Ar-RaziAn‑Nisa · 4:48–53

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:48–53

4:48Page 86

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا ٤٨

Indeed, Allāh does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allāh has certainly fabricated a tremendous sin.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا هَدَّدَ اليَهُودَ عَلى الكُفْرِ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ التَّهْدِيدَ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ لا مَحالَةَ بَيَّنَ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّهْدِيدِ مِن خَواصِّ الكُفْرِ، فَأمّا سائِرُ الذُّنُوبِ الَّتِي هي مُغايِرَةٌ لِلْكُفْرِ فَلَيْسَتْ حالُها كَذَلِكَ، بَلْ هو

صفحة ١٠٠

سُبْحانَهُ قَدْ يَعْفُو عَنْها، فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ اليَهُودِيَّ يُسَمّى مُشْرِكًا في عُرْفِ الشَّرْعِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ ما سِوى الشِّرْكِ مَغْفُورٌ، فَلَوْ كانَتِ اليَهُودِيَّةُ مُغايِرَةٌ لِلشِّرْكِ لَوَجَبَ أنْ تَكُونَ مَغْفُورَةً بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، وبِالإجْماعِ هي غَيْرُ مَغْفُورَةٍ، فَدَلَّ عَلى أنَّها داخِلَةٌ تَحْتَ اسْمِ الشِّرْكِ.

الثّانِي: أنَّ اتِّصالَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها إنَّما كانَ لِأنَّها تَتَضَمَّنُ تَهْدِيدَ اليَهُودِ، فَلَوْلا أنَّ اليَهُودِيَّةَ داخِلَةٌ تَحْتَ اسْمِ الشِّرْكِ، وإلّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ.

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ [الحج: ١٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [الحج: ١٧] عَطَفَ المُشْرِكَ عَلى اليَهُودِيِّ، وذَلِكَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ.

قُلْنا: المُغايَرَةُ حاصِلَةٌ بِسَبَبِ المَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ، والِاتِّحادُ حاصِلٌ بِسَبَبِ المَفْهُومِ الشَّرْعِيِّ، ولا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلى ما ذَكَرْناهُ دَفْعًا لِلتَّناقُضِ. إذا ثَبَتَتْ هَذِهِ المُقَدِّمَةُ فَنَقُولُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: المُسْلِمُ لا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُقْتَلُ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّ الذِّمِّيَّ مُشْرِكٌ لِما ذَكَرْناهُ، والمُشْرِكُ مُباحُ الدَّمِ لِقَوْلِهِ تَعالى: (اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ) . فَكانَ الذِّمِّيُّ مُباحَ الدَّمِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ومُباحُ الدَّمِ هو الَّذِي لا يَجِبُ القِصاصُ عَلى قاتِلِهِ، ولا يَتَوَجَّهُ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِهِ تَرْكُ العَمَلِ بِهَذا الدَّلِيلِ في حَقِّ النَّهْيِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى مَعْمُولًا بِهِ في سُقُوطِ القِصاصِ عَنْ قاتِلِهِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ لَنا عَلى العَفْوِ عَنْ أصْحابِ الكَبائِرِ.

واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِها مِن وُجُوهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ مَعْناهُ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ؛ لِأنَّهُ بِالإجْماعِ لا يَغْفِرُ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ، وذَلِكَ عِنْدَما يَتُوبُ المُشْرِكُ عَنْ شِرْكِهِ، فَإذا كانَ قَوْلُهُ: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ هو أنَّهُ لا يَغْفِرُهُ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾ هو أنْ يَغْفِرَهُ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ؛ حَتّى يَكُونَ النَّفْيُ والإثْباتُ مُتَوارِدَيْنِ عَلى مَعْنًى واحِدٍ. ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قالَ: فُلانٌ لا يُعْطِي أحَدًا تَفَضُّلًا، ويُعْطِيَ زائِدًا، فَإنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ يُعْطِيهِ تَفَضُّلًا، حَتّى لَوْ صَرَّحَ وقالَ: لا يُعْطِي أحَدًا شَيْئًا عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ ويُعْطِي أزْيَدَ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ، فَكُلُّ عاقِلٍ يَحْكُمُ بِرَكاكَةِ هَذا الكَلامِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أصْحابَ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ غُفْرانَ الصَّغِيرَةِ وغُفْرانَ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ واجِبٌ عَقْلًا، فَلا يُمْكِنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ، فَإذا تَقَرَّرَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ إلّا حَمْلُ الآيَةِ عَلى غُفْرانِ الكَبِيرَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ وهو المَطْلُوبُ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قَسَّمَ المَنهِيّاتِ عَلى قِسْمَيْنِ: الشِّرْكُ وما سِوى الشِّرْكِ، ثُمَّ إنَّ ما سِوى الشِّرْكِ يَدْخُلُ فِيهِ الكَبِيرَةُ قَبْلَ التَّوْبَةِ والكَبِيرَةُ بَعْدَ التَّوْبَةِ والصَّغِيرَةُ، ثُمَّ حَكَمَ عَلى الشِّرْكِ بِأنَّهُ غَيْرُ مَغْفُورٍ قَطْعًا، وعَلى ما سِواهُ بِأنَّهُ مَغْفُورٌ قَطْعًا، لَكِنْ في حَقِّ مَن يَشاءُ، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى يَغْفِرُ كُلَّ ما سِوى الشِّرْكِ، لَكِنْ في حَقِّ مَن شاءَ. ولَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ ما سِوى الشِّرْكِ مَغْفُورٌ، وجَبَ أنْ تَكُونَ الكَبِيرَةُ قَبْلَ التَّوْبَةِ أيْضًا مَغْفُورَةً.

الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ فَعَلَّقَ هَذا الغُفْرانَ بِالمَشِيئَةِ، وغُفْرانُ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وغُفْرانُ الصَّغِيرَةِ مَقْطُوعٌ بِهِ،

صفحة ١٠١

وغَيْرُ مُعَلَّقٍ عَلى المَشِيئَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الغُفْرانُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ هو غُفْرانُ الكَبِيرَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ وهو المَطْلُوبُ، واعْتَرَضُوا عَلى هَذا الوَجْهِ الأخِيرِ بِأنَّ تَعْلِيقَ الأمْرِ بِالمَشِيئَةِ لا يُنافِي وُجُوبَهُ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٩] ثُمَّ إنّا نَعْلَمُ أنَّهُ تَعالى لا يُزَكِّي إلّا مَن كانَ أهْلًا لِلتَّزْكِيَةِ، وإلّا كانَ كَذِبًا، والكَذِبُ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، فَكَذا هَهُنا.

واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ كَلامٌ يُلْتَفَتُ إلَيْهِ إلّا المُعارَضَةَ بِعُمُوماتِ الوَعِيدِ، ونَحْنُ نُعارِضُها بِعُمُوماتِ الوَعْدِ، والكَلامُ فِيهِ عَلى الِاسْتِقْصاءِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١] فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. ورَوى الواحِدِيُّ في البَسِيطِ بِإسْنادِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كُنّا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا ماتَ الرَّجُلُ مِنّا عَلى كَبِيرَةٍ شَهِدْنا أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَأمْسَكْنا عَنِ الشَّهاداتِ» . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنِّي لَأرْجُو كَما لا يَنْفَعُ مَعَ الشِّرْكِ عَمَلٌ كَذَلِكَ لا يَضُرُّ مَعَ التَّوْحِيدِ ذَنْبٌ. ذَكَرَ ذَلِكَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ فَسَكَتَ عُمَرُ. ورُوِيَ مَرْفُوعًا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«اتَّسِمُوا بِالإيمانِ وأقِرُّوا بِهِ، فَكَما لا يُخْرِجُ إحْسانُ المُشْرِكِ المُشْرِكَ مِن إشْراكِهِ كَذَلِكَ لا تُخْرِجُ ذُنُوبُ المُؤْمِنِ المُؤْمِنَ مِن إيمانِهِ» “ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «لَمّا قَتَلَ وحْشِيٌّ حَمْزَةَ يَوْمَ أُحُدٍ، وكانُوا قَدْ وعَدُوهُ بِالإعْتاقِ إنْ هو فَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهم ما وفَّوْا لَهُ بِذَلِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ نَدِمَ هو وأصْحابُهُ فَكَتَبُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ بِذَنْبِهِمْ، وأنَّهُ لا يَمْنَعُهم عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: (﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] فَقالُوا: قَدِ ارْتَكَبْنا كُلَّ ما في الآيَةِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا»﴾ [الفرقان: ٧٠] فَقالُوا: هَذا شَرْطٌ شَدِيدٌ نَخافُ أنْ لا نَقُومَ بِهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ فَقالُوا: نَخافُ أنْ لا نَكُونَ مِن أهْلِ مَشِيئَتِهِ، فَنَزَلَ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] فَدَخَلُوا عِنْدَ ذَلِكَ في الإسْلامِ. وطَعَنَ القاضِي في هَذِهِ الرِّوايَةِ وقالَ: إنَّ مَن يُرِيدُ الإيمانَ لا يَجُوزُ مِنهُ المُراجَعَةُ عَلى هَذا الحَدِّ؛ ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] لَوْ كانَ عَلى إطْلاقِهِ لَكانَ ذَلِكَ إغْراءً لَهم بِالثَّباتِ عَلى ما هم عَلَيْهِ.

والجَوابُ عَنْهُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُمُ اسْتَعْظَمُوا قَتْلَ حَمْزَةَ وإيذاءَ الرَّسُولِ إلى ذَلِكَ الحَدِّ، فَوَقَعَتِ الشُّبْهَةُ في قُلُوبِهِمْ أنَّ ذَلِكَ هَلْ يُغْفَرُ لَهم أمْ لا؛ فَلِهَذا المَعْنى حَصَلَتِ المُراجَعَةُ. وقَوْلُهُ: هَذا إغْراءٌ بِالقَبِيحِ، فَهو أنَّهُ إنَّما يَتِمُّ عَلى مَذْهَبِهِ، أمّا عَلى قَوْلِنا: إنَّهُ تَعالى فَعّالٌ لِما يُرِيدُ، فالسُّؤالُ ساقِطٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ أيِ اخْتَلَقَ ذَنْبًا غَيْرَ مَغْفُورٍ، يُقالُ: افْتَرى فُلانٌ الكَذِبَ إذا اعْتَمَلَهُ واخْتَلَقَهُ، وأصْلُهُ مِنَ الفَرْيِ بِمَعْنى القَطْعِ.

4:49–50Page 86

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلًا ٤٩

Have you not seen those who claim themselves to be pure? Rather, Allāh purifies whom He wills, and injustice is not done to them, [even] as much as a thread [inside a date seed].

ٱنظُرۡ كَيۡفَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثۡمٗا مُّبِينًا ٥٠

Look how they invent about Allāh untruth, and sufficient is that as a manifest sin.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾

صفحة ١٠٢

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ اليَهُودَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ فَعِنْدَ هَذا قالُوا: لَسْنا مِنَ المُشْرِكِينَ، بَلْ نَحْنُ خَواصُّ اللَّهِ تَعالى كَما حَكى تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وحَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، وحَكى أيْضًا أنَّهم قالُوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ وبَعْضُهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ آباءَنا كانُوا أنْبِياءَ فَيَشْفَعُونَ لَنا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ أتَوْا بِأطْفالِهِمْ إلى النَّبِيِّ ﷺ وقالُوا: يا مُحَمَّدُ هَلْ عَلى هَؤُلاءِ ذَنْبٌ ؟ فَقالَ: لا، فَقالُوا: واللَّهِ ما نَحْنُ إلّا كَهَؤُلاءِ؛ ما عَمِلْناهُ بِاللَّيْلِ كُفِّرَ عَنّا بِالنَّهارِ، وما عَمِلْناهُ بِالنَّهارِ كُفِّرَ عَنّا بِاللَّيْلِ» . وبِالجُمْلَةِ فالقَوْمُ كانُوا قَدْ بالَغُوا في تَزْكِيَةِ أنْفُسِهِمْ، فَذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا عِبْرَةَ بِتَزْكِيَةِ الإنْسانِ نَفْسَهُ، وإنَّما العِبْرَةُ بِتَزْكِيَةِ اللَّهِ لَهُ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: التَّزْكِيَةُ في هَذا المَوْضِعِ عِبارَةٌ عَنْ مَدْحِ الإنْسانِ نَفْسَهُ، ومِنهُ تَزْكِيَةُ المُعَدِّلِ لِلشّاهِدِ، قالَ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢] وذَلِكَ لِأنَّ التَّزْكِيَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالتَّقْوى، والتَّقْوى صِفَةٌ في الباطِنِ، ولا يَعْلَمُ حَقِيقَتَها إلّا اللَّهُ، فَلا جَرَمَ لا تَصْلُحُ التَّزْكِيَةُ إلّا مِنَ اللَّهِ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«واللَّهِ إنِّي لَأمِينٌ في السَّماءِ أمِينٌ في الأرْضِ» “ .

قُلْنا: إنَّما قالَ ذَلِكَ حِينَ قالَ المُنافِقُونَ لَهُ: اعْدِلْ في القِسْمَةِ؛ ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا زَكّاهُ أوَّلًا بِدَلالَةِ المُعْجِزَةِ جازَ لَهُ ذَلِكَ بِخِلافِ غَيْرِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ يَحْصُلُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ أجَلَّ أنْواعِ الزَّكاةِ والطَّهارَةِ وأشْرَفَها هو الإيمانُ، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ هو الَّذِي يُزَكِّي مَن يَشاءُ دَلَّ عَلى أنَّ إيمانَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَحْصُلْ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ هو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] والمَعْنى أنَّ الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم يُعاقَبُونَ عَلى تِلْكَ التَّزْكِيَةِ حَقَّ جَزائِهِمْ مِن غَيْرِ ظُلْمٍ، أوْ يَكُونُ المَعْنى أنَّ الَّذِينَ زَكّاهُمُ اللَّهُ فَإنَّهُ يُثِيبُهم عَلى طاعاتِهِمْ ولا يُنْقِصُ مِن ثَوابِهِمْ شَيْئًا، والفَتِيلُ ما فَتَلْتَ بَيْنَ إصْبَعَيْكَ مِنَ الوَسَخِ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وعَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ: الفَتِيلُ ما كانَ في شِقِّ النَّواةِ، والنَّقِيرُ النُّقْطَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَّواةِ، والقِطْمِيرُ القِشْرَةُ الرَّقِيقَةُ عَلى النَّواةِ، وهَذِهِ الأشْياءُ كُلُّها تُضْرَبُ أمْثالًا لِلشَّيْءِ التّافِهِ الحَقِيرِ، أيْ لا يُظْلَمُونَ لا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذا تَعْجِيبٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِن فِرْيَتِهِمْ عَلى اللَّهِ، وهي تَزْكِيَتُهم أنْفُسَهم وافْتِراؤُهم عَلى اللَّهِ، وهو قَوْلُهم: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، وقَوْلُهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] وقَوْلُهم: ما عَمِلْناهُ بِالنَّهارِ يُكَفَّرُ عَنّا بِاللَّيْلِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَذْهَبُنا أنَّ الخَبَرَ عَنِ الشَّيْءِ إذا كانَ عَلى خِلافِ المُخْبَرِ عَنْهُ كانَ كَذِبًا، سَواءٌ عَلِمَ قائِلُهُ كَوْنَهُ كَذَلِكَ أوْ لَمْ يَعْلَمْ، وقالَ الجاحِظُ: شَرْطُ كَوْنِهِ كَذِبًا أنْ يُعْلَمَ كَوْنُهُ بِخِلافِ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ لَنا؛

صفحة ١٠٣

لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ في أنْفُسِهِمُ الزَّكاءَ والطَّهارَةَ، ثُمَّ لَمّا أخْبَرُوا بِالزَّكاةِ والطَّهارَةِ كَذَّبَهُمُ اللَّهُ فِيهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ وإنَّما يُقالُ: كَفى بِهِ في التَّعْظِيمِ عَلى جِهَةِ المَدْحِ أوْ عَلى جِهَةِ الذَّمِّ، أمّا في المَدْحِ فَكَقَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] وأمّا في الذَّمِّ فَكَما في هَذا المَوْضِعِ. وقَوْلُهُ: ﴿إثْمًا مُبِينًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.

4:51–52Page 86

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰٓؤُلَآءِ أَهۡدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا ٥١

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, who believe in jibt [superstition] and ṭāghūt [false objects of worship] and say about the disbelievers, "These are better guided than the believers as to the way"?

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَمَن يَلۡعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا ٥٢

Those are the ones whom Allāh has cursed; and he whom Allāh curses - never will you find for him a helper.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ اليَهُودِ نَوْعًا آخَرَ مِنَ المَكْرِ، وهو أنَّهم كانُوا يُفَضِّلُونَ عَبَدَةَ الأصْنامِ عَلى المُؤْمِنِينَ، ولا شَكَّ أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ ذَلِكَ باطِلٌ، فَكانَ إقْدامُهم عَلى هَذا القَوْلِ لِمَحْضِ العِنادِ والتَّعَصُّبِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ أنَّ حُيَيَّ بْنَ أخْطَبَ وكَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ اليَهُودِيَّيْنِ خَرَجا إلى مَكَّةَ مَعَ جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ يُحالِفُونَ قُرَيْشًا عَلى مُحارَبَةِ الرَّسُولِ ﷺ فَقالُوا: أنْتُمْ أهْلُ كِتابٍ، وأنْتُمْ أقْرَبُ إلى مُحَمَّدٍ مِنكم إلَيْنا فَلا نَأْمَنُ مَكْرَكم، فاسْجُدُوا لِآلِهَتِنا حَتّى تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ. فَهَذا إيمانُهم بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ؛ لِأنَّهم سَجَدُوا لِلْأصْنامِ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: أنْحَنُ أهْدى سَبِيلًا أمْ مُحَمَّدٌ ؟ فَقالَ كَعْبٌ: ماذا يَقُولُ مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: يَأْمُرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، ويَنْهى عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ، وتَرَكَ دِينَ آبائِهِ، وأوْقَعَ الفُرْقَةَ. قالَ: وما دِينُكم ؟ قالُوا: نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ نَسْقِي الحاجَّ ونَقْرِي الضَّيْفَ ونَفُكُّ العانِي. وذَكَرُوا أفْعالَهم، فَقالَ: أنْتُمْ أهْدى سَبِيلًا. فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في الجِبْتِ والطّاغُوتِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: كُلُّ مَعْبُودٍ دُونَ اللَّهِ فَهو جِبْتٌ وطاغُوتٌ، ثُمَّ زَعَمَ الأكْثَرُونَ أنَّ الجِبْتَ لَيْسَ لَهُ تَصَرُّفٌ في اللُّغَةِ. وحَكى القَفّالُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ الجِبْتَ أصْلُهُ جِبْسٌ، فَأُبْدِلَتِ السِّينُ تاءً، والجِبْسُ هو الخَبِيثُ الرَّدِيءُ، وأمّا الطّاغُوتُ فَهو مَأْخُوذٌ مِنَ الطُّغْيانِ، وهو الإسْرافُ في المَعْصِيَةِ، فَكُلُّ مَن دَعا إلى المَعاصِي الكِبارِ لَزِمَهُ هَذا الِاسْمُ، ثُمَّ تَوَسَّعُوا في هَذا الِاسْمِ حَتّى أوْقَعُوهُ عَلى الجَمادِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [ إبْراهِيمَ: ٣٥] فَأضافَ الإضْلالَ إلى الأصْنامِ مَعَ أنَّها جَماداتٌ.

الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الجِبْتُ: الأصْنامُ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، والطّاغُوتُ: الشَّيْطانُ.

الثّالِثُ: الجِبْتُ: الأصْنامُ، والطّاغُوتُ: تَراجِمَةُ الأصْنامِ، يُتَرْجِمُونَ لِلنّاسِ عَنْها الأكاذِيبَ فَيُضِلُّونَهم بِها، وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: رَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ: الكاهِنُ، والطّاغُوتُ: السّاحِرُ.

الخامِسُ: قالَ الكَلْبِيُّ: الجِبْتُ في هَذِهِ

صفحة ١٠٤

الآيَةِ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، والطّاغُوتُ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكانَتِ اليَهُودُ يَرْجِعُونَ إلَيْهِما، فَسُمِّيا بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ لِسَعْيِهِما في إغْواءِ النّاسِ وإضْلالِهِمْ.

السّادِسُ: الجِبْتُ والطّاغُوتُ صَنَمانِ لِقُرَيْشٍ، وهُما الصَّنَمانِ اللَّذانِ سَجَدَ اليَهُودُ لَهُما طَلَبًا لِمَرْضاةِ قُرَيْشٍ، وبِالجُمْلَةِ فالأقاوِيلُ كَثِيرَةٌ، وهُما كَلِمَتانِ وُضِعَتا عَلَمَيْنِ عَلى مَن كانَ غايَةً في الشَّرِّ والفَسادِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ فَبَيَّنَ أنَّ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَ مِنَ اللَّهِ وهو الخِذْلانُ والإبْعادُ، وهو ضِدُّ ما لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ القُرْبَةِ والزُّلْفى، وأخْبَرَ بَعْدَهُ بِأنَّ مَن يَلْعَنُهُ اللَّهُ فَلا ناصِرَ لَهُ، كَما قالَ: ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١] فَهَذا اللَّعْنُ حاضِرٌ، وما في الآخِرَةِ أعْظَمُ، وهو يَوْمٌ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ، وفِيهِ وعْدٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِالنُّصْرَةِ ولِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوِيَةِ، بِالضِّدِّ عَلى الضِّدِّ، كَما قالَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] .

واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ إنَّما اسْتَحَقُّوا هَذا اللَّعْنَ الشَّدِيدَ؛ لِأنَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِن تَفْضِيلِ عَبَدَةِ الأوْثانِ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ يَجْرِي مَجْرى المُكابَرَةِ، فَمَن يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ كَيْفَ يَكُونُ أفْضَلَ حالًا مِمَّنْ لا يَرْضى بِمَعْبُودٍ غَيْرِ اللَّهِ، ومَن كانَ دِينُهُ الإقْبالُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى خِدْمَةِ الخالِقِ والإعْراضُ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالُ عَلى الآخِرَةِ، كَيْفَ يَكُونُ أقَلَّ حالًا مِمَّنْ كانَ بِالضِّدِّ في كُلِّ هَذِهِ الأحْوالِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

4:53Page 87

أَمۡ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُلۡكِ فَإِذٗا لَّا يُؤۡتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا ٥٣

Or have they a share of dominion? Then [if that were so], they would not give the people [even as much as] the speck on a date seed.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ اليَهُودَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالجَهْلِ الشَّدِيدِ، وهو اعْتِقادُهم أنَّ عِبادَةَ الأوْثانِ أفْضَلُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ووَصَفَهم في هَذِهِ الآيَةِ بِالبُخْلِ والحَسَدِ، فالبُخْلُ هو أنْ لا يَدْفَعَ لِأحَدٍ شَيْئًا مِمّا آتاهُ اللَّهُ مِنَ النِّعْمَةِ، والحَسَدُ هو أنْ يَتَمَنّى أنْ لا يُعْطِيَ اللَّهُ غَيْرَهُ شَيْئًا مِنَ النِّعَمِ، فالبُخْلُ والحَسَدُ يَشْتَرِكانِ في أنَّ صاحِبَهُ يُرِيدُ مَنعَ النِّعْمَةِ مِنَ الغَيْرِ، فَأمّا البَخِيلُ فَيَمْنَعُ نِعْمَةَ نَفْسِهِ عَنِ الغَيْرِ، وأمّا الحاسِدُ فَيُرِيدُ أنْ يَمْنَعَ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن عِبادِهِ، وإنَّما قَدَّمَ تِلْكَ الآيَةَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ لَها قُوَّتانِ: القُوَّةُ العالِمَةُ والقُوَّةُ العامِلَةُ، فَكَمالُ القُوَّةِ العالِمَةِ العِلْمُ، ونُقْصانُها الجَهْلُ، وكَمالُ القُوَّةِ العامِلَةِ الأخْلاقُ الحَمِيدَةُ، ونُقْصانُها الأخْلاقُ الذَّمِيمَةُ، وأشَدُّ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ نُقْصانًا البُخْلُ والحَسَدُ؛ لِأنَّهُما مَنشَآنِ لِعَوْدِ المَضارِّ إلى عِبادِ اللَّهِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّما قَدَّمَ وصْفَهم بِالجَهْلِ عَلى وصْفِهِمْ بِالبُخْلِ والحَسَدِ لِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ القُوَّةَ النَّظَرِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ في الشَّرَفِ والرُّتْبَةِ وأصْلٌ لَها، فَكانَ شَرْحُ حالِها يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلى شَرْحِ حالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ.

الثّانِي: أنَّ السَّبَبَ لِحُصُولِ البُخْلِ والحَسَدِ هو الجَهْلُ، والسَّبَبُ مُقَدَّمٌ عَلى المُسَبَّبِ، لا جَرَمَ قَدَّمَ تَعالى ذِكْرَ الجَهْلِ عَلى ذِكْرِ البُخْلِ والحَسَدِ. وإنَّما قُلْنا إنَّ الجَهْلَ سَبَبُ البُخْلِ والحَسَدِ؛ أمّا البُخْلُ فَلِأنَّ بَذْلَ المالِ سَبَبٌ لِطَهارَةِ النَّفْسِ ولِحُصُولِ السَّعادَةِ في الآخِرَةِ، وحَبْسُ المالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ مالِ الدُّنْيا في يَدِهِ، فالبُخْلُ يَدْعُوكَ إلى الدُّنْيا ويَمْنَعُكَ عَنِ الآخِرَةِ، والجُودُ يَدْعُوكَ إلى الآخِرَةِ ويَمْنَعُكَ عَنِ الدُّنْيا، ولا شَكَّ أنَّ تَرْجِيحَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ لا يَكُونُ إلّا مِن مَحْضِ الجَهْلِ. وأمّا الحَسَدُ فَلِأنَّ الإلَهِيَّةَ عِبارَةٌ عَنْ إيصالِ النِّعَمِ والإحْسانِ إلى العَبِيدِ، فَمَن كَرِهَ ذَلِكَ فَكَأنَّهُ أرادَ عَزْلَ الإلَهِ عَنِ الإلَهِيَّةِ، وذَلِكَ

صفحة ١٠٥

مَحْضُ الجَهْلِ. فَثَبَتَ أنَّ السَّبَبَ الأصْلِيَّ لِلْبُخْلِ والحَسَدِ هو الجَهْلُ، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى الجَهْلَ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ البُخْلِ والحَسَدِ؛ لِيَكُونَ المُسَبَّبُ مَذْكُورًا عَقِيبَ السَّبَبِ، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ، وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ”أمْ“ هَهُنا فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ بَعْضُهم: المِيمُ صِلَةٌ، وتَقْدِيرُهُ: ألَهم؛ لِأنَّ حَرْفَ ”أمْ“ إذا لَمْ يَسْبِقْهُ اسْتِفْهامٌ كانَ المِيمُ فِيهِ صِلَةً.

الثّانِي: أنَّ ”أمْ“ هَهُنا مُتَّصِلَةٌ، وقَدْ سَبَقَ هَهُنا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ المَعْنى، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ هَؤُلاءِ المَلْعُونِينَ قَوْلَهم لِلْمُشْرِكِينَ: إنَّهم أهْدى سَبِيلًا مِنَ المُؤْمِنِينَ، عَطَفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: أمِن ذَلِكَ يُتَعَجَّبُ، أمْ مِن قَوْلِهِمْ: لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ، مَعَ أنَّهُ لَوْ كانَ لَهم مُلْكٌ لَبَخِلُوا بِأقَلِّ القَلِيلِ.

الثّالِثُ: أنَّ ”أمْ“ هَهُنا مُنْقَطِعَةٌ وغَيْرُ مُتَّصِلَةٍ بِما قَبْلَها البَتَّةَ، كَأنَّهُ لَمّا تَمَّ الكَلامُ الأوَّلُ قالَ: بَلْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، يَعْنِي لَيْسَ لَهم شَيْءٌ مِنَ المُلْكِ البَتَّةَ، وهَذا الوَجْهُ أصَحُّ الوُجُوهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في هَذا المُلْكِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: اليَهُودُ كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ أوْلى بِالمُلْكِ والنُّبُوَّةِ فَكَيْفَ نَتَّبِعُ العَرَبَ ؟ فَأبْطَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم في هَذِهِ الآيَةِ.

الثّانِي: أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ المُلْكَ يَعُودُ إلَيْهِمْ في آخِرِ الزَّمانِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ اليَهُودِ مَن يُجَدِّدُ مُلْكَهم ودَوْلَتَهم ويَدْعُو إلى دِينِهِمْ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ.

الثّالِثُ: المُرادُ بِالمُلْكِ هَهُنا التَّمْلِيكُ، يَعْنِي أنَّهم إنَّما يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ نُبُوَّتِكَ لَوْ كانَ التَّمْلِيكُ إلَيْهِمْ، ولَوْ كانَ التَّمْلِيكُ إلَيْهِمْ لَبَخِلُوا بِالنَّقِيرِ والقِطْمِيرِ، فَكَيْفَ يَقْدِرُونَ عَلى النَّفْيِ والإثْباتِ. قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: كانُوا أصْحابَ بَساتِينَ وأمْوالٍ، وكانُوا في عِزَّةٍ ومَنَعَةٍ، ثُمَّ كانُوا يَبْخَلُونَ عَلى الفُقَراءِ بِأقَلِّ القَلِيلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ بُخْلَهم كالمانِعِ مِن حُصُولِ المُلْكِ لَهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُلْكَ والبُخْلَ لا يَجْتَمِعانِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ مِن حَيْثُ العَقْلِ أنَّ الِانْقِيادَ لِلْغَيْرِ أمْرٌ مَكْرُوهٌ لِذاتِهِ، والإنْسانُ لا يَتَحَمَّلُ المَكْرُوهَ إلّا إذا وجَدَ في مُقابَلَتِهِ أمْرًا مَطْلُوبًا مَرْغُوبًا فِيهِ، وجِهاتُ الحاجاتِ مُحِيطَةٌ بِالنّاسِ، فَإذا صَدَرَ مِن إنْسانٍ إحْسانٌ إلى غَيْرِهِ صارَتْ رَغْبَةُ المُحْسِنِ إلَيْهِ في ذَلِكَ المالِ سَبَبًا لِصَيْرُورَتِهِ مُنْقادًا مُطِيعًا لَهُ؛ فَلِهَذا قِيلَ: بِالبِرِّ يُسْتَعْبَدُ الحُرُّ، فَإذا لَمْ يُوجَدْ هَذا بَقِيَتِ النَّفْرَةُ الطَّبِيعِيَّةُ عَنْ الِانْقِيادِ لِلْغَيْرِ خالِصًا عَنِ المُعارِضِ، فَلا يَحْصُلُ الِانْقِيادُ البَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ المُلْكَ والبُخْلَ لا يَجْتَمِعانِ، ثُمَّ إنَّ المُلْكَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُلْكٌ عَلى الظَّواهِرِ فَقَطْ، وهَذا هو مُلْكُ المُلُوكِ، ومُلْكٌ عَلى البَواطِنِ فَقَطْ، وهَذا هو مُلْكُ العُلَماءِ، ومُلْكٌ عَلى الظَّواهِرِ والبَواطِنِ مَعًا، وهَذا هو مُلْكُ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. فَإذا كانَ الجُودُ مِن لَوازِمِ المُلْكِ وجَبَ في الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَكُونُوا في غايَةِ الجُودِ والكَرَمِ والرَّحْمَةِ والشَّفَقَةِ، لِيَصِيرَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأخْلاقِ سَبَبًا لِانْقِيادِ الخَلْقِ لَهم، وامْتِثالِهِمْ لِأوامِرِهِمْ. وكَمالُ هَذِهِ الصِّفاتِ حاصِلٌ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - .

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ سِيبَوَيْهِ: ”إذَنْ“ في عَوامِلِ الأفْعالِ بِمَنزِلَةِ ”أظُنُّ“ في عَوامِلِ الأسْماءِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الظَّنَّ إذا وقَعَ في أوَّلِ الكَلامِ نُصِبَ لا غَيْرَ، كَقَوْلِكَ: أظُنُّ زَيْدًا قائِمًا. وإنْ وقَعَ في الوَسَطِ جازَ إلْغاؤُهُ وإعْمالُهُ، كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ أظُنُّ قائِمٌ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: زَيْدًا أظُنُّ قائِمًا، وإنْ تَأخَّرَ فالأحْسَنُ إلْغاؤُهُ، تَقُولُ: زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ ظَنَنْتُ، والسَّبَبُ فِيما ذَكَرْناهُ أنَّ ”ظَنَّ“، وما أشْبَهَهُ مِنَ الأفْعالِ نَحْوَ عَلِمَ وحَسِبَ ضَعِيفَةٌ في العَمَلِ؛ لِأنَّها لا تُؤَثِّرُ

صفحة ١٠٦

فِي مَعْمُولاتِها، فَإذا تَقَدَّمَ دَلَّ التَّقْدِيمُ في الذِّكْرِ عَلى شِدَّةِ العِنايَةِ، فَقَوِيَ عَلى التَّأْثِيرِ، وإذا تَأخَّرَ دَلَّ عَلى عَدَمِ العِنايَةِ فَلَغا، وإنْ تَوَسَّطَ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ في مَحَلِّ العِنايَةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، ولا في مَحَلِّ الإهْمالِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، بَلْ كانَتْ كالمُتَوَسِّطَةِ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، فَلا جَرَمَ كانَ الإعْمالُ والإلْغاءُ جائِزًا.

واعْلَمْ أنَّ الإعْمالَ في حالِ التَّوَسُّطِ أحْسَنُ، والإلْغاءَ حالَ التَّأخُّرِ أحْسَنُ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كَلِمَةُ ”إذَنْ“ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ أيْضًا، فَإنْ تَقَدَّمَتْ نَصَبَتِ الفِعْلَ، تَقُولُ: إذَنْ أُكْرِمَكَ، وإنْ تَوَسَّطَتْ أوْ تَأخَّرَتْ جازَ الإلْغاءُ، تَقُولُ: أنا إذَنْ أُكْرِمُكَ، وأنا أُكْرِمُكَ إذَنْ، فَتُلْغِيهِ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ.

إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ كَلِمَةُ ”إذَنْ“ فِيها مُتَقَدِّمَةٌ وما عَمِلَتْ، فَذَكَرُوا في العُذْرِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ: لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا إذَنْ.

الثّانِي: أنَّها لَمّا وقَعَتْ بَيْنَ الفاءِ والفِعْلِ جازَ أنْ تُقَدَّرَ مُتَوَسِّطَةً، فَتُلْغى كَما تُلْغى إذا تَوَسَّطَتْ أوْ تَأخَّرَتْ، وهَكَذا سَبِيلُها مَعَ الواوِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ﴾ [الإسراء: ٧٦] .

والثّالِثُ: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”فَإذًا لا يُؤْتُوا“ عَلى إعْمالِ ”إذَنْ“ عَمَلَها الَّذِي هو النَّصْبُ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: النَّقِيرُ نُقْرَةٌ في ظَهْرِ النَّواةِ، ومِنها تَنْبُتُ النَّخْلَةُ، وأصْلُهُ أنَّهُ فَعِيلٌ مِنَ النَّقْرِ، ويُقالُ لِلْخَشَبِ الَّذِي يُنْقَرُ فِيهِ: نَقِيرٌ؛ لِأنَّهُ يُنْقَرُ، والنَّقْرُ: ضَرْبُ الحَجَرِ وغَيْرُهُ بِالمِنقارِ، والمِنقارُ حَدِيدَةٌ كالفَأْسِ تُقَطَّعُ بِها الحِجارَةُ، والغَرَضُ أنَّهم يَبْخَلُونَ بِأقَلِّ القَلِيلِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском