُطْلانِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا يَدُلُّ عَلَيْهِ. واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ جَمِيعَ الأمْوالِ مَمْلُوكَةٌ لِلَّهِ تَعالى، فَإذا أذِنَ لِبَعْضِ عَبِيدِهِ في بَعْضِ التَّصَرُّفاتِ كانَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى ما إذا وكَّلَ الإنْسانُ وكِيلًا في بَعْضِ التَّصَرُّفاتِ، ثُمَّ إنَّ الوَكِيلَ إذا تَصَرَّفَ عَلى خِلافِ قَوْلِ المُوَكِّلِ فَذاكَ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ بِالإجْماعِ، فَإذا كانَ التَّصَرُّفُ الواقِعُ عَلى خِلافِ قَوْلِ المالِكِ المُجازِي لا يَنْعَقِدُ فَبِأنْ يَكُونَ التَّصَرُّفُ الواقِعُ عَلى خِلافِ قَوْلِ المالِكِ الحَقِيقِيِّ غَيْرَ مُنْعَقِدٍ كانَ أوْلى.

وثانِيها: أنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفاتِ الفاسِدَةَ إمّا أنْ تَكُونَ مُسْتَلْزِمَةً لِدُخُولِ المُحَرَّمِ المَنهِيِّ عَنْهُ في الوُجُودِ، وإمّا أنْ لا تَكُونَ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ وجَبَ القَوْلُ بِبُطْلانِها قِياسًا عَلى التَّصَرُّفاتِ الفاسِدَةِ.

والجامِعُ السَّعْيُ في أنْ لا يَدْخُلَ مَنشَأُ النَّهْيِ في الوُجُودِ، وإنْ كانَ الثّانِي وجَبَ القَوْلُ بِصِحَّتِها، قِياسًا عَلى التَّصَرُّفاتِ الصَّحِيحَةِ، والجامِعُ كَوْنُها تَصَرُّفاتٍ خالِيَةً عَنِ المُفْسِدِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ التَّصَرُّفِ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ. فَأمّا القَوْلُ بِتَصَرُّفٍ لا يَكُونُ صَحِيحًا ولا باطِلًا فَهو مُحالٌ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: لا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بِدِرْهَمَيْنِ، كَقَوْلِهِ: لا تَبِيعُوا الحُرَّ بِالعَبْدِ، فَكَما أنَّ هَذا النَّهْيَ بِاللَّفْظِ لَكِنَّهُ نَسْخٌ لِلشَّرِيعَةِ، فَكَذا الأوَّلُ، وإذا كانَ ذَلِكَ نَسْخًا لِلشَّرِيعَةِ بَطَلَ كَوْنُهُ مُفِيدًا لِلْحُكْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - خِيارُ المَجْلِسِ غَيْرُ ثابِتٍ في عُقُودِ المُعاوَضاتِ المَحْضَةِ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: ثابِتٌ.

احْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِالنُّصُوصِ:

أوَّلُها: هَذِهِ الآيَةُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي الحِلَّ عِنْدَ حُصُولِ التَّراضِي، سَواءٌ حَصَلَ التَّفَرُّقُ أوْ لَمْ يَحْصُلْ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] فَألْزَمَ كُلَّ عاقِدٍ الوَفاءَ بِما عَقَدَ عَنْ نَفْسِهِ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ» “ وقَدْ حَصَلَتِ الطِّيبَةُ هَهُنا بِعَقْدِ البَيْعِ، فَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ الحِلُّ.

ورابِعُها: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«مَنِ ابْتاعَ طَعامًا لا يَبِعْهُ حَتّى يَقْبِضَهُ» “ جَوَّزَ بَيْعَهُ بَعْدَ القَبْضِ.

وخامِسُها: ما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - «نَهى عَنْ بَيْعِ الطَّعامِ حَتّى يَجْرِيَ فِيهِ الصِّيعانُ، وأباحَ بَيْعَهُ إذا جَرى فِيهِ الصِّيعانُ، ولَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ الِافْتِراقَ» .

وسادِسُها: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«لا يَجْزِي ولَدٌ والِدَهُ إلّا أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» “ . واتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ كَما اشْتَرى حَصَلَ العِتْقُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَحْصُلُ المِلْكُ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ.

واعْلَمْ أنَّ الشّافِعِيَّ يُسَلِّمُ عُمُومَ هَذِهِ النُّصُوصِ، لَكِنَّهُ يَقُولُ: أنْتُمْ أثْبَتُّمْ خِيارَ الرُّؤْيَةِ في شِراءِ ما لَمْ يَرَهُ المُشْتَرِي بِحَدِيثٍ اتَّفَقَ المُحَدِّثُونَ عَلى ضَعْفِهِ، فَنَحْنُ أيْضًا نُثْبِتُ خِيارَ المَجْلِسِ بِحَدِيثٍ اتَّفَقَ عُلَماءُ الحَدِيثِ عَلى قَبُولِهِ، وهو قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«المُتَبايِعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا» “ . وتَأْوِيلاتُ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ لِهَذا الخَبَرِ وأجْوِبَتُها مَذْكُورَةٌ في الخِلافِيّاتِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذا نَهْيٌ عَنْ أنْ يَقْتُلَ بَعْضُهم

صفحة ٥٩

بَعْضًا، وإنَّما قالَ: (أنْفُسَكم) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«المُؤْمِنُونَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ» “ . ولِأنَّ العَرَبَ يَقُولُونَ: قُتِلْنا ورَبِّ الكَعْبَةِ، إذا قُتِلَ بَعْضُهم؛ لِأنَّ قَتْلَ بَعْضِهِمْ يَجْرِي مَجْرى قَتْلِهِمْ. واخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا الخِطابَ هَلْ هو نَهْيٌ لَهم عَنْ قَتْلِهِمْ أنْفُسَهم ؟ فَأنْكَرَهُ بَعْضُهم وقالَ: إنَّ المُؤْمِنَ مَعَ إيمانِهِ لا يَجُوزُ أنْ يُنْهى عَنْ قَتْلِ نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ مُلْجَأٌ إلى أنْ لا يَقْتُلَ نَفْسَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الصّارِفَ عَنْهُ في الدُّنْيا قائِمٌ، وهو الألَمُ الشَّدِيدُ والذَّمُّ العَظِيمُ، والصّارِفُ عَنْهُ أيْضًا في الآخِرَةِ قائِمٌ، وهو اسْتِحْقاقُ العَذابِ العَظِيمِ، وإذا كانَ الصّارِفُ خالِصًا امْتَنَعَ مِنهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلنَّهْيِ عَنْهُ فائِدَةٌ، وإنَّما يُمْكِنُ أنْ يُذْكَرَ هَذا النَّهْيُ فِيمَن يَعْتَقِدُ في قَتْلِ نَفْسِهِ ما يَعْتَقِدُهُ أهْلُ الهِنْدِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى مِنَ المُؤْمِنِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ المُؤْمِنَ مَعَ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، قَدْ يَلْحَقُهُ مِنَ الغَمِّ والأذِيَّةِ ما يَكُونُ القَتْلُ عَلَيْهِ أسْهَلَ مِن ذَلِكَ، ولِذَلِكَ نَرى كَثِيرًا مِنَ المُسْلِمِينَ قَدْ يَقْتُلُونَ أنْفُسَهم بِمِثْلِ السَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ في النَّهْيِ عَنْهُ فائِدَةٌ، وأيْضًا فَفِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَفْعَلُوا ما تَسْتَحِقُّونَ بِهِ القَتْلَ: مِنَ القَتْلِ والرِّدَّةِ والزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ رَحِيمٌ بِعِبادِهِ، ولِأجْلِ رَحْمَتِهِ نَهاهم عَنْ كُلِّ ما يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ مَشَقَّةً أوْ مِحْنَةً، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِقَتْلِهِمْ أنْفُسَهم لِيَكُونَ تَوْبَةً لَهم وتَمْحِيصًا لِخَطاياهم، وكانَ بِكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ رَحِيمًا، حَيْثُ لَمْ يُكَلِّفْكم تِلْكَ التَّكالِيفَ الصَّعْبَةَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском