Ar-RaziAn‑Nisa · 4:39–42

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:39–42

4:39Page 85

وَمَاذَا عَلَيۡهِمۡ لَوۡ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمۡ عَلِيمًا ٣٩

And what [harm would come] upon them if they believed in Allāh and the Last Day and spent out of what Allāh provided for them? And Allāh is ever, about them, Knowing.

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وماذا عَلَيْهِمْ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ماذا“ اسْمًا واحِدًا، فَيَكُونُ المَعْنى: وأيُّ الشَّيْءِ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ذا“ في مَعْنى الَّذِي، ويَكُونُ ”ما“ وحْدَها اسْمًا، ويَكُونُ المَعْنى: وما الَّذِي عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ الإيمانَ يَصِحُّ عَلى سَبِيلِ التَّقْلِيدِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ الإتْيانَ بِالإيمانِ في غايَةِ السُّهُولَةِ، ولَوْ كانَ الِاسْتِدْلالُ مُعْتَبَرًا لَكانَ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، فَإنّا نَرى المُسْتَدِلِّينَ تَفْرُغُ أعْمارُهم ولا يَتِمُّ اسْتِدْلالُهم، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ كافٍ.

أجابَ المُتَكَلِّمُونَ بِأنَّ الصُّعُوبَةَ في التَّفاصِيلِ، فَأمّا الدَّلائِلُ عَلى سَبِيلِ الجُمْلَةِ فَهي سَهْلَةٌ، واعْلَمْ أنَّ في هَذا البَحْثِ غَوْرًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ جُمْهُورُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وضَرَبُوا لَهُ أمْثِلَةً، قالَ الجُبّائِيُّ: ولَوْ كانُوا غَيْرَ قادِرِينَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَقُولَ اللَّهُ ذَلِكَ، كَما لا يُقالُ لِمَن هو في النّارِ مُعَذَّبٌ: ماذا عَلَيْهِمْ لَوْ خَرَجُوا مِنها وصارُوا إلى الجَنَّةِ، وكَما لا يُقالُ لِلْجائِعِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى الطَّعامِ: ماذا عَلَيْهِ لَوْ أكَلَ. وقالَ الكَعْبِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ يُحْدِثَ فِيهِ الكُفْرَ، ثُمَّ يَقُولُ: ماذا عَلَيْهِ لَوْ آمَنَ. كَما لا يُقالُ لِمَن أمْرَضَهُ: ماذا عَلَيْهِ لَوْ كانَ صَحِيحًا، ولا يُقالُ لِلْمَرْأةِ: ماذا عَلَيْها لَوْ كانَتْ رَجُلًا، ولِلْقَبِيحِ: ماذا عَلَيْهِ لَوْ كانَ جَمِيلًا، وكَما لا يَحْسُنُ هَذا القَوْلُ مِنَ العاقِلِ، كَذا لا يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَبَطَلَ بِهَذا ما يُقالُ: إنَّهُ وإنْ قَبُحَ مِن غَيْرِهِ، لَكِنَّهُ يَحْسُنُ مِنهُ؛ لِأنَّ المُلْكَ مُلْكُهُ. وقالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَ العاقِلُ وكِيلَهُ بِالتَّصَرُّفِ في الضَّيْعَةِ ويَحْبِسَهُ مِن حَيْثُ لا يَتَمَكَّنُ مِن

صفحة ٨٢

مُفارَقَةِ الحَبْسِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: ماذا عَلَيْكَ لَوْ تَصَرَّفْتَ في الضَّيْعَةِ، وإذا كانَ مَن يَذْكُرُ مِثْلَ هَذا الكَلامِ سَفِيهًا دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَهَذا جُمْلَةُ ما ذَكَرُوهُ مِنَ الأمْثِلَةِ.

واعْلَمْ أنَّ التَّمَسُّكَ بِطَرِيقَةِ المَدْحِ والذَّمِّ والثَّوابِ والعِقابِ قَدْ كَثُرَ لِلْمُعْتَزِلَةِ، ومُعارَضَتُهم بِمَسْألَتَيِ العِلْمِ والدّاعِي قَدْ كَثُرَتْ، فَلا حاجَةَ إلى الإعادَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ والمَعْنى أنَّ القَصْدَ إلى الرِّئاءِ إنَّما يَكُونُ باطِنًا غَيْرَ ظاهِرٍ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ عَلِيمٌ بِبَواطِنِ الأُمُورِ كَما هو عَلِيمٌ بِظَواهِرِها، فَإنَّ الإنْسانَ مَتى اعْتَقَدَ ذَلِكَ صارَ ذَلِكَ كالرّادِعِ لَهُ عَنِ القَبائِحِ مِن أفْعالِ القُلُوبِ: مِثْلَ داعِيَةِ النِّفاقِ والرِّياءِ والسُّمْعَةِ.

4:40Page 85

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةٗ يُضَٰعِفۡهَا وَيُؤۡتِ مِن لَّدُنۡهُ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٤٠

Indeed, Allāh does not do injustice, [even] as much as an atom's weight; while if there is a good deed, He multiplies it and gives from Himself a great reward.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾

اعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الآيَةِ هو بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: فَإنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مَن هَذِهِ حالُهُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، فَرَغِبَ بِذَلِكَ في الإيمانِ والطّاعَةِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الوَعْدِ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ الحَمْراءُ الصَّغِيرَةُ في قَوْلِ أهْلِ اللُّغَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أدْخَلَ يَدَهُ في التُّرابِ ثُمَّ رَفَعَها ثُمَّ نَفَخَ فِيها، ثُمَّ قالَ: كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأشْياءِ ذَرَّةٌ، و”مِثْقالٌ“ مِفْعالٌ مِنَ الثِّقَلِ، يُقالُ: هَذا عَلى مِثْقالِ هَذا، أيْ وزْنِ هَذا، ومَعْنى ”مِثْقالَ ذَرَّةٍ“ أيْ ما يَكُونُ وزْنُهُ وزْنَ الذَّرَّةِ.

واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى لا يَظْلِمُ قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، ولَكِنَّ الكَلامَ خَرَجَ عَلى أصْغَرِ ما يَتَعارَفُهُ النّاسُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ خالِقًا لِأعْمالِ العِبادِ؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ الأعْمالِ ظُلْمَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَلَوْ كانَ مُوجِدُ ذَلِكَ الظُّلْمِ هو اللَّهُ تَعالى لَكانَ الظّالِمُ هو اللَّهُ، وأيْضًا لَوْ خَلَقَ الظُّلْمَ في الظّالِمِ ولا قُدْرَةَ لِذَلِكَ الظّالِمِ عَلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ الظُّلْمِ عِنْدَ عَدَمِهِ ولا عَلى دَفْعِهِ بَعْدَ وُجُودِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِمَن هَذا شَأْنُهُ وصِفَتُهُ: لِمَ ظَلَمْتَ ؟ ثُمَّ يُعاقِبُهُ عَلَيْهِ، كانَ هَذا مَحْضَ الظُّلْمِ، والآيَةُ دالَّةٌ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُنَزَّهًا عَنِ الظُّلْمِ.

والجَوابُ: المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ والدّاعِي عَلى ما سَبَقَ مِرارًا لا حَدَّ لَها، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ اسْتِدْلالاتِ هَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةِ وإنْ كَثُرَتْ وعَظُمَتْ، إلّا أنَّها تَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو التَّمَسُّكُ بِالمَدْحِ والذَّمِّ والثَّوابِ والعِقابِ، والسُّؤالُ عَلى هَذا الحَرْفِ مُعَيَّنٌ، وهو المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ والدّاعِي، فَكُلَّما أعادُوا ذَلِكَ الِاسْتِدْلالَ أعَدْنا عَلَيْهِمْ هَذا السُّؤالَ.

صفحة ٨٣

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى الظُّلْمِ؛ لِأنَّهُ تَمَدَّحَ بِتَرْكِهِ، ومَن تَمَدَّحَ بِتَرْكِ فِعْلٍ قَبِيحٍ، لَمْ يَصِحَّ مِنهُ ذَلِكَ التَّمَدُّحُ إلّا إذا كانَ هو قادِرًا عَلَيْهِ، ألا تَرى أنَّ الزَّمِنَ لا يَصِحُّ مِنهُ أنْ يَتَمَدَّحَ بِأنَّهُ لا يَذْهَبُ في اللَّيالِي إلى السَّرِقَةِ.

والجَوابُ أنَّهُ تَعالى تَمَدَّحَ بِأنَّهُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ، ولَمْ يَلْزَمْ أنْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وتَمَدَّحَ بِأنَّهُ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ، ولَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ عَلى أنَّهُ يَصِحُّ أنْ تُدْرِكَهُ الأبْصارُ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ العَبْدَ يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ عَلى طاعَتِهِ، وأنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يُثِبْهُ لَكانَ ظالِمًا؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَوْ لَمْ يُثِبْهم عَلى أعْمالِهِمْ لَكانَ قَدْ ظَلَمَهم، وهَذا لا يَصِحُّ إلّا إذا كانُوا مُسْتَحِقِّينَ لِلثَّوابِ عَلى أعْمالِهِمْ.

والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى وعَدَهم بِالثَّوابِ عَلى تِلْكَ الأفْعالِ، فَلَوْ لَمْ يُثِبْهم عَلَيْها لَكانَ ذَلِكَ في صُورَةِ ظُلْمٍ؛ فَلِهَذا أطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الظُّلْمِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الظُّلْمَ مُحالٌ مِنَ اللَّهِ أنَّ الظُّلْمَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْجَهْلِ والحاجَةِ عِنْدَكم، وهُما مُحالانِ عَلى اللَّهِ، ومُسْتَلْزِمُ المُحالِ مُحالٌ، والمُحالُ غَيْرُ مَقْدُورٍ. وأيْضًا الظُّلْمُ عِبارَةٌ عَنِ التَّصَرُّفِ في مِلْكِ الغَيْرِ، والحَقُّ سُبْحانَهُ لا يَتَصَرَّفُ إلّا في مِلْكِ نَفْسِهِ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُهُ ظالِمًا. وأيْضًا: الظّالِمُ لا يَكُونُ إلَهًا، والشَّيْءُ لا يَصِحُّ إلّا إذا كانَتْ لَوازِمُهُ صَحِيحَةً، فَلَوْ صَحَّ مِنهُ الظُّلْمُ لَكانَ زَوالُ إلَهِيَّتِهِ صَحِيحًا، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَتْ إلَهِيَّتُهُ جائِزَةَ الزَّوالِ، وحِينَئِذٍ يَحْتاجُ في حُصُولِ صِفَةِ الإلَهِيَّةِ لَهُ إلى مُخَصِّصٍ وفاعِلٍ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ.

* * *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ عِقابَ قَطْرَةٍ مِنَ الخَمْرِ يُزِيلُ ثَوابَ الإيمانِ والطّاعَةِ مُدَّةَ مِائَةِ سَنَةٍ. وقالَ أصْحابُنا: هَذا باطِلٌ؛ لِأنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ ثَوابَ كُلِّ تِلْكَ الطّاعاتِ العَظِيمَةِ تِلْكَ السِّنِينَ المُتَطاوِلَةَ أزْيَدُ مِن عِقابِ شُرْبِ هَذِهِ القَطْرَةِ، فَإسْقاطُ ذَلِكَ الثَّوابِ العَظِيمِ بِعِقابِ هَذا القَدْرِ مِنَ المَعْصِيَةِ ظُلْمٌ، وإنَّهُ مَنفِيٌّ بِهَذِهِ الآيَةِ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: إنَّ عِقابَ الكَبِيرَةِ يُحْبِطُ ثَوابَ جُمْلَةِ الطّاعاتِ، ولا يَنْحَبِطُ مِن ذَلِكَ العِقابِ شَيْءٌ. وقالَ ابْنُهُ أبُو هاشِمٍ: بَلْ يَنْحَبِطُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا المَشْرُوعَ صارَ حُجَّةً قَوِيَّةً لِأصْحابِنا في بُطْلانِ القَوْلِ بِالإحْباطِ فَإنّا نَقُولُ: لَوِ انْحَبَطَ ذَلِكَ الثَّوابُ لَكانَ إمّا أنْ يُحْبَطَ مِثْلُهُ مِنَ العِقابِ أوْ لا يُحْبَطُ، والقِسْمانِ باطِلانِ، فالقَوْلُ بِالإحْباطِ باطِلٌ. إنَّما قُلْنا: إنَّهُ لا يَجُوزُ انْحِباطُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ سَبَبُ عَدَمِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وُجُودَ الآخَرِ فَلَوْ حَصَلَ العَدَمانِ مَعًا لَحَصَلَ الوِجْدانُ مَعًا ضَرُورَةَ أنَّ العِلَّةَ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ حاصِلَةً مَعَ المَعْلُولِ، وذَلِكَ مُحالٌ. وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ لا يَجُوزُ انْحِباطُ الطّاعَةِ بِالمَعْصِيَةِ مَعَ أنَّ المَعْصِيَةَ لا تَنْحَبِطُ بِالطّاعَةِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الطّاعاتِ لَمْ يَنْتَفِعِ العَبْدُ بِها البَتَّةَ، لا في جَلْبِ ثَوابٍ ولا في دَفْعِ عِقابٍ، وذَلِكَ ظُلْمٌ، وهو يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ ولَمّا بَطَلَ القِسْمانِ ثَبَتَ القَوْلُ بِفَسادِ الإحْباطِ عَلى ما تَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ.

* * *

المَسْألَةُ السّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ، فَقالُوا: لا شَكَّ أنَّ ثَوابَ الإيمانِ، والمُداوَمَةَ عَلى التَّوْحِيدِ، والإقْرارَ بِأنَّهُ هو المَوْصُولُ بِصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ، والمُواظَبَةَ عَلى وضْعِ الجَبِينِ عَلى تُرابِ العُبُودِيَّةِ مِائَةَ سَنَةٍ - أعْظَمُ ثَوابًا مِن عِقابِ شُرْبِ الجُرْعَةِ مِنَ الخَمْرِ،

صفحة ٨٤

فَإذا حَضَرَ هَذا الشّارِبُ يَوْمَ القِيامَةِ وأُسْقِطَ عَنْهُ قَدْرُ عِقابِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ مِن ذَلِكَ الثَّوابِ العَظِيمِ فَضَلَ لَهُ مِنَ الثَّوابِ قَدْرٌ عَظِيمٌ، فَإذا أُدْخِلَ النّارَ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ العِقابِ فَلَوْ بَقِيَ هُناكَ لَكانَ ذَلِكَ ظُلْمًا، وهو باطِلٌ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّهُ يَخْرُجُ إلى الجَنَّةِ.

* * *

النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْها هَذِهِ الآيَةُ:

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ ”حَسَنَةٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِهِ ”كانَ“ التّامَّةَ، والمَعْنى: وإنْ حَدَثَتْ حَسَنَةٌ، أوْ وقَعَتْ حَسَنَةٌ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ ”كانَ“ النّاقِصَةِ والتَّقْدِيرِ: وإنْ تَكْ زِنَةُ الذَّرَّةِ حَسَنَةً. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ”يُضَعِّفْها“ بِالتَّشْدِيدِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، مِنَ التَّضْعِيفِ، والباقُونَ ”يُضاعِفْها“ بِالألِفِ والتَّخْفِيفِ، مِنَ المُضاعَفَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَكُ: أصْلُهُ مِن ”كانَ يَكُونُ“، وأصْلُهُ ”تَكُونُ“ سَقَطَتِ الضَّمَّةُ لِلْجَزْمِ، وسَقَطَتِ الواوُ لِسُكُونِها وسُكُونِ النُّونِ، فَصارَ ”تَكُنْ“، ثُمَّ حَذَفُوا النُّونَ أيْضًا لِأنَّها ساكِنَةٌ. وهي تُشْبِهُ حُرُوفَ اللِّينِ، وحُرُوفُ اللِّينِ إذا وقَعَتْ طَرَفًا سَقَطَتْ لِلْجَزْمِ، كَقَوْلِكَ: لَمْ أدْرِ، أيْ لا أدْرِي، وجاءَ القُرْآنُ بِالحَذْفِ والإثْباتِ، أمّا الحَذْفُ فَهَهُنا، وأمّا الإثْباتُ، فَكَقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ أنَّهُ لا يَبْخَسُهم حَقَّهم أصْلًا، وبَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَزِيدُهم عَلى اسْتِحْقاقِهِمْ.

واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ المُضاعَفَةِ لَيْسَ هو المُضاعَفَةُ في المُدَّةِ؛ لِأنَّ مُدَّةَ الثَّوابِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وتَضْعِيفُ غَيْرِ المُتَناهِي مُحالٌ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُضَعِّفُهُ بِحَسَبِ المِقْدارِ: مَثَلًا يَسْتَحِقُّ عَلى طاعَتِهِ عَشَرَةَ أجْزاءٍ مِنَ الثَّوابِ، فَيَجْعَلُهُ عِشْرِينَ جُزْءًا، أوْ ثَلاثِينَ جُزْءًا، أوْ أزْيَدَ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: يُؤْتى بِالعَبْدِ يَوْمَ القِيامَةِ ويُنادِي مُنادٍ عَلى رُءُوسِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ: هَذا فُلانُ ابْنُ فُلانٍ، مَن كانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيَأْتِ إلى حَقِّهِ، ثُمَّ يُقالُ لَهُ: أعْطِ هَؤُلاءِ حُقُوقَهم، فَيَقُولُ: يا رَبِّ مِن أيْنَ وقَدْ ذَهَبَتِ الدُّنْيا ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَلائِكَتِهِ: انْظُرُوا في أعْمالِهِ الصّالِحَةِ فَأعْطُوهم مِنها، فَإنْ بَقِيَ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن حَسَنَةٍ ضَعَّفَها اللَّهُ تَعالى لِعَبْدِهِ وأدْخَلَهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ. مِصْداقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ وقالَ الحَسَنُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ هَذا أحَبُّ إلى العُلَماءِ مِمّا لَوْ قالَ: في الحَسَنَةِ الواحِدَةِ مِائَةُ ألْفِ حَسَنَةٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الكَلامَ يَكُونُ مِقْدارُهُ مَعْلُومًا، أمّا عَلى هَذِهِ العِبارَةِ، فَلا يَعْلَمُ كَمِّيَّةُ ذَلِكَ التَّضْعِيفِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وهو كَقَوْلِهِ في لَيْلَةِ القَدْرِ إنَّها خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ. وقالَ أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ: بَلَغَنِي عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ لَيُعْطِي عَبْدَهُ المُؤْمِنَ بِالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْفَ ألْفَ حَسَنَةٍ، فَقَدَّرَ اللَّهُ أنْ ذَهَبْتُ إلى مَكَّةَ حاجًّا أوْ مُعْتَمِرًا، فَألْفَيْتُهُ، فَقُلْتُ: بَلَغَنِي عَنْكَ أنَّكَ تَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يُعْطِي عَبْدَهُ المُؤْمِنَ بِالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْفَ ألْفَ حَسَنَةٍ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: لَمْ أقُلْ ذَلِكَ، ولَكِنْ قُلْتُ: إنَّ الحَسَنَةَ تُضاعَفُ بِألْفَيْ ألْفِ ضِعْفٍ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: إذا قالَ اللَّهُ: ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ فَمَن يُقَدِّرُ قَدْرَهُ.

* * *

النَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَيْها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

صفحة ٨٥

المَسْألَةُ الأُولى: لَدُنْ: بِمَعْنى ”عِنْدَ“ إلّا أنَّ ”لَدُنْ“ أكْثَرُ تَمْكِينًا، يَقُولُ الرَّجُلُ: عِنْدِي مالٌ، إذا كانَ مالُهُ بِبَلَدٍ آخَرَ، ولا يُقالُ: لَدَيَّ مالٌ، ولا لَدُنِّي، إلّا ما كانَ حاضِرًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ والَّذِي يَخْطُرُ بِبالِي - والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ - أنَّ ذَلِكَ التَّضْعِيفَ يَكُونُ مِن جِنْسِ ذَلِكَ الثَّوابِ، وأمّا هَذا الأجْرُ العَظِيمُ فَلا يَكُونُ مِن جِنْسِ ذَلِكَ الثَّوابِ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ التَّضْعِيفَ يَكُونُ مِن جِنْسِ اللَّذّاتِ المَوْعُودِ بِها في الجَنَّةِ، وأمّا هَذا الأجْرُ العَظِيمُ الَّذِي يُؤْتِيهِ مِن لَدُنْهُ فَهو اللَّذَّةُ الحاصِلَةُ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ وعِنْدَ الِاسْتِغْراقِ في المَحَبَّةِ والمَعْرِفَةِ، وإنَّما خَصَّ هَذا النَّوْعَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن لَدُنْهُ﴾؛ لِأنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الغِبْطَةِ والسَّعادَةِ والبَهْجَةِ والكَمالِ لا يُنالُ بِالأعْمالِ الجَسَدانِيَّةِ، بَلْ إنَّما يُنالُ بِما يُودِعُ اللَّهُ في جَوْهَرِ النَّفْسِ القُدْسِيَّةِ مِنَ الإشْراقِ والصَّفاءِ والنُّورِ، وبِالجُمْلَةِ فَذَلِكَ التَّضْعِيفُ إشارَةٌ إلى السَّعادَةِ الجُسْمانِيَّةِ، وهَذا الأجْرُ العَظِيمُ إشارَةٌ إلى السَّعادَةِ الرُّوحانِيَّةِ.

4:41–42Page 85

فَكَيۡفَ إِذَا جِئۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۭ بِشَهِيدٖ وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدٗا ٤١

So how [will it be] when We bring from every nation a witness and We bring you, [O Muḥammad], against these [people] as a witness?

يَوۡمَئِذٖ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوۡ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضُ وَلَا يَكۡتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثٗا ٤٢

That Day, those who disbelieved and disobeyed the Messenger will wish they could be covered by the earth. And they will not conceal from Allāh a [single] statement.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾

وجْهُ النَّظْمِ هو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ في الآخِرَةِ لا يَجْرِي عَلى أحَدٍ ظُلْمٌ، وأنَّهُ تَعالى يُجازِي المُحْسِنَ عَلى إحْسانِهِ ويَزِيدُهُ عَلى قَدْرِ حَقِّهِ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ يَجْرِي بِشَهادَةِ الرُّسُلِ الَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللَّهُ الحُجَّةَ عَلى الخَلْقِ، لِتَكُونَ الحُجَّةُ عَلى المُسِيءِ أبْلَغَ، والتَّبْكِيتُ لَهُ أعْظَمَ، وحَسْرَتُهُ أشَدَّ، ويَكُونَ سُرُورُ مَن قَبِلَ ذَلِكَ مِنَ الرَّسُولِ وأظْهَرَ الطّاعَةَ أعْظَمَ، ويَكُونَ هَذا وعِيدًا لِلْكُفّارِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ ووَعْدًا لِلْمُطِيعِينَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: «رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: ”اقْرَأِ القُرْآنَ عَلَيَّ“ قالَ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْتَ الَّذِي عَلَّمْتَنِيهِ فَقالَ: ”أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِن غَيْرِي“ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فافْتَتَحْتُ سُورَةَ النِّساءِ، فَلَمّا انْتَهَيْتُ إلى هَذِهِ الآيَةِ بَكى الرَّسُولُ ﷺ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَأمْسَكْتُ عَنِ القِراءَةِ» . وذَكَرَ السُّدِّيُّ أنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِالبَلاغِ، والرَّسُولُ ﷺ يَشْهَدُ لِأُمَّتِهِ بِالتَّصْدِيقِ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وحُكِيَ عَنْ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِن عادَةِ العَرَبِ أنَّهم يَقُولُونَ في الشَّيْءِ الَّذِي يَتَوَقَّعُونَهُ: كَيْفَ بِكَ إذا كانَ كَذا وكَذا، وإذا فَعَلَ فُلانٌ كَذا، وإذا جاءَ وقْتُ كَذا، فَمَعْنى هَذا الكَلامِ: كَيْفَ تَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إذا اسْتَشْهَدَ اللَّهُ عَلى كُلِّ أُمَّةٍ بِرَسُولِها، واسْتَشْهَدَكَ عَلى هَؤُلاءِ ؟ يَعْنِي قَوْمَهُ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ الَّذِينَ شاهَدَهم وعَرَفَ أحْوالَهم. ثُمَّ إنَّ أهْلَ كُلِّ عَصْرٍ يَشْهَدُونَ عَلى غَيْرِهِمْ مِمَّنْ شاهَدُوا أحْوالَهم، وعَلى هَذا الوَجْهِ قالَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧]

.

* * *

صفحة ٨٦

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ عِصْيانِ الرَّسُولِ مُغايِرًا لِلْكُفْرِ؛ لِأنَّ عَطْفَ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ غَيْرُ جائِزٍ، فَوَجَبَ حَمْلُ عِصْيانِ الرَّسُولِ عَلى المَعاصِي المُغايِرَةِ لِلْكُفْرِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الإسْلامِ، وأنَّهم كَما يُعاقَبُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى الكُفْرِ فَيُعاقَبُونَ أيْضًا عَلى تِلْكَ المَعاصِي؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ المَعْصِيَةِ أثَرٌ في هَذا المَعْنى لَما كانَ في ذِكْرِ مَعْصِيَتِهِمْ في هَذا المَوْضِعِ أثَرٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو ”تُسَوّى“ مَضْمُومَةَ التّاءِ خَفِيفَةَ السِّينِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”تُسَوّى“ مَفْتُوحَةَ التّاءِ مُشَدَّدَةَ السِّينِ بِمَعْنى: تَتَسَوّى، فَأدْغَمَ التّاءَ في السِّينِ لِقُرْبِها مِنها، ولا يُكْرَهُ اجْتِماعُ التَّشْدِيدَيْنِ في هَذِهِ القِراءَةِ؛ لِأنَّ لَها نَظائِرَ في التَّنْزِيلِ كَقَوْلِهِ: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ﴾ [النمل: ٤٧] (وازَّيَّنَتْ) [يونس: ٢٤] (يَذَّكَّرُونَ) وفي هَذِهِ القِراءَةِ اتِّساعٌ، وهو إسْنادُ الفِعْلِ إلى الأرْضِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”تُسَوّى“ مَفْتُوحَةَ التّاءِ والسِّينُ خَفِيفَةٌ، حَذَفا التّاءَ الَّتِي أدْغَمَها نافِعٌ؛ لِأنَّها كَما اعْتَلَّتْ بِالإدْغامِ اعْتَلَّتْ بِالحَذْفِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: لَوْ يُدْفَنُونَ فَتُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ كَما تُسَوّى بِالمَوْتى.

والثّانِي: يَوَدُّونَ أنَّهم لَمْ يُبْعَثُوا وأنَّهم كانُوا والأرْضُ سَواءٌ.

الثّالِثُ: تَصِيرُ البَهائِمُ تُرابًا فَيَوَدُّونَ حالَها، كَقَوْلِهِ: ﴿يالَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ [النبأ: ٤٠] .

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فِيهِ لِأهْلِ التَّأْوِيلِ طَرِيقانِ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ.

والثّانِي: أنَّهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، فَإذا جَعَلْناهُ مُتَّصِلًا احْتَمَلَ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يَوَدُّونَ لَوْ تَنْطَبِقُ عَلَيْهِمُ الأرْضُ ولَمْ يَكُونُوا كَتَمُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ ولا كَفَرُوا بِهِ ولا نافَقُوا، وعَلى هَذا القَوْلِ: الكِتْمانُ عائِدٌ إلى ما كَتَمُوا مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

الثّانِي: أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا رَأوْا يَوْمَ القِيامَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لِأهْلِ الإسْلامِ ولا يَغْفِرُ شِرْكًا، قالُوا: تَعالَوْا فَلْنَجْحَدْ، فَيَقُولُونَ: واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ، رَجاءَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم، فَحِينَئِذٍ يَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَهُنالِكَ يَوَدُّونَ أنَّهم كانُوا تُرابًا ولَمْ يَكْتُمُوا اللَّهَ حَدِيثًا.

الطَّرِيقُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنَّ هَذا الكَلامَ مُسْتَأْنَفٌ، فَإنَّ ما عَمِلُوهُ ظاهِرٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَقْدِرُونَ عَلى كِتْمانِهِ ؟

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ؟

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ مَواطِنَ القِيامَةِ كَثِيرَةٌ، فَمَوْطِنٌ لا يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] ومَوْطِنٌ يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨] وقَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فَيَكْذِبُونَ في مَواطِنَ، وفي مَواطِنَ يَعْتَرِفُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ ويَسْألُونَ الرَّجْعَةَ وهو قَوْلُهم: ﴿يالَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ [الأنعام: ٢٧] وآخِرُ تِلْكَ المَواطِنِ أنْ يُخْتَمَ عَلى أفْواهِهِمْ وتَتَكَلَّمَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم وجُلُودُهم، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِن خِزْيِ ذَلِكَ اليَوْمِ.

الثّانِي: أنَّ هَذا الكِتْمانَ غَيْرُ واقِعٍ، بَلْ هو داخِلٌ

صفحة ٨٧

فِي التَّمَنِّي عَلى ما بَيَّنّا.

الثّالِثُ: أنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا الكِتْمانَ، وإنَّما أخْبَرُوا عَلى حَسَبِ ما تَوَهَّمُوا، وتَقْدِيرُهُ: واللَّهِ ما كُنّا مُشْرِكِينَ عِنْدَ أنْفُسِنا، بَلْ مُصِيبِينَ في ظُنُونِنا حَتّى تَحَقَّقْنا الآنَ. وسَيَجِيءُ الكَلامُ في هَذِهِ المَسْألَةِ في سُورَةِ الأنْعامِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском