Ar-RaziAn‑Nisa · 4:54–57

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:54–57

4:54–55Page 87

أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۖ فَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ ءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَءَاتَيۡنَٰهُم مُّلۡكًا عَظِيمٗا ٥٤

Or do they envy people for what Allāh has given them of His bounty? But We had already given the family of Abraham the Scripture and wisdom1 and conferred upon them a great kingdom.

فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن صَدَّ عَنۡهُۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ٥٥

And some among them believed in it,1 and some among them were averse to it. And sufficient is Hell as a blaze.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أمْ: مُنْقَطِعَةٌ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ يَحْسُدُونَ النّاسَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المُرادِ بِلَفْظِ ”النّاسِ“ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والأكْثَرِينَ أنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ وإنَّما جازَ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِ لَفْظُ الجَمْعِ، وهو واحِدٌ؛ لِأنَّهُ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِن خِصالِ الخَيْرِ ما لا يَحْصُلُ إلّا مُتَفَرِّقًا في الجَمْعِ العَظِيمِ، ومِن هَذا يُقالُ: فُلانٌ أُمَّةٌ وحْدَهُ، أيْ يَقُومُ مَقامَ أُمَّةٍ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠] .

صفحة ١٠٧

والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ هَهُنا هو الرَّسُولُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقالَ مَن ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ: إنَّ لَفْظَ ”النّاسِ“ جَمْعٌ، فَحَمْلُهُ عَلى الجَمْعِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى المُفْرَدِ.

واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما حَسُنَ ذِكْرُ ”النّاسِ“ لِإرادَةِ طائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الخَلْقِ إنَّما هو القِيامُ بِالعُبُودِيَّةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فَلَمّا كانَ القائِمُونَ بِهَذا المَقْصُودِ لَيْسَ إلّا مُحَمَّدًا ﷺ ومَن كانَ عَلى دِينِهِ كانَ وهو وأصْحابُهُ كَأنَّهم كُلُّ النّاسِ؛ فَلِهَذا حَسُنَ إطْلاقُ لَفْظِ النّاسِ وإرادَتِهِمْ عَلى التَّعْيِينِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ الفَضْلِ الَّذِي لِأجْلِهِ صارُوا مَحْسُودِينَ عَلى قَوْلَيْنِ:

فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ هو النُّبُوَّةُ والكَرامَةُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِها في الدِّينِ والدُّنْيا.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم حَسَدُوهُ عَلى أنَّهُ كانَ لَهُ مِنَ الزَّوْجاتِ تِسْعٌ.

واعْلَمْ أنَّ الحَسَدَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ الفَضِيلَةِ، فَكُلَّما كانَتْ فَضِيلَةُ الإنْسانِ أتَمَّ وأكْمَلَ كانَ حَسَدُ الحاسِدِينَ عَلَيْهِ أعْظَمَ، ومَعْلُومٌ أنَّ النُّبُوَّةَ أعْظَمُ المَناصِبِ في الدِّينِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعْطاها لِمُحَمَّدٍ ﷺ وضَمَّ إلَيْها أنَّهُ جَعَلَهُ كُلَّ يَوْمٍ أقْوى دَوْلَةً وأعْظَمَ شَوْكَةً وأكْثَرَ أنْصارًا وأعْوانًا، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ الحَسَدَ العَظِيمَ. فَأمّا كَثْرَةُ النِّساءِ فَهو كالأمْرِ الحَقِيرِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما ذَكَرْناهُ، فَلا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ هَذا الفَضْلِ بِهِ، بَلْ إنْ جُعِلَ الفَضْلُ اسْمًا لِجَمِيعِ ما أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِ دَخَلَ هَذا أيْضًا تَحْتَهُ، فَأمّا عَلى سَبِيلِ القَصْرِ عَلَيْهِ فَبَعِيدٌ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ كَثْرَةَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ صارَتْ سَبَبًا لِحَسَدِ هَؤُلاءِ اليَهُودِ، بَيَّنَ ما يَدْفَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ حَصَلَ في أوْلادِ إبْراهِيمَ جَماعَةٌ كَثِيرُونَ جَمَعُوا بَيْنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ، وأنْتُمْ لا تَتَعَجَّبُونَ مِن ذَلِكَ ولا تَحْسُدُونَهُ، فَلِمَ تَتَعَجَّبُونَ مِن حالِ مُحَمَّدٍ، ولِمَ تَحْسُدُونَهُ ؟

واعْلَمْ أنَّ ”الكِتابَ“ إشارَةٌ إلى ظَواهِرِ الشَّرِيعَةِ، ”والحِكْمَةَ“ إشارَةٌ إلى أسْرارِ الحَقِيقَةِ، وذَلِكَ هو كَمالُ العِلْمِ، وأمّا المُلْكُ العَظِيمُ فَهو كَمالُ القُدْرَةِ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الكَمالاتِ الحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ إلّا العِلْمَ والقُدْرَةَ، فَهَذا الكَلامُ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ آتاهم أقْصى ما يَلِيقُ بِالإنْسانِ مِنَ الكَمالاتِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْتَبْعَدًا فِيهِمْ لا يَكُونُ مُسْتَبْعَدًا في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ .

وقِيلَ: إنَّهم لَمّا اسْتَكْثَرُوا نِساءَهُ قِيلَ لَهم: كَيْفَ اسْتَكْثَرْتُمْ لَهُ التِّسْعَ وقَدْ كانَ لِداوُدَ مِائَةٌ، ولِسُلَيْمانَ ثَلاثُمِائَةٍ بِالمَهْرِ وسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ ؟

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ واخْتَلَفُوا في مَعْنى ”بِهِ“ فَقالَ بَعْضُهم: بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، والمُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ آمَنَ بَعْضُهم وبَقِيَ بَعْضُهم عَلى الكُفْرِ والإنْكارِ. وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والمَعْنى أنَّ أُولَئِكَ الأنْبِياءَ مَعَ ما خَصَصْتُهم بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ جَرَتْ عادَةُ أُمَمِهِمْ فِيهِمْ أنَّ بَعْضَهم آمَنَ بِهِ وبَعْضَهم بَقُوا عَلى الكُفْرِ، فَأنْتَ يا مُحَمَّدُ لا تَتَعَجَّبْ مِمّا عَلَيْهِ هَؤُلاءِ القَوْمُ، فَإنَّ أحْوالَ جَمِيعِ الأُمَمِ مَعَ جَمِيعِ الأنْبِياءِ هَكَذا كانَتْ، وذَلِكَ تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ؛ لِيَكُونَ أشَدَّ صَبْرًا عَلى ما يَنالُ مِن قِبَلِهِمْ.

صفحة ١٠٨

ثُمَّ قالَ: ﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أيْ كَفى بِجَهَنَّمَ في عَذابِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ سَعِيرًا، والسَّعِيرُ: الوَقُودُ، يُقالُ: أوْقَدْتُ النّارَ، وأسْعَرْتُها، بِمَعْنًى واحِدٍ.

4:56Page 87

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَوۡفَ نُصۡلِيهِمۡ نَارٗا كُلَّمَا نَضِجَتۡ جُلُودُهُم بَدَّلۡنَٰهُمۡ جُلُودًا غَيۡرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمٗا ٥٦

Indeed, those who disbelieve in Our verses - We will drive them into a fire. Every time their skins are roasted through, We will replace them with other skins so they may taste the punishment. Indeed, Allāh is ever Exalted in Might and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعْدَما ذَكَرَ الوَعِيدَ بِالطّائِفَةِ الخاصَّةِ مِن أهْلِ الكِتابِ بَيَّنَ ما يَعُمُّ الكافِرِينَ مِنَ الوَعِيدِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: يَدْخُلُ في الآياتِ كُلُّ ما يَدُلُّ عَلى ذاتِ اللَّهِ وأفْعالِهِ وصِفاتِهِ وأسْمائِهِ والمَلائِكَةُ والكُتُبُ والرُّسُلُ، وكُفْرُهم بِالآياتِ لَيْسَ يَكُونُ بِالجَحْدِ، لَكِنْ بِوُجُوهٍ، مِنها أنْ يُنْكِرُوا كَوْنَها آياتٍ، ومِنها أنْ يَغْفُلُوا عَنْها فَلا يَنْظُرُوا فِيها، ومِنها أنْ يُلْقُوا الشُّكُوكَ والشُّبُهاتِ فِيها، ومِنها: أنْ يُنْكِرُوها مَعَ العِلْمِ بِها عَلى سَبِيلِ العِنادِ والحَسَدِ. وأمّا حَدُّ الكُفْرِ وحَقِيقَتُهُ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ سِيبَوَيْهِ: ”سَوْفَ“ كَلِمَةٌ تُذْكَرُ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، يُقالُ: سَوْفَ أفْعَلُ، ويَنُوبُ عَنْها حَرْفُ السِّينِ كَقَوْلِهِ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦] وقَدْ تَرِدُ كَلِمَةُ ”سَوْفَ“ في الوَعْدِ أيْضًا قالَ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] وقالَ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] قِيلَ: أخَّرَهُ إلى وقْتِ السَّحَرِ تَحْقِيقًا لِلدُّعاءِ، وبِالجُمْلَةِ فَكَلِمَةُ ”السِّينِ“ و”سَوْفَ“ مَخْصُوصَتانِ بِالِاسْتِقْبالِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿نُصْلِيهِمْ﴾ أيْ نُدْخِلُهُمُ النّارَ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿نُصْلِيهِمْ﴾ فِيهِ زِيادَةٌ عَلى ذَلِكَ، فَإنَّهُ بِمَنزِلَةِ: شَوَيْتُهُ بِالنّارِ، يُقالُ: شاةٌ مَصْلِيَّةٌ أيْ مَشْوِيَّةٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: لَمّا كانَ تَعالى قادِرًا عَلى إبْقائِهِمْ أحْياءً في النّارِ أبَدَ الآبادِ، فَلِمَ لَمْ يُبْقِ أبْدانَهم في النّارِ مَصُونَةً عَنِ النُّضْجِ والِاحْتِراقِ مَعَ أنَّهُ يُوَصِّلُ إلَيْها الآلامَ الشَّدِيدَةَ، حَتّى لا يَحْتاجَ إلى تَبْدِيلِ جُلُودِهِمْ بِجُلُودٍ أُخْرى ؟

والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، بَلْ نَقُولُ: إنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُوَصِّلَ إلى أبْدانِهِمْ آلامًا عَظِيمَةً مِن غَيْرِ إدْخالِ النّارِ مَعَ أنَّهُ تَعالى أدْخَلَهُمُ النّارَ.

السُّؤالُ الثّانِي: الجُلُودُ العاصِيَةُ إذا احْتَرَقَتْ فَلَوْ خَلَقَ اللَّهُ مَكانَها جُلُودًا أُخْرى وعَذَّبَها كانَ هَذا تَعْذِيبًا لِمَن لَمْ يَعْصِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ.

والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنْ يُجْعَلَ النُّضْجُ غَيْرُ النَّضِيجِ، فالذّاتُ واحِدَةٌ والمُتَبَدِّلِ هو الصِّفَةُ،

صفحة ١٠٩

فَإذا كانَتِ الذّاتُ واحِدَةً كانَ العَذابُ لَمْ يَصِلْ إلّا إلى العاصِي، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ المُرادُ بِالغَيْرِيَّةِ التَّغايُرُ في الصِّفَةِ.

الثّانِي: المُعَذَّبُ هو الإنْسانُ، وذَلِكَ الجِلْدُ ما كانَ جُزْءًا مِن ماهِيَّةِ الإنْسانِ، بَلْ كانَ كالشَّيْءِ المُلْتَصِقِ بِهِ الزّائِدِ عَلى ذاتِهِ، فَإذا جَدَّدَ اللَّهُ الجِلْدَ وصارَ ذَلِكَ الجِلْدُ الجَدِيدُ سَبَبًا لِوُصُولِ العَذابِ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَعْذِيبًا إلّا لِلْعاصِي.

الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالجُلُودِ السَّرابِيلُ، قالَ تَعالى: ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] فَتَجْدِيدُ الجُلُودِ إنَّما هو تَجْدِيدُ السَّرابِيلاتِ. طَعَنَ القاضِي فِيهِ، فَقالَ: إنَّهُ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، وأيْضًا السَّرابِيلُ مِنَ القَطِرانِ لا تُوصَفُ بِالنُّضْجِ، وإنَّما تُوصَفُ بِالِاحْتِراقِ.

الرّابِعُ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: هَذا اسْتِعارَةٌ عَنِ الدَّوامِ وعَدَمِ الِانْقِطاعِ، كَما يُقالُ لِمَن يُرادُ وصْفُهُ بِالدَّوامِ: كُلَّما انْتَهى فَقَدِ ابْتَدَأ، وكُلَّما وصَلَ إلى آخِرِهِ فَقَدِ ابْتَدَأ مِن أوَّلِهِ، فَكَذا قَوْلُهُ: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ يَعْنِي كُلَّما ظَنُّوا أنَّهم نَضِجُوا واحْتَرَقُوا وانْتَهَوْا إلى الهَلاكِ أعْطَيْناهم قُوَّةً جَدِيدَةً مِنَ الحَياةِ بِحَيْثُ ظَنُّوا أنَّهُمُ الآنَ حَدَثُوا ووُجِدُوا، فَيَكُونُ المَقْصُودُ بَيانَ دَوامِ العَذابِ وعَدَمِ انْقِطاعِهِ.

الخامِسُ: قالَ السُّدِّيُّ: إنَّهُ تَعالى يُبَدِّلُ الجُلُودَ مِن لَحْمِ الكافِرِ فَيُخْرِجُ مِن لَحْمِهِ جِلْدًا آخَرَ، وهَذا بِعِيدٌ؛ لِأنَّ لَحْمَهُ مُتَناهٍ، فَلا بُدَّ وأنْ يَنْفَدَ، وعِنْدَ نَفادِ لَحْمِهِ لا بُدَّ مِن طَرِيقٍ آخَرَ في تَبْدِيلِ الجِلْدِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الطَّرِيقُ مَذْكُورًا أوَّلًا، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ أيْ لِيَدُومَ لَهم ذَوْقُهُ ولا يَنْقَطِعَ، كَقَوْلِكَ لِلْمَعْزُوزِ: أعَزَّكَ اللَّهُ، أيْ أدامَكَ عَلى العِزِّ وزادَكَ فِيهِ. وأيْضًا المُرادُ: لِيَذُوقُوا بِهَذِهِ الحالَةِ الجَدِيدَةِ العَذابَ، وإلّا فَهم ذائِقُونَ مُسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ.

السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ إنَّما يُقالُ: فُلانٌ ذاقَ العَذابَ، إذا أدْرَكَ شَيْئًا قَلِيلًا مِنهُ، واللَّهُ تَعالى قَدْ وصَفَ أنَّهم كانُوا في أشَدِّ العَذابِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ أنْ يَذْكُرَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهم ذاقُوا العَذابَ ؟

والجَوابُ: المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ الذَّوْقِ الإخْبارُ بِأنَّ إحْساسَهم بِذَلِكَ العَذابِ في كُلِّ حالٍ يَكُونُ كَإحْساسِ الذّائِقِ المَذُوقَ، مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَدْخُلُ فِيهِ نُقْصانٌ ولا زَوالٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاحْتِراقِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ والمُرادُ مِنَ العَزِيزِ: القادِرُ الغالِبُ، ومِنَ الحَكِيمِ: الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا الصَّوابَ، وذِكْرُهُما في هَذا المَوْضِعِ في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّهُ يَقَعُ في القَلْبِ تَعَجُّبٌ مِن أنَّهُ كَيْفَ يُمْكِنُ بَقاءُ الإنْسانِ في النّارِ الشَّدِيدَةِ أبَدَ الآبادِ ! فَقِيلَ: هَذا لَيْسَ بِعَجِيبٍ مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ القادِرُ الغالِبُ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، يَقْدِرُ عَلى إزالَةِ طَبِيعَةِ النّارِ، ويَقَعُ في القَلْبِ أنَّهُ كَرِيمٌ رَحِيمٌ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِرَحْمَتِهِ تَعْذِيبُ هَذا الشَّخْصِ الضَّعِيفِ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ ؟ فَقِيلَ: كَما أنَّهُ رَحِيمٌ فَهو أيْضًا حَكِيمٌ، والحِكْمَةُ تَقْتَضِي ذَلِكَ. فَإنَّ نِظامَ العالَمِ لا يَبْقى إلّا بِتَهْدِيدِ العُصاةِ، والتَّهْدِيدُ الصّادِرُ مِنهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَقْرُونًا بِالتَّحْقِيقِ صَوْنًا لِكَلامِهِ عَنِ الكَذِبِ، فَثَبَتَ أنَّ ذِكْرَ هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ هَهُنا في غايَةِ الحُسْنِ.

4:57Page 87

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ لَّهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَنُدۡخِلُهُمۡ ظِلّٗا ظَلِيلًا ٥٧

But those who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide forever. For them therein are purified spouses, and We will admit them to deepening shade.

صفحة ١١٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ونُدْخِلُهم ظِلًّا ظَلِيلًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ قَدْ جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى في هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ بِأنَّ الوَعْدَ والوَعِيدَ يَتَلازَمانِ في الذِّكْرِ عَلى سَبِيلِ الأغْلَبِ، وفي الآيَةِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الإيمانَ غَيْرُ العَمَلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَطَفَ العَمَلَ عَلى الإيمانِ، والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. قالَ القاضِي: مَتى ذُكِرَ لَفْظُ الإيمانِ وحْدَهُ دَخَلَ فِيهِ العَمَلُ، ومَتى ذُكِرَ مَعَهُ العَمَلُ كانَ الإيمانُ هو التَّصْدِيقُ، وهَذا بِعِيدٌ؛ لِأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الِاشْتِراكِ وعَدَمُ التَّغْيِيرِ، ولَوْلا أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ لَخَرَجَ القُرْآنُ عَنْ كَوْنِهِ مُفِيدًا. فَلَعَلَّ هَذِهِ الألْفاظَ الَّتِي نَسْمَعُها في القُرْآنِ يَكُونُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها مَعْنًى سِوى ما نَعْلَمُهُ، ويَكُونُ مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِنهُ ذَلِكَ المَعْنى، لا هَذا الَّذِي تَبادَرَتْ أفْهامُنا إلَيْهِ. هَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّ احْتِمالَ الِاشْتِراكِ والإفْرادِ عَلى السَّوِيَّةِ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ احْتِمالَ البَقاءِ عَلى الأصْلِ واحْتِمالَ التَّغْيِيرِ مُتَساوِيانِ فَلا؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الألْفاظُ كانَتْ في زَمانِ الرَّسُولِ ﷺ مَوْضُوعَةً لِمَعْنًى آخَرَ غَيْرِ ما نَفْهَمُهُ الآنَ، ثُمَّ تَغَيَّرَتْ إلى هَذا الَّذِي نَفْهَمُهُ الآنَ. فَثَبَتَ أنَّ عَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ يَخْرُجُ القُرْآنُ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً، وإذا ثَبَتَ أنَّ الِاشْتِراكَ والتَّغْيِيرَ خِلافَ الأصْلِ انْدَفَعَ كَلامُ القاضِي.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في شَرْحِ ثَوابِ المُطِيعِينَ أُمُورًا:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى يُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ تَجْرِي مِن تَحْتِها مِياهُ الأنْهارِ، واعْلَمْ أنَّهُ إنْ جُعِلَ النَّهْرُ اسْمًا لِمَكانِ الماءِ كانَ الأمْرُ مِثْلَ ما قالَهُ الزَّجّاجُ، أمّا إنْ جَعَلْناهُ في المُتَعارَفِ اسْمًا لِذَلِكَ الماءِ فَلا حاجَةَ إلى هَذا الإضْمارِ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى وصَفَها بِالخُلُودِ والتَّأْبِيدِ، وفِيهِ رَدٌّ عَلى جَهْمِ بْنِ صَفْوانَ حَيْثُ يَقُولُ: إنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ وعَذابَ النّارِ يَنْقَطِعانِ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مَعَ الخُلُودِ التَّأْبِيدَ، ولَوْ كانَ الخُلُودُ عِبارَةً عَنِ التَّأْبِيدِ لَزِمَ التَّكْرارُ وهو غَيْرُ جائِزٍ، فَدَلَّ هَذا أنَّ الخُلُودَ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ التَّأْبِيدِ، بَلْ هو عِبارَةٌ عَنْ طُولِ المُكْثِ مِن غَيْرِ بَيانِ أنَّهُ مُنْقَطِعٌ أوْ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، وإذا ثَبَتَ هَذا الأصْلُ فَعِنْدَ هَذا يَبْطُلُ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها﴾ [النساء: ٩٣] عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ يَبْقى في النّارِ عَلى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ؛ لِأنّا بَيَّنّا بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الخُلُودَ لِطُولِ المُكْثِ لا لِلتَّأْبِيدِ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ والمُرادُ طَهارَتُهُنَّ مِنَ الحَيْضِ والنِّفاسِ وجَمِيعِ أقْذارِ الدُّنْيا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ولَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وهم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥] واللَّطائِفُ اللّائِقَةُ بِهَذا المَوْضِعِ قَدْ ذَكَرْناها في تِلْكَ الآيَةِ.

ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ونُدْخِلُهم ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ قالَ الواحِدِيُّ: الظَّلِيلُ لَيْسَ يُنْبِئُ عَنِ الفِعْلِ حَتّى يُقالَ: إنَّهُ بِمَعْنى فاعِلٍ أوْ مَفْعُولٍ، بَلْ هو مُبالَغَةٌ في نَعْتِ الظِّلِّ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ: لَيْلٌ ألْيَلُ.

واعْلَمْ أنَّ بِلادَ العَرَبِ كانَتْ في غايَةِ الحَرارَةِ، فَكانَ الظِّلُّ عِنْدَهم أعْظَمَ أسْبابِ الرّاحَةِ؛ ولِهَذا المَعْنى جَعَلُوهُ كِنايَةً عَنِ الرّاحَةِ. قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ السَّلامُ -: ”«السُّلْطانُ ظِلُّ اللَّهِ في الأرْضِ» “ فَإذا كانَ الظِّلُّ عِبارَةً عَنِ الرّاحَةِ كانَ الظَّلِيلُ كِنايَةً عَنِ المُبالَغَةِ العَظِيمَةِ في الرّاحَةِ، هَذا ما يَمِيلُ إلَيْهِ خاطِرِي، وبِهَذا الطَّرِيقِ يَنْدَفِعُ سُؤالُ مَن يَقُولُ: إذا لَمْ يَكُنْ في الجَنَّةِ شَمْسٌ تُؤْذِي بِحَرِّها، فَما فائِدَةُ وصْفِها بِالظِّلِّ الظَّلِيلِ. وأيْضًا نَرى في الدُّنْيا أنَّ المَواضِعَ الَّتِي يَدُومُ الظِّلُّ فِيها ولا يَصِلُ نُورُ الشَّمْسِ إلَيْها يَكُونُ هَواؤُها عَفِنًا فاسِدًا مُؤْذِيًا، فَما مَعْنى وصْفُ هَواءِ الجَنَّةِ بِذَلِكَ لِأنَّ عَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي لَخَّصْناهُ تَنْدَفِعُ هَذِهِ الشُّبُهاتُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском